المحطّة الأخيرة

2020-12-01 13:00:00

المحطّة الأخيرة
The NIght Train، David Cox

أيمن حسونة

كاتب من فلسطين/الأردن

حقائبنا تحكي الذي نخبئه من قصصنا، ويمسّنا وجع سرّي حينَ نرى عمّال الموانئ المختلفة يتعاملونَ معها بصفةٍ وظيفية، نتفقدُ عجلاتها كأنها طفلنا الذي تعلم المشي حديثًا، وفي تلك اللحظة التي نعودُ فيها من محطّةٍ ما، نتحسسُ زمامها لنتأكد أن اليدَ التي رتّبت قصصنا التي رغبنا في توريثها، لم يمسسها شيء.

لعلَّ كل ما على هذه الأرض، فيلمٌ وثائقي أخرجه هاوٍ على عجل، وتركَ السطرَ الأخير فيه ليكتبه من يجدُ القلم في نهايةِ الأمر. 

نحنُ صياغةَ القوى الكُبرى، وشيءٌ ما أكبر مما نحيطُ به، تَشَربنا قَصصًا خيالية وآمنّا بها، فاتخذناها سبيلًا لنجاةٍ موعودة لم يُثبتها أحد.

قَضينا ما استحقَ لنا من حياةٍ مُعلقين بينَ ما نحلمُ به، وما نستطيعه، هواء ساخنٌ يستمرُ لشتاء آخر، ليسَ إلاّ.

نحنُ، ببساطة، عاملو النظافة، غُبارٌ متراكمٌ على رف قديم سهلُ الإزالة، يصحبنا الفراغُ إلى مُنتهانا، فنصيرُ ذرّةً أخرى فوقَ أخرى، نحاولُ ما استطعنا أن نَصغُرَ لنحقق أمنيةً واحدة، فنذوبُ في الفكرة، ونذبل.

بواقي القهوة في فناجيننا الكثيرة ستشتمنا، تركنا فيها ما لم نستطع قوله أمام أيٍّ كان، جُمَلٌ قصيرة وسريعة، تُريحُ فينا ما استنزفه باعو الاشارات، وعِنادُ تاجرٌ حديث، وسوءُ تغطية الإنترنت في الغرفة البعيدة، والنوم الذي تركناه وحيدًا  على السرير. 

لم نتعّظ بكل من أُرسل من الأنبياء لأننا آمنّا بحقّنا في المناقشة، فبتنا نعيشُ في الزوايا التي لم يلتفت إليها أحد. ظلامٌ احببناه واحتوانا، واللغةُ التي قرأنا فيها السماء كانت عصيّة على الآخرين، فأكلنا الحُصرمَ كأنه الكُمَّثرى، ولم نعترض.

*

كم منّا كتب وصيّته؟ كم منّا رَغبَ في تغييرها حينَ كان في رحلتهِ الأخيرة؟

التابوتُ لوحتنا النهائية، صمتهُ سرّنا الذي نحمله، وكلُّ هذه الأصوات التي ترافقه فقاعاتٌ مؤقتة، ستخذلنا إن هبَّ هواء عارض محملٌ بالتراب، سنصيرُ عابرينَ في جُملةٍ تلعنُ الطقس، وارتباطُ الغوامقُ في التقاطِ الغبار. 

سنصيرُ ذاكرةَ عمّال المقابر، ومزاجُ الريح في تشكيل الاسمنتِ فوقَ أجسادنا الطريّة. 

رقمٌ في سجلات الدولة، موعدٌ في مفكرةِ الأصدقاء، واجبٌ لا بدَّ منه في حياةِ مُعظمٍ من حَضر، وستنحدرُ رسائلنا الذكية إلى قاعَ نافذةَ المحادثات يومًا بعد يوم منتظرينَ مرورَ ما يكفي ليسهلَ على الجميع حذفُ رقمَ هاتفنا، وصوتنا.

على هذا العالم أن يبتكر طريقةً جديدة لنشاهد ما الذي سيحدث خلال الدقائق الأولى بعد أن يذهبَ الجميع، فلنا الحق أن نُعيد النظر – حينها – بكلّ شيء.

**

لم أصادف أي قطارٍ يأبهُ بمن يصعدُ وينزل في المحطات على الطريق، لكن السكك جميعها كانت تكحتَ الفولاذ بالفولاذِ لأجلِ الوصولِ إلى المحطةِ الأخيرة، لا لشيء، بل لتلفظ كل الأحلام التي تنفسها ركاب العربات فأثقلت حمله، وبطأته. 

حقائبنا تحكي الذي نخبئه من قصصنا، ويمسّنا وجع سرّي حينَ نرى عمّال الموانئ المختلفة يتعاملونَ معها بصفةٍ وظيفية، نتفقدُ عجلاتها كأنها طفلنا الذي تعلم المشي حديثًا، وفي تلك اللحظة التي نعودُ فيها من محطّةٍ ما، نتحسسُ زمامها لنتأكد أن اليدَ التي رتّبت قصصنا التي رغبنا في توريثها، لم يمسسها شيء.

صافراتٌ كثيرة حَرفتنا عمّا نُريد، من أعطاهم تلك السُلطة؟ نركضُ باتجاه حدسنا فتوقفنا الجدران، وأحاديثٌ أخرى تُجمّدُ الدم في عروقنا ولا يستطيعُ معها طبيبٌ ولا ساحر، تنقطعُ الدورة الدموية فجأة، هكذا، ببساطةِ سقوطِ كوزِ البوظة على الأرض من شمسِ نيسان.

سوء تفاهم بسيط مابينَ الدمِ والشرايين كفيلٌ بأن يقضي علينا، ولن يهتم بما يحمله خيالنا من حياةٍ نُريدها، ولا تُريدنا. 

***

ككذبةِ الوصولِ إلى المحطة الأخيرة، وككعوب تذاكر المتاحف وبطاقات الصعود إلى الطائرة، مثل تعليمات السلامة في الطائرات تستعيدها الذاكرةُ القريبة، فقط.

وما أن تقتضي اللحظة ممارسةَ كلَّ المشاعرَ الحقيقية، سَتُنسى..

كما لو لم يُعلمُنا بها أحد،

وكأنه.. لم يَسمع بنا أحد.