عن الخوف والاختلاف لدى الكويريين الفلسطينيين

2020-10-10 00:00:00

عن الخوف والاختلاف لدى الكويريين الفلسطينيين
Jean-Michel Basquiat - Self-Portrait - 1982 - Acrylic and oilstick on linen - 193 x 239 cm

أذكر أن علم فلسطين وعلم الكوير قد حُملا في مظاهرة "صرخة كويريّة للحريّة" والتي جرت في نهاية شهر تمّوز 2020، وقد تساءل كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي: "شو خص علم فلسطين؟"

ما هي الأوجه المختلفة لنظرة الكوير لأنفسهم على أنهم فئة أو مجتمع بحد ذاته، سواء كانت من خلال الأفراد أو عمل المؤسسات؟ وكيف يؤثّر ذلك على نظرة المجتمع الفلسطيني لهم وعلى تعامله معهم، والذي يعتبرهم أساسًا مختلفين (بنبرةٍ سلبية) وينبذهم في أحيانٍ كثيرة؟ 

ما هو دور سلّم الأولويات على مستوى الطرح ثمّ الفعل، والذي بموجبه يتوزّع النضال الفلسطيني على درجات، والتي بحسبها تتجزّأ القضية لتصبح قضايا، منها المُلحّ فالمهمّ فالأقل أهمية فغير المهمّ، وتحوي في طيّاتها مقارنات بين أهل المجتمع الواحد وفقًا لقوالب وتسميات يعتبرها المعظم مُنزلة ولا حاجة لتفكيكها، وكيف يؤثر كل هذا على الفرد الفلسطيني الكوير؟

ما المشكلة في وجود نضال جامع، وهل يتطلّب هذا مجهودًا إضافيًّا؟ ثم، لماذا هنالك تساهلٌ مع فكرة وحدوث قمع "الأفراد الضعفاء لأفرادٍ ضعفاء مثلهم"؟ هل العدد هو ما يُكسب المجموعة قوةً؟ أم المرئية والظهور؟ أم هي الفكرة؟ 

أسئلةٌ كثيرةٌ تشغلني فيما يخصّ موضوع الكويريّة في فلسطين، وفي هذا المقال لن أحاول الإجابة على هذه الأسئلة، لأنني لا أملكها، ثمّ أن هذا مقالٌ غيرُ ناقدٍ، بل هو مجرّد مساحة لطرح الأفكار وتفكيكها لمحاولة فهمها، حيث أنّ معظمها يدور داخل دوامةٍ من الطبقات والجوانب التي لا يمكن فصلها والنظر إليها بتجرّدٍ في السياق الفلسطيني، كما وأنني سأحاول التركيز على هذه الأفكار من خلال ثنائياتٍ، قد تُسهّل التّواصل معها. 

في السياق الفلسطيني، لا يمكننا الحديث عن الكويرية دون التطرّق إلى السياق الاستعماري والرأسمالي، ومن غير الصحّي أن نتحدّث عن المجتمع الفلسطيني وكأنه بقعةٌ في اللاشيء، وكأن ما يحيط به لا يؤثّر على موازين القوى في داخله، ولو اختلفنا معها. فما يميّز وضع الكوير في فلسطين عن باقي الأماكن هو وجود الاحتلال، إذ أنّه، وبرأيي، حقيقة وجود الكوير ليست مشروطة بمدى ظهورهم بشكل مرئي ككوير، إنّما كفلسطينيين وفلسطينيات.

ثنائية الخوف والأمان

في واقعٍ تسوده موازين القوى المختلفة، والتي على ما يبدو أنّها تتشكّل وفقًا للعدد، لا لأي اعتبارٍ آخر، أيّ أنّ أيّ مجموعةٍ تشكّل الأكثريّة في أي سياقٍ كان تكتسبُ بشكلٍ تلقائي القوة والسيطرة وتتمتع بصلاحية ممارسة القمع، يتكوّن شعورٌ بالخوف لدى المجموعة التي تقلّ عن غيرها عددًا، فمثلًا، الفلسطينيون الذين يشكّلون الأقلية في الداخل المحتلّ لا يتمتّعون بأيّة قوةٍ تُذكر أمام دولة الاحتلال ومؤسساتها، يدفعهم هذا الحال إلى التعامل مع أنفسهم على أنهم أقلية خائفة، والتي تحتاج إلى التماسك داخليًا، حيث يُترجم هذا بقيمة الأمان، التي بدورها تتمثّل بالتواصل الطبيعي بين الفلسطينيين كأهلٍ لمجتمعٍ واحد، ولكن أيضًا من خلال المؤسسات التي يُقيمُها بعض الأفراد والمجموعات والتي تُعنى باحتياجاتٍ مختلفة ومتنوعة، سياسية كانت أم اجتماعية أو حتى ثقافية. تشكّل هذه المساحات دوائر آمنة يتشارك فيها الفلسطينيون اهتماماتهم واحتياجاتهم بعيدًا، ولكن بشكلٍ غير منفصلٍ عن المحيط الأكبر. 

هذا يسري، وبشكلٍ طبيعي، على المجموعات المختلفة في داخل المجتمع الفلسطيني، لأنه، وللأسف، حينما تصبح العدسة موجّهة نحو المجتمع على أنه العيّنة الكبيرة، نلاحظ قمع مجموعاتٍ معيّنة، والتي تُعتبر في هذه الحالة الأكثرية، لمجموعاتٍ أخرى مختلفة عنها وتقلّ عنها عددًا. فمثلًا، قد يمارس بعض الأفراد أو المجموعات التي تتمتع بالقوة دون أي اعتبارٍ عادل، العنف على أشكاله ضدّ الكوير في المجتمع فقط لأنهم مختلفون، فيولّد هذا خوفًا كبيرًا من الآخر المختلف، ليلجأ الكوير بدورهم إلى تكوين دوائر آمنة مكوّنة من أفرادٍ أو مؤسسات، لخلق مساحة يستطيعون من خلالها مشاركة اهتماماتهم واحتياجاتهم. لكنّ في هذه الحالة يكون القهر مضاعفًا، إذ أن المجتمع الفلسطيني الأوسع يصبح بالنسبة للكوير موحشًا، والمحيط الأكبر المتمثّل بالاحتلال يُعتبر الوحش أصلًا، في الوقت الذي يمكن أن يكون المجتمع الفلسطيني الأوسع هو الحضن الدافئ. 

ثنائية الاختلاف والتواجد الطبيعي

معنى كوير (Queer) بحسب ويكي الجندر: كوير (أيضاً: أحرار الجنس وخوارج وأشخاص ذوي الهويات الجندرية والجنسية غير النمطية) هو مصطلح يشير إلى الأقليات الجنسية والجندرية المختلفة غير المغايرة الجنسية. يعني هذا اللفظ في الأصل كل ما هو"غريب" أو "مختلف". في أواخر القرن التاسع عشر، استخدمت لفظة كوير لذم وسب مثليي الجنس وذوي الميول الجنسية المختلفة، إلا أنها استخدمت بعد ذلك للتعبير عن كل ما هو خارج عن المألوف والمهيمن. كما ظهر لقب كوير كبديل راديكالي للمختلفين جنسيًا، كجزء من المشروع السياسي الغربي، ويكثر استخدامه عالميًا الآن. في الوقت الحالي، يُعد استخدام لفظة "كوير" من أصحاب الميول الجنسية المختلفة جزءًا من عملية استرداد واسترجاع قوة هذه اللفظة من أنظمة القهر، على عكس ما كان يحدث في الماضي حينما كانت تستخدم لذم أو سب لأصحاب الميول الجنسية المختلفة.

بالرغم من أن كوير تعني المختلف، بيد أنّها قد تشكّل أزمة في مجتمع لا يتقبّل الاختلافات. بالطبع لا أقصد القضاء على الاختلافات، إذ أنها القاعدة الأساسية لوجود نسيجٍ مجتمعي صحيّ. لكن النظرة إلى المختلف في حالة الكوير، تتعدى صحة وجوب الاختلاف، وتدّعي عدم طبيعية وجود الأشخاص الكوير، وكأنّهم حطّوا من مركبةٍ فضائية.  

تتمثّل هذه النظرة تجاه الكوير في الحياة اليومية التي لا تخلو من العنف الكلامي والجسدي حدّ القتل أحيانًا، لكنّنا قد نصادفها أيضًا في سياقٍ نضاليّ، حيث أنّه ما دام الأشخاص الكوير منخرطون في النضال الأساسي للفلسطينيين، والذي بموجب سلّم الأولويات يُعتبر أساسيًا، دون أن يُظهروا أنفسهم على أنهم كوير (حمل العلم مثلا)، فبالتالي وجودهم مقبول، أمّا إذا ما ظهروا أكثر، فقد يستدعي هذا المشهدُ استغرابًا، أو حتى عدم تقبّلٍ من ذات الأشخاص الموجودين في مظاهرةٍ من أجل العدالة.   

أذكر أن علم فلسطين وعلم الكوير قد حُملا في مظاهرة "صرخة كويريّة للحريّة" والتي جرت في نهاية شهر تمّوز 2020، وقد تساءل كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي: "شو خص علم فلسطين؟"

يأخذني هذا إلى واقعنا المليء بالقوالب والتسميات كشهيدٍ وأسيرٍ ومثليّ وشاذّ، التي نكرّر ذكرها دون أي تفكيك، والتي قد تُغرق أحدهم بالاحترام، وآخر بالذّم. ثمّ أنه ما هو الحال إن تشابكت التسميات؟ فماذا يحدث إن كان الشهيدُ مثليًا؟ أو الأسيرةُ مثليّةً؟ أي تعريف يفوز على الآخر؟ وما المشكلة فعليًّا في نضالٍ جامعٍ للاختلافات؟ ما هو المجهود الإضافيّ الذي قد يعثّر طريقنا في الوصول إلى واقع أكثر رحمةً وأقلّ قهرًا؟ ولم يكرّم الوطنُ أمواته ولا يلتفت إلى أحيائه المختلفين؟