<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>روزا ياسين حسن - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/114rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/114rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:41:19 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>روزا ياسين حسن - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/114rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>في زمن الأنتي يوتوبيا: التوحش مجرد صفة إنسانية!</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19536</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[روزا ياسين حسن]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 09 Jan 2019 13:03:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ممدوح عدوان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%8a-%d8%b2%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%aa%d9%8a-%d9%8a%d9%88%d8%aa%d9%88%d8%a8%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%b4-%d9%85%d8%ac%d8%b1%d8%af-%d8%b5%d9%81%d8%a9-%d8%a5/</guid>

					<description><![CDATA[<p>مقاربة لكتاب ممدوح عدوان «حيونة الإنسان»</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19536">في زمن الأنتي يوتوبيا: التوحش مجرد صفة إنسانية!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">كما يبدو فإن تاريخ تطوّر البشرية ما هو إلا محاولات الإنسان للهرب من الوحش القابع في أعماقه! إن كان ذلك عبر إيديولوجيات اللاعنف أو التيارات والحركات الثقافية والفنية اللي فضحت العنف وسلطاته وحاربته في مكامنه الخفية عن العامة.. وما إلى ذلك، لكنه تاريخ دأب الإنسان فيه على معاملة الأناس الآخرين كحيوانات أيضاً، وبهذا عمل على إبقاء الحيوان الذي في داخلهم، بل وتغذيته وتنميته وخلق الشروط المناسبة لاستفحاله في داخلهم وفي داخله كذلك، فحين يردّ المقموع على القامع كحيوان يستوجب الردّ عليه كحيوان، وهكذا تخسر البشرية دوماً في هذه الدوامة المتوالدة محاولتها للتطور!</p>
<p dir="rtl">في الكتاب الأخير الذي كتبه الراحل ممدوح عدوان وهو بعنوان "حيونة الإنسان" يظهر كم أن الإنسان كائن يفوق بوحشيته وفظائعه ليس الحيوان فحسب بل كل كائنات الأرض، على عكس ما قد يوحي به العنوان، وكم أن لدينا آراء خاطئة عن الحيوانات التي لديها مخالب وأنياب، فهي لا تفتك بأبناء جنسها، لا تقتل للتمتع أو للإبادة، لا تعذّب ولا تتلذذ بالتعذيب، وبهذا نتأكد كم أن التوحش صفة إنسانية!</p>
<p dir="rtl">هذا النصّ هو أشبه بمقاربة لواحد من الكتب المهمة الصادرة في العقدين الماضيين في العالم العربي والذي يسلّط الضوء على العنف الكامن في كل مفاصل حياتنا.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">عودة شريعة الغاب</span></h3>
<p dir="rtl">كما أضفى المستعمرون الكولونياليون على الشعوب التي استعمروها صفات الحيوانات ومنزلتهم كي يسوّغوا أفعالهم الشنيعة بحقهم، وكي يقنعوا أناسهم بصحة ما يفعلون فلا تعتبر جرائم بحق بشر، كذلك عمل الإنسان بالعموم وعلى مدار تاريخه على تشبيه خصومه من الناس بالحيوانات، باعتبارهم أقل مرتبة منه، لتسويغ استعبادهم أو قتلهم، تماماً مثل تسويغ اضطهاد المرأة بكل أشكاله، واعتبارها أقل شأناً، أو تبرير الاغتصاب: التعبير الجنسي عن العدوانية.</p>
<p dir="rtl">يطرح "جون غالتينغ" قولاً فصلاً يلخّص التغيّرات الحضارية للبشرية بأربع مراحل: البدائية، التقليدية والحديثة وما بعد الحديثة، وفي هذه عودة للبدائية من عنف وفوضى وتشويش، أي عودة لشريعة الغاب! فالانتقال إلى ما بعد الحداثة هو انتقال للدمار، حيث مفتاح الدمار:tele  تلفون، تلغراف، تلفزيون.. باختصار بدأ الدمار الحقيقي للإنسان حين تخلّى عن اتصاله الحقيقي ببني جنسه! بمعنى أن الفلاسفة والكتاب تخلّوا عن حلمهم القديم باليوتوبيا وصاروا ينظّرون حديثاً للأنتي يوتوبيا.</p>
<p dir="rtl">أولى علائم هذا هو الاعتياد، ويمكن اختصار ذلك باقتباس ملخّص أورده ممدوح عدوان من روايته "أعدائي": "نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات شيء فينا". بعد ذلك يمكننا أن نتصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا من عنف وخراب!</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">العنف</span></h3>
<p dir="rtl">الأنتي يوتوبيا التي نعيشها اليوم تتلخّص في كتاب "حيونة الإنسان" بالعنف، وكما رأى "جون غالتينغ" فإن العنف والإرهاب يتفشى اليوم بسبب غياب البنية والثقافة، ونتيجة الفوضى الاجتماعية. حيث يصنف الإرهاب إلى ثمانية أنواع: العنف ضد الطبيعة (الجرائم الإيكولوجية)، ضد الذات (الإدمان والانتحار)، ضد الأسرة (النساء والأطفال)، ضد الأفراد (السلب والقتل والاغتصاب)، ضد المؤسسات (الفساد)، الإرهاب الأهلي (الحروب الأهلية والعنف الطبقي)، العنف الخارجي (حروب ضد الدول)، العنف ضد الكواكب.</p>
<p dir="rtl">لكن هذا العنف المنفلت من عقاله لا يمكن أن يستمر إلا تحت حكم دولة ضعيفة أو دولة ترعى هذا العنف، مما يجعل هناك تمظهرات أساسية للعنف أولها:</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">١- سيادة أنظمة القمع والاستبداد</span></h3>
<p dir="rtl">الأنظمة القمعية التي تريد إبقاء البشر في المرحلة الغريزية الحيوانية الأولى، حيث يتلخّصون في ثنائية حادة: جلاد وضحية، لا تستطيع الاستمرار في مجتمع متماسك، لذلك فهي تهشّم الروابط السياسية والاجتماعية وتفرّق دينياً وثقافياً، وهي أسلحة هذه الأنظمة بقدر ما هي نتاجها. كما تقول "حنا أرنت": فالإرهاب لا يمكن أن يحكم البشر إلا وهم معزولين، لأن أولويات حكم الطغاة هي العزلة، والعزلة بداية الإرهاب وأرضه الخصبة، والإرهاب نتيجة العزلة.</p>
<p dir="rtl">وقد حدّد أرسطو كيف يحافظ الحاكم على سلطته، ويبدو ما قاله شبيهاً إلى حدّ بعيد بما يجري في معظم بلدان الديكتاتوريات وهي: تدمير روح المواطنين وزرع الشك وانعدام الثقة فيما بينهم. القضاء على البارزين من الرجال. منع التجمعات. حظر التعليم. إغراء المواطنين بأن يشي بعضهم ببعض. إفقار الرعايا لينشغلوا بقوت يومهم. والحاشية التي يختارها الحاكم لتضرب بسيفه.</p>
<p dir="rtl">والأهم من كل ذلك فإن تأليه الطاغية كي يغدو بحكم المقدّس، لا يمكن المساس به، من أهم دعائم سيادة الاستبداد على الأرض.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٢- التعذيب</span></h3>
<p dir="rtl">أحد أهم مظاهر العنف هو التعذيب، الذي لا يمارسه إلا الإنسان ضد الإنسان من أجل انتزاع الاعترافات أو من أجل المتعة فقط! ولسبب آخر هو تأدية خدمة للسلطة التي يحترمها أو يخاف منها الجلاد أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. هنا وكي يتمكن الجلاد من النجاح في مهمته يجب أن يصنّف الخصم باعتباره "لا إنسان"، بهذا فحسب يمكنه تدميره بدون الشعور بالذنب! والطغاة هم من يخلقون الجلاد والضحية، وهم من يمهدون لفكرة انقلاب الضحية إلى جلاد، في رغبة لدى الضحايا للانتقام من الجلاد ومن ذواتهم التي كانت مستكينة له. هذا ما يجعل تاريخ البشرية عبارة عن سلسلة متوالية من تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية. فتوليد العنف يكون من قبل الذين تمّ تعنيفهم (الأولاد المعنّفون مثلاً غالباً ما يعنفون أولادهم فيما بعد)، وهكذا يمرّر العنف السيكولوجي من جيل إلى آخر.</p>
<p dir="rtl">والضحية هنا قد تكون أناساً وشعوباً وبلاداً وأحزاباً وقوميات، ومن هنا، من هذه النظرة الفوقية الإحتقارية، يتولّد التمظهر الثالث للأنتي يوتوبيا وهي نظرية الامتياز العرقي: أي التأكيد على الاختلافات التفصيلية التي يملكها شعب ما عن الشعب الآخر، حتى يعتبره أدنى منه وغير إنساني فيسوّغ قتله وإبادته، وكما يسميها إيريك فروم: "النرجسية الجماعية".</p>
<p dir="rtl">المقابل لذلك هي حالة الشرنقة التي تعيشها الأقليات المضطهدة، والتي تنظر إلى نفسها باعتبارها مصطفاة إلاهياً، تنتظر اللحظة التي تستطيع الانتقام فيها من الأكثريات التي اضطهدتها عبر الزمن. فالامتياز العرقي تمظهر أساسي من تمظهرات العنف ومن نتائجه كذلك، فكل ذلك العنف ضد الأعداء يرتد إلينا كعنف داخل المجتمع، لأن الأجيال تتربى على أن القوة والعنف هما الحل، وأنهما جزء لا يتجزأ من الواقع الاجتماعي وشرط الوجود.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٣- ارتكاب المجازر</span></h3>
<p dir="rtl">دائماً ما يكون إيذاء الآخرين أو ارتكاب المجازر كتنفيذ لأوامر عليا أشبه بإعفاء النفس من المسؤولية. الأمر الذي يذكّرنا بتجربة د. ستانلي ملغرام بجامعة يال الأميركية. والتجربة بيّنت أن 60% من الأمريكيين يمكن أن يصلوا إلى القتل إذا كانوا ينفذون أوامر سلطة عليا يحترمونها أو يهابونها! السؤال هنا إلى أي مدى يمكن أن يصل الأمر بالبشر لإيذاء آخرين لا يعرفونهم، وليس هناك أية صلة إيجابية أو سلبية بينهم. ففي المجزرة يقوم الديكتاتور بتوزيع المسؤوليات والواجبات فيخفف هذا من نصيب كل شخص أو طرف ومن العبء الناجم عن مسؤولية عمليات التقتيل الجماعي، وبالتالي يخفف الناس من عبء (إنسانيتهم) بتجيير المسؤولية إلى السلطة التي أعطت الأوامر بالقتل.</p>
<p dir="rtl">فمفهوم الطاعة ساهم في صنع الحضارة بالتأكيد ولكنه غيّر من طبيعة الإنسان، وعمّق من أهمية المصادفة الأخلاقية، التي تجعل الحاجة إلى سلطة تقي بأوامرها ضميرنا الهش وتدافع عنه من أهم أسس استمرارنا، في زمن صارت غريزة الطاعة عند الإنسان من أهم الغرائز.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٤- التمتع بالعنف</span></h3>
<p dir="rtl">التمتع بألعاب وأفلام العنف تعبير عن تمتّعنا بالعنف كثقافة، هذه حقيقة ينبغي أن نفكّر بها، تماماً كما علينا التفكير في تاريخ كامل من تبرير العنف عاشه الإنسان على مر الزمان، استعان فيه بالمقدّس لتبرير عنفه، وكمثال على ذلك الأضحيات والثأر والطقوس الدينية والتبارك بالدم وغيرها. والتعذيب العلني للضحايا، الذي نشهده على مرّ الوقت، ليس نوعاً من العبرة والتخويف للغير كي لا يقترفوا ما اقترفته الضحية فحسب، بل المطلوب من التعذيب أيضاً الإذلال وسحق الكبرياء والكرامة، حيث يستمتع الجلاد بالذعر والخوف لدى من يسحقهم، كما أتى هو من مجتمع مسحوق ومن تربية مذعورة شكّلته كجلاد.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٥- الاستسلام الأخلاقي</span></h3>
<p dir="rtl">في ظل حكم الطغاة يصبح الخوف هو المسيطر، ينتصر الباطل فيعتقد الناس أن كل القيم الخيرة هي أوهام، فلا يثق المرء بأقرب العالم إليه. تخرج الكوامن الخبيثة ليستطيع الناس معايشة السلطة، ويصبح أغلبهم جبناء وانتهازيين وقتلة، وهذه هي حالة الاستسلام الأخلاقي التي تحوّل طبائع الناس وعاداتهم وأخلاقهم وقيمهم، وترسّخ مقولات التفكير المزدوج (مبدأ التقية). فحسب رأي الكواكبي لا يملك أسير الاستبداد شيئاً ليحرص على حفظه، لا وطن ولا عائلة ولا أصدقاء، وبالتالي لا شيء ليدافع عنه!</p>
<p dir="rtl">من حالة الاستسلام الأخلاقي هذه يأتي أنواع من البشر هم: الشبيحة أو البلطجية، وقد سماهم ممدوح عدوان: المتسلبطون. ملوك العالم السفلي الذين يرهبون المجتمع، وعملتهم الوحيدة هي العنف: قوة الجسد والسلطة والعصابة. هم أداة فوق القانون لإثارة الفزع، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف، احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له والمحافظين عليه، واحتاج إلى الدقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان، حسب رأي الكواكبي.</p>
<p dir="rtl">فعل السلبطة هذا موجود في بلاد الأنتي يوتوبيا في أماكن كثيرة: الوظيفة والمجتمع والمدرسة والبيت، وهؤلاء المتسلبطون يحولون الوطن إلى سجن فيه كل أنواع التعذيب والإذلال المادي والمعنوي.<br />
<img fetchpriority="high" decoding="async" alt="" height="454" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/9083_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٦- العلاقة النفعية بين الدين والطغيان</span></h3>
<p dir="rtl">علاقة الديني بالسياسي هي علاقة الوارث بالموروث، كما يقول لينين، ذلك أن الطبقات الحاكمة تحتاج للحفاظ على سيطرتها إلى وظيفتين اجتماعيتين هما: الجلاد والكاهن. وكما رأى كلود ليفي شتراوس: لا شيء يشبه الفكر الأسطوري أكثر من الأيديولوجيا السياسية، وقد تكون الأخيرة حلّت محل الأول فحسب في مجتمعاتنا المعاصرة. من هنا يتوضّح كنه تاريخ طويل من الغزل السياسي الديني أفضى إلى مجتمعاتنا المعاصرة التي بقي فيها عنف المؤسسات السياسية المتواشجة مع المؤسسات الدينية ولكن بشكل أكثر خفاء ورمزية، فكلا الخطابين الديني والسياسي يميل إلى خلق صيغة لغوية بصيغة الأمر.</p>
<p dir="rtl">في نهاية هذه المقاربة يبدو كتاب الراحل ممدوح عدوان أشبه بصرخة أخيرة أطلقها وهو يرى البشرية تتجه بتسارع إلى فنائها، صرخة عميقة وأخيرة يقول فيها إنه مازال هناك أمل لنعود بشراً، فليس قدر البشر أبداً أن يكونوا جلادين وضحايا، وإن العنف لعنة لن نستطيع أن ننعم بعيشنا إلا في تفكيكها، تماماً كما نحارب ذلك الوحش الكامن في دواخلنا.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19536">في زمن الأنتي يوتوبيا: التوحش مجرد صفة إنسانية!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>هل كانت انعطافة للكتابة كذلك؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19075</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[روزا ياسين حسن]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 18 Jan 2018 14:00:02 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[الأدب السوري اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%aa-%d8%a7%d9%86%d8%b9%d8%b7%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d9%84%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d9%83%d8%b0%d9%84%d9%83%d8%9f/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في قراءة لتطور الفنون البشرية نرى أن معظم الانعطافات الإبداعية خُلقت أو تبلورت بصورة ما بعد هزّات كبرى كالحروب، الثورات أو الكوارث! الحركة "الرومانسية" على سبيل المثال تبلورت بشكلها الناضج بعد الثورة الفرنسية 1789، كثورة على التراث الكلاسيكي، وانتشرت من ثم في أرجاء أوروبا والأمريكيتين! أما المدرسة "الواقعية"، وبشكلها المتطرف "الطبيعية"، فلم تنتعش إلا بعد [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19075">هل كانت انعطافة للكتابة كذلك؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>في قراءة لتطور الفنون البشرية نرى أن معظم الانعطافات الإبداعية خُلقت أو تبلورت بصورة ما بعد هزّات كبرى كالحروب، الثورات أو الكوارث! الحركة "الرومانسية" على سبيل المثال تبلورت بشكلها الناضج بعد الثورة الفرنسية 1789، كثورة على التراث الكلاسيكي، وانتشرت من ثم في أرجاء أوروبا والأمريكيتين! أما المدرسة "الواقعية"، وبشكلها المتطرف "الطبيعية"، فلم تنتعش إلا بعد ثورة برلين الفاشلة 1848. الأمر الذي يجسّدها كثورة إبداعية في وجه هوس التصنيع والتقدم العلمي وسيادة الطبقتين البرجوازية والرأسمالية بداية القرن التاسع عشر. "الواقعية السحرية" وجدت طريقها إلى الأدب الألماني بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، لتنتقل بقوة إلى الأدب اللاتيني بعد موجة الديكتاتوريات التي حكمت أميركا الجنوبية ثم إلى الكتابة العربية. الثورة "السريالية" نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، ثورة أحلام غير مفسّرة، احتجاجاً على كل القيم والمؤسسات والمنطق الصارم الذي يستعبد الإنسان، تماماً كما تبلورت الفلسفة "الوجودية" بين الحربين العالميتين، صرخة ضد الموت وتهميش الإنسان، وتأكيداً على "الفرد"، وقود الحروب وأرخص عنصر مستخدم فيها!</p>
<p>أما ثورة 1917 فقد قلبت الطاولة على عمالقة الواقعية الروسية، وبدأ عصر الأدب السوفييتي وكتاب "رفاق السفر"، ليبتكر اتحاد الكتاب السوفييت ما سمي "الواقعية الاشتراكية"، التي أنتجت الكثير من الأدب الإيديولوجي المعلّب، لكنها أنتجت أيضاً بعض النصوص المهمة خصوصاً في البدايات. وتبلورت المدرسة "التعبيرية" في القرن العشرين كثورة على تسليع الإنسان، ثورة ضد الفن السائد الجذّاب بشكله والمتعفن بلبّه. ولم تكن الكتابة العربية بمنأى عن ذلك، لكن ربما اختلفت أزمان سيادة وتبلور مدارسها وتياراتها واتجاهاتها الإبداعية لأسباب تتعلّق بخصوصية تاريخ المنطقة. </p>
<p>ما حدث في بلدان الثورات العربية وفي سوريا آذار العام 2011 كان زلزالاً حقيقياً، هزّة من الهزات الإنسانية الكبرى خلخلت كل شيء بغض النظر عن مآلاتها. كل ما حملته من تغييرات لم يؤثر على علاقات المجتمع ومكوناته ولا على البنى العمرانية فحسب، بل هو انقلاب جذري لن تعود البلاد بعده كما كانت! والكتابة إحدى تجليات هذا التبدل، فهي مرآة تعكس مآزق زمننا ومآلاته، وهي تعبير عن الذات المبدعة، التي لم يعد لها من فاعلية في كثير من الأحيان إلا فاعليتها اللغوية، فتتغلّب على اللاجدوى والعجز بالكتابة، بمعنى أنها تتحوّل إلى وسيلة لمواجهة الخوف، ووسيلة للتكفير عن شعور الذنب، وربما وسيلة للالتفاف على الذات الإبداعية نفسها. وبالكتابة أيضاً نخلق وعياً أرحب، نفهم أنفسنا ونفهم الآخرين، كما نفهم تعقيد حاضرنا وماضينا الذي أوصلنا إليه. الكتابة في زمن الموت مواجهة للموت، فهي واحدة من أكبر التعويضات التي اخترعها الإنسان.</p>
<p>للمطّلع على المشهد الإبداعي السوري الذي تكوّن في السنوات القليلة الماضية سيلاحظ أولاً (برؤية بانورامية غير تخصيصية فالتخصيص يحتاج إلى دراسات نقدية طويلة) الازدياد الكمّي غير المسبوق للنصوص، شعراً أو قصة أو رواية أو مقالة، فيض من الكتابة بأقلام شابة في معظمها، كأن مارداً خرج من قمقمه. الأمر الذي يدلّنا على حجم الخوف الذي كان يمتلك الشباب تجاه الكتابة والنشر إن لجهة سيطرة الأسماء المكرّسة على المشهد الثقافي أو لجهة صعوبات النشر والرقابة. سنلاحظ ثانياً الجرأة التي كتب بها الكثير من الكتاب والكاتبات في بلد عانى لعقود من ديكتاتورية خانقة كانت تحصي على المرء أنفاسه. ثالثاً سيلاحظ المتابع، كما لاحظت ربما، سيطرة التوثيقية على البنى السردية بالعموم، التي جنحت بمعظمها إلى قصّ الحكايا "الحقيقية"، حين فاقت فداحة الحدث السوري ربما وتفاصيل قصصه المتشعبة خصب الخيالات الإبداعية. مما حيّد الصنعة الأدبية في كثير من الأحيان وهمّشها. كأن الحرب التي تأخذ في طريقها الملتهب كل تفاصيل الإنسان وخصوصيات حياته، ستواجهها الكتابة بحفظ هذه التفاصيل وتدوين الحكاية كي لا تُنسى. مع التنويه بأن ثمة كتاب وكاتبات لجؤوا إلى القص التاريخي للابتعاد ربما عن تعقيدات المرحلة أو لتجنّب تشابك خيوطها أو للعمل أكثر على الصنعة الأدبية التي تنتفي غالباً حين الكتابة عن الحاضر الحي. رابعاً يمكننا أن نلاحظ موجات هائلة من الانفعالية والمباشرة، فمعظم الكتاب السوريين يبدون في هذه الأوقات منفعلين بوصفهم بشراً، وأحياناً ينجرّون لينخرطوا فكرياً بين الجموع، وهذا يؤثر سلباً على الرؤية النقدية للكتابة وعلى جمالياتها، لكن في الجهة المقابلة يبدو توثيق اللحظة الإنسانية أكثر حرارة في لحظة الانفعال، تماماً كمن يكتب بدمه. سنلاحظ خامساً ما يمكنني تسميته: السردية المؤنسنة، فالحرب التي لا تكرّس إلا الغرائز الحيوانية الأولى، ستواجهها الكتابة في نبش معنى الحياة السامي، الأفكار الكبرى، الآمال والأحلام.. وهذا ما يمكن تلمّسه في بعض الكتابات.</p>
<p>لكننا سنرى سادساً أن توسيع الحدود القديمة أعقبه خلق لحدود جديدة، لحواجز أخرى ولقيود مستحدثة فرضها الوضع السوري المعقد والشائك، وهذه مشكلة حقيقية. ذلك أن على الكاتب الإصرار على استخدام عينه الناقدة الثاقبة كي ينبش المشاكل والظواهر السلبية والقمع والقهر لا أن ينساق وراءها، مهما كان الوضع ضاغطاً ومثيراً لغريزة الجموع. العين الناقدة هي الصفة الأولى للإبداع وبدونها ينتفي.</p>
<p>اليوم تنخلق في بلاد اللجوء آداب سورية جديدة، لنسمّيها "آداب المنافي". هذه الآداب ترفد المشهد الإبداعي السوري بالدرجة الأولى، تختلف وتتلوّن مع الوقت وتنصبغ بثقافات البلدان الجديدة، على الرغم من أن الكثير من تلك النصوص ما زال ينوء تحت ثقل الذاكرة والحنين النوستالجي والفقد والتفجّع على حال البلاد، وكثير منها أشبه بكتابة تكفيرية لمشاعر الذنب التي يشعر بها الناجي، لكن الأمر مع ذلك يبشّر بإغناء جديد للآداب السورية سيتطوّر بالتأكيد مع مرور الزمن. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19075">هل كانت انعطافة للكتابة كذلك؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عن إرث قاتل أسموه: ذاكرة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18927</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[روزا ياسين حسن]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 29 Sep 2017 10:17:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b9%d9%86-%d8%a5%d8%b1%d8%ab-%d9%82%d8%a7%d8%aa%d9%84-%d8%a3%d8%b3%d9%85%d9%88%d9%87-%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>هذا النص هو جزء من رواية أعمل على كتابتها، وقد نُشر بالألمانية تحت عنوان: Ein tödliches Erbe namens Erinnerung وترجمته لاريسا بندر، وذلك حين كنت في منحة للكتابة هذا الصيف في سويسرا.   ليس الحرّ اللزج الذي يلتصق بجلدك، البيوت العتيقة كجدّات الحكايات، ولا رائحة الطبخ في الأزقة الضيقة بين شبابيك مزروعة بالورود، ما جعلني [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18927">عن إرث قاتل أسموه: ذاكرة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color:#7f8c8d">هذا النص هو جزء من رواية أعمل على كتابتها، وقد نُشر بالألمانية تحت عنوان: Ein tödliches Erbe namens Erinnerung وترجمته لاريسا بندر، وذلك حين كنت في منحة للكتابة هذا الصيف في سويسرا.  </span></p>
<p>ليس الحرّ اللزج الذي يلتصق بجلدك، البيوت العتيقة كجدّات الحكايات، ولا رائحة الطبخ في الأزقة الضيقة بين شبابيك مزروعة بالورود، ما جعلني أذكر قريتي في كل شبر أقطعه هنا في هذه القرية السويسرية التي اسمها:Stein am Rhein، قريتي البعيدة المنسية على سفوح جبال الساحل في سوريا. لا! الأمر أشد عمقاً ومضيّاً في الذاكرة! أفهم اليوم لماذا كانت الربة "نيموسيني"، آلهة الذاكرة في الأسطورة الأغريقية، من أهم وأقوى الربّات. فتأثيرها كان مغايراً لقوة "زيوس" الغاضبة، جليّة التأثير، الآنية والمباشرة إلى الحدّ الذي باتت فيه اعتيادية! تأثير "نيموسيني" خفيّ، جوانيّ، وممتدّ عبر الزمن، إلى الحدّ الذي لا يراه الكثيرون أو حتى يفهمونه، لكنهم مع ذلك يسقطون صرعى جبروته: سطوة الذاكرة. هل هذا ما عاقبتني به "نيموسيني" كما عاقبت عصاتها مراراً: عدم النسيان! العصاة مثلي أولئك الذين حاولوا الهروب من أنفسهم؟!</p>
<p>تُقرع أجراس الكنيسة القديمة StadtKirche مراراً هنا في Stein am Rhein، لها عطنة تاريخ قديم! أدخل بوابتها العالية وأتأمل جدرانها العارية شديدة البساطة، ولا أذكر إلا المقام في قريتي البعيدة! ربما عليّ أن أحارب جبروت الذاكرة في الغربة، قبل أن أعتاد على المجتمع الجديد والثقافة الجديدة واللغة الغريبة. صراخ الذاكرة والحنين في الأحشاء، ألم حارق حادّ يأكل الروح باستمتاع، لعنة تقتل ببطء وتشفّ، تأسرك في قضبانها حتى لا تجد سبيلاً سالكاً للخروج!</p>
<h2><span style="color:#ff0066">بين الكنيسة والمقام:</span></h2>
<p>
"مسعود العلّوني" كان خادم مزار الخضر في قريتنا، أو المقام كما نسميه هناك، لا يشبه خادم الكنيسة هنا بحال. خادم الكنيسة يقف مبتسماً بقيافته الباذخة حتى لكأنه يمثّل فيلماً عن العصور الوسطى، أما رائحة "مسعود العلوني" فقد كانت مزيجاً من رائحة روث بقر، طين قديم رطب، مع عطنة جسد مضت شهور على اغتساله آخر مرة. رائحة حاضرة ككثير من الروائح الأخرى التي تلتصق بالذاكرة كما تلتصق علقة نهمة بجلد طري: رائحة الأرض بعد أول مطرة خريف تلا صيفاً طويلاً. رائحة الخبز الذي خرج لتوّه من الفرن. رائحة الحليب التي تفوح من فم صغيرك كرائحة ملائكة الجنة. رائحة طبخ الأمهات بالثوم والكزبرة، وكذا رائحة عرق من نحبّ! أما المقام فقد كان غرفة وحيدة عارية في وسط الغابة العملاقة التي تمتدّ بجانب النهر الكبير. الغابة والنهر كانا وسط وادٍ تحيطه هضاب منخفضة. أما بيوت القرية، ومنها بيت جدي، فقد كانت منتشرة على قمم الهضاب وتطلّ بمعظمها على الغابة. النهر الكبير احتضن أول آثار بشرية لإنسان قبل ما يزيد عن 700000 عام. جدتي لأبي "جميلة" كانت تقول بأن المقام هو قبر الخضر، النبي القديم قدم البشرية، الذي أقام هنا وتعبّد ربه. أما الخضر هنا في Stein am Rhein فتراه محفوراً، برمحه العملاق والتنين المهزوم قبالته، على عشرات البوابات المعدنية التي تسدّ منافذ تصريف المياه!!  </p>
<p>كانت جدتي تنزع شريطة صغيرة من الثياب الخضراء المباركة التي تزنّر قبر الخضر، وتربطها حول معصم يدي وهي تتمتم. زيارة مقام الخضر مع الجدّة شيء يشبه طقوساً وثنية: نخلع أحذيتنا خارجاً ونلج المقام، تخبط الجدّة بقدميها على الأرض بقوة كي تسمعنا الأفعى التي تسكن المقام وتتركنا لحالنا. تخبط عدة خبطات ثم تقف بهدوء للحظات قبل أن تطمئنني بأن دخولنا آمن. بعد لحظات أخرى تبدأ بحرق حبّات البخور وهي تلهج بالأدعية. عطنة الغرفة القديمة مع دخان البخور المحترق تملأ خياشيمي، أشعر بدوار خفيف، كما أشعر الآن بدوار خفيف وأنا جالسة في بهو الكنيسة القديمة. كانت الجدّة تأخذ شيئاً من الزيت المبارك وتمسح به جبيني، وتجلس بجانب الزاوية لتغرق في صلواتها الخاصة. القبر مليء بالصور الملقاة على سطحه، ونسخ مختلفة من كتاب القرآن، كُتب على هوامشها أدعية وطلبات للنبي الخضر علّه يستجيب ويحققها. لطالما حاولت قراءة ما هو مكتوب على الهوامش، كان الأمر صعباً عليّ وأنا في سنتي الثامنة، لكني كنت ألتقط قليلاً من المعنى: أم تطلب من النبي الخضر حماية ابنها، فتاة تطلب منه عريساً، وأب يترجّى عودة ابنه الغائب. تنهرني جدتي وتقول بأن عليّ ألّا أقرأ ما هو مكتوب خلف الصور، هذا قد يؤخّر تحقيق الله لأمنيات أصحابها، فهذه أسرار بين البشر وربهم، وما النبي الخضر إلا وسيط بينهم، ومن يسرق كلمات الناس كمن يسرق مالهم!</p>
<p>لكني لم أستطع يوماً أن أزجر فضولي. في السنوات اللاحقة سأقرأ دوماً أدعية الناس في كل مرة أزور فيها مقاماً من المقامات الكثيرة في قرى الساحل، وأسأل نفسي دوماً هل كانت الجدّة لتترك الصور بحالها، دون أن تقرأ كل حرف مكتوب خلفها، لو كانت تعرف القراءة؟!</p>
<p>تترك جدتي "جميلة" نهاية كل زيارة بضع قطع نقدية في صندوق معدني صغير خلف الباب. حين ألقي بعض القطع النقدية الآن في صندوق الكنيسة أذكرها. تهمس وهي تربّت على الصندوق: "اللقم تمنع النقم، يا رب بارك بهذا المال". أقول لها: سيأخذها مسعود العلوني، وأكشّر بقرف. تمسكني من أذني وتضغط بقوة تجعل الدماء كلها تتركّز في شحمة أذني: هذا رجل مبروك، لا يجب أن تتحدّثي عنه هكذا!! ثم إن "الكريم حبيب الرحمن، والبخيل حبيب الشيطان".</p>
<p>كم عليّ أن أجد تعويذة لكسر هذه اللعنة الصارمة: لعنة الذاكرة، والمضي قدماً في عمري. في كل ما مرّ كنت أتخلّص من عبء الذاكرة بالغوص فيها أكثر. حين تريد قتل شيء لا تهرب منه، بل بالعكس واجهه بكل حواسك، غص به، دعه يغمرك، يجتافك، وحينها فقط يمكنك أن تغلبه. الهروب ليس إلا شحنة إضافية من الخسارة. ليس بإمكاني التخلّص من أسر الحكايات حتى أعيد إنتاجها. ولمن لا يعرف، أسر الحكايات أشدّ هولاً من أسر الطغاة!</p>
<h2><span style="color:#ff0066">الضياع بين غابتين:</span></h2>
<p>
حين كنت أخرج من غرفة المقام المعتمة في ضيعتنا أبقى مغمضة العينين قليلاً حتى أعتاد الضوء الساطع. تبدو الغابة حولنا أشد إشراقاً. أشجار السنديان والبلوط العملاقة، التي يصل عمرها إلى آلاف السنين، تتمدّد بكامل بهائها، واثقة ثقة من على أرضه. رائحة الخشب العتيق والطحالب التي تعشّش بين شقوقه هي كذلك من ضمن الروائح التي لا يمكن أن تغادر الذاكرة! لهذا ربما لا أذكر إلّا غابة قريتي وأنا أتمشى هنا في الغابة السويسرية الخلّابة في Stein am Rhein، فرائحة الطحالب المتعشّقة بخشب الأشجار تشدّني بلؤم ثم ترميني، بل تشلفني، بكل ما أوتيت من قوة إلى الوراء! </p>
<p>في غابة قريتي كانت جنيات الغابة تسكن، أحاول أن أركّز نظري هنا علّي ألمح جنية طائرة! الجنيات عادة لم تترك أحداً سالماً حين يمرّ في الليل وسط الغابة، فهذه مملكتها الليلية، وويل لمن ينتهك حرمتها. حدث مرات كثيرة أن عثر أهالي قريتي على رجال غلبهم فضولهم القاتل لرؤية جمال الجنيات في الليل، يعثرون على جثثهم تحت الأشجار: مرة يكون الشعر أبيض تماماً، ومرة تملأ الكدمات الزرقاء الجسد القاتم! ومرة تكون الجثة متخشّبة في وضعية ما! في كل مرة كانت القصص تستفيض عن عقاب من يجرؤ على اقتحام مجتمع الجنيات المغوي والسحري في الليل. وفي الليل كان يمكنني أن ألمح أطياف الجنيات من بعيد من أمام بيت جدّي: فساتينها بأذيال طويلة تدور وترقص تحت ضوء القمر فوق ذؤابات الأشجار العالية والبعيدة، وفوق مياه النهر الفضية كذلك. حين كنت أنصت كان يمكنني أن أسمع صوت ضحكاتها الماجنة ووشوشاتها. كانت تدعوني إليها، وكنت أتوق لأن أذهب هناك. أفكّر بأنها قد تتعامل معي كفتاة صغيرة بشكل مغاير عن تعاملها مع الرجال الأفظاظ الفضوليين، فلم يعرف أحد كيف من الممكن لها أن تتعامل مع النساء؟! لكني مع ذلك كنت أخاف. الجدّة تهمس لعمتي بأنها تخاف أن تلحس الجنيات عقلي، وأغافلهم ذات ليل لأغدو إلى هناك كالمسرنمات! أسمعها وهي تؤكد للعمّة أن تظل تراقبني على مدار الوقت فـ"درهم وقاية خير من قنطار علاج"، لذلك فقد كانت العمة لا تغفل عني حتى أغطّ في نوم عميق بجانب الموقد الحجري، الذي كنا نسمّيه: الوجاق. </p>
<p>في الصباح توقظني رائحة التنور الذي تصنع فيه جدتي خبزنا لليوم، رائحة قادمة من الجنة تدخل من الخياشيم إلى الروح لتصعد بها إلى سماء اللذة. تقول لي الجدة حين تلمحني خارجة من البيت فاركة عينيّ من آثار النوم: </p>
<p>أنت أجمل من جنيات الغابة يا ابنتي! </p>
<p>كنت أشعر بأنها تعتذر مني بشكل ما على صرامتها الدائمة، وعلى مراقبتها الدائمة لي أيضاً! تغمرني فأشمّ رائحة الحطب وزيت الزيتون وعطنة القشّ الرطب الذي تحشو به المخدّات. لكنها وحالما يحلّ الليل تعود إلى صرامتها القديمة ذاتها! </p>
<h3><span style="color:#ff0066">بحيرة نهرنا الكبير والـ Bodensee:</span></h3>
<p>
بين صوري الخاصة ثمة صورة مشقّقة من أطرافها تبدو حبال التبغ فيها وهي تزنّر جدّي المتعبين. فجداي كانا يزرعان التبغ في الحاكورة القريبة من البيت. هناك من خطر له أن يلتقط لهما صورة في مثل هذا الوقت العصيب! لكن العيون استطاعت، حتى بعد أكثر من ثلاثين عاماً، أن تُغرق قطعة من الكرتون، تسمّى صورة فوتوغرافية، بكل هذا الكم من الألم! فلم يكن ذاك الصيف قد حلّ حتى كانت آليات غريبة عملاقة قد احتلّت القرية. ماذا يحدث؟!! راحت الآلات تقطع أشجار الغابة المعمّرة واحدة تلو الأخرى، أسمع صوت صرخاتها المتألمة وهي تهوي على الأرض بعد قصّ جذوعها العملاقة. حينها قال لي جار بيت الجدّ إن الدولة قررت بناء سدّ كبير مكان الغابة، ستُطمر الغابة وتتمدّد بحيرة النهر الصغيرة لتصبح بحيرة سدّ كبيرة كبيرة، وقد تنطمر بيوت القرية كلها أيضاً تحت الماء!</p>
<p>قطّعت الآلات العملاقة معظم أشجار الغابة، وذات صباح اتجهت إلى مقام الخضر في وسطها وهمّت بهدمه. الجدّة "جميلة" كانت تصرخ من البعيد وهي تراقبهم بأن آلاتهم ستتوقف عن العمل الآن، أو سيتوقف قلب سائق الآلة ويموت من فوره.. الله لن يتركهم يدمّرون مقام حبيبه. </p>
<p>أما الجدّ فقد كان قد بدأ رحلة مرضه الطويلة والأخيرة.</p>
<p>لكن الآلات دمّرت المقام كلّه في ذلك الصباح، ومعه كل المعالم المحيطة، دون أن تخرب، ودون أن يتوقف قلب صاحبها!! الجدّة وصل عويلها المرّ إلى السماء: يا وحوش.. أما الجدّ فلم يقم بعدها من فراشه.</p>
<p>حين عدنا لزيارة القرية بعد شهور طويلة كانت الغابة قد اختفت. وحلّت مكان بحيرتنا الصغيرة بحيرة كبيرة متوحّشة غمرت المنطقة بأسرها، ووصلت حتى منتصف الهضاب المحيطة! وحدها بيوت القرية العالية نجت من الطوفان. رؤوس بعض الأشجار العملاقة، التي تُركت في مكانها، تبدو من تحت صفحة الماء الساكنة كأنها أيد مرتفعة لناس مستغيثة تنازع الغرق. هنا حين أجلس بجانب الـ Bodsenee، أو كما نسميها بالعربية: بحيرة كونستانس، أحاول أن أركّز جيداً في صفحة الماء الساكنة: هل هناك أشجار غرقت فيها؟! الهدوء الذي أسمعه هنا يذكّرني كثيراً ببحيرة قريتي البعيدة. </p>
<p>هاجرت الحيوانات هناك بعد ذلك، لم نعد نسمع صوت تغريد عصافير الغابة عند الفجر، ولا صوت البومة وصراصير الليل، ولا ضحكات الجنيات كذلك. حتى الجنيات غادرت الغابة؟! حين سطع القمر يوماً لمحت من البعيد بعض أطيافهن ترفرف بفساتينها الطويلة فوق صفحة الماء ثم اختفت!</p>
<p>ثم ماذا بعد ذلك؟! إلى متى سيبقى كل شيء، وأي شيء، هو عتبة للولوج إلى ذاكرة ما مرمية في رأسي؟! لكن في حياة النزوح لا يمكنك أن تعود إلى جدار كتبت عليه يوماً جملة وأنت صغير إلا بذاكرتك. ليس هناك أزقة للطفولة، ولا أصدقاء تكبر معهم، وترى عمرك الذي يمرّ على أجسادهم إلا في الذاكرة. حياة النازحين حياة بلا أمان، بلا موطئ قدم، بلا روائح للأمكنة، وحدها الذاكرة تكبر مع أجسادنا التي تكبر. ذاكرة المرتحلين، أياً كان أولئك المرتحلون وأياً كانت البلاد التي يرتحلون إليها، هي نتف من هناك! ربما لهذا السبب تلتصق ذاكرتهم بأرضهم الأولى، تلتصق كشجرة زيتون بالتراب، وتمتدّ بجذورها عميقاً لنسيان ذاكرة الترحال. </p>
<p>لن يفهم أحد لم يجرّب الترحال يوماً ماذا تعني حقيقة الترحال! حين تضطر إلى خلع جذورك من مكانها، والمضيّ بها معرّضاً إياها للبرد، للغربة، للأغراب، للمحيط الجديد، وربما للغة جديدة! وتراقب تلك الجذور وهي تيبس ابتداء من نهاياتها، لتذوي شيئاً فشيئاً.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18927">عن إرث قاتل أسموه: ذاكرة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-07-21 14:00:10 by W3 Total Cache
-->