مهدي عامل (مقدّمة لمختارات «الماركسية العربية والتحرر الوطني»)

2021-01-03 13:00:00

مهدي عامل (مقدّمة لمختارات «الماركسية العربية والتحرر الوطني»)

أما ثاني أبرز أعضاء الحزب الشيوعي المنحدرين من جنوب لبنان فكان حسن حمدان. وإذ ترعرع في بيئة شيوعية، لم يكن حسن حمدان أقل ارتباطاً بجذوره المحلية، وهذا ما يشير إليه اختياره لاسمه المستعار، حيث يدلّ اسم "عامل" على مسقط رأسه في جبل عامل الواقع في جنوب لبنان،

ترجمة: رهام درويش

النص التالي هو ترجمة لـ مقدمة جلبير الأشقر لكتاب مختارات مهدي عامل باللغة الإنكليزية الذي صدر قبل أيام بعنوان الماركسية العربية والتحرر الوطني عن دار بريل الأكاديمية في سلسلة "المادية التاريخية" (الطبعة الحالية للمكتبات، على أن يصدر الكتاب في العام القادم بغلاف ورقي). وقد حرّر الكتاب وكتب مقدمته هشام صفيّ الدين، ونقلت النصوص من العربية إلى الإنكليزية أنجيلا جيورداني.

المقدمة

إذا طلبت من أي مطّلع على الماركسية في العالم العربي ذكر اسم مفكر عربي ماركسي بارز، ستتضمن الإجابة في الغالب، باحتمال ثمانية أو تسعة من عشر مرات، أحد الاسمين التاليين: سمير أمين أو مهدي عامل. وإذا قلّصت سؤالك ليكون عن كُتّابٍ ماركسيين كتبوا معظم أعمالهم باللغة العربية، فسيكون مهدي عامل الإجابة الأولى على الأرجح وباحتمالات مماثلة. وقد كان مهدي عامل، وهو الاسم المستعار لحسن حمدان، أحد أولئك المفكرين الذين رأوا أن النظرية الثورية لا يمكن فصلها عن الممارسة الثورية، والذين لم يردعهم خطر التعرض للقتل عن التزامهم الفعلي بقناعاتهم السياسية.

إن الاغتيال على يد مجرمي التيارات الرجعية هو طبعاً بمثابة أعلى أوسمة الشرف لدى من تعرّض له من رموز الحركة العمّالية أمثال جان جوريس وروزا لوكسمبورغ. بيد أن صدى كل اغتيال متناسب بالطبع ومقدار الشهرة التي نالها من ذهب ضحيته قبل وقوع الجريمة. فقبل وقت طويل من مقتله عن واحد وخمسين عاماً في الثامن عشر من مايو/أيار عام 1987، وقف مهدي عامل رمزاً شامخاً في مجال الفكر العربي وخصوصاً الماركسي منه. فقد أصبح أشهر مفكري الحزب الشيوعي اللبناني في زمن نهضته التي انطلقت عام 1968، بعد سنوات من الأفول والتحنّط. وخلال الخمسة عشر عاماً اللاحقة التي شملت النصف الأول من سنوات الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة (1975-1990) حتى الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 – وهي سنوات لعب فيها الحزب دوراً بالغ الأهمية في القتال ضد تدخل القوات السورية لإنقاذ اليمين اللبناني في عام 1976، كما في القتال ضد الاجتياحات الإسرائيلية في عامي 1978 و1982 – وصل عدد أعضاء الحزب الشيوعي اللبناني إلى ذروة، وقُدّرت عضويته بخمسة عشر ألفاً في بلد قارب عدد سكانه آنذاك الأربعة ملايين.

فبعد تخلصه من قيوده الستالينية، تحوّل الحزب الشيوعي اللبناني بدءاً من عام 1968 إلى أحد أكثر الأحزاب انفتاحاً وحيوية بين الأحزاب الشيوعية وثيقة الصلة بالاتحاد السوفييتي، وهو ما مكّنه من اكتساب دينامية اجتماعية وسياسة جديدة، والانخراط في الصراع الإقليمي الذي كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد تصدّرته بعد حرب يونيو/حزيران 1967 العربية-الإسرائيلية. وقد لعب الحزب الشيوعي اللبناني دوراً مفصلياً في الحركة الوطنية اللبنانية، التي شكلت بدورها طرفاً أساسياً خلال أولى سنوات الحرب الأهلية متحالفة مع منظمة التحرير. وبعد الاجتياح العسكري الإسرائيلي لنصف لبنان عام 1982، كان الحزب أول من شنّ ونظّم المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

هذا وبدءاً من عام 1973 عندما صدر أول أعماله الكبرى، أصبح مهدي عامل نجم الحزب الشيوعي اللبناني الفكري في مرحلة الذروة. فبإحيائه تقاليد الماركسية الثورية التي طالما كانت مقيّدة بالماركسية السوفييتية المحنّطة، تناسب فكره الماركسي الطريف والخلّاق مع نهضة الحزب وشكّل أسطع مثال على تعدديته الفكرية الجديدة. بيد أنّ أفكار مهدي عامل ظلّت على العموم أكثر جذرية من النهج الحزبي الرسمي، ولم يُنتخب إلى عضوية لجنته المركزية سوى قبل وفاته بوقت قصير.

شكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 نقطة تحول مصيري في تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني. وفي حين كانت الحركة الفلسطينية هدفَ الاحتلال الرئيسي، كان الحزب هدفه اللبناني الأبرز. ففي جميع المناطق التي وقعت تحت سيطرتها، بحثت قوات الاحتلال الإسرائيلي عن مكاتب الحزب وصادرت أسلحته، كما حاولت اعتقال أعضائه البارزين. أما النتيجة الأخرى التي نجمت عن الاجتياح والتي سوف تؤثر تأثيراً كبيراً على الحزب، فهي ظهور تيار ديني شيعي مدعوم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما أدّى إلى الإعلان الرسمي عن إنشاء حزب الله في عام 1985.

نظّم حزب الله مقاومة إسلامية نافست جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي كان الشيوعيون قد أسسوها. وسعى إلى احتكار المقاومة بالقوة وإضفاء هوية طائفية شيعية عليها بغية توسيع هيمنته على الجماهير الشيعية اللبنانية. وقد كان لحزب الله منافسان رئيسيان في هذا الصدد، الأول شكّلته حركة طائفية شيعية أخرى هي حركة أمل، كانت الحاضنة الأصلية التي انشقت عنها نواة حزب الله التأسيسية. وقد انتهى الأمر إلى تسوية بين الطرفين تحت رعاية النظام السوري، الوصي الأساسي على حركة أمل. وكان الحزب الشيوعي اللبناني المنافس الثاني، وقد كانت له قاعدة واسعة بين شيعة جنوب لبنان الذين شكّلوا نسبة هامة من عضويته.

أما وجها الحزب الشيوعي الأكثر شهرة والأعلى مكانة بين أعضائه المنحدرين من الجنوب اللبناني، فقد كان كلاهما معروفاً كمفكر أكثر منه كقائد حزبي. أولهما حسين مروة المولود عام 1910 بحسب الوثائق الرسمية، والذي أرسلته أسرته إلى مدينة النجف العراقية لدراسة العلوم الإسلامية وهو لا يزال في سن المراهقة. وستمكنه هذه الخلفية الدينية بعد عقود من نشر دراسة ضخمة عن التيارات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية صدرت عام 1978، وهي دراسة لم تتم ترجمتها بعد إلى أي من اللغات الأوروبية. وقد جرى اغتيال حسين مروة في السابع عشر من فبراير/شباط عام 1987.

أما ثاني أبرز أعضاء الحزب الشيوعي المنحدرين من جنوب لبنان فكان حسن حمدان. وإذ ترعرع في بيئة شيوعية، لم يكن حسن حمدان أقل ارتباطاً بجذوره المحلية، وهذا ما يشير إليه اختياره لاسمه المستعار، حيث يدلّ اسم "عامل" على مسقط رأسه في جبل عامل الواقع في جنوب لبنان، كما يحيل إلى الطبقة العاملة المحبّبة لقلب أيّ ماركسي. أما اسم "مهدي" فيحيل إلى معنى ديني ذي أهمية خاصة في الإسلام الشيعي. وقد جرى اغتيال مهدي عامل في الثامن عشر من مايو/أيار عام 1987، بعد ثلاثة أشهر من إلقائه مرثيّة حسين مروة في جنازة هذا الأخير.

في الحادي عشر من مايو/أيار عام 2020، تُوفيت إيفلين بران التي شاركت حسن حمدان حياته طيلة ما يقارب الثلاثين عاماً، وقد التقاها أول مرة في مدينة ليون الفرنسية حيث كانا طالبين في الجامعة. كانت إيفلين حمدان قد نشرت قبل سنتين مذكرات مؤثرة عن زوجها بعنوان «رجلٌ في خُفّين من نار» (دار الفارابي، بيروت، 2018). نُشر الكتاب في نسخة ثنائية اللغة، تشابك فيها النص الفرنسي الأصلي بالترجمة العربية، وذلك في إشارة رمزية إلى الطريقة التي ترابطت فيها وتشابكت حياة وثقافة كل من حسن وإيفلين. وتتبدل لغة الكتاب على مدار أجزائه، فتُخاطب إيفلين حسن بصيغة المخاطَب أحياناً، وتتحدث عنه بصيغة الغائب في أحيان أخرى. 

هذا ويعطي وصف إيفلين للظروف التي أحاطت باغتيال مهدي عامل فكرة قوية عن شخصية مفكرنا الاستثنائية:

تعودُ إلى المنزل، في واحد من أَمسية نيسان، حاملاً بيدك نشرة دورية، وتقول لي: "هذا حكم الإعدام المنزَل بي!" وتروح تضحك وتضحك ضحكة محمومة مهتاجة مكهربة في آن واحد، ولكنها أيضاً متخمة بالالتذاذ. أما المجلة، فإنها مجلة العهد الصادرة أسبوعياً عن حزب الله. وبإصبعك، تحدد خاتمة أحد المقالات، فتقرؤها لي: "لن يطول الأمر بالذي خطب بمناسبة مأتم حسين مروة في دمشق، حتى يرى أن دوره قد أتى"...

(الثامن عشر من مايو/أيار) إنه شارع في بيروت، شارع الجزائر. آلة الموت، التي تستقوي بها البغضاء المتعصبة، تتأهب. ثمة سيارة تركن كل يوم، منذ بعض الوقت، قبالة منزلنا. سيارة لاحظها أهالي الحيّ جميعهم. سيارة ب. م. ڤ. (BMW) تنتظر. شارع الجزائر: إنك الآن في جوار قصر كتّانة. إنها العاشرة وخمس دقائق. هنا، في هذه الساعة، ستُقتَرف مأساة الجريمة... يظهر فجأة رجل ملثّم، يدنو منك منادياً: "دكتور حسن حمدان؟". تستدير، وترى اليد الممسكة بالمسدس مسدّدة إليك، فتقبض عليها بعنف. يندفع إذّاك من السيارة آخر، وبمسدس مزوّد بكاتم للصوت يطلق الرصاص في الرأس والصدر والبطن. تنزلق أرضاً. الدم سيّال. تفرّ السيارة بالرجال الثلاثة الملثّمين عبر أزقة الزيدانية. أيا أنت، غير المهزوم، الذي رأى الموت بأمّ عينه ينقضّ عليه، فناوأه بحركة كفاحية أخيرة ونهائية، بمقاومة الحياة!

كانت إيفلين بران حمدان تنتظر صدور هذا الكتاب بفارغ الصبر. وكانت سعيدة للغاية بأن يتمكن قرّاء اللغة الإنكليزية قريباً من الاطلاع على مختارات من كتابات مهدي عامل. فقدّمتْ جلّ ما بوسعها للتعجيل في عملية النشر، لكنها، يا للأسف، لم تعش بما يكفي لتمسك هذا الكتاب بيديها. ولذا، فإن هذه المقدمة مهداة لها، هي التي ستبقى مرتبطة إلى الأبد بذكرى الرجل في خفّين من نار.