حرّ حارق في برلين. أقرأ الشعر. لا أفكار كبرى اليوم. ريتسوس يكتب مجموعة شعرية عن كافافي. ريتسوس ملتزم، وشعره ليس كذلك. الترجمة مغرية، قدّم رفعت سلام منتخبات لأعمال شاعر لا يشبهه. لا أحد يشبه ريتسوس. ربما، أحياناً، سعدي يوسف؟ كلا... في أعمال كافافي، يظهر الإغريق، وتطغى الإسكندرية، ولكن أيضاً، باستمرار وتواتر: سوريا. بكل أشكالها. عالمه مربك للجميع. كسل مرغوب. ريتسوس سُجن مرات كثيرة. شيوعي حتى مخ العظام. ما الذي تعلّمه من كافافي؟ البساطة، أولاً. هناك بساطة لا تشبه البساطة السهلة. ليس التلاعب بالصور، ولا بالكلمات، ما يجعل الشعر العظيم عظيماً. حداثة أخرى، هنا، من مكان غير متوقع. في خاتمة "الغسق"، إحدى القصائد في المجموعة الصغيرة، تظهر مفاتيح "لا يمكنه أبداً أن يعرف، إن كانت للفتح أو للإغلاق." لا صورة أعظم من ذلك، ولا أبسط. وقفتُ حائراً أمامها: دقيقةٌ تماماً، تكاد تقبض على كل أعمال كافافي وحياته وجهده، بلمح البصر. اخترقت الحداثةُ الشعرَ من جهتين: الحياة اليومية العادية، والتعالي الميتافيزيقي. جهتين مختلفتين تماماً. وأنا، على العموم، أقرب إلى الأولى. لم يتدخّل كافافي في السياسة. رغم كل القصائد التاريخية المذهلة، التي تعالج سياسة ميتة، قديمة، وثنية. تعلّم ريتسوس أيضاً الهشاشة: يقول إن زجاج المصباح، شفافيته الهشة "تجبرك منذ البداية، على حماية نفسك، وحماية الآخرين". سوريا التي يصفها كافافي، إغريقية، مفككة، ومتعددة، مع إغريقيتها. ربما، كان يعرفها أكثر من معاصريه؟ شخصيات هامشية، قديمة، بالإضافة إلى سياسيين وشعراء وأبطال. لا أعرف الكثير منهم. لا يعنينا كثيراً تاريخ الهلنستيين في سوريا. لماذا؟ ثلاث قصائد عن المصباح. أكثر مما تحتمل المجموعة النحيلة؟ كلا، ليس بالضبط. المصباح يحكي الأرق، والظلمة، والحسية الشهوانية، والغموض، والتكيّف، والليل والنهار، والذكريات، والأبدية، بالإضافة إلى الهشاشة تلك. تشبه قصيدة سليم بركات عن محمود درويش. أقل خبثاً، وفيقهةً. النظارات في كلا القصيدتين. هل تأثر بركات بقصيدة ريتسوس؟ أقرأ الشعر، باستمرار. كأنني أؤمن به؟ لا فائدة من الشعر. أعرف ذلك. القليل من الفهم، والكثير من المتعة. بعض الشعراء لا يعرفون ذلك! ليس كل الشعر. الشعر البسيط، ولكن أيضاً الملتبس، المتردد، المفتقر إلى مبادئ صارمة: صفات يكيلها ريتسوس، بلا هوادة، لكافافي. وريتسوس نفسه يتماهي مع البساطة. يخلطها أحياناً مع صور ساحرة (تبقى بسيطة، بشكل ما)، ومع بعض العبث فوق الواقعي. لا يوجد شيءٌ من هذا في أعمال كافافي. لا يحتاج كافافي إلى أية ألاعيب أو شطارة. تكفيه واقعيته المباشرة. حر حارق. كل الكسل، والتاريخ السوري والمصري واليوناني، بهدوء مفزع. حتى قصائده "الفلسفية"، تتصف ببساطة مطلقة. في الحقيقة، يبدو المزدوجان المحاصران لكلمة "فلسفية" عقيمان. أجل، فلسفية. لا عيب في هذا. كان ريتسوس يعرف ذلك. قبيل الموت، إذن، يرتّب كافافي أغراضه، في حقيبة سفر، لم يرغب يوماً في أن يضلل أحداً. وقبيل العبور، يبكي، "مدركاً للمرة الأولى براءته". ما الذي حدث؟ أعيد القراءة. ماذا حلّ بخبثه؟ والتباساته، وتلاعبه بالشكل؟ وشهوانيته؟ ورؤاه النورانية؟ يموت الشباب في قصائده، كثيراً. بعضهم سوريون. يتخذ الموت مظهراً رهيباً: موت شباب من عصور مضت، من عصور لا تثير شيئاً من الغضب، أو الافتتان، أو العواطف: عصور وثنية فيما كان يوماً خليطاً من الحضارات واللغات. موتٌ لا يتكرر. لا موت يعود. الحرّ يمزج الأمزجة: الشمال البارد يذوب في منتجات الثورة الصناعية مع نهايتها المأساوية. كتب ريتسوس متحدياً الديكتاتورية العسكرية اليونانية المدعومة من الغرب. لم أفهم يوماً ذلك التاريخ: بيزنطة إمبراطوريتهم الأشهر، وككل الإمبراطوريات القديمة والوسيطة، كانت خليطاً من بشر. ولكن اليونان الحديثة، استعادت الماضي الوثني. كما فعل كافافي، وريتسوس. على أن السكان تمسكوا بهويتهم الدينية، بالكنيسة الأرثوذكسية بكل مجدها، وغبارها. مع تمدد الإسلام، في سوريا، تبنى الأرثوذكس اللغة العربية، بسرعة قياسية، فيما رفضها السريان اليعاقبة. في مصر، بعد قرنين أو أكثر، قبل الأقباط لغة الفاتحين. ولكن، لا يوجد أرثوذكس في مصر. من أين أتى، إذن، اليونانيون، المنتشرون في ربوعنا؟ أتوا مع العثمانيين؟ آه، خدعة متوقّعة! ألم تكن الإمبراطورية متعددة، إثنياً وإدارياً، حتى نهايات القرن التاسع عشر؟ كافافي نفسه، مع فخره بالإسكندرية، وانتمائه غير المنازع فيه إليها، وإليها وحدها، لم يتقن العربية، لغة الأكثرية. كافكا كتب بالألمانية، ولكنه تكلم التشيكية وكتبها أيضاً. أشعر بشيء من التيه، وأنا لا اتقن الألمانية، التي أعيش بين سكانها، ولا السويدية، التي أحمل جواز سفرها. ربما، كل اللغات لا تعني الكثير. ففي الموضع الذي كان يقف فيه كافافي، ترك بقعة حمراء، مرسومة بروعة فاتنة، "ككرة أرضية مصغرة للعالم... بحدود مطموسة تقريباً بالألوان." يستعيد كافافي سوريا أخرى. سوريا لا تثير أحداً، ولا حتى ريتسوس. أية سوريا؟ تلك التي كانت عاصمتها أنطاكية، ثالث أكبر مدينة في العصر الذهبي لبيزنطة؟ تلك التي نشرت المسيحية وتبنتها؟ تلك التي لم يختلط سكانها، لا مع الفاتحين اليونان، ولا مع الفرس، إلا بأقل القليل؟ أية سوريا؟ سوريا "المدن المنسية"، المنتشرة في أرياف حلب وإدلب؟ مئات القرى والبلدات، المهجورة، المتروكة لمصيرها، خلّفها الناس قبيل الفتح العربي بقليل؛ منسية منتشية نصف-مخروبة كتاريخنا المرتبك، المخلوط ككوكتيل فواكه صيفية. مثلّجات على كل زاوية. ولكنه، عندما يتكلم عن المدينة التي، إن خربتها، خربت كل المدن، أو عن البرابرة المنتَظرين، يبدو أكبر من الإغريق، ومن الهلنستية، ومن بيزنطة؟ أوسع، أعمق، أكثر حزناً منهم جميعاً... الحر يبخّر الفوارق. برلين باريس لندن، أنطاكية الإسكندرية القسطنطينية. والكسل. عاش ريتسوس شاعراً، ولكن شيوعياً. ليس على حساب الشعر. عاش كافافي شاعراً. شاعراً فقط. لم يفكر بالسؤال. حر خانق، ولا مخرج. أتسلّى بالشعر. لا نظريات كبرى، اليوم. لا "سرديات"، لو استخدمنا اللفظ الدارج، السمج. مع أنني، مثل ريتسوس، وعلى العكس من كافافي، ملتزم كلياً، بالسرديات، باليسار وبالعقلانية وبالتنوير، وبحدودهم البشرية التي لا يمكن تجاوزها. ومثل الاثنين، لا أحب الشعر خاضعاً للأفكار. أقرأ الشعر، وأكاد أجزم أنه لا ينقذ أحداً. أكاد. سأخرج لشراء مثلجات إيطالية. كرة فانيلا. واحدة تكفي. الحمية. أتحرك بنشاط. كل التاريخ يتضعضع على أبواب حصارات عتيقة، كأنه لم يكن، في قصائدهما الشجية. لا بأس. أقرأ الشعر. على الرغم من الحرب. لا شيء آخر، يعضد القلوب المرهقة. وفي عالم لم يزل غارقاً في وحوشه، وفي احتباسه، في عبثه، من أين ستأتي الرحمة؟ يقترح ريتسوس، أنها تأتي من المكان الوحيد الذي لم نلوّثه، المكان الذي لم يتخلّ عنا... يهمس، (بريبة؟) على لسان أستاذه الإسكندراني:
"إن لم يغفر الشعر لنا
فلا تنتظر الرحمة من أي مكان."
"اثنتا عشرة قصيدة إلى كافافيس" في كتاب "سوناتا ضوء القمر"، مختارات شعرية شاملة. ترجمة رفعت سلام. خطوط وظلال 2021.
