<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>أنس إبراهيم - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/281rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/281rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Mon, 21 Apr 2025 11:14:32 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>أنس إبراهيم - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/281rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>اثناهُما حشدًا: عن فلسفة دولوز وغواتاري (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20740</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس إبراهيم]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 31 Dec 2021 17:09:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d8%ab%d9%86%d8%a7%d9%87%d9%8f%d9%85%d8%a7-%d8%ad%d8%b4%d8%af%d9%8b%d8%a7-%d8%b9%d9%86-%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9-%d8%af%d9%88%d9%84%d9%88%d8%b2-%d9%88%d8%ba%d9%88%d8%a7%d8%aa%d8%a7%d8%b1/</guid>

					<description><![CDATA[<p> كتبها إدوارد ثورنتون في aeon ونشرت في الأول من مارس ٢٠١٨. في صيف عام 1969 في فرنسا، كان ثمّة محلّل نفسيّ راديكاليّ في طريقه للقاء فيلسوف شهير، وبعد القيادة لمدّة ثلاث ساعات جنوبًا إلى منطقة "ليموزين" المشهورة بغاباتها ومزارع الماشية، وجد الرجل طريده متمدّدًا في السرير، حيث كان يتعافى من جراحة لإزالة الرئة السلّيّة. ذاك كان [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20740">اثناهُما حشدًا: عن فلسفة دولوز وغواتاري (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color: #7f8c8d;"> كتبها إدوارد ثورنتون في</span> <a href="https://aeon.co/essays/a-creative-multiplicity-the-philosophy-of-deleuze-and-guattari?fbclid=IwAR1v0xRt5_ND0KVlnW4PbNHbtP9vzWdgOhmIaq8pgk8Qr9YXeBzCxBKW_1M" target="_blank" rel="noopener">aeon</a> <span style="color: #7f8c8d;">ونشرت في الأول من مارس ٢٠١٨.</span>
</p>
<p dir="rtl">في صيف عام 1969 في فرنسا، كان ثمّة محلّل نفسيّ راديكاليّ في طريقه للقاء فيلسوف شهير، وبعد القيادة لمدّة ثلاث ساعات جنوبًا إلى منطقة "ليموزين" المشهورة بغاباتها ومزارع الماشية، وجد الرجل طريده متمدّدًا في السرير، حيث كان يتعافى من جراحة لإزالة الرئة السلّيّة.</p>
<p dir="rtl">ذاك كان لقاء المعالج النفسيّ العُصابيّ والاجتماعيّ فيليكس غواتاري، بالأستاذ المتوحّد في عزلته جيل دولوز. وفي ذاك اللقاء كان تآلفهُما فوريًّا، وسيُصبحان صديقين مدى الحياة، وشريكين فكريًّا ومؤلّفين لأشدّ الأعمال الفلسفيّة إثارةً للجدل في عصرهما.</p>
<p dir="rtl">لم يتوقّع كثيرون ذاك الانسجام الشخصيّ القويّ بينهُما قبل لقائهما الأوّل؛ في ذلك الوقت كان دولوز في الرابعة والأربعين من العمر، ويبدو أكبر بكثير من ذلك. لم تكن صحّته جيّدة، إذ عانى من صعوبات في التنفّس جعلت تنقّله صعبًا ودفعته ليكون حبيس مكتبه الجامعيّ في جامعة ليون.</p>
<p dir="rtl">بينما كان غواتاري في تلك الفترة ناشطًا ملتزمًا، وكان قد انفصَل عن معلّمه السابق جاك لاكان، بعد رفضه الالتزام بالخطّ الفكريّ الخاصّ بمجموعة لاكان النفسيّة. كان في التاسعة والثلاثين من العمر، ويعمل في عيادة «لا بورد» النفسيّة غير التقليديّة في «لوار فالي»، حيث كان يشتغل على مجموعة تخيّل أثارت اهتمام دولوز. كان غواتاري يُعاني آنذاك من قفلة الكاتب Writer’s Block، ويأمل أن يساعده الفيلسوف على تجاوزها.</p>
<p dir="rtl">"كيف أمكن هذان الرجلان شديدا الاختلاف، بحساسيّاتهما ونمطيهما شديدا الاختلاف، أن يشتغلا على مجموعة من الانشغالات الفكريّة لما يزيد عن عشرين عامًا؟" هذا كان سؤال فرانسوا دوسيه في سيرته الذاتيّة لهما الصادرة عام 2007. أمّا إجابة السؤال، والسرّ وراء حلفهِما، يكمنُ في انعدام ثقتهما المشترك في الهويّة. كلاهُما، دولوز وغواتاري، كانا صارمين في عدائهما للفرديّة؛ سواءً في الحقل السياسيّ، أو العلاج النفسيّ، أو الفلسفة؛ وقد كافحَا ليُثبِتا أنّ الفرديّة مُجرّد خُدعة استُحْضِرَتْ للتشويش على طبيعة الواقع.</p>
<p dir="rtl">سيمضِيا، منذ تعاونهما الأوّل، ليطوّرا خطوطًا فكريّة مُضادّة للهويّاتيّة Anti-identitarian، وليتصوّرا مستقبلًا لا يتربّع فيه الفرد على العرشِ سيِّدًا أعلى. لم يكن هذا مبدأ واضحًا في ما قالاه فحسب، بل في كيف قالاه أيضًا؛ حيثُ كتَبا، حرّرا وأعادا الكتابة بطريقة حواريّة تعايشيّة غريبة وغير مسبوقة. لقد اشتغل الثنائيّ بطريقة افترضت وجود "مجتمع من تفكير، من وجود، ومن تفاعل مع العالم"، على حدّ تعبير دوس. فبدلًا من الدفع نحو استعادة الهويّات المقهورة تاريخيًّا، حاول دولوز وغواتاري تفكيك الفُروق الّتي عرّفت وحدّدت الذات الفرديّة في حدّ ذاتها. وكانت النتيجة الخروج بسياسات مُتعةٍ تقدميّة مستوحاة من الماركسيّة ومُضادّة للرأسماليّة؛ وهي سياسات تتعارض مع بعض أشكال سياسات الهويّة السائدة في عصرنا.<br />
<img fetchpriority="high" decoding="async" style="float: left;" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Eo3maSBXMAAUZZF-1.jpg" alt="" width="461" height="694" /></p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">ضدّ الفردانيّة</span></strong></p>
<p dir="rtl">تعود مُشكلة غواتاري مع الفرديّة إلى تجربته المبكّرة في التنظيم السياسيّ؛ فعندما انتهت الحرب العالميّة الثانية عام 1945، كان غواتاري يبلغ خمسة عشر عامًا، ومع ذلك كان نَشِطًا في اجتماعات الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ وعضوًا في حركة سكن الطلّاب الّتي كانت على علاقة وثيقة مع المقاومة الفرنسيّة. أمضى وقته خلال تلك التجربة كميليشيويّ يضغط من أجل الخروج عن البرامج السياسيّة الراسخة، ومؤسِّسًا لمجموعات تروتسكيّة منشقّة، ومحرِّرًا لصحف كَتَبَتْ ضدّ قيادة الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ.</p>
<p dir="rtl">يمكن إرجاع هياج غواتاري وتمرّده الدائم إلى شيء واحد:"تهديد الستالينيّة"؛ فقد رأى غواتاري كيف سقطت إرادة الثورة الروسيّة في هيكيليّة السلطة الهرميّة لبيروقراطيّة الدولة الشيوعيّة. وفي ذلك الوقت رأى الأمر يتكرّر، بصورة مصغرة، في كلّ مجموعة انضمّ إليها؛ فبغضّ النظر عن جمعيّة النضال الأوّليّ، عاجِلًا أم آجلًا، تنحلُّ الإرادة الجمعيّة إلى مُنافسات رغباتٍ فرديّة، ويترافق ذلك مع ظهور شخص معيّن في النهاية على أنّه القائد الّذي تأتي قيادته على حساب الآخرين. وكان سؤاله لنفسه: لماذا ما ينحلُّ التعاون دائمًا ويتحوّل إلى هيكليّة هرميّة، ولماذا تتفتّت المجموعة ولا تستمرُّ في الحفاظ على صوت موحّد؟</p>
<p dir="rtl">عمل غواتاري بداية من العام 1953 كمعالج نفسيّ، ومرّة أخرى وجد نفسه غير قادر على احتمال هوس حقل العلاج النفسيّ بالأفراد. كان قد أنهى تدريبه مع جاك لاكان، أحد أكثر المحلّلين النفسيّين تأثيرًا منذ سيغموند فرويد، ولكن بدلًا من ممارسته للعلاج النفسيّ الخاصّ، فضّل ممارسة العلاج النفسيّ في مستشفى عامّ كبير، حيث عمل مع مرضى ذُهانٍ محتجزين في المشفى. كان مشفى «لا بورد» مؤسّسة تجريبيّة تعمل وفق خطوط عمل شيوعيّة؛ إذ كان الأطبّاء يُساعدون في الأعمال اليدويّة، بينما يعمل الموظّفون والمرضى معًا للإبقاء والحفاظ على المشفى في حالة عمل جيّدة. هناك بدأ غواتاري يعتقد أنّ ما يجعل المرضى مرضًى ليس خلَلًا مرضيًّا معيّنًا، بل هو شكل من أشكال الاغتراب الاجتماعيّ، وهي مُشكلة تزيدُها سوءًا السلوكيّات التّتي تجرّد المرضى من إنسانيّتهم، والّتي يُنتِجُها نظام الطبّ التقليديّ ويُمارسها الأطبّاء، والممرّضين، والممرّضات.</p>
<p dir="rtl">تعارضت رؤية غواتاري مع السائد في حقل العلاج النفسيّ؛ فتقليديًّا، كانت تقنيّات العلاج النفسيّ قد صُمِّمت لتتمحور حول محادثات ثُنائيّة بين المُعالِجِ والمُعالَجْ. لذلك اعتُبِرَ الذُهان بشكل أساسيّ مرض غير قابل للعلاج؛ لأنّ أولئك الّذين واللّواتي يُعانينه لا يمكنهم الحفاظ على العلاقة التعاقديّة الثنائيّة الضروريّة بينهنّ وبين المعالج. ولمواجهة هذه المشكلة، ابتكر غواتاري طُرُقًا علاجيّة تقوم على المجموعات؛ من خلال تحويل المشفى بأكمله إلى أداة علاجيّة. فإن كان الذُهان فعلًا شكلًا من أشكال الاغتراب، إذن، كما رأى، فلن يكون علاجه ممكنًا إلّا من خلال التواصل الاجتماعيّ الّذي لا يعتمدُ على تكوين حسّ قويّ بالفرديّة، بل على قدرة مجموعة من الناس على العمل معًا.</p>
<p dir="rtl">بصفته مُعالِجًا ومُنظِّمًا سياسيًّا، ركّز غواتاري جهوده في اتّجاه خلق بيئة حاضنة للتعاون؛ إذ تضمّنت تقنياته في «لا بورد» تشجيع المرضة على المشاركة في «أندية علاجيّة» فنّيّة ومسرحيّة، تُمكّنهم من تكوين علاقات دائمة. اعتقَدَ غواتاري أنّه عند محاولة منح الناس الأدوات اللازمة لتمكينهم من إعادة الاندماج بالمجتمع، يتوجّب أوًّلا "بناء شكل جديد من الذاتيّة الّتي لا تستندُ إلى الفرديّة". في المجال السياسيّ، ادّعى غواتاري أنّ "مرض الأحزاب الشيوعيّة المركزيّة لا يتعلّق بسوء نوايا قادتها بقدر ما يتعلّق بالعلاقات المُزيّفة الّتي أنشِئَتْ مع الحركات الجماهيريّة". لم تكن مُشكلة غواتاري تتعلّق بشخصٍ مُعيّن؛ سواءًا كان ستالينيًّا أم فُصاميًّا، بل هي العمليّة نفسُها هي المشكلة الّتي تنقسم من خلالها المجموعات إلى وِحْدَاتٍ مُنفصلة كلّ واحدة عن الأخرى، وعن حيواتها الخاصّة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">دولوز: ضدّ التمثيل، وضدّ الهويّة </span></strong></p>
<p dir="rtl">بعيدًا عن «لا بورد»، كان ثمّة هيجان ثوريّ يجتاح فرنسا صيف عام 1968؛ إذ نظّم الطلبة وعمّال المصانع إضرابات عامّة ضخمة وتظاهرات ردًّا على القوى الرأسماليّة الاستهلاكيّة المدمّرة. كانت انتفاضة عفويّة ولم تكن مدعومة لا من مؤسّسات عمّاليّة نقابيّة ولا من قبل الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ. كان غواتاري شخصيّة مركزيّة في القلب من الانتفاضة إضافةً إلى كونه منظِّمًا، لكنّ معلّمه جاك لاكان رفَضَ التظاهرات معتبرًا إيّاها مجرّد هستيريا. كانت تلك لحظة خيانة بالنسبة لغواتاري؛ فإن لم يكن الحزب الشيوعيّ قادرًا على إدراك الثورة عندما تحدث تحت أنفه، وإن كان لاكان يرفُضُ استيعاب قوّة الرغبة الجمعيّة عندما فاضَتْ وسالَتْ عبر الشوارع؛ فإذن لا بدّ من فعل شيءٍ ما.</p>
<p dir="rtl">قريبًا من ذلك الوقت صادف غواتاري للمرّة الأولى أعمال دولوز، واقتنع أخيرًا أنّه وجَدْ رَديفهُ الفكريّ الّذي سيمكّنه من تحقيق غاياته العلاجيّة والسياسيّة. حتّى ذلك الوقت كان دولوز قد اشتغل على بعض الأسماء الأساسيّة في الفلسفة الغربيّة مثل ديفيد هيوم، باروخ سبينوزا، إيمانويل كانط، وفريدريك نيتشه. وكان قد كتب أيضًا عملان «أصليّان» وهُما: «الاختلاف والتكرار» (1968)، و«منطق الحواسّ» (1969). اعتقد دولوز أنّ تاريخ الفكر الغربيّ، على الأقلّ منذ أفلاطون، كان قد تجمّد عند عدد من الأوهام المتعلّقة بطبيعة الفكر نفسه؛ فأوًّلا وخِلافات لافتراضات معظم الفلاسفة، فالفكر عند دولوز ليس تمثيليًّا؛ إي أنّه لا يشتغل على بناء صور للعالم يمكن الحكم عليها إمّا خاطئة أو صحيحة بناءًا على درجة دقّتها، بل النقيض من ذلك، فالفكر إبداعيّ، ودائمًا على اتّصال مع الشيء المُفكَّر فيه.</p>
<p dir="rtl">ثانيًا، ادّعى دولوز أنّه ونظرًا لأنّ تقليد الفلسفة الغربيّة قد حَكَمَ على الفكر من خلال قدرته على تمثيل العالم، إذن فقد اتّخذ من التماثل Sameness ومن الدقّة Accuracy معاييرًا أساسيّة لحكمه. ويُمثّل أفلاطون وديكار مثالين جيّدين على ذلك؛ في فلسفته للأشكال Forms، زعَمَ أفلاطون أنّ اكتساب أيّ كينونة معيّنة لصفاتها يأتي من كونها انعكاسًا لشكلها المثاليّ، لشكلها المجرّد. وهذا الشكل، الّذي يتطابق مع نفسه فقط، يُؤخَذُ أساسًا للمعرفة. الإنسانُ إنسانٌ طالما يمثّل شكله المثاليّ، وأن يُعرَفَ الإنسان، يعني أن يُعرَفَ ما هو شكل «الإنسان». وبالمثل، شدّدت مقولة ديكارت: "أنا أفكّر إذن أنا موجود"، على مركزيّة الهويّة والفرد. فالقدرة على معرفة النفس تُسهّل القدرة على أيّ معرفة أخرى، وهكذا. في كلتا الحالتين؛ يكون ثمّة شيء خاصّ بوصفه أساسًا للفهم، شيء فرديّ ثابت ولا يتغيّر؛ بكلمات أخرى، يكون الفرد/الفرديّ نموذج الحقيقة.</p>
<p dir="rtl">لكنّ دولوز اعتقد غير ذلك؛ فقد ادّعى أنّ الفكر ليس مُتجذِّرًا في الهويّة، بل يتناتجُ عن الاختلاف. "لا يمكن للتمثيل التقاط عالم الاختلاف البديهيّ"، كتَبَ، ولذلك علينا إيجاد طريقة جديدة للتفكير في الأشياء، طريقة جديدة للتفلسُف لا تتّخذ من الهويّة أساسًا لها. في الواقع، فإنّ ما يظهر لنا من خلال التجربة على أنّه مُتفرّد، سواءً كان حجرًا مُفرَدًا أو شخصًا مُفرَدًا، فإنّه يكتسب هويّته فقط نتيجة للصراع الدائم ما بين عدد من القوى المتنوّعة. ليس ثمّة ما يمكن وصفه بالفكرة المجرّدة عن "حجر" ما، بل ثمّة عدد من الحجارة تختلف عن بعضها البعض مثلما يختلف طائر ما عن الشجرة. فالعالم مؤلّف من الاختلافات، لا المُفرَدات/الأفراد، حتّى وإن تمكّن الفكر التمثيليّ من جعله يبدو غير ذلك.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">لماذا تفشل الثورات؟ </span></strong></p>
<p dir="rtl">في عام 1968، وبتأثير من أحداث أيّار 1968، كتَبَ غواتاري مقالته: "الآلة والبنية"، Machine and Structure ،1971، والّتي تناول فيها أعمال دولوز، واستخدم فيها حُجَجهُ ضدّ لاكان، في محاولة لوصف ما كان يحدُثُ فعلًا في الشوارع. فبينما حدّدَ لاكان مجموعة من القواعد البنيويّة الّتي تحدّد ظاهريًّا العلاقة ما بين أيّ شخصيّة فرديّة وموضوع رغبتها، أراد غواتاري أن يُظهِرَ أنّ الرغبة هي قوّة جمعيّة وإنتاجيّة. وبدلًا من التزام لاكان باللاوعي كشكل من أشكال المسرح الّذي عليه تُستعرَضُ الرغبات، اعتقد غواتاري أنّ ثمّة بدلًا من ذلك ما يمكن وصفه بالآلة أو المصنع الّذي يُنتِجُ الرغبة بشكل دائم. اعتبَرَ لاكان مقالة غواتاري تهديدًا لسلطته، وحاول منع نشرها، ولكن، غير آبه بازدراء أستاذه، أرسل غواتاري المقالة إلى دولوز، وكانت المحفّزة للقاء المصيريّ بينهُما.</p>
<p dir="rtl">أنتجت الشهور الأولى من صداقتهما مجموعة جامحة من الأفكار الأصليّة. اقترح دولوز روتينًا صارمًا على غواتاري؛ أن يستيقظ صباحًا ويشرع في الكتابة على الفور، ويُرسل إليه المسودّات الّتي يكتبها دون أيّ تعديل أو تنقيح عليها. اعتاد دولوز أن يقول أنّ "غواتاري كان حفّار الألماس، بينما كان هو صاقله". في طابعه الأعمّ، كان تعاونهما يتمّ عبر التراسل، رغم لقائهما الدائم مساء كلّ ثلاثاء لمناقشة وفحص عملهيما.</p>
<p dir="rtl">شكّلت الملاحظات الّتي دُوِّنَت خلال نقاشاتهما الأوّليّة المحمومة أساسَ كتابهما الأوّل «أوديب مُضادًّا» (1972)، وفيه شَرَعا في توضيح العلاقة ما بين الرغبة والواقع، وتسييق مأزق الفلسفة والتحليل النفسيّ في إطار الحالة السياسيّة القائمة. بكلمات أخرى، كانا يُريدان توضيح كيف تتفاعل الرغبة مع العالم المادّيّ، وفحص كيفيّة اشتباكها مع السياسيّ.</p>
<p dir="rtl">وكان سؤالهما الأكثر خصوصيّة؛ لماذا تفشل الثورات؟ لماذا يُقاتل البشر من أجل عبوديّتهم كما لو أنّها حرّيّتهم؟ لماذا تنتهي الحركات الجماهيريّة إلى الإضرار بمصالح الجماهير نفسها؟ لقد وصل كلّ من هتلر وموسوليني إلى السلطة من خلال حركة شعبويّة، فإذن، كان استنتاجهما أنّه لفهم الفاشيّة يجب أوّلًا تفسير رغبة الناس بالفاشيّة. "لقد تمكّن هتلر من إثارة الفاشيّين جنسيًّا، والأعلام، والقوميّات، والجيوش، والبنوك جعلت الكثيرين مُثارين جنسيًّا"؛ هكذا كَتَبا في «أوديب مُضادًّا».</p>
<p dir="rtl">إنّ الرغبة ليست فرديّة؛ ذلك ما كان مركزيًّا في أطروحتهما، فالرغبة تمرّ عبر الناس، تقودهُم، ولكنّها ليست بالضرورة في تلاق دائم مع المصلحة الشخصيّة المجرّدة. فعند محاولة تحليل طريقة عمل الرغبة في المجموعات الكبيرة، سيجد المرء أنّها ليست كُتلة واحدة ولا هي مُجزّأة؛ فالرغبة في جوهرها هي "نوع من البديهيّ الّذي لا يمكن اختزاله في أيّ نوع من الوحدة"، ولا يمكن أن تُفهَمَ إلّا من خلال ما أسمياه بـ «التعدّد»، التعدّد غير الممكن تجزيئه إلى كينونات مُكوِّنة.</p>
<p dir="rtl">ولكن، في حين أنّ الرغبة ليست في تلاق دائم مع الفرديّ، فإنّ المجتمع الرأسماليّ يفعل ما بُوسعه لجعل كلّ الرغبات تمرُّ من خلال الفرديّ. كان فرويد من بين الأوائل الّذين اشتغلوا على تشريح الرغبة، لكنّ عمله ركّز على أمراض مرضاه الفرديّة، ولم يتفحّص بشكل مُلائم هذه الأمراض من خلال عدسات الفحص التاريخيّة. فالعُصابيّة الّتي شخّصها فرويد، والّتي تستمرُّ في الانتشار كوباء في القرن الواحد والعشرين، لم تكن تفتقر إلى سياقات تاريخيّة؛ بل على النقيض، فهي كانت نِتاج تطوّر الرأسماليّة في اتّجاهات تقييد، وتنظيم الرغبة، وتأديبها داخل أنماط ظهور محدّدة.</p>
<p dir="rtl">لنفكّر بالعائلة النووية على سبيل المثال، وهي، بالنسبة لدولوز وغواتاري، بناء تاريخيّ يُنمْذِجُ الناس من خلال عمليّة أودَبة Oedipalisation [من العقدة الأوديبيّة]. فالأطفال يُربّون على توجيه رغبتهم نحو موضوع عاطفيّ، الأمّ، يُمنَعُ عليهم الوصول إليه عاطفيًّا من خلال قانون صارم يتجسّد بالأب. ونِتاج هذه العمليّة تتكوّن الذات الفرديّة السلبيّة، الّتي ستذهبُ إلى العمل لتُطيع المُدير/ة، وتتنافس مع جيرانها، وتستهلك سيلًا لا نهائيًّا من السلع. وهنا، يتقمّص التحليل النفسيّ دور شرطيّ الرأسماليّة؛ إذ يتعقّب ظهور أيّ انحرافات نفسيّة ويعمل على تقويمها مُستخدمًا صورتا العامل الجيّد والطفل الجيّد.</p>
<p dir="rtl">بطريقة ما، يمكن قراءة «أوديب مضادًّا» كنقد فرويديّ لكارل ماركس؛ فقد فشل الخطاب الماركسيّ في تفسير دوافع لحظات من العمل الجمعيّ لأنّه لم يفهم آليّات عمل الرغبة، ولكن من الممكن إعادة تنشيطه من خلال استدخال المفهوم الفرويديّ للرغبة. لكن، في الوقت نفسه، يذهب الكتاب في اتّجاه أن يكون أيضًا نقدًا ماركسيًّا معاكِسًا لفرويد، لغاية تجديد التحليل النفسيّ من خلال استدخال الفهم الماركسيّ التاريخيّ للعمل. فكان نتاج الخليط الماركسيّ – الفرويديّ التحليل النفسيّ الأنثروبولوجيّ الّذي أسمياه بـ «التحليل الفُصاميّ - Shizoanalysis» والممكن التّفكير فيه بوصفه سرديّة لتاريخ الرغبة كقوّة إنتاجيّة، وكقوّة لا شخصانيّة ذات قدرة على خلق العالم.</p>
<p dir="rtl">يقع التحليل الفصاميّ في مكان ما بين التحليل النفسيّ والتحريض السياسيّ؛ إذ يتمحور دور شخصيّة المحلّل الفصاميّ حول تفكيك عمليّات الرغبة اللاواعية وتحديد إمكانيّاتها الثوريّة. وقد حدّدا دولوز وغواتاري ثلاث مراحل يمكن من خلالها إحداث التغيير السياسيّ باستخدام التحليل الفصاميّ؛ أوًّلًا، إيجاد عمليّات الرغبة المخالفة للرأسماليّة، ومن ثمّ تتبّع كلّ منها إلى أقصى منابعها لتمكينها من الهرب من التقييدات الرأسماليّة، وأخيرًا، تنظيم هذه العمليّة المختلفة لخلق "حالة ثوريّة جنينيّة"، على المستوى الجزيئيّ منها.</p>
<p dir="rtl">ما الّذي يعنيه ذلك؟ اعتَقَد دولوز وغواتاري أنّه من المستحيل معرفة شكل الثورة مقدّمًا، ولذلك، وبدلًا من الدعوة إلى ثورة وفقًا لخطّة معدّة سلفًا، اقترحا سياسات تجريبيّة. وقد شكّلت المحن الجسديّة في «مسرح القسوة» للمسرحيّ الفرنسيّ أنتونين أرتود، ومغامرات الكاتب الأمريكيّ ويليام إس بوروز المحفّزة بالمخدّرات، أمثلة مفضّلة لدولوز وغواتاري عن كيفيّة استكشاف التنظيمات البديلة للرغبة.</p>
<p dir="rtl">كان ثمّة طيفًا واسعًا من الفئات الّتي بإمكانها أن تكون جزءًا من هذا المشروع بالنسبة لدولوز وغواتاري، اللّذات رفضا الفكرة الماركسيّة التقليديّة القائلة بأنّ الطبقات العاملة هي أساس التغيير، وأراد نصب مظلّة أوسع يمكن تحتها توحيد كلّ المجموعات المهمّشة. لقد اعتقدا أنّ أولئك المُضطهدين من البطريركيّة (النساء)، ومن العنصريّة (غير البيض)، ومن المعياريّة الجنسيّة المغايرة Heteronormativity (المجموعات المثليّة ومجموعات الـ LGBTQ)؛ اعتقَدَا أنّ جميع هذه المجموعات تعاني من آلة الطغيان الإمبرياليّة الرأسماليّة ذاتها. ولا يمكن لثورة مضادّة للرأسماليّة أن تنجح إلّا من خلال جمع هذه الأقلّيات مع بعضها؛ ذلك أنّ الصورة الفلسفيّة للفرد تستند على شكل الذات الذكوريّة البيضاء، ولا يمكن إلّا من خلال عمليّات صيرورة التحوّل إلى «امرأة»، أو «أقلّويّ» الوصول إلى نفي شبح الفرديّة نهائيًّا.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">ضدّ «أوديب مُضادًّا»</span></strong></p>
<p dir="rtl">أثار "أوديب مُضادًّا" الكثير من العداء؛ فقد كان لاكان غاضبًا ومنع أيّ مناقشات تتناول الكتاب في محاضرات، وفي حين كان العديد من السياسيّين اليساريّين متعاطفين مع غايات دولوز وغواتاري، إلّا أنّهم حذّروا من تهوّرهم وهرطقاتهم. وعلى الرغم من، أو ربّما بسبب هذه الانتقادات، حقّق الكتاب نجاحًا فوريًّا، فنفذت طبعاته خلال أيّام واستجلب مراجعة من صفحتين في مجلّة "لو موند – Le Monde".</p>
<p dir="rtl">لكنّ اللا اعتياديّة لم تتعلّق فقط بالمحتوى، بل أيضًا بشكل تعاونهما ونموذجه الّذي شكّل خروجًا عن التقليديّ؛ فكُتُبُهما احتوت على حشد من الأصوات الّتي يصعب تمييز أيّ منها على أنّها صوت دولوز أو غواتاري. "بما أنّ كلّا منّا كان متعدِّدًا، فقد كان ثمّة حشد بالفعل منّا"؛ هكذا كتبا في «ألف بساط» (1980) A Thousand Plateaus، وهو الجزء الثاني من «أوديب مضادًّا»، وقد تردّد صدى هذه العاطفة لاحقًا في كلمات غواتاري:"كلانا كان مختلفًا جدًّا... أنا أكثر انجذابًا للمغامرات، ولنقل أنّي كنت كالكوماندوز المفاهيميّ الّذي يحبّ الترحال في الأراضي الأجنبيّة، أمّا جيل [دولوز]، فقد كان الثقل الفلسفيّ، والإدارة الببليوغرافيّة المكتملة".</p>
<p dir="rtl">من خلال العمل بهذه الطريقة، كان يحاولان مقاومة النزوع نحو الفردانيّة العقيمة والمميتة على المستوى العمليّ مثلما فعلا على المستوى النظريّ. يحتوي كتاب «ألف بساط» على خمسة عشر فصلًا تغطّي عددًا متنوّعًا من المواضيع؛ من الجيولوجيا إلى اللغويّات، والبيولوجيا الجزيئيّة إلى الرسم، والشعر إلى الاقتصاد السياسيّ. وهنا يتشظّى نقدهم للهويّة إلى ألف مُقايَسَةٍ صغيرة؛ فبدلًا من التعامل مع كلّ حقل بانفصال عن الحقول الأخرى، حاول دولوز وغواتاري إظهار أين وكيف يتداخل حقل مع آخر، متحدِّيان بذلك مركزيّة كلّ منها. وفي النهاية سعَيا إلى فتح الفكر على خارجه، وليدفعا ضدّ انغلاق العمل النظريّ على ذاته.</p>
<p dir="rtl">تعاون دولوز وغواتاري في أعمال أخرى غير «أوديب مضادًّا» و«ألف بساط»، واستمرّ كلّ منهما في عمله على مشاريعه الخاصّة. كتب دولوز بكثافة عن إمكانيّات السينما، وكذلك عن فلسفة ميشيل فوكو، وغوتفريد ليبنيز وآخرين. أمّا غواتاري فدَعَا إلى ابتداع تفكير إيكولوجيّ [بيئيّ] جديد يمكّن من شرح التفاعلات ما بين بيئتنا النفسيّة، والسياسيّة وبيئة كوكبنا. وكان تعاونهما الأخير هو كتاب «ما الفلسفة؟» (1991).</p>
<p dir="rtl">بعد عام من تعاونهما الأخير مات غواتاري بذبحة قلبيّة، وكان دولوز أشدّ مرضًا من أن يحضر الجنازة. فكان يعاني من مشاكل تنفّسيّة وبسببها لم يتمكّن من العمل، وفي النهاية قرّر إنهاء حياته بالقفز من شقّته في باريس بعد ثلاثة أعوام من موت غواتاري.</p>
<p dir="rtl">"نحن لم نتعاون كشخصين مختلفين؛ بل كنّا أقرب ما نكون إلى تيّارين سائلين يمتزجان ليصنعا تيّارًا ثالثًا شكّلنا؛ نحنُ، أفترضُ، ذلك التيّار الثالث"، هكذا وصف دولوز تعاونه مع غواتاري. أو كما قال غواتاري، "كان ثمّة سياسة اختلاف حقيقيّة بيننا، ليست طقسًا، بل ثقافة عدم تجانس جعلت كلّا منّا يعرف بتفرّد الآخر ويقبل تفرّده". لقد اشتغلا لا من خلال تأكيد هويّتيهما عبر صراع الواحدة مع الأخرى، بل من خلال إدراك نفسيهما بوصفهما فضاءات يمكن لاختلافاتهما أن تزدهر في هذه الفضاءات. من نواة ذلك الاجتماع الأوّل في "ليموزين"؛ ولدت التعدّدية.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20740">اثناهُما حشدًا: عن فلسفة دولوز وغواتاري (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مدخل إلى السّياسات النّفسيّة: الذّات الإنجازيّة واستعبادُ الذّات</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20605</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس إبراهيم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 19 Aug 2021 07:00:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%af%d8%ae%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%91%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%91%d9%81%d8%b3%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%91%d8%a7%d8%aa-%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"سيثبَتُ لاحقاً أنّ الحريّة كانت مجرّد "فاصل"؛ فالحريّة تحسُّ عند الانتقال من نمَطٍ حياتيّ إلى آخر، حتّى يتضح أنّ النمط الآخر هو شكلٌ من أشكال الإكراه، عندها يُفسحُ التحرّر مكاناً للإخضاع، ويكون التّلاشي مصير الذّات الحرفيّ"؛ بهذه الكلمات يفتتح بيونغ تشول-هان كتابه: "السّياسات النيوليبراليّة وتكنولوجيا القوّة الجديد Pychopolitics: Neoliberalism and New Technologies of Power"، الذي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20605">مدخل إلى السّياسات النّفسيّة: الذّات الإنجازيّة واستعبادُ الذّات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">"سيثبَتُ لاحقاً أنّ الحريّة كانت مجرّد "فاصل"؛ فالحريّة تحسُّ عند الانتقال من نمَطٍ حياتيّ إلى آخر، حتّى يتضح أنّ النمط الآخر هو شكلٌ من أشكال الإكراه، عندها يُفسحُ التحرّر مكاناً للإخضاع، ويكون التّلاشي مصير الذّات الحرفيّ"؛ بهذه الكلمات يفتتح بيونغ تشول-هان كتابه: "السّياسات النيوليبراليّة وتكنولوجيا القوّة الجديد Pychopolitics: Neoliberalism and New Technologies of Power"، الذي يتمحور حول مفهوم السّياسات النفسيّة Pychopolitics الذي يُشيرُ إلى مجموع ممارسات وسياسات السّيطرة التكنولوجيّة الذكيّة النيوليبراليّة على الجُموع البشريّة في المجتمعات النيوليبراليّة. وعلى النّقيض من مفهوم السّياسة الحيويّة Biopolitics الذي يُشيرُ إلى مجموع تقنيات الضّبط والسّيطرة التي تهدف إلى إخضاع الأجساد والسّيطرة على السكّان" لضمان "استدامة، استمراريّة ومُضاعفة الحياة لتطويعها مع النّظام القائم"، يدّعي هان أنّ السياسات النفسيّة هي النّقيضُ ظاهرياً لعصر السّلطة التأديبيّة والسياسة الحيويّة. </p>
<p dir="rtl">فالصّفة الأساسيّة للسّلطة التأديبيّة هي القَمْع، قمع المُتعة والرّغبة، فحيثُما ظهرت الرّغبة تكون علاقات القوّة حاضرة لضَبْطِها، قمعها ومُلاءَمَتِها والحالة الاجتماعيّة المُهيمنة، من خلال مجموع القيم والتقاليد الاجتماعيّة المتّفق عليها. تنحَتُ السّلطة التأديبيّة الجسَدُ ليكون وحدة إنتاجيّة، تُنسِّقهُ عظمياً وبدنياً ليُصبِحَ آلَةً إنتاجيّة، وتكون آليّات الضّبط هي "الأساليب التي تجعل من الممكن التحكّم الدقيق في عمليّات الجسد، والتي تضمن خضوعه المستمرّ لقوّاتها، وتفرضُ عليه علاقات تجعله طيِّعاً وسهل الانقياد"</p>
<p dir="rtl">إنَّ السّلطة التأديبيَّة هي سُلطَةٌ قِيَمِيّة، فهِي تُخضِعُ الذّات لمجموعةٍ من القَواعد السّلوكيّة، القِيَمْ، الأوامر والمَوانع، وتُحيِّدُ أيَّ انحرافٍ أو شُذوذٍ، وهذا الطَّابعُ التدريبيِّ السّلبيِّ هو طابعٌ مؤسِّسٌ للسّلطة التأديبيّة؛ وفي سُلوكها السّلبيّ هذا تقتربُ من التّماثل مع السّلطة السياديّة التي تقوم على السّخرة والجِباية الضّريبيّة؛ فالسّلطتان السّيادية والتأديبيّة تستندانِ إلى منطقٍ الاستغلال الإجباريّ Allo-exploitation؛ أيّ استغلال السّلطة للأفرادِ غَصْباً، خالِقَةً بذلك الذّات الطَيِّعة Obedience-Subject. ورغم أنَّ التقنيّة التأديبيَّة تتجاوز التأديب الجسديّ المُباشر لتصل إلى التأديب الذهنيَّ، إلَّا أنَّها لا تُركِّزُ على النَّفْس، بقدَر ما يتركَّزُ قمعها على إجبار الأجسادِ على نَسَقٍ ثابِتٍ من العمَلِ الشاقِّ الدَّائم. لكنَّها لا تتمكَّنُ من اختِراقِ الطّبقاتِ المخفيَّة من الوعي النفسيّ لتتحكَّمَ بالرّغبات الداخليَّة، الحاجاتِ أو الأمنياتِ والاستيلاءِ عليها وتحويلِها، كما تفعلُ السّياسات النفسيَّة، لتعمَلَ لصالحها. فالأخُ الأكبَرُ الخاصَّ بجيريمي بِنثام، الذي يُراقبُ سجناء البانوبتيكون-السّجن، يتمكَّنُ فقط من مُراقبة السّجناء من الخارج، فهُو مجرَّدُ وسيط بصريَّ لا يُمكِّنُ الأخ الأكبر من الوُصول إلى أفكار السّجناء الدّاخليّة. </p>
<p dir="rtl">لقد اكتشفَتْ السّلطة التأديبيَّة "السكَّان Population"، الذين كانوا في السَّابق مجرَّد رَعايا أو جزءاً من ملكيّات أرستقراطيَّة؛ وقد تحوَّلوا إلى قوَّة إنتاجيَّة يجبُ التَّعامل معها بحذَر. هُنا ظهرَتْ السّياسة الحيويَّة Biopolitics، التي تولَّت هذه المهمَّة من خلال عدد من الخطابات العموميّة والرّسميّة، الطبّيّة، الصحيّة، النّفسيّة والشُّرَطيَّة التي تدخَّلت في تنظيم الحياة البشريَّة والتدخّل في كلّ جانبٍ من جوانب الحياة البشريَّة بشكلٍ قمعيّ، تنظيميّ وتأديبيّ. تعاملت هذه الخطابات مع المُشكلة السكّانيّة بوصفها ثروة بشريّة أو قوّة عاملة، وجب إبقاؤها في حالة من التوازن ما بين الحفاظ على استمراريّتها وما بين ضرورة توفير الموارد اللازمة لإدامة هذا النموّ؛ وللحفاظ على هذا التّوازن كان من الضّروريّ الإحاطة الرقميّة والبيانيّة بالسكّان من خلال معدّلات الوفاة والولادة، معدّل الحياة المتوقّع، الخُصوبة، الحالة الصحّية والحالات المرضيّة، وغيرها من البيانات التي شكَّلت في مجملها ما يُسمِّيه فوكو بالسّياسة الحيويّة. السّياسة الحيويّة الجنسيَّة التي تقمع وتنظِّم العلاقات الجنسيَّة وتُحرِّمُ منطق المتعة وتحوّل الجنس إلى حيِّزٍ إنتاجيّ بشريّ؛ السّياسة الحيويّة النفسيَّة التي قمَعَت وأدّبت النّساء، المجانين، متعاطي المخدّرات والكحول، المرضى النفسيين بالاكتئاب أو الاحتراق النفسيّ أو الشيزوفرينيا، والتي حوّلت المشافي النفسيّة إلى مؤسسات تأديبيّة تهدف لإعادة تأهيل هذه القوّة البشرية العاطلة وغير الإنتاجيّة وإعادتها مرّة أخرى إلى السّوق، أو مواقعها الإنتاجية الأصليّة لتُساهم في الإبقاء على حالة التوازن الديمغرافية التي تخدِمُ نموّ الرّأسماليّة الصناعية – أو على الأقل، الحفاظ على هذه الفئة غير الصّالحة والعاطلة من النّاس معزولة عن الجُموع السكّانيّة العاملة. هكذا، أصبحَتْ السياسة الحيويّة هي التقنيَّة الحكوميَّة للسّلطة التأديبيّة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">إشكاليَّات السّياسة الحيويّة في تحليل العصر النيوليبراليّ </span></strong></p>
<p dir="rtl">يدَّعي هان أنَّ ثمَّة إشكاليّات نظريَّة في مفهوم السّياسة الحيويّة تجعلهُ غيرُ مُلائمٌ لتحليل ظواهِر السّيطرة والتأديب في العصر النّيوليبراليّ؛ فالسَّلطة في النّظام النّيوليبراليَّ تتراجَعُ مُتخلِّية عن حقِّها وممارساتها التأديبيَّة المُباشرة التي تتصِّفُ بالإجبارِ الخارجيّ، حيثُ ثمَّة سُلطة مُباشرة تستغلُ الإنسان وتؤدِّبُ جسَدهُ لجعلهِ طَيِّعاً مُلائِماً لأنماط الإنتاج، فِيما يُعرَفُ بالـ Allo-exploitation. فالسّلطة في النّظام النّيوليبراليّ هي السّلطة الذكيّة Smart Power والتي تعملُ بحسَبِ هان على استغلال الذّهن Pysche؛ لكنَّ السياسة الحيويَّة التي تشتغلُ على الإحصاءات السكّانية لا تتمكَّنُ من الولوج إلى مملكة الذّهن، وبالتّالي لا تتمكَّنُ من الإتيانِ ببياناتٍ ذهنيَّة Pyschogram سُكَّانيّة. فالدّيمغرافيا Demography، ليسَتْ نفسُها الـسايكوغرافيا Pyschography؛ فالدّيمغرافيا لا تعكِسُ الحالَة الذهنيَّة للسكّان؛ لكنَّ الـBigData، تستطيعُ فعل ذلك، وإنْ كانت الإحصاءات هِي الأداة القياسيَّة للسياسة الحيويّة، فالBigData هِي الأداة القياسيّة للسياسات النفسيّة Pyschopolitics. فالـBig Data قادرة لا فقط على تأسيس بياناتٍ ذهنيَّة فرديَّة، بل بإمكانِها تأسيس بياناتٍ ذهنيَّة جمعيَّة، بل "وربَّما تأسيس بياناتٍ ذهنيَّة للاوعيّ نفسه؛ وفي ذلك تكونُ قادرةً على الولوج إلى أعماقِ الذّهن واستغلال الوعي واللاوعي بكلِّيتهما". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">من الذّات Subject إلى المّشروع Project</span></strong></p>
<p dir="rtl">لا نُفكِّرُ اليوم بأنفسنا كذواتٍ خاضعة لبناء اجتماعيّ خارجيّ، بل نفكِّر بها كمشاريعٍ Projects لا كذوات Subjects؛ ذواتٌ دائماً ما تعيدُ اختراع ونمذجة نفسها. فثمّة شعورٌ بالحريّة في إمكانيّة التحوّل من ذاتٍ إلى مشروع، فالمشروع يُفكِّرُ بنفسهِ حرَّاً من العوائق والمحدَّات الخارجيّة. وهُنا، يتقاطع تحليلُ هان للذّات-المشروع مع تحليل باومانِ لسلوكِ الأفراد في عالم الحداثة السّائلة، وشعورهم بأنّهم يعيشون في عالمهم مليءٍ بالفرص، ما يخلُقُ شعوراً مسيطراً بالحريّة – والسّيولة المُطلقة – بسبب قدرتهم على الانتقال من فُرصةٍ إلى أخرى، مستمتعين بين الفرصة والأخرى بلذّة التحوّل والخفّة في تحقيقه، لكنّ زواله الحتميّ المرتبط بخفّته وبأنّ ثمّة فرصة أخرى تلوح في الأفق يولِّدُ بعض المرارة التي سُرعان ما تزول بلذّة التحوّل التالي. فيعيشُ الإنسانِ بَينَ لذّتَينِ بطعمِ المرارة، فالصَّيرورة المستمرّة النّاشئة عن الشّعور بالخفّة والقدرة على التحوّل، تعني في الآن ذاته، أن ما من شيءٍ نهائيّ وأنّ كلّ شيء يحدُثُ في المستقبل، بمعنى أنّ الحياة في هُنا والآن، ليست هي الحياة لا النهائية ولا الأكثر كَمالاً، وأنّ الحياة النهائية "في مكانٍ آخر"، ولا بدّ من الاستمرار في السّعي وراءها.</p>
<p dir="rtl">هنا تنتقلُ مهامّ السَّلطة التأديبيّة القَديمة إلى الذّات-المشروع التي تستبدلُ التقييدات والضّوابط الخارجيّة بتقييداتٍ وضوابطٍ سلوكيّة ذاتيّة تأخذُ نمطاً قهريّاً لتحسين الذّات – فتستبدلُ القمعَ الخارجيّ بقمع ذاتيٍّ تأديبيٍّ للجسَدِ وحركَتهِ للتمكَّن – أو إدامَةِ حالَةِ الخفَّة أو القُدرة على اغتنام الفُرصة التّالية. </p>
<p dir="rtl">فإن كانت حرّية سارتر الوجوديّة تجلبُ الدّوار، فنحنُ الآن وفقاً لتشول هان، نعيشُ في مرحلة تاريخيّة تجلبُ فيها الحرية الإكراه والضّبط الذاتيّين. فحرّية الـ أستطيع Can، تولِّدُ إكراهاً أشدّ قمعاً وتأديباً من الـ يجب/عليك Should التي تصدُرُ عن السّلطة التأديبيّة كأوامرٍ وموانع. فالـ يجب لها حدودها – التي تعرِّفها السّلطة التأديبيّة – على العكس من الـ أستطيع Can اللامحدودة، ما يولِّدُ دورةً لانهائيّة من الإكراه القهريّ الذاتيّ. وهُنا تظهَرُ مُفارقَةُ السياسات النّفسيّة النيوليبراليّة التي تحُوِّلُ الشّعور بالحرّية الفرديَّة – التي يُفترَضُ بها أن تكون النّقيض من الإجبار والإكراه – إلى سوطِ الذّاتِ على نفسها لتحسينِها، تَجْمِيلِها وإعادة إنتاجها بشكلٍ دائمٍ، فإنْ كانَ من الممكنِ دائماً فعلُ ذلك – بِدايةً من التدخّلات الجراحيّة التَجْميليّة، مُروراً بدُروس التَنْمِية البشريّة والمُساعدة الذّاتيّة وليسَ انتهاءاً بالشّعور القهريّ بضرورة العمَلِ الدّائمِ وتحسينِ المهارات العمليّة – فلا بدّ إذنٍ من تحسِينِها بشكلٍ دائمٍ؛ لأنّ انعِدامِ النّسخة الأفضَل من الذّات، يعني أن ثمّة نسخة أفضلٌ في مكانٍ ما.</p>
<p dir="rtl">بهذه الكيفيّة تُنتِجُ السياسات النفسيّة النيوليبراليّة ما يُسمِّيه هان بالذّات الإنجازيّة Achievement-Subject؛ أيّ الذّات المشروع التي تفكِّر بنفسها كذاتٍ حرّة لشعورها بقدرتها اللامحدود على الصّيرورة؛ في حين أنَّها تعيشُ في حالةٍ مُطلقةٍ من العبوديّة فيها يُصبِحُ الفَردُ سيِّداً على نفسهِ وعَبدَاً في الآن ذاتهِ، ويعيشُ في حالة مُطلقةٍ من استعباد الذّات. فليسَ ثمّة سيِّدٌ خارجيّ يُجبِرُ الذّات الإنجازيّة على الانهِماكِ في العمَلِ الدّائم حدّ الاحتراق والاكتئاب النّفسيّ، وعلى الرّغم من ذلك، إلّا أنّها تستمرُّ في إرغام نفسِها على العيش في حالةٍ مُطلقةٍ من الحياة العارية والسّخرة، مستعبدةً بذلك نفسها ومتسيِّدَةً عليها.  </p>
<p dir="rtl">هُنا وكنُسخَةٍ متحوِّلة عن الرّأسمالية، تحوِّل النيوليبراليّة العمّال والقُوى الإنتاجيّة التقليديّة إلى رياديين؛ فاليَومُ الجميع مُستغِلٌ Exploiter لنفسه/ها في سياق الطّموح الذاتيّ لتحقيق مشروعه/ها الخاصّ؛ فالأفرادُ أسيادٌ وعَبيدٌ في الآن ذاته، وما كانَ في الماضي صراعاً طبقيّاً بين الطّبقة العاملة والطّبقة المالكة لوسائل الإنتاج، أصبحَ الآنَ صِراعاً ضدَّ الذّات؛ ضدَّ الخُمول، ضدَّ الكَسَل، ضدَّ أوقات الفِراغ، ضدَّ العلاقات غير النّفعيّة، ضدَّ الشّرود الذهنيّ، ضدّ المُتعة وضدِّ الآخَرين المُنافِسين ممَّن كانوا، أو يُفترَضُ بهِم أن يكونوا، أعضاء الطّبقة الاجتماعيّة ذاتها. </p>
<p dir="rtl">يدَّعي هان أن ليسَ ثمَّة بروليتاريا في النّظام النيوليبراليّ على الإطلاق، فليسَ هناك طبقة عاملة تُستغلُّ من قبل أولئك الذين يملكون وسائل الإنتاج. فعندما يكون الإنتاج غير مادّيٍ أصلاً، فالجميع يملكون وسائل إنتاج أنفسهم. لم يعد النظام النيوليبراليّ نظاماً طبقياً بالمعنى الصّارم للكلمة، فهو لا ينطوي على طبقاتٍ تُظهِرُ عداءاً متبادلاً وذلك ما يُشكِّلُ دعامةً لاستقراره. فشُروط عمليّات الإنتاج المُعاصرة يمكن تعريفها بمبدأ عُزلة الرّياديَّ الذي يعزلُ نفسه ويُصارع نفسه ويُمارِسُ استغلال نفسهِ طواعيةً. </p>
<p dir="rtl">كذلك لم يعد التمييز بين طبقة برجوازية وبروليتاريّة قائماً، فالبروليتاريا تعني حرفياً أنّ المرء لا يملك عدا أطفاله/ها: وهُنا ينسحبُ مفهوم إنتاج الذّات فقط على الوظيفة البيولوجيّة الإنجابيّة. لكنَّ الوهم القائم اليوم أنَّ الجميع – كمشارع حرّة لإعادة اختراع نفسها بإرادتها – قادرون على إعادة إنتاج أنفسهم بشكلٍ لانهائيّ. وذلك يعني أنّ ديكتاتوريّة البروليتاريا أصبحت مستحيلة عملياً وبنيوياً، ما يُفسِحُ المجال لديكتاتوريّة رأس المال بشكلٍ مُطلق. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">ديكتاتوريَّة الشَّفافيَّة والمعبَدُ الرّقميّ</span></strong></p>
<p dir="rtl">"أينَ تُريدُ الذّهاب اليوم؟"؛ إلى أيِّ مكانٍ في العالِم، في لحظَةٍ واحدة، ستكون/ـين فِيه. ذلك كان شعار مايكروسوفت الأوّل، وكما تبيَن لاحقاً، تلك اليوفوريا كانت مُجرّد وهم، فلا أحدَ – بالكادِ فِيما عدا القلّة البرجوازية – يذهَبُ إلى أيِّ مكان والجَميعُ يجلِسُ بِلا حراكٍ أمام الشّاشات الإلكترونيَّة الصَّغيرة مِنها والكَبيرة. كذلك تحوَّلت الحُرِّية اللامحدودة والتّواصل الكُلِّي إلى مُراقبة وسيطرة شاملتَين، وتحوَّلت شبكات التّواصل إلى بانوبتيكون رقميَّ فيهِ تُراقَبُ المملكة الاجتِماعيَّة وتُستغلُّ بِلا رحمة؛ الجَميعُ يُراقِبُ الجَميع، والجَميعُ مُراقَبٌ من بُرجِ الحِراسة الرقميَّ. فِي البانوبتيكون الرّقميّ، ليسَ ثمَّة مُجرّد حارسٌ يرى السّجناء من الخارج، بل من الدّاخل، إنَّه الذِّهن وقد أصبَحَ مُخترَقاً والسُّلوك أصبحَ شَريطاً تسجيلياً للأفكار، الرّغبات والحاجات التي يتمَّ تخزينها في سايكوغرافيا Pyschography ضَخْمَة هائِلة تُمكِّنُ الشَبَكَةَ من الوُلوجِ إلى لاوعيِ المُستخدِمِ الذي لم يعُدْ ذاتاً حُرَّة، بل أصبحَ عَميلاً Costumer لكلِّ ما تتيحهُ لهُ الشّبكة. وفي البانوبتيكون الرّقميّ ثمَّة حُمَّى الرّغبة في أن نكون غيرنا؛ أن نكونهم [هم الآخرين، الذين كانوا ذاتَ مرَّة جحيماً] لأنَّهم يُتقنون تَجْميل أنفسهم بطَريقةٍ أفضَل منّا؛ نُريدُ تلك النسخة المُحسَّنة إلى أقصَى درجة ممكنة، حتَّى ولو ستدومُ للحظَةٍ واحدةٍ فقط تكفِي لالتقاطِ صورةٍ شخصيَّة لنضعها على الفيسبوك. </p>
<p dir="rtl">"كنَّا لتوِّنا حرَّرنا أنفسنا من البانوبتيكون التأديبيّ، ولكنَّنا عُدنا ورمَينا بأنفسنا إلى بانوبتيكون جديد كلّياً، وأكثر كفاءةً من سابقه"، وفي البانوبتيكون الرّقميّ، ينهمك شاغلو هذا الفضاء الرّقميّ بالتّواصل بنشاطٍ مع بعضهم البعض وبطواعيةٍ يكشفون عن أنفسهم؛ أيّ أنهم متواطئون في عمليات البانوبتيكون الرقميّ وليسوا مجبرين على أيّ شيء؛ فالحرِّية اليوم هي مُرادفُ الفَضيحة، والرَّغبة في الانفضاحِ أمام الآخرين هي المُحرِّكُ الأوَّل للسلوك البشريّ على الشبكة الاجتماعيّة. هنا تستفيدُ السَّيطرة الرقميّة بشكلٍ كبير من الحريّة الفرديّة، وفي ذلك يعود الفضل إلى الرّغبة في كشف الذّات وفضحها الطّوعيّ من قبل المستخدمين. </p>
<p dir="rtl">ندخلُ إذن، عصر السّياسات النفسيَّة الرّقميَّة؛ أي الدّخول من عصر المُراقبة السَّلبية إلى التّوجيه الفعّال للأفراد؛ وذلك ما يجعلُ الإرادة الحرّة نفسها على المحكّ، فكما اشتغلت السّياسة الحيويَّة من قبل كخادِمةٍ للسلطة التأديبيَّة وأداةٍ فعّالة في هندسة السكّان، تشتغلُ الـ Big Data كأداةٍ سياسيّة نفسيّة شديدة الفعالية بإمكانها تحقيقُ معرفةٍ دقيقة بديناميكيات التّواصل/التفاعل الاجتماعيّ، وهي المعرفة التي تُكرَّسُ لتحقيق الهيمنة والسَّيطرة، إذ تمكِّنُ السّلطة ورأسالمال من التدخّل في النّفس [الذّهن] والسّيطرة عليها سلوكياً على مستوى اللاوعي. </p>
<p dir="rtl">وكما لكلِّ نظام، ولكلّ تقنية هيمنة، أدواتٌ طيِّعة تشتغلُ وظيفياً على الإخضاع وتُجسِّدُ وكذلك تُدعِّم الهيمنة، تظهر الهواتف الذكيَّة بوصفها أداة الطَّاعة في الحقبة الرّقمية. فالهاتفُ الذكيّ، بحسب هان، بوصفهِ أداة إخضاعٍ، يمكنُ مماثلته بالمسبحة؛ فكلاهُما، يخدِمان غاية مراقبة الذّات والسّيطرة عليها، وهنا، تفوِّضُ السّلطة للأفراد مهمّة مراقبة الذّات والبَقاء في عالَمِ الشّبكَة الافتراضيّ، ويُصبِحُ زرّ الإعجاب Like هو الـآمين Amen الرّقميّ:""فعندما نضغطُ زرّ الإعجاب نحنُ ننحني لنظام الهيمنة، فالهاتفُ الذكيّ ليس مجرّد جهاز مراقبة فعّالة، بل هو مقصورة اعتراف متنقّلة: ففيسبوك هو المعبَدُ العالميّ الرّقميّ". </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20605">مدخل إلى السّياسات النّفسيّة: الذّات الإنجازيّة واستعبادُ الذّات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تحوّلات إدوارد سعيد (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20514</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس إبراهيم]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 04 Jun 2021 12:25:46 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%91%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a5%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتبها بانكاج ميشرا*، نشرتها مجلّة The New Yorker في ١٩ إبريل ٢٠٢١.   "بروفيسور الإرهاب"؛ ذلك كان عنوان عدد مجلّة Commentary الصّادر في أغسطس عام 1989، وداخله كانت هناك مقالة تصفُ إدوارد سعيد، أستاذ الأدب المقارن واللغة الإنجليزية آنذاك في جامعة كولومبيا، بأنّه أمين سرّ ياسر عرفات والنّاطق باسم الإرهابيين الفلسطينيين. "إدواردو سعيد Edurdo Said"؛ هكذا أشير إليه في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20514">تحوّلات إدوارد سعيد (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">كتبها بانكاج ميشرا*، نشرتها مجلّة </span><a href="https://www.newyorker.com/magazine/2021/04/26/the-reorientations-of-edward-said" target="_blank" rel="noopener">The New Yorker</a> <span style="color:#7f8c8d">في ١٩ إبريل ٢٠٢١.</span></p>
<p> </p>
<p dir="rtl">"بروفيسور الإرهاب"؛ ذلك كان عنوان عدد مجلّة Commentary الصّادر في أغسطس عام 1989، وداخله كانت هناك مقالة تصفُ إدوارد سعيد، أستاذ الأدب المقارن واللغة الإنجليزية آنذاك في جامعة كولومبيا، بأنّه أمين سرّ ياسر عرفات والنّاطق باسم الإرهابيين الفلسطينيين. "إدواردو سعيد Edurdo Said"؛ هكذا أشير إليه في ملفّه لدى الـ F.B.I، مكتب التحقيقات الفيدرالية، البالغ عدد صفحاته 238 صفحة، ربّما كان ذلك عائداً إلى ظنّ المكتب أنّه لتكون إرهابياً فلا بدّ من امتلاكك اسماً لاتينياً. كذلك كان يتهجّأ الروائيّ البريطانيّ من أصولٍ هنديّة، فيديار سوراجيراساد نيبول، اسم سعيد Said بشكل خاطئ متعمّد ليُماثل إيقاع كلمة Head، مؤكّداً أنّه، أي سعيد، "كان مصرياً ضائعاً في العالم". أدرك سعيد، وهو العربي المسيحيّ الذي اعتُقِدَ خطأ أنّه مسلمٍ بشكل متكرّر، خُطورة أن تكون في موضع خطأ التعريف أو إساءة الفهم. وفي "الاستشراق" (1978)، الكتاب الذي جلب له الشهرة، كان قد عزم كما بيَّن في المقدّمة على الإجابة عن سؤال ما يكون المرء حقاً: "?What one really is". وذلك كان سؤالاً ملحّاً بالنّسبة لرجل كان في الوقت ذاته ناقداً أدبياً، رسّاماً كلاسيكياً، ناقداً موسيقياً، وفي تقدير البعض، الشخصيّة الثقافية الأشهر في نيويورك آنذاك بعد حنّة آرندت وسوزان سونتاج، وكذلك أبرزُ المُدافعين عن الحقوق الفلسطينيّة في الولايات المتحدة الأمريكية. </p>
<p dir="rtl">منذُ لحظة ولادته في غربيّ القدس عام 1935، ومنذُ غنّت له القابلة بقُربه بالعربية والعبريّة معاً، منذُ تلك اللحظة وإرثُ سعيد هو إرث الذّوات المتصارعة في تعددها. كانت عائلته غنية وأسقفيّة، وقد سمّاه والده الذي أمضى أعواماً طويلة متفاخراً ببشرته الفاتحة، سمّاه إدوارد تيمّناً بإدوارد ويلز البريطانيّة. لطالما مقت سعيد اسمه، خاصّة عند اختصاره لـ إد، وعندما أرسِلَ كمراهق إلى مدرسة داخلية أمريكية، وجد التّجربة "مركبة ومحطِّمة". كان قد أصبح متعصّباً لميشيل فوكو ومتحمّساً للنظرية الفرنسيّة بعد دراسته في جامعتيّ برينستون وهارفارد كطالبٍ أدبيّ ضمن التقليد الأوروبيّ الأمريكيّ الإنسانيّ. ولكن، في "الاستشراق"، الذي نُشرَ بعد عقدين من مسار مهنيّ تقليديّ، وصفَ سعيد نفسه بشكلٍ مفاجئ بـ"الذّات الشرقية"، متُهتماً تقريباً كلّ التقليد الغربيّ من دانتي إلى ماركس بالتورّط بالتحقير المنهجيّ للشرق. </p>
<p dir="rtl">تمكّن كتاب "الاستشراق" من أن يكون، ربّما، من أكثر الكتب الأكاديمية تأثيراً مع نهاية القرن العشرين، فقد ساعدت حُججه على توسيع دراسات ما بعد الاستعمار وكذلك الدراسات النّاقدة للاستعمار. لكنّ سعيد أخذَ يشعُرُ بوضوحٍ أكبر أنّ "النظرية" تُشكِّلُ خطراً على الطلبة، مُستهزئاً من الإطناب اللغويّ ما بعد الحداثيّ المتشظِّي "لمنظّرين أمثال جاك دريدا الذي اعتبره مجرّد "غندور يعبثُ هنا وهناك". وقبل موته بقليل، تعاون المُشارُ إليه ببروفيسور الإرهاب، مع المايسترو الإسرائيليّ دانييل بارينباوم، لإنشاء أوركسترا تضمّ موسيقيين عرباً وإسرائيليين، مثيراً بذلك غضب الكثير من الفلسطينيين من ضمنهم أفراد عائلته، الذين دعموا حملة المقاطعة وفرض العقوبات ضدّ إسرائيل. ورغم ظهور وجهه الوسيم مطبوعاً على قُمصان ولافتات المُتظاهرين اليساريين في الشّوارع حول العالم، إلّا أنّ سعيد حتّى النّهاية كان قد حافظ على ذوقٍ لساعات الروليكس، وبدلات Burberry، وأحذية Jermyn Street، حتّى وفاته عام 2003 جرّاء اللوكيميا. </p>
<p dir="rtl">"أن تكون شامياً، يعني أن تعيش في عالمَين أو عدّة عوالمٍ في الآن ذاته دون الانتماء لأيٍّ منها"، هكذا كتب سعيد مرّة مقتبساً المؤرّخ آلبرت حوراني، "وذلك يتمهظر في الضّياع، في التّظاهر، في السّخرية السوداء وفي اليأس". كما شكّلت مذكّراته الميلانخوليّة عن الاجتثاث والفقد دعوةً لكُتّاب السيّرة المُستقبليين لسبر الصّلة بين حياتيّ الشخصيّة موضوع الكتابة الذهنيّة والشّعوريّة. والآن، بحذَر يقبلُ تيموثي برينان، صديقُ سعيد وطالب دراسات عليا سابق لديه، بحذَرٍ يقبل تلك الدّعوة في كتابته لسيرة سعيد الذاتيّة "Places of the Mind" عن دار Farrar, Straus & Giroux. موجزاً في تتبع حياة سعيد الخاصّة، بما في ذلك علاقاته الزوجيّة والرومانسيّة، ركَّز برينان عمله في مسار سعيد الفكريّ والسياسيّ. ومن الاكتشافات نصف المجهولة الواردة في الكتاب، هو كم كان سعيد قريباً، مُستفيداً من ثروته الشاميّة وتعليمه الراقي، من أن يكون نوعاً من الفتى الرّاقي اللعوب الذي يُطارد النّساء على طول السّاحل الشرقيّ بسيّارته الألفا روميو. ففي القُدس، ذهب سعيد إلى مدرسة سان جورج للأولاد الخاصّة بأبناء الجماعات الحاكمة في المنطقة، وفي القاهرة التي انتقلت العائلة إليها عام 1947، قبل وقتٍ قصير من احتلال الميليشيات اليهودية للقدس الغربية، ذهب إلى الكلّية البريطانيّة الفكتوريّة. وهناك كان معروفاً بشكل رئيسيّ بعلاماته المتوسّطة وكذلك بسلوكه التمرّديّ، وهناك أيضاً درس برفقة من سيكون لاحقاً الملك الأردنيّ، الملك الحُسين، وكذلك الممثّل عمر الشريف. </p>
<p dir="rtl">كانت القاهرة آنذاك المدينة الرئيسيّة في عالمٍ عربيّ يخرُجُ بشكلٍ مُتسارع من الحقبة الاستعماريّة إلى حقبة مشحونة سياسياً؛ فقد كان إنشاء دولة إسرائيل الذي تبع قرار الأمم المتحدة على أرض فلسطين وما خلّفته من كارثة اللاجئين والحُروبُ الوشيكة، كلّ ذلك كان حاضراً في ذهن الجميع. لكنّ سعيد كان يعيشُ في فقاعة للأثرياء العالميين؛ كان يتحدّث الإنجليزيّة والفرنسيّة بشكل أفضل من العربيّة ويذهبُ إلى الأوبرا المحلّية. وعندما كان في السادسة من العمر بدأ يعزف على بيانو من نوع Blüthner للأطفال، أتِي به خصيصاً من لايبزيج، ولاحقاً بدأ بتلقّي دروس خاصّة في العزف من قبل Ignace Tiegerman، اليهوديّ البولنديّ المشهور بتفسيراته لكلّ من شوبن وبرامز. آنذاك، كان والد سعيد الذي أدار عملاً ناجحاً في توريد المنتجات المكتبيّة يملكُ طموحاً اجتماعياً، وكان قد طوّر إعجاباً شديداً بالغرب خلال الوقت الذي قضاه في أمريكا إلى الحدّ الذي دفعه إلى التّفكير بالاستقرار نهائياً في الولايات المتحدة. ولكن، وبدلاً من ذلك، اكتَفَى بإرسال ابنه عام 1951 إلى مدرسة نورثفيلد ماونت هيرمون في ريف ماساشوسيتش. </p>
<p dir="rtl">يُظهرُ برينان كيف كان سعيد في بداياته، كما اعترف سعيد مرّة، "صنيعة تعليم أمريكي، بل وحتّى صنيعة تعليم الطبقة العُليا البيضاء الأنجلو ساكسونيّة البروتستانتية"، على مسافةٍ بعيدة من "المصير العقابيّ الاستثنائيّ" الذي لحق بالعربيّ الفلسطينيّ في الغرب. إذ بدا أنّه كان على صلة أكبر بحفلات عازف البيانو غلين غولد في بوسطن، من صلته بالزلازل التي كانت تُشقِّقُ أرض العالم ما بعد الكولونياليّ مثل مشروع القفزة العظيمة إلى الأمام [الصّينيّ]، وكذلك اندلاع التمرّد الجزائريّ ضدّ فرنسا. وكانت الثّورة المصرية قد انفجرت بعد وقت قصير من رحيله إلى الولايات المتحدة، وتلاها إحراق عُصبة من المتظاهرين لمتجر والده للأدوات المكتبية، وخلال عقدٍ من الزّمان كانت العائلة بأكملها انتقلت إلى لبنان. ومع ذلك، بدا أنّ تأثير هذه الأحداث على سعيد كان أقلّ بالمقارنة مع تأثير التيارات السياسيّة في دولته الجديدة. فقد كتب برينان أنّ "مجيء سعيد إلى الولايات المتحدة في ذروة الحرب الباردة سيصبُغُ مشاعر سعيد تجاه الدّولة حتّى نهاية حياته". </p>
<p dir="rtl">في عام 1955، كتبَ النّاقد والكاتب الأمريكي ألفريد كازين معبّراً عن قلقه من أنّ المثقفين كانوا قد وجدوا في أمريكا مبدأ "أرثوذكسيّة" جديد؛ أيّ التّفكير في البلاد بوصفها "روح العالم وأمل العالم". وكان هذا الإجماعُ مُدعَّماً من قبل نمَطِ حرفَنَة professionalization الحياة الثقافيّة من خلال الوظائف في الجامعات، والإعلام ومؤسسات النشر، ومَنحِ مراكز البحوث الكُبرى للبوهيميين السابقين والكادحين البؤساء [المثقّفين] المال والمكانة الاجتماعيّة. وفي هذه اللحظة بالذّات كان سعيد قد بدأ مساره المهنيّ، في اللحظة التي أصبحَ فيها عديد المثقّفين الأمريكيين الصاعدين وفقاً لتحليله الصّارم، بمثابة "أبطالٍ للقويّ". </p>
<p dir="rtl">ومع ذلك، فإنّ دافعه الأوّلي كمهاجر قلق كان، كما وصف لاحقاً، أن يجعل من نفسه الشّيء الذي تطلَّبَهُ النّظام منه أن يكونه. وكان معلّموه الأوائل بمثابة رموز في الثقافة الأدبيّة الأمريكيّة مثل ر. بي. بلاكمور وليونيل تيريلينج. وقد كتب أطروحة نالت جائزة عن كونراد، وكذلك قرأ سارتر ولوكاش، واستوعب في كتاباته الأولى وبصدقٍ كلّ الاتجاهات المهيمنة آنذاك في دوائر اللغة الإنجليزيّة، من الوجوديّة إلى البنيويّة. وقد جعله إخلاصه لشوبان وشومان يبدُو غير مُكترثٍ بالجاز والبلوز تماماً مثلما كان غير مكترث بالموسيقى العربيّة. كان يعشقُ هوليوود، ولكن ليس هناك دليل على انخراطه في تلك الفترة في أعمال جيمس بولدويس أو رالف أليسون، أو أنّه كان مهتماً كبيراً بحركة الحقوق المدنية؛ فكان أن اتّصل بحرس الحرم الجامعيّ عندما اقتحمت مجموعة من الطلّاب المحتجّين ضدّ الحرب على فيتنام قاعة محاضراته. </p>
<p dir="rtl">يلحظُ برينان لما سيكونُ ملاحظة خاصّة بسعيد عن الذّات المزدوجة عند كونراد: "الأوّل، الصّبور النّسّاخ الرّاغب المُهذّبُ الذي يسعى إلى الإرضاء، والآخرُ شيطانٌ غير مُتعاون". ويبدو أنّه كان هناك الكثير من الغضَبِ المُحبَط الذي كان يغلي لوقتٍ طويلٍ داخل سعيد وهو يشهدُ على تشكّل "شبكة العنصرية العرقية، والتنميطات الثقافية، والإمبريالية السياسيّة، وأيديولوجيا اللاأنسنية المُتحكِّمةُ في العربيّ أو المُسلم". إذ يدّعي سعيد في مقابلة صوّرتها القناة البريطانيّة الرّابعة، أنّ الكثير من أبطاله الثقافيين أمثال الفيلسوف والمؤرخ الروسيّ البريطانيّ إشعيا برلين واللاهوتيّ الأخلاقيّ الأمريكيّ رينهولد نيبوهر كانوا متحيّزين ضدّ العرب. "كلّ ما استطعت فعله"، يقول سعيد: "هو ملاحظة ذلك فقط". وكذلك كان يُتابع بدهشة الاحتفاء النقديّ بكتاب "العقل العربيّ The Arab Mind"، الذي صدَرَ عام 1973 للمؤلّف الهنغاري اليهوديّ رفائيل باتاي والذي وصفَ فيه العرب بأنّهم في تكوينهم هم أناسٌ مضطربون. </p>
<p dir="rtl">ليس صعباً رؤية كيف كان سعيد الذي كان داعماً لمقترح مساقات "الكتب العظيمة" – والتي كانت فكرتها تحسين المستوى المعرفيّ والأكاديميّ للطلبة عموماً بإعادتهم إلى منابع التقليد الثقافيّ الغربيّ من خلال قراءة ودراسة مجموعة من الكتب الغربيّة العظيمة – في جامعة كولومبيا؛ كيف كان سيشعُرُ بالإحباط الذي سبق لمثقّفين وكُتّاب من الدول الخاضعة للولايات المتحدة وأوروبا أن شعروا به قبل وقتٍ طويل: وذلك أنّ الرموز المؤسّسة للتقليد الغربيّ الليبراليّ والديمقراطيّ بدءاً بجون ستيوارت ميل إلى ونستون تشرتشل كانوا يكنّون الاحتقار لغير البيض. كان الشّعور بالمرارة عميقاً بشكل خاصّ بين المثقّفين الطموحين الذين جاؤوا إلى الولايات المتحدة وأوروبا من آسيا، إفريقيا وأمريكا اللاتينية، ذلك أنّهم أدركوا بعد استماتتهم في محاكاة النخبة الثقافية الغربيّة من خلال اكتساب المعرفة بآدابها وفلسفتها، أنّ من كانوا قدوة لهم لا زالوا جاهلين بالأمكنة التي أتوا منها، وما زادَ الأمر سوءاً أنّ ذلك الجهل كان، في أغلب الأوقات، يُدفعُ ثمنه دماً من قبل النّاس في أوطانهم. </p>
<p dir="rtl">ثمّ كانت حرب الأيّام الستّة عام 1967، والتغطية الإعلاميّة الأمريكيّة المبتهجة بالنصر الإسرائيليّ الساحق على الدّول العربية ما قتل رغبة سعيد في إرضاء معلّميه البيض. فبدأ التّواصل مع عرب آخرين وشرع في دراسة منهجيّة للكتابات الغربية عن الشّرق الأوسط. ثمّ أتى اللقاء بعرفات عام 1970 ليبدأ علاقة طويلة مُضطّربة والتي أوجبت على سعيد تولّي أمر مهمّتين عديمتي الجدوى بالتّساوي: الأولى تقديم النّصح للراديكاليّ الذي كان يحملُ مسدّسه أينما ذهب عن كيفيّة صنع صداقات والتأثير على النّاس في الغرب، والثانية، هي إقناع عرفات أنّه هو، سعيد، لم يكن ممثّلاً للولايات المتّحدة الأمريكية. </p>
<p dir="rtl">وفي "الاستشراق" ظهر أخيراً شيطان سعيد غير المُتعاون، وبجرأة وصف نفسه على أنّه "نتاج العملية التاريخية" للاستعمار، وشرع في "جرد آثار الثقافة المهيمنة والتي كانت عاملاً قويّاً في حياة جميع الشرقيين". كان دافع الكتاب الرئيسيّ هو نقد الثقافة الفكرية الغربيّة؛ أي كما يوصّف برينان في قوله بأنّ الإعلام ومراكز البحوث الكُبرى والجامعات كانوا متعاونين عن قصدٍ أو غير قصدٍ بمغامرات السياسة الخارجيّة لدولهم. وبالنّظر إلى كون الكتاب، أي "الاستشراق"، قد خلق ألف وظيفة جامعيّة واجترَّ الكثير من الرّطانة المعقّدة، فتلك النّقطة، أي تورّط الجامعات والإعلام، كانت في غاية الوُضوح. ولكنّها لم تكن نقطة أصيلةٍ بأيّ معنى، فناعوم تشومسكي كان يطرح مجادلاتٍ من هذا النوع منذُ الستينات، وكان المفكّرون والنّشطاء المعادين للإمبرياليّة قد أدركوا قبل وقتٍ طويلٍ العلاقة ما بين المعرفة والسّلطة في الدول الإمبرياليّة. ففي نهايات القرن التاسع عشر أدان جمال الدين الأفغانيّ تغطية رويترز المتحيّزة لبريطانيا في مواجهتها الاحتجاجات الإيرانيّة، وكذلك دعت الفيلسوفة والناشطة الفرنسيّة سيمون فايل من قبل إلى مراجعة مستمرّة ومُطوَّلة لتجربة المستعمَر [لتجربته كذات ممثَّلة]. وفي جامعة سعيد نفسها، هاجم الأنثروبولوجيّ الألمانيّ فرانز بواس النظريات العرقيّة العلميّة المزيّفة التي استخدمت لتبرير تفوق العرق الأبيض. </p>
<p dir="rtl">لكنّ ما جعل "الاستشراق" مختلفاً كان معالجته لكمّية هائلة من العُلوم الغربيّة التي تمكَّن سعيد من استيعابها بسبب تعليمه النخبويّ، وكذلك بسبب جرأته في عُبور الحقول المتعدّدة كالتّاريخ، الفيلولوجيا، الأنثروبولوجيا والدّراسات الأدبيّة. وكان أيضاً صادماً أنّ اهتمام سعيد انصبَّ على التمثيلات بدلاً من الذّوات المُمثّلة، في تأثّرٍ واضحٍ بفوكو؛ أي بالخطاب الإمبرياليّ بدلاً من تمظهراته في اللاعدالة الاجتماعية أو الاقتصاديّة. </p>
<p dir="rtl">لم يتطرّق "الاستشراق" كثيراً إلى مصالح الطبقة الذكورية الهائلة في الغزو الإمبرياليّ والتوسّع الصناعي الرأسماليّ، أو إلى مصائر النّساء، الفلاحين والعمال. ولم يشتمل إطار عمل سعيد على القرنين الماضيين اللذين شهدا صيرورة إمبرياليّة أوروبيّة وأمريكيّة تتشكَّلُ في قوّة عالميّة هيأت لانتشار معرفة واسعة معيبةٍ عن الشرقيين. لكنّه أصرّ على أنّ التفكير الاستشراقيّ لم يكن لاحقاً على الحُكم الاستعماريّ كمبرر له، بل كان سابقاً عليه، مُتقرحاً وجود نزعة غربية متواصلة لتمثيل الشرقيين كدنيئين بدءاً من الإغريق القدامى مروراً بعصر النّهضة في إيطاليا وصولاً إلى النيويورك تايمز الأمريكيّة. </p>
<p dir="rtl">ربّما كان ذلك بعكس ما تمنَّى سعيد، لكنّ "الاستشراق" انتهى ليوصَّف شرخاً أبداً لا يمكن ردمه بين المجتمعات الغربية وغير الغربيّة. وعلى الرغم من تقويضه لأكثر من ألفيّ عام من المعرفة المنتجة أوروبياً وأمريكياً، إلّا أنّ الكتاب لم يُظهر أيّ وعي بأرشيف الفكر الآسيويّ، الإفريقيّ واللاتيني الهائل الذي سبق المعرفة الغربيّة، وذلك يشمل نظرية النخبة الهندية البراهمانية التي وُظِّفَت لجعل حُكم السلالة يبدو طبيعياً وشرعياً. وليس مفاجئاً أن يستشهد منظّرو أيديولوجيا التفوّق الهندوسيّ في الطبقات العُليا عند نقدهم العلماء الغربيين المتخصّصين في الدين والتاريخ الهنديّ. ومن المثير للفضول أنّ نقد الكتاب للمركزيّة الأوروبيّة هو بطريقةٍ أو بأخرى يتّصف، أو ينطلِقُ، من المركزيّة الأوروبيّة ذاتها؛ إذ تُشبه رؤيته للغرب على أنّه ذلك الغرب المتّسق والمتماسك داخلياً، الرّؤية الجينيالوجيّة للغرب على أنّه امتداد [متّسق] من أفلاطون حتّى النّاتو: From Plato to Nato، التي كانت شائعة في العالم الحرّ خلال الحرب الباردة. في كلتا الروايتين، يظهر وكأنّ الإغريق القدامى، وإيطاليو عصر النهضة وحُكماء عصر التنوير الفرنسيين قد ساهموا مجتمعين في تشكيل "الحضارة الغربية". </p>
<p dir="rtl">لم يُعانِ سعيد كثيراً في الدّفاع عن نفسه عندما هُوجِمَ من قبل المُستشرقين القُدامى أمثال برنارد لويس، الذي راح يُشكِّكُ في معرفة المؤلّف الوثيقة بالعرب وبالتاريخ الإسلاميّ. لويس نفسه كان دليلاً دامغاً على فرضيّة سعيد وهو الذي كان المؤرّخ المفضّل للسياسيّ الأمريكيّ اليمينيّ ديك تشيني وصاحب نظرية "الغضب الإسلامي". لكنّ سعيد كان أكثر ضعفاً أمام النقد الموجّه له من الذوات الشرقيّة التي كان بالأصل قد كرَّس عمله لكشف تمثيلاتها القبيحة. ومن أشدّ تلك الانتقادات كانت انتقادات الهنديّ إيجاي أحمد الذي كتب بعد أربعة عشر عاماً على نشر "الاستشراق"، مُتسائلاً لماذا وكيف أصبح كتابٌ مليء بكلّ هذه العيوب الهائلة أشبه بتقليد كلاسيكيّ في الأوساط الأكاديميّة. إذ رأى إيجاي أنّ انشغال سعيد بالتمثيل عوضاً عن الاهتمامات العينيّة وتقديمه للمظالم المعرفيّة على الظّلم الجندريّ والطبقيّ قد انعكس إيجاباً فقط على الأكاديميين النخبويين من العالم الثالث في الجامعات الأمريكيّة. وغالباً ما كان هؤلاء المثقّفين المهاجرين، ومعظمهم من الذكور، ينتمون إلى الطبقات الحاكمة في دولهم وحتّى من إلى طبقات ازدهرت خلال الحكم الكولونياليّ. ومع ذلك، كَتَبَ أحمد، فإنّ كتاب سعيد زوّدهم بسرديّات المظلوميّة التي ضمنت لهم معاملة تفضيلية، كوتات وظيفيّة ورواتب أعلى، وبذلك أصبح انتقاد الغرب بالنسبة لذاتٍ شرقية راقية طريقة من طرق إيجاد وظيفة جامعيّة أو فكرية مرموقة فيه. </p>
<p dir="rtl">كذلك أشار أحمد إلى أنّ سعيد في نقده لتقليد إنسانيّ فاسد بشكل واضح، قدَّم، كترياق، بالكاد نسخةً من نقد أدبيّ إنسانيّ بوصفها: "موقفاً شديد النصّية تجاه تاريخ الاستعمار والإمبرياليّة". ففي ثمانينات القرن الماضي ساعد "الاستشراق" على ظهور نوع جديد من النّشاطِ الداخليّ الذي يقعُ في إطار قاعة المحاضرات؛ وذلك يظهرُ في قول الفيلسوف الأمريكيّ ريتشارد روتي عام 1992، وهو القول الذي يعكسُ نمطاً نشاطياً شائعاً: "كانت إحدى مساهمات اليسار الجديد هي تمكين الأساتذة الجامعيين المدفوعين بالقليل من الذّنب بسبب نمط حياتهم الآمن والمريح، من خلال الأنشطة السياسيّة الإضافية [داخل قاعة المحاضرات] إلى القول: "أنا آسف، لقد أعطيتُ في المكتب Sorry, I gave at the office" – كردٍّ آليّ على أيّ دعوة خارجيّة للمشاركة في أيّ عمل سياسيّ أو احتجاجيّ أو المُساهمة في أيّ قضية اجتماعيّة". ويبدو "الاستشراق" الآن، عند استرجاعه، ككتُبٍ استشراقيّة أخرى عن الغضب الإسلاميّ وصراع الحضارات، يبدو أنّه ينتمي لحقبة زمنية ضيقة الأفق سياسياً. فمن المُستبعد أن يحصر الشّباب المسيّس اليوم أنفسهم في تحليل يستند إلى نموذج فوكو الخطابيّ لدى مواجهتهم للواقع الساحق المتمثّل في انعدام المساواة، والخدمات العامة البائسة، والعنصرية السائدة والكارثة البيئية. </p>
<p dir="rtl">سعيد نفسهُ تجاوز كتابه بالسّرعة نفسها التي كان تجاوز فيها من قبل الاتّجاهات التي كانت سائدة في أقسام اللغة الإنجليزيّة التي كان قد اعتنقها مرّة. وقد كتب برينان أنّه وعلى الرغم من تقديره لمساعي "تنويع الكلّيات من ناحية الأصول العرقية والقوميّة"، إلّا أنّ سعيد كان مستاءً من الطّريقة التي شجّع بها "الاستشراق" على "التركيز على الهوية الشخصيّة" في الأكاديميا. فبعد أن ساعد في خلق حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية، بدأ سعيد بالتساؤل عمّا إن كان تصنيف ما بعد الكولونياليّ تصنيفاً صحيحاً بالنّظر إلى استمرار عمليات النهب الكولونيالية في أجزاء كبيرة من العالم. وكما لو كان يسخرُ من نمط التخصص الأكاديمي، رح يمتدح وبوضوح شخصيّة المثقّف الهاوي والمثقّف المستقلّ. بدأ يقرأ بشكل موسّع في الآداب غير الغربية، أحياناً بشكل عشوائيّ للغاية، لكتّاب ومفكّرين آسيويين وأفارقة لم يتطرّق إليهم في كتابه "الاستشراق". وبدعم من جاكلين كينيدي أوناسيس التي كانت آنذاك محرّرة في دار النشر الأمريكية Doubleday، ساعد على ترجمة أدب نجيب محفوظ إلى الإنجليزيّة، والأكثر أهمّية كان توليه المهمّة الصعبة عبر سلسلة من الكتب، المقالات والظهور التلفزيوني، لتعليم الأمريكيين عن فلسطين. </p>
<p dir="rtl">إلّا أنّ كتابه الأوّل عن فلسطين: The Question of Palestine، كان قد قُوبِلَ بالرّفض من قبل ناشره Pantheon، وهو الكتاب الأول من بين كتب أخرى كثيرة كُتبَت كمحاولة لإفاهم الأمريكيين ما حلَّ بالشعب الفلسطيني. في النّهاية نشر الكتاب من قبل Times Books، وقد حوّله الكتاب كما يكتب برينان إلى "منبوذٍ في أوساط النشر النيويوركيّة الداعمة لإسرائيل". وفي الأثناء، طلب منه ناشر بيروتي حذف النقد الوارد في الكتاب لكلّ من المملكة العربيّة السعودية وسوريا، ليتمكّن من نشره بالعربيّة. وكان هناك كوارث سياسية في الشرق الأوسط تقوّض قضيّته، كدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، مناحيم بيغن، والذي كان متعنّتناً في موقفه الرافض لإقامة دولة فلسطينيّة، للمستوطنين اليهود في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، الأراضي التي احتلّتها إسرائيل عام 1967. وفي حزيران عام 1982 كان الاجتياح الإسرائيليّ المُصادق عليه للبنان الذي كان ملجأً لعدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين، بحجّة سطحيّة هي إخراج عرفات والميليشيات الفلسطينيّة، ما أدّى إلى موت آلاف المدنيين وتدميرٍ هائل للبنى التحتيّة. </p>
<p dir="rtl">أمّا في الوطن، فقد وجد سعيد نفسه في مواجهة مع يمين رجعيّ كان قد مكَّن لنفسه من خلال قاعدة جماهيريّة أقوى بكثير من قاعدة اليسار الأكاديميّ بعد تمكّنه من دحر مكتسبات حركة الستّينيات التقدّمية. يمينٌ وصفه كازين عام 1983، بأنّه متغلغلٌ بعمق في إدارة الرئيس الأمريكيّ رونالد ريغان، و"دائماً ما تمّ التعويل عليه لدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن". وكان لشبكة الجناح اليميني تأثيراً ضخماً، فسول بيلو، الكاتب الأمريكيّ الكنديّ الحاصل على نوبل، وعلى الرّغم من ارتداده عن دعمه لبيغن، بدا أنّه صدّق وصف مجلّة Commentary لسعيد بأنّه بروفيسور الإرهاب، وأعجبِبَ بكتاب جوان بيتر الأكثر مبيعاً عام 1984 المعنون بـ "From Time Immemorial"، والذي أنكر فيه وجود الفلسطينيين في فلسطين قبل وصول الصهاينة. وفي عام 1999 ظهرت مقالة في مجلّة Wall Street Journal بعنوان: "نبيّ فلسطين الكاذب"، تدّعي أنّ سعيد زيّف طفولته في القدس، وهي التّهمة التشهيرية التي ظهرت مرّة أخرى في عام 2003 في مقالة في مجلّة Time. وفي عام 2003، شكّلت شهادة زميل سابق لسعيد في معهد هوفر ضدّه محور جلسات في مجلس النواب لإقرار قانون يقيّد المنح الدراسية في حقول الدراسة ما بعد الكولونيالية. </p>
<p dir="rtl">مُكافحاً لتقديم "الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها" في تلك الظّروف، لم يهمل سعيد شيئاً في بحثه رغم تألّمه من تهجّم الجميع عليه. لم يكن الفلسطينيون، مثلهم مثل شعوب أخرى في أفريقيا وآسيا، على اطّلاع معمّق بالهولوكوست، ورأوا إسرائيل مجرّد قوّة كولونيالية بيضاء أخرى من نوع القوى التي ولقرونٍ مضت كانت تسرق وتحتل أراضي الشعوب ذات البشرة الداكنة. لكنّ سعيد أضفى تعقيداً أخلاقياً على ما وصفه بسياسات الطرد، واصفاً الفلسطينيين، غالباً رغم امتعاضهم من التوصيف، بأنهم ضحايا غير مباشرين لجرائم أوروبيّة غير مسبوقة ضدّ اليهود: "ضحايا الضحايا". وعلى النّقيض، كان يقول لجمهوره الأمريكي أنّ نقد الصهيونيّة لا يجبُ مساواته بمعاداة السامية، ولا يجبُ الخلط بين دعم الحقوق الفلسطينيّة ودعم العائلة السعوديّة المالكة أو أيّ أنظمة عربية استبدادية أخرى. </p>
<p dir="rtl">كان سعيد قد دفع باتّجاه المفاوضات مع إسرائيل لغاية الوصول إلى حلّ الدولتين قبل وقتٍ طويل من قبول عرفات بالأمرين عام 1988. وتضمّنت تلك المساومة الهامّة من قبل القائد الفلسطينيّ، والتي ساهم سعيد في صياغتها في الجزائر، اعترافاً ضمنياً بحقّ إسرائيل في الوجود وأفسحت المجال لعمليّة سلامٍ أفضت في النّهاية عام 1993 إلى توقيع اتفاق أوسلو المبدأيّ. ولكن، في الوقت الذي كان فيه عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيليّ آنذاك إسحاق رابين يتصافحات بتردد في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، كان سعيد يشجُبُ الاتفاق بوصفه "مطيّة استسلام فلسطينيّة؛ فرساي فلسطينيّة". فمن وجهة نظره، كانت المسألة تتعلّق بقيادة فلسطينيّة مهترئة، فارغة وفاسدة قد استسلمت للنفاق والضغط الأمريكيّ الإسرائيليّ. وكان القادة الفلسطينيون، ومن ضمنهم عرفات الذي لم يكن قد رأى الأراضي المحتلّة منذ رحيله عام 1967، كانوا جاهلين بالوقائع التي فرضها الاستيطان الصهيوني على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزّة، وباتفاقهم ذاك كانوا يوافقون على شكل جديد من الاحتلال شبه الدائم. أمّا ردّ القيادة الفلسطينيّة على نقد سعيد فكان منع كتبه، وكذلك كتب برينان أنّ العديد من المثقّفين الفلسطينيين كانوا مستائين من إشارات سعيد إلى "معاناة اليهود"، معتبرينه شخصيّة مؤمركة أكثر من اللازم. لكنّ سعيد لم يستسلم، ومقتنعاً أنّ مشروع الدولة الفلسطينيّة قد أصبح مستحيلاً، بدأ ينظِّرُ بجرأة – وبالنّظر إلى الوضع الحاليّ يمكنُ القول ببصيرةٍ ثاقبة أيضاً – لحلّ الدولة الواحدة؛ أي ديمقراطية علمانية تضمن حقوقاً متساوية لكلّ من العرب واليهود. </p>
<p dir="rtl">عوَّضَ سعيد عن سنوات تردد في إعلان مواقفه السياسية خلال عقده الأخير، فكان نقده لاذعاً ومتكرراً لأمثال الأكاديمي اللبناني الأمريكي فؤاد عجمي، والمؤرخ الأمريكي دانييل بابيس، والأكاديمي العراقي الأمريكيّ كنعان مكّية وآخرين كانوا قد عُيِّنوا من قبل وسائل الإعلام ومراكز البحوث الكبرى المتحيِّزة بوصفهم خبراء في الشرق الأوسط. كذلك اعتاد على مهاجمه الأديب نيبول الذي كان قوياً في الأدب ولكنّ ضعفه الفكري عن المجتمعات الإسلامية تمّ توظيفه من قبل المؤسسات الليبراليّة والمحافظة. من وجهة نظر سعيد، كان نيبول قد اكتسب سمعة في الغرب بوصفه يقول الحقيقة عن العالم النّامي لأنّه غضّ النظر عن الوجود التدميريّ للقوى الغربية فيه، وفي الوقت نفسه لتصويره الأفارقة والآسيويين بوصفهم عاجزين فكرياً ومشوّشين سياسياً. وبفظاظة رفض سعيد عدداً من المفكرين اليساريين كذلك، واصفاً كتابات يورغن هابرماس بـ"مجرد الكلام الفارغ"، وكذلك كان خائب الأمل بكلّ من فوكو وسارتر، وحتّى توبيخه للناقد الماركسيّ فريدريك جيمسون بقوله له: "كنت أتمنّى لو كنت أكثر نشاطاً سياسياً... هناك الكثير ليُفعل". وكان قد تخلّى قبل موته بقليل عن صنَمٍ آخر من أصنامه، ثيودور أدورنو، واصفاً موقف الناقد الألمانيّ من المراجعات الفكريّة النّابعة من خيبة الأملّ بالموقف الاستعلائيّ. </p>
<p dir="rtl">يُشيرُ برينان إلى أنّ "معركة سعيد لجعل الرواية الفلسطينيّة معقّدة ومُقنعة كتلك الإسرائيلية"، قد لاقت بعض النجاحات الصغيرة. فماري كاري فيلمر، مؤسِّسة ومحرّرة مجلة The London Review of Books، والتي كانت داعمة عفويّة لإسرائيل، توصّلت إلى الاعتقاد بأنّ "القضية الفلسطينيّة قضية بحاجة إلى إجاباتٍ بشكلٍ أو بآخر". كذلك تلقّى سعيد رسائل داعمة من شخصيّات مثل الكاتبة الحقوقية الجنوب أفريقيّة نادين غورديمير، والأديب اليابانيّ الحاصل على نوبل للآداب كينزابورو أوري، والممثّلة الأمريكيّة جودي فوستر وكذلك الممثّلة البريطانيّة إيما ثومبسون. وليس واضحاً ما الذي فعله سعيد برسالة إعجابٍ من قبل الروائية الأمريكية باتريشيا هايسميث، التي من الممكن القول أنّها كانت أكثر اهتماماً بإبداء الانتباه لمعاداة السامية من اهتمامها بتقديم أيّ دعم للفلسطينيين. والأرجح أنّه كان مسروراً بملاحظة الصحفيّ اليهوديّ إيزيدور فينشتاين ستون، التي امتدحت قدرته على "إظهار ملكات وجدارة شعبك المُضطهد المرفوض"، خاتماً بالقول: "لقد أصبح شعبك هم "اليهود" الحسّاسون، بينما أصبح شعبي هُم "الأغيار"". وفي سنواته الأخيرة التي كانت مليئة بالاستعراض البلاغيّ، بدأ سعيد يُسمِّي نفسه بـ"المثقّف اليهودي الأخير"، معتقداً أنّ داعمي إسرائيل ليس لديهم أدنى فكرة عن "معنى أن تكون مثقفاً يهودياً، وأن تكون مخلِصاً لمبدأ العدالة الكونية العالمية"، مفكِّراً بنفسه كأخٍ روحيّ لكلّ من الناشط الحقوقيّ والأديب جيمس بالدوين والقائد الثوريّ مالكوم إكس. </p>
<p dir="rtl">في الآن ذاته، كان سعيد قد بدأ يدرك كم كان تأثيره محدوداً. فقد ظهر خصمه القديم، برنارد لويس، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بوصفه رئيس المنظّرين للحروب الأمريكيّة في العالم الإسلامي، وكذلك أصبح كتاب "العقل العربيّ" كتاباً إرشادياً للضبّاط الأمريكيين في العراق. "يجب أن تفهموا العقل العربي"، هكذا قال أحد الجنود للمراسل الصحفيّ قرب قرية كان قد أحاطها هو وآخرون بالأسلاك الشائكة: "الشّيء الوحيد الذي يفهمونه هو القوّة". ولم تكن معاملة دونالد ترامب التفضيليّة للزعماء العرب القتلة لتفاجئ سعيد، ولا تصميم الحكومة الإسرائيليّة الأخير على ضمّ الأراضي الفلسطينيّة. كتب برينان أنّ سعيد كان محاصراً طوال حياته بـ"القوة الهائلة للأكاذيب المعادة باستمرار، وكان يعرف أنّه لن يفوز". </p>
<p dir="rtl">مع حلول نهاية التسعينات كان سعيد متهالكاً جسدياً من اللوكيميا، ومع ذلك كان لا يزال بهمّة يحارب ضدّ أبطال القويّ. "فيما يتعلّق بالقسوة والظلم"، كتب لأحد المواسين: "اليأس هو الخضوع، وهو ما أعتقد أنّه غير أخلاقيّ". هناك شيءٌ آسرٌ في نمط وجود سعيد الأخير في العالم؛ فهو يقرّ بالهزيمة بوضوح، ومع ذلك لا يزال مصمماً على الوقوف بصلابةٍ مع شعبـ[هِ] المرفوض. وفي إجابته عن سؤال عمَّن يكونُ حقاً، أعطى في النهاية ردّاً متحدِّياً قائلاً: "أنا فلسطينيّ". وذلك مقياسٌ لنبل روحه؛ فمن بين عديد الذّوات التي كان بإمكانه أن يكونها في تلك اللحظة، كان سعيد تلك الذّات التي سبَّبتُ له أشدّ الآلام. </p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">*كتب بانكاج ميشرا عدداً من الكتب، من بينها: "From the Ruins of Empire"، "Age of Anger" و "Blind Fanatics" الذي صدر عام 2020. </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20514">تحوّلات إدوارد سعيد (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ما ندين به لإدوارد سعيد (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20456</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس إبراهيم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 15 Apr 2021 15:13:46 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%a7-%d9%86%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%87-%d9%84%d8%a5%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>نشر هذا الحوار الذي أجراه "كليم حوّا"، مع المؤلّف والبروفيسور تيموثي بيرنان، في مجلّة The Nation في ٢٥/٠٣/٢٠٢١، تعقيباً على صدور كتاب "Places of Mind"، وهو كتاب سيرة ذاتية يتناول حياة وإرث إدوارد سعيد الثقافي والفكري. "إدوارد سعيد كان أميرنا"، هكذا صرّحت الرّوائية المصريّة "أهداف سويف" مؤخّراً في محادثة حول الكتابة والحياة الثقافية العامّة الفلسطينيّة. سعيد [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20456">ما ندين به لإدوارد سعيد (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">نشر هذا الحوار الذي أجراه "كليم حوّا"، مع المؤلّف والبروفيسور تيموثي بيرنان، في مجلّة</span> <a href="https://www.thenation.com/article/culture/edward-said-timothy-brennan-interview/" target="_blank" rel="noopener">The Nation</a> <span style="color:#7f8c8d">في ٢٥/٠٣/٢٠٢١، تعقيباً على صدور كتاب "Places of Mind"، وهو كتاب سيرة ذاتية يتناول حياة وإرث إدوارد سعيد الثقافي والفكري.</span></p>
<p><span style="color:#4e5f70"><img decoding="async" alt="Timothy Brennan" height="408" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/dsc00700_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="333"></span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">"إدوارد سعيد كان أميرنا"، هكذا صرّحت الرّوائية المصريّة "أهداف سويف" مؤخّراً في محادثة حول الكتابة والحياة الثقافية العامّة الفلسطينيّة. سعيد كان مفكّراً لا يمكنُ مقارنته بأحد، وكان مُساهِماً في تأسيس دراسات ما بعد الاستعمار وكذلك الإضاءة على تاريخ التمثيل الثقافيّ وتمثيل "الآخر"، وبفعله ذلك كان قادراً على زعزعة هيكل الأكاديميا الأنجلو – أمريكيّة. يعدُّ كتابه "الاستشراق Orientalism"، من أكثر الكتب اقتباساً في التّاريخ الحديث، أكثر اقتباساً بحسب البعض من كتبٍ مثل "رأس المال" لكارل ماركس و"أصل الأنواع" لداروين. وخلال عقودٍ من كتابة المقالات، الكتب والمراجعات، أظهر سعيد اهتماماً أصيلاً بشكلِ وبُنية الشّعور الذي رأى في استنطاقه وسيلة لفهم الموسيقى، الأدب وكذلك وطنه فلسطين. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">كان سعيد من بين أشياء أخرى ناقداً، أنيقاً، نرجسياً، مُرشداً، مجادلاً وذو ذكاءٍ فريد. في كتابه "السّلام والمآخذ عليه" الصادر عام 1995، وكان الكتاب الأوّل الموجّه للقرّاء العرب، وصف سعيد اتّفاق أوسلو "بالمشهد المنحطّ لياسر عرفات الذي فيه يظهرُ شاكراً الجميع على إلغاء حقوق شعبه". مشهداً زادَهُ حُمقاً "الجلالُ الذي ظهر فيه بيل كلينتون كإمبراطور رومانيّ في القرن العشرين يُصالح فارسين تابعين بطقوس المصالحة والطّاعة". وكان أن منع عرفات كتابه "السّلام والمآخذ عليه" لسنواتٍ طويلة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة نتيجة معارضة سعيد لأوسلو وتأييده لحلّ الدّولة الواحدة. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لكنّ التزام سعيد بحريّة شعبه الفلسطينيّ صنَعَ له أعداءً في أمريكا أيضاً، فقد شعر سعيد أنّه كان معزولاً من قبل أصدقائه وزملائه الأمريكيين في أيّامه الأخيرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكأنّهم فجأة "كانوا إمبرياليين بعد كلّ شيء، وحوّلوا أنفسهم إلى أبواقٍ للوضع الرّاهن"، كما قال في إحدى مقابلاته الأخيرة المصوّرة من قبل صانع الأفلام الوثائقية البريطانيّ مايك ديب عام 2003. ذلك كان قبل شهورٍ قليلة من موته جرّاء اللوكيميا، وذلك عندما وجد عزاءه بين العرب بعد معاناته من الطبيعة المتقلّبة للثقافة الأمريكيّة. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لسنواتٍ حاول كثيرون ممّن عارضوا التزامات سعيد السياسيّة تجاه فلسطين تشويهه وهدم صورته، بينما كان على أولئك الذين هم في دينه كأشخاصٍ وباحثين الاعتماد على محادثاتهم الخاصّة وأعماله الهائلة لتفنيد تلك المحاولات. ومن بين هؤلاء كان تيموثي برينان، البروفيسور والمؤلف الذي كان طالب دراسات عليا لدى سعيد وصديقاً مقرّباً، والذي حاول من خلال كتابة سيرته الذاتية لسعيد "أماكن الذّهن Places of Mind"، أن يُغيّر من هذه الوضعية. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">كان محبطاً مع بدء ظهور مراجعات الكتاب رؤية موكبٍ من الكتّاب البيض يخطئون فهم سعيد مرّة أخرى؛ فقد كتب دوايت غارنر في مراجعته للكتاب لمجلّة The New York Time أنّ الكتاب دراسة عن إدوارد سعيد "أحد أكثر الرجال إثارة للاهتمام في عصره"، ويبدو أنّه وجدَ كلّ شيء مثيراً للاهتمام في حياة سعيد فيما عدا هويّته كفلسطينيّ، مكرّساً جزءاً كبيراً من مراجعته لحياة سعيد الجنسيّة مقارنة بآرائه حول حريّة شعبه. وذلك يتّسقُ ومراجعة غارنر لسعيد عندما كان حيّاً، ففي المرّات العشر التي نشرت فيها The New York Times Book Reviews عن سعيد لم تُذكر فلسطين مرّة واحدة، وكذلك يفسّر تجاهل المجلة المستمر للأصوات الفلسطينية؛ فمن بين 2500 مقالة نشرتها المجلة عن فلسطين منذ العام 1970، كان منها فقط 46 مقالة لمؤلّفين فلسطينيين. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">تظهرُ المراجعة الأخيرة شيئاً دائماً ما أساء النُقّاد البيض فهمه حول سعيد؛ أي معالجتهم لهويّته الفلسطينيّة كأنّها مجرّد فضولٍ لا سمةً حيويّة في حياته وعمله. ذلك يعني إهمالهم لتجاربه كذات استعماريّة وإن كانت حاصلة على امتيازات، وكيف كانت لهذه التجارب موقعٌ في كتاباته كـ «الاستشراق»، أو «بدايات»، أو «تغطية الإسلام» أو «المسألة الفلسطينيّة». </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">يمكنُ تتبع هذه التيّارات الثقافيّة في تاريخ برينان الثقافيّ، فبرينان يناقش في محادثتنا تأثير سعيد الأدبيّ، علاقته بالماركسية، آرائه حول تنامي حركة المقاطعة لإسرائيل، صداقته مع الزعيم (الباكستانيّ) المناهض للحرب إقبال أحمد وكذلك تجارب مع وسائل الإعلام في نيويورك. </span></p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">يصوّر البعض سعيد كأكاديميّ فلسطيني ذو نزعة أمميّة بدلاً من كونه أكاديمياً غربياً بالمطلق، والذي يمكن موضعة مشروعه في سياق العُرف الغربيّ وكذلك استجابة له. هل تعتقد أنّ سعيد كان مثقّفاً عربياً؟ </span></p>
<p dir="rtl">ربّما يكون ما قلته أحد الأشياء التي غيّرت تصوّري عن سعيد الذي اعتقدت أنّني عرفته بشكلٍ جيّد. من الصعب عند رؤيته للوهلة الأولى عدم التّفكير في ملاءمته لنوع المثقف البريطانيّ وخرّيج جامعات النّخبة. أولئك الذين أصبحوا أعداءً سياسيين له فيما بعد سيقولون لك عند الحديث إليهم:"لا تصدّق التزامه هذا تجاه فلسطين، فهو لم يتكلّم مرة واحدة عن العودة إلى وطنه أو حنينه إلى العيش في الشرق الأوسط". لكنّ هذا ببساطة غير صحيح، رغم شيوع هذا النوع من الأفكار حوله. فقد حاول سعيد مراراً الانتقال إلى الشرق الأوسط وكذلك كان يدرّب نفسه بشكلٍ منهجيّ على يدّ مفكّري (النهضة) مثل قسطنطين زريق وإبراهيم أبو لغد. وأعتقد أنّ التواصل المباشر مع القرّاء العرب ومخاطبتهم كعرب كان مهمّاً جداً بالنّسبة إليه. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">ومع ذلك لم يكن يعجبهم دائماً ما كان يقوله، وهنا أفكّر بالنقد الذي وجهه الماركسيون العرب مثل مهدي عامل لسعيد. وعن هذا الأمر قال الشاعر الإيرلنديّ سيموس دين أنّ سعيد لم يكن ماركسياً، ليس بقدر ما يمكن للمرء ألّا يكون ماركسياً؛ ما الذي يمكن قوله حول علاقة سعيد بالماركسيّة؟</span></p>
<p dir="rtl">أعتقد أنّ إدوارد لم يتقبّل الماركسيّة بصفته مدافعاً عن الوطنيّة الفلسطينيّة لأنّه شعر أنّها كانت أيديولوجيا مستوردة في وقتٍ طبِّقت فيها سلبيّاً في الشّرق الأوسط. كان يعتقد أنّه مهما كان البرنامج (الماركسيّ) صائباً سياسياً إلّا أنّه لم يملك القوّة الجاذبة كنظامٍ سياسيّ في الشرق الأوسط القادر على تأسيس ودعم دولة فلسطينية. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هل تشير إلى كتابه "بدايات" الذي حاول فيه وضع خريطة ثقافية أصلانيّة عربيّة سياسيّة وجماليّة، ونقَدَ استخدام كلّاً من طه حسين وفرانز فانون للبُنى الفرويديّة والماركسيّة لمكافحة الاستعمار بدلاً من اللجوء إلى اجتراح ثقافة أصلانيّة تخصُّهم هُم؟ </span></p>
<p dir="rtl">وهناك أيضاً آراؤه الشهيرة عن ماركس في الاستشراق، وكذلك تذمّره من بعض الحركات الماركسيّة في كتاب "الثقافة والإمبرياليّة". لكن دعنا لا ننسى أن الكثير من أصدقاء سعيد المقرّبين وزملائه كانوا ماركسيين. فهناك صادق العظيم الذي كان حادّاً معه بقدر ما يمكن للمرء أن يكون في فترة تكوينيّة من حياته. لم تكن الماركسيّة مسألة تنفّره بأيّة طريقة، في الواقع، كان هناك نوع من المنافسة بينه وبين العظم على من يكون أكثرُ إثارة للمتاعب في الشّرق الأوسط. كانت علاقته بالماركسيّة متّسقة طوال حياته، نعم هناك دلائل على نزعة ليبرالية سياسيّة عامّة، ولكن سعيد أيضاً تصرّف كنوع من وكيلٍ عن المثقّفين الماركسيين، مذكّراً النّاس بملاحظاتهم الثاقبة التي قدموها في النظريّة الثقافية والسياسيّة. وبعيداً عن جيامباتيستا فيكو الذي بإمكانك وصفه بالماركسيّ البدائيّ، فهناك قلّة قليلة تمكّنت من دخول بانثيونه الخاصّ، ومنهم ماركسيّون مثل جورج لوكاش، تيودور أدورنو وأنطونيو غرامشي. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هل كان هناك أيّ نساء في هذا البانثيون؟ </span></p>
<p dir="rtl">أجل، الموسيقيّة روز سبوتنيك، وعالمة الاجتماع الهيغليّة غيليان روز، وكذلك كان لكتاب سوزان باك – مورس عن أدورنو تأثير كبير عليه. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أنت لم تذكر إقبال أحمد، المفكّر الباكستاني والزعيم المناهض للحرب، فملفُّ سعيد لدى الـFBI يوصِّفُ سعيد على أنّه كان حلقة الوصل ما بين أمريكا ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وذلك كان يعدُّ فعلاً راديكالياً في السياق الأمريكيّ آنذاك رغم أنّه ليس بالشّيء الهام هذه الأيّام، وجزئياً كان لعلاقته بأحمد دور في ذلك. كيف تكوّنت تلك العلاقة؟ </span></p>
<p dir="rtl">إقبال كان أحد زعماء حركة مناهضة الحرب الأمريكيّة، وقد جذب انتباه سعيد في وقت كان نشاطه السياسيّ فيه أكثر علانيّة بعد نكسة عام 1967. آنذاك اتّخذ إقبال خطوة جريئة وغير شعبيّة بإلقائه محاضرة لمقاتلين مثقّفين وناشطين عرب قائلاً لهم أنّهم لن يتمكّنوا من كسب معركتهم ضدّ الصهيونية عسكرياً وأنّ عليهم تعلُّم تقنيات الإقناع. ذلك ما لم يكن سعيد موافقاً عليه، فقد كان منجذباً في ذلك الحين للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، وهي أكثر الحركات ماركسيّة في طيف حركات التحرير الفلسطينيّة؛ آنذاك كان سعيد يفكِّرُ بطريقة عسكريّة. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">ما تقوله مثير للاهتمام لأنّك قلت أيضاً أنّ سعيد كان سيعجَبُ بطلّابه وزملائه الذين يقفون خارج محلّ البقالة لجمع توقيعات ضدّ حرب فييتنام ولكنّه لن يفعل ذلك بنفسه أبداً. وهناك أيضاً واقعة اتصاله بشرطة الحرم الجامعيّ الشهيرة عندما اقتحمت مجموعة من الطلاب المحتجّين قاعة درسه في جامعة كولومبيا. هل نتحدّثُ عن إخفاقات سعيد السياسيّة كاستثناء ظرفيّ يمكنُ تفسيره وليس تعبيراً عن وجهة نظرٍ كونيّة؟ هل كان سيوزّع منشوراتٍ لو كانت من أجل فلسطين؟ أمّ أنّه فقط لم يكن الشّخص الذي يوزّع منشورات؟ كيف نفسّر هذه التناقضات؟ </span></p>
<p dir="rtl">أستطيع التفكير في أسباب كثيرة؛ أوّلاً إدوارد كان نخبوياً. لقد ترعرع وفي فمه ملعقة من فضّة ولم يرى نفسه في الخنادق. ثانياً لو كان سيكرّس نفسه لأجل قضيّة سياسيّة فلن تكون حرب فييتنام، ذلك على الرّغم من اشمئزازه وفزعه ممّا فعلته الولايات المتحدة من فييتنام. ولكنّ كان لديه حياة واحدة ليُعطيها وطاقة محدودة ليمنحها. وأخيراً، لقد نظر إلى انخراط الطلبة النّشاطيّ بوصفه تمثيلاً مسرحيّاً يخصُّ الطبقة الوسطى، لم يعتقد أنهم يعرفون معنى أن تعيش في خطرٍ سياسيّ حقيقيّ. لقد رأى الخطر يتهدّد حياة رفاقه في القاهرة تحت حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر واغتيال رفاقه في بيروت. كلّ هذه الأشياء كانت ستمنعه من توزيع منشورات. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أتساءل عن دور المثقّفين في ذلك الوقت كحلقة وَصلٍ بين مثقّفين آخرين وقضايا التحرّر. يدّعي سعيد أنّه كان الشخص الذي عرَّف فريدريك جيمسون بفلسطين عندما نظّلم رحلة برفقة (إقبال) أحمد لغاية تغيير قضيّة فلسطين لدى جيمسون من مجرّد مسألة أكاديمية إلى قضيّة سياسيّة. ما الذي تعرفه عن هذه الرحلة؟ </span></p>
<p dir="rtl">إدوارد أعجِبَ بفريد وعقليّته ولكنّه لم يكن ليتماثل مع ماركسيّته، لقد فكّر أنّها ليست جيّدة كفاية للتطبيق وفق شروط العالم الحقيقيّ وأنّها أصبحت نوعاً من الفلسفة التعويضيّة التي تشعرُ المرء بالنقاء الأخلاقيّ وتحريره من حاجته إلى الانخراط في العالم الحقيقيّ. إدوارد كان ليقول شيئاً مثل:"جيمسون سياسيّ مثلما هو سياسيّ ذلك الكرسيّ هناك"، وكانت الغاية من وراء الرّحلة إظهار معنى مقاومة إسرائيل سياسياً للأكاديميين الغربيين.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أحياناً أعتقدّ أنّ ما يفتقده الذهن الغربيّ هو الغضب العميق؛ هل كان غضب سعيد حقيقياً؟ </span></p>
<p dir="rtl">كان غاضباً، كان غاضباً حقاً. كان مستعداً لحمل السّلاح لو كانت تلك هي الطريقة لتحقيق الانتصار. أشعرُ بالصّدمة من الطّاقة الهائلة التي بذلها في كتابتها عن فلسطين من زوايا مختلفة على مدى سنواتٍ عديدة. ولكن أيضاً، كان لدراسته للأدب علاقة باستراتيجياته السياسيّة المتعلّقة بفلسطين والهجوم على الحريّات الذي تبع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة. فقد كان هناك رابط مُباشرة بين دراسته المتأنّية للبلاغة والرّواية وإيمانه بالسّلطة التي يملكها المثقّف في المجتمع. كان يتحدّث عن جهاز "القصص" الإسرائيليّ الذي مكّن لنفسه في الرأي العام (الأمريكيّ) على نطاق واسع من خلال أعمالٍ مثل: فيلم "الخروج The Exodus"، ورقعة عين موشي ديان. كان رأيهُ أنّ الفلسطينيين ليسوا جزءاً من الرأي العام وأنّهم بحاجة لإيجاد طريقة لأسطَرَة قصصهم وتجاربهم ليتمكّن النّاس من التماثل معها. لم تكن وجهة نظر سعيد عن الرّواية شيئاً يدرِّسهُ أساتذة الأدب في قاعة المحاضرات، بل كانت موضوعاً أساسياً في المشروع الوطني الفلسطيني.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">مع ذلك، فجمهور هذه القصص هو جمهور غربيّ. ماذا عن رؤية سعيد للتواصل مع العرب؟ لقد وصفتَ مقالته: "التمنع، التجنّب والاعتراف"، في مجلّة مواقف البيروتيّة على أنّها تواصله الأوّل مع القرّاء العرب، والتي أشار فيها إلى نوع من التشاؤم العربيّ، وهو الشّيء نفسه الذي وصفه غسان كنفاني بأنّه "مهرجان انحطاط ذاتيّ مازوخيّ". ما الذي كان سعيد يحاول قوله في تلك المقالة ولماذا؟ </span></p>
<p dir="rtl">إنّها مقالة مذهلة فعلاً، ومجادلة سعيد هو حاجة المثقّف العربيّ الملحّة إلى الاعتراف بافتقار ثقافته إلى نظريّة في العقل. حاول في المقالة إظهار أنّ المشكلة في مقاومة العربيّ للإمبرياليّة الغربيّة لها علاقة جزئياً بالتركيز المفرط على اللغة العربيّة بوصفها مستودعاً للجمال والكمال، وأنّ على العرب العمل على فهم ما يجعلهم متخلّفين وما يحتاجونه بشدّة وما يفتقرون إليه في الآن ذاته. إنّها مقالة سياسيّة بامتياز ولكن أيضاً تحليليّة نفسيّة.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">كتبت أيضاً أنّ سعيد كان مسحوراً بكتّاب خيال كان من المنطقيّ أن لا يحبّهم؛ فقد فضّل جوناثان سويفت بدلاً من ويليام بليك المعادي للاستعمار، وأحبّ جوزيف كونراد بدلاً من زميله المعادي للإمبرياليّة ر.كونينغهان غراهام. وجهة نظرك أنّ سعيد كان مُرتاحاً مع نفسه في ظلام كونراد الأخلاقيّ وتشاؤمه، ولكنّ سعيد وجد أيضاً تقاطعاً بينه وبين كونراد على أنّهما "منفيّان في عاصمتيّ عالمهما الإمبريالييّن"، هل يمكنك الحديث أكثر عمّا يربط سعيد بكونراد؟ </span> </p>
<p dir="rtl">إدوراد كان منجذباً لأولئك الذين لم يتّفق معهم سياسياً. وذلك كان واضحاً في محاكاته المبكّرة لشارل مالك، القوميّ اللبنانيّ الكتائبيّ. جزء منه أراد الدّخول في أذهان أولئك الذين احتقرهم مُثاراً بما يمكن أن ينتج عن مثل هذا الاحتكاك. ولكنّي أعتقد أيضاً أن انجذابه لكونراد كان بسبب قدرة كونراد على ابتكار نفسه واختراع أقنعة خياليّة لذاته في أعماله؛ إدوارد كان يفهم تلك القدرة ويريدها، خاصّة في محاولاته الفاشلة لكتابة رواية. كان إدوارد يريد إخفاء نفسه ومنحته قدرة كونراد على فعل ذلك بعض الأفكار عمّا يمكنُهُ فعله.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">ولكنّ سعيد أيضاً رأى في كونراد ثنائيّة تكرّرت في حياته الشخصيّة، لقد اقتبست قول سعيد: "عندما بدأت أدرِّسُ في كولومبيا... نُظِر إليّ على أنّني اثنان... أستاذ الأدب... والشّخص الآخر الذي فعل تلك الأشياء التي لا توصف ولا يمكن صياغتها"، ما هي تلك الأشياء التي لا توصف ولا يمكن وضعها في كلمات؟ </span></p>
<p dir="rtl">حسناً، أعتقد أنّها متخيّلة بشكل كبير، أعتقد أنّ ما يقوله حقاً هو أنّه رغم بلاغته ونجاحه كأستاذ جامعيّ، لم يستطع من حوله تجاوز حقيقة أنّه كان مختلفاً، بعيداً قليلاً وكأنّه من عالم آخر. كان حضوره يثير شعوراً بالنّقص لأنّه كان عالمياً وذو عمقٍ كونيّ لم يملكه الآخرون. لقد رأوا شيئاً هائلاً في الرّجل الذي تحدث العربيّة وعرف الإمبراطورية البريطانيّة من الداخل والخارج وترعرع فيها. ولذلك، لم يكن الأمر ما فعله، بل ما كان يفكّر فيه.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">لطالما اعتقدت أنّ المسألة لبيديّة نوعاً ما، أيّ تشتغل على مستوى عدم ثقة سيكولوجيّة جنسيّة بالعرب، ككتاب جوزف مسعد "Desiring Arabs"، هل كانت هناك أيّ عواقب للانتباه الذي أحاط بسعيد؟ </span></p>
<p dir="rtl">نعم، كان ذلك واضحاً بمجرّد وصوله إلى نيويورك، لقد أحبّها وشعر بنفسه في بيته وحتّى في بيت طفولته. بمجرّد وصوله إلى المدينة كانت أمورها ترتّبت على أكمل وجه؛ كان المحبوب، الوسيم، اللّبق، المرح، الذي يكتب بإتقان لذلك النوع من الجمهور الثقافيّ، وكانت لديه هالة المتخرّج من جامعة كولومبيا، كما جعلته أصوله غير المعروفة محطّ فضول واهتمام. ولكنّ الأمور تغيّرت بعدما نشر كتابه: «المسألة الفلسطينيّة The Question of Palestine»، فقد خلق الكتاب إشكاليّة في الوسط الإعلامي في مدينة نيويورك جعلته محطّ اهتمامٍ ومتابعة من قبل أناس مثل "سايروس فانس"، و"جورج شولتز"، الذي كان لسان حالهم: "حسناً يمكنه أن يكون منطقياً، يمكن التفسير بعناية وصبر، يملك التقنيات البلاغية والأدلّة على حججه"،"يتكلّم بطلاقة ولا أحد رأى شيئاً كذلك من قبل"! لقد شعروا بالتهديد، شعروا أنّ هذا الشخص يمكنه طرح القضيّة الفلسطينيّة بطريقة تجتذب المزيد والمزيد من النّاس. وهكذا بدأو بوضعه على القائمة السوداء، وكان صعباً عليه النّشر في مجلّات مثل مجلّة The New York Review of Books، فيما عدا النّشر في نوع معيّن من الأشياء. وكان هناك الكثير من المراسلات مع مجلّة The New York Times الذين كانوا يجيبونه:"حسناً، نحن مهتمّون ولكن فقط إن ابتعدت عن السّياسة، فقط لو تكلّمت عن طفولتك!"  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">وفي ذلك الوقت ظهرت مقالة سعيد الأولى لمجلّة The London Review of Books التي تحدّث فيها عن علاقة الصحافة بالسّلطة، لقد أسّس لفكرة نقد وسائل الإعلام، لماذا؟ </span></p>
<p dir="rtl">يمكنك القول أنّ كتابه «تغطية الإسلام» كان الكتاب الذي جسّد بشكلٍ مثاليّ فكرة نقد وسائل الإعلام التي كان يقرأ عنها لدى آخرين، فقد كان عديد الكتاب الذين سبقوا سعيد في دراسات هامّة عن وسائل الإعلام مثل إدوارد هيرمان وآرماند ماتيلارت. مجادلة سعيد هي أنّنا بحاجة إلى تفكيك تحيّز وسائل الإعلام بشكل منهجيّ وبنيويّ بما يتعلّق بتغطية الشّرق الأوسط، مدخِلاً مفاهيماً من النّقد الأدبي كفكرة إشكاليّة التمثيل والتدخّل الرأسمالي في التغطيات الإخبارية.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">نعم ولكن هل تعتقد أنّ نقده كان دائماً بنيوياً؟ أفكّر في مقالته في مجلّة The London Review of Books، المعنونة:"Permission to Narrate"، والتي جادل فيها أنّ هناك معياريّة معيّنة تطبّق عند التطرّق إلى فلسطين، لماذا اعتقد ذلك؟ </span></p>
<p dir="rtl">لقد حاول سعيد إقناع النّاس أنّ المشروع الصهيوني موضوعياً كان مشروع إبادة جماعيّة قام على أساس تفكيك وإنكار وجود شعبٍ معيّن، إضافة إلى منعه من الارتباط ذاتيّاً بنفسه ومنعه من رواية قصته. وهكذا تمّ تحريم أيّ شيء (في الإعلام) قد يخلُقُ الانطباع بأنّه كان هناك شعبٌ بتاريخ وإرث ثقافي وكان واعياً لنفسه كجماعة وطنيّة.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">من المثير للاهتمام أن تقول ذلك، هل سبق لسعيد وصف ما تفعله وفعلته إسرائيل للفلسطينيين كإبادة جماعية Genocide؟</span></p>
<p dir="rtl">بحسب ما أعرف، كلّا، لم يستخدم تلك الكلمة من قبل، رغم أنّها بالنسبة لي هي الكلمة الملائمة ولكنّي لا أعتقد أنّه استخدمها من قبل. برأيي اعتقد سعيد أنّها كلمة إشكاليّة تثير الاستقطاب وسط النّاس الذين كان يحاول الوصول إليهم، ولكنّ كتب العديد من المقالات التي وضَّحت ممارسات التفكيك، الإبادة والإنكار الذي تعرّض له الوجود الجمعيّ الفلسطينيّ وهو ما كان يتلاءم وتعريف الأمم المتحدة الرسميّ لماهيّة الإبادة الجماعية. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">ذلك ما لا أفهمه، بالنّسبة لي هذا نوع من التهرّب وأعداء الفلسطينيين يفهمون ذلك بعمق ويفرضون مراقبة على معايير اللغة المعقولة وغير المعقولة. ذلك شيء نراه فيما يتعلّق بحركة المقاطعة، سحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، والتي حوّلتها المجموعات الصهيونية إلى موضوع لا يليق الخوض فيها في المجتمعات النخبوية. </span> </p>
<p dir="rtl">ذلك صحيح. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أريد الحديث عن حركة المقاطعة للحظة؛ لقد مات سعيد عام 2003 وتأسست حركة المقاطعة عام 2005، ولاحقاً أصبح برنامج الأوركسترا ديفان الشرقيّة الغربيّة الذي أسسه سعيد بالاشتراك مع الإسرائيلي دانيال بيرنباوم مستهدفاً من قبل مؤسس حركة المقاطعة عمر البرغوثيّ. وأيضاً كان هناك مآخذ من قبل بعض أفراد أسرة سعيد، مثل أخته غريس، على البرنامج بسبب دوره في تطبيع دولة إسرائيل. ومع ذلك، فهي وآخرون قالوا أنّه لو ظلّ سعيد حيّاً حتّى تأسيس حركة المقاطعة لكان داعماً لها اليوم. </span></p>
<p dir="rtl">أتّفق مع غريس، فسعيد نفسه كان فاعلاً ناشطاً في مقاطعة الشركات الإسرائيليّة قبل عام 2003، وكان غاضباً جداً على زملائه وأصدقائه في جامعة كولومبيا لعدم التزامهم بمقاطعة أيّ شركة إسرائيليّة تستثمر في الأراضي المحتلة. وربّما كان سيكون موقفه، وهو موقف حركة المقاطعة، أنّ المقاطعة ليست مسألة أفراد بل هي مسألة مؤسسات، وأن هذه المؤسسات يجب معاقبتها على ما تفعله.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">لقد أهديت كتابك للشعب الفلسطيني، لماذا؟ </span></p>
<p dir="rtl">أعتقد أنّ قربي من إداورد علّمني أن أكرّس طاقتي لمحاولة فعل شيءٍ ما للقضيّة، لقد علّمني عدم التّفكير بالمخاطر المهنيّة المترتّبة على موقفي من فلسطين. بالنّسبة لي فلسطين هي الاختبار الحاسم لصدق أيّ سياسة شخصيّة مناهضة للاستعمار، وإن كان المرء مستعدّاً للحديث عن الظلم الهائل الذي أوقعته الصهيونية على الشعب الفلسطيني أم لا. أعتقد أنّ هذا السؤال هو أحد أكبر الأسئلة الأخلاقية في عصرنا.</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">تستضيف "مكتبة الأرشيف" تيموثي برينان عبر زوم في حوار خاص عن إرث إدوارد سعيد، غداً السبت وفي</span><span style="color:#7f8c8d"> </span><a href="https://www.facebook.com/events/2935492793438884" target="_blank" rel="noopener">هذه الصفحة</a><span style="color:#7f8c8d">.</span></p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20456">ما ندين به لإدوارد سعيد (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«سقوط الجدار السابع»... سيرة الصعالكة والمجانين </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20429</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس إبراهيم]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 25 Mar 2021 12:03:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a9-%d9%88%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>قبل عشرين عاماً على كتابه "الضوء الأزرق" (٢٠٠١)، الذي كتب فيهِ في وصفه نفسه: "أنا تحت سطحي من الشّرور ما يجعل أمّي تتمنّى لو لم تكن قد ولدتني"؛ كان حسين البرغوثي مستغرقاً في بحث طبيعة تلك الشرور تحت سطح كتّاب آخرين في كتابه/بحثه الفلسفيّ "سقوط الجدار السابع" الصادر عام ١٩٨١، (وعام ٢٠١٨ بطبعة جديدة عن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20429">«سقوط الجدار السابع»... سيرة الصعالكة والمجانين </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">قبل عشرين عاماً على كتابه "الضوء الأزرق" (٢٠٠١)، الذي كتب فيهِ في وصفه نفسه: "أنا تحت سطحي من الشّرور ما يجعل أمّي تتمنّى لو لم تكن قد ولدتني"؛ كان حسين البرغوثي مستغرقاً في بحث طبيعة تلك الشرور تحت سطح كتّاب آخرين في كتابه/بحثه الفلسفيّ "سقوط الجدار السابع" الصادر عام ١٩٨١، (وعام ٢٠١٨ <a href="https://khanaljanub.com/writer/husseinbarghouti/" target="_blank" rel="noopener">بطبعة جديدة </a>عن الدار الأهلية في عمّان). يمكن الادّعاء أنّ ما بحثَهُ حُسين في نفسه في كلّ من "الضوء الأزرق"، و"سأكون تحت اللوز" (٢٠٠٤)، كان قد بحثهُ من قبل في عوالم أدبيّة أخرى، وكان بحثاً في مفهومه الرئيسيّ الذي يستندُ إليه في "سقوط الجدار السابع"، وهو "السبب الرئيسيّ"؛ أي نقطة الارتكاز الأرخميديّة التي يستندُ إليها الفرد في النّظر إلى نفسهِ وإلى موقع نفسه في العالم. كان حُسين يشعرُ بمرارة اللاتطابق بين عالمه الداخليّ والخارجيّ، بين ذاته كما كان يعتقد أنّها يجب أن تكون وبين الخارج؛ بين فهمه للحياة وعدم قدرته على عيشها كما يفهمها، قبل أن يجد سلامه النهائيّ تحت شجرة اللوز. </p>
<p dir="rtl">يستندُ الكتاب إلى مفهوم "السبب الرئيسيّ" كمفهوم شارح لمعضلة الصراع النفسيّ في الأدب حديثاً وقديماً، فغياب أو تأزّم السبب الرئيسيّ يعني الدّفع بالشخصيّة الأدبيّة أو الإنسانيّة إلى عالمٍ من الفوضى النفسيّة أو عالمٍ من الانسجام النفسيّ في حالة انسجام الفرد مع سببه الرئيسيّ. ينشأ الصّراع النفسيّ في الأدب كما يعتقد حسين عن التناقض بين العالم الداخليّ بحاجاته ومواضيع هذه الحاجات في العالم الخارجيّ. فالحياة ليست إلّا عملية بحث عن حلّ لهذ االتناقض، محاولة بحث عن تحقيق التطابق بين حاجةٍ داخليّة وموضوعها في العالم الخارجيّ. ويكون فهم الحياة، أي معرفة الذات لماهيّة الحياة، لسببها الرئيسيّ في الحياة، أرقى أشكال التعبير عن حاجات الفرد الداخليّة. بينما عيشها هو محاولة المطابقة بين الحاجات الداخليّة والعالم الخارجيّ لتحقيق "الكلّية"؛ أي انسجام الفرد مع نفسه، مع الآخر ومع الطبيعة.</p>
<p dir="rtl">من هنا ينشأ الصراع النفسيّ كشكلٍ من أشكال الشقاء الحادّة نتيجة لعدم قدرة الفرد على تحقيق الكلّية، ما يعني فقدان الذّات. ومن هنا يكون "سقوط الجدار السابع"، بحثاً في الشقاء، وفي انعدام الكلّية. وستركّز هذه المقالة على معالجة الكتاب لكلّ من الفيلسوف الروسيّ "سكوفورودا"، المتنبّي، وشخصيّة هاملت لشيكسبير، وأخيراً لأدب الروائيّ الروسيّ دوستويفسكي. </p>
<p dir="rtl">يمثّل "سكوفورودا" طريقة "التخلّي عن العالم الخارجيّ" للوصول إلى السعادة المطلقة وحالة الكلّية، إمّا من خلال الانسجام مع قوّة كونية عُليا كالصوفيين والبوذيين، أو خداع الذات كما فعل "سكوفورودا"، الذي قرّر أن يغيّر فهمه للحياة بعد محاولة تغييرها كي يعيش بسعادة. </p>
<p dir="rtl">في واقع روسيا المتخلّف الأرستقراطيّ، أدرك "سكوفورودا" أنّ عليه بدلاً من البقاء متألّماً لعدم قدرته على العيش كما يرغب، أن يشكر الله "الذي جعل كلّ ما هو ضروريّ سهل المنال، وجعل كلّ ما هو صعب المنال غير ضروريّ". أي أنّه رأى في القناعة الدينيّة طريق السعادة من خلال تنازله عن رغباته وخداع نفسه وإجبارها على الاعتقاد أنّ الأشياء الضروريّة والتي هي في متناوله هي الأشياء التي يرغبُ فيها حقاً. ذلك يعني أنّه مهما تغيّرت الظروف فلن تجلب إليه إلّا أشكالاً مختلفة من السعادة، لكنّ البرغوثي يعتقد أنّ سعادته هي "زائفة"، و"ليست إلّا شقاءً مقنّعاً لأنها تقوم على التنازل عن رغباته إن كان تحقيقها صعباً"(ص.٣٣). <br />
<img decoding="async" alt="" height="524" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/٩٧٦٦٧٨٩-3.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">تخلّى "سكوفورودا" إذاً عن العالم الخارجيّ، ومثله، حاول الصوفيُّون والهنود القدماء تحقيق الكلّية بواسطة الانسحاب من العالم الخارجيّ إلى داخلهم؛ فتوحّد الصوفيُّون مع قوّة كونيّة أعلى، وتخلّى البوذيُّون عن العالم الخارجيّ الذي لا يجلبُ غير الشقاء. لكنّ هناك من اختار الصّدام مع العالم الخارجيّ، وكانت المعاناة من نصيبهم؛ المعاناة التي "هي شكل من أشكال الشقاء، من أشكال انعدام الكلّية"، النّاشئ عن انعدام إمكانيّة تحقيق التطابق بين العالم الداخليّ والخارجيّ في واقعٍ معيّن، "فلا الحياة تسمح للفرد بأن يعيشها ولا الفرد يريد التنازل عن أيّ جزء منها". </p>
<p dir="rtl">تنشأ المعاناة عن السّعي وراء إشباع حاجة جوهريّة في ظلّ فشلِ الفرد المتواصل في تحقيقها؛ وللمعاناة شكلان، أوّلاً، منذ أن كان لكلّ فردٍ تصوّر معيّن عن نفسه كما هي عليه في الواقع وآخر عن كيف يجب أن تكون، أي الأنا الواقعيّة، والأنا المثاليّة، ينشأ شكل المعاناة الأوّل عن التناقض التناحريّ بين شقيّ فكرة الذات الذي يشلّ قدرة الفرد على تحقيق الكلّية بين الفرد ونفسه. أمّا الشكل الثاني فيكمن في التناقض التناحريّ داخل "فكرة الغير" التي تتكوّن من شقّين؛ الغير كما هو والغيرُ كما يجب أن يكون. والغير يعني كلّ ما يقع خارج الفرد، فإن كان الغير واقعاً اقتصادياً فقيراً، ولَّدَ في الذات عقدة نقصٍ لكونِ خارجها ليس كما ينبغي به أن يكون. وعقدة النقص تمثّل انفصالاً عميقاً بين الأنا الواقعية والمثالية، بين الغير الذي لو كان كما يجب أن يكون لكان من الممكن للأنا المثالية أن تكون كما يجب أن تكون، وبين الغير الذي كما هو ويشلّ قدرة الأنا المثالية على الكينونة، ويُجبرها على "القناعية"، المساومة والتلوُّث بالواقع لغاية الوصول إلى وضعيّة تتمكن فيها من أن تكون أخيراً كما تريد. </p>
<p dir="rtl">يُعدُّ المتنبّي مثالاً على الذّات المتمزّقة بين تصوّرها عن نفسها وواقعها؛ فالصّراع عند المتنبّي ينشأ من فشله المتواصل في أن يعيش كما يتصوّر أنّه يجب أن يعيش، ولكن ومنذ أن كان السبب الرئيسيّ عند المتنبّي هو ذاته التي يعبدُها ويُقدِّرها فوق كلّ شيء آخر، فاصطدامه بواقعها الاجتماعيّ يؤدّي به إلى تأكيدٍ مبالغٍ فيه لنفسه، وذلك ما يسمّيه حسين بالمُكابرة؛ أي عدم الاعتراف بوجود هوة عميقة بين واقع الشخص وتخيّلاته عن نفسه. وتشكّل المكابرة آليّة نفسية جديدة تعبِّرُ عن الفخر بالذات؛ فمعاناة المتنبّي هي معاناة فرد يدافع عن نفسه، التي يقدّرها فوق كلّ شيء آخر، حتّى اللحظة الأخيرة في "حياة صعبة ولكنّها الحياة الوحيدة كما تقول أغنية أمريكية، وهو لا يريد خسارتها مهما كلّف الثمن". وذلك ما يجعلُ من حياته جحيماً دائماً، كان يمكنُ أن يودي به إلى الجنون لولا حيازته لمنفذٍ نفسيّ لتفريغ شحناته النفسيّة المتأزّمة وهو الشّعر. لكنّ المُتنبّي الذي اضطُّرَ إلى العيش تحت وطأة أناه "القناعيّة" المادِحة للأمراء، المُتسوِّلة، المُتحايلة والانتهازيّة؛ رغم هذا كلّه، كان لا يزال متمسّكاً بالأمل وبقوّة. بأمل الخلاص من المعاناة ماضياً وحاضراً، والخلاص من القناعيّة وحالة الانشطار التي هو عليها بين ما يتخيّله عن نفسه ولا يستطيع أن يكونه وبين ما هو مُضطَّرٌ لأن يكون عليه في الواقع (ص.١٠٣-١٠٢). </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">غياب السّبب الرئيسيّ عند هاملت ودوستويفسكي</span></strong></p>
<p dir="rtl">بعد الإيمان بسبب رئيسيّ كونيّ كالله أو البراهمانا، أو اجتماعيّ كالقبيلة، أو ذاتيّ كالذّات وعبادتها، أو عُموميّ كالشيوعيّة أو الإنسانيّة، ينتقلُ حسين إلى مرحلة أخرى في الأدب اتّسمَت بعدم الإيمان الثابت بأيّ سبب رئيسيّ والتي يصفُها بمرحلة "التمزّق النفسيّ الحاد". مرحلة كان الشقاء فيها يواصل تقدمه وانعدام الكليّة تواصل زحفها في مرحلة جسّدَتها مأساة هاملت لوليم شيكسبير. </p>
<p dir="rtl">كانت مأساة هاملت الشكليّة هي في عدم قدرته على الإتيان بفعلٍ حقيقيّ بعدما قتل عمّه والده وتزوّج أمه واستولى على العرش. لكنّ مأساته الحقيقيّة كانت أنّ هاملت لم يكن يؤمن إيماناً ثابتاً بأيّ شيءٍ ولا حتّى بنفسه. فالسبب الرئيسيّ غير ثابتٍ مطلقاً، ونتيجة ذلك تكون على لسان هاملت:"البقاء أم الموت؟ هذا هو السؤال!"(ص.١٣٣). </p>
<p dir="rtl">نصفُ مؤمنٍ ونصفُ ملحد؛ متردّد في قتل نفسه، في قتل عمّه، ويرى العبثيّة في كلّ شيء، عبثٌ أن يفعلَ شيئاً، وعبثٌ ألَّا يفعل شيئاً، يقفُ متردداً بين هذا وذاك، غير قادر على عيش الحياة أو تحقيق الكلّية، غير قادر على خداع نفسه لأنّ عقله يرفض الإيمان بأيّ شيء بعد الموت. شكّ دائم، احتقارٌ للذات واحتقار للآخرين؛ تلك هي دورة أفكار هاملت اليوميّة، وتنبع عدم قدرته على إنهاء صراعه النفسيّ الداخليّ من عدم قدرته على اتخاذ قرارٍ للإتيان بفعلٍ حقيقيّ وهو ما يَعودُ إلى افتقاره لسبب رئيسيّ يستندُ إليه في تفكيره بنفسه وبالعالم.  </p>
<p dir="rtl">لا يمكن للسبب الرئيسيّ في نظر حسين إلّا أن ينتَمي إلى شيءٍ من ثلاثة؛ سبب ميتافيزيقيّ يتجاوز الطبيعة كالإيمان بالله أو كائنٍ أعلى، أو سبب طبيعيّ كالإيمان بالنار أو الطوطم أو الطبيعة، أو سبباً اجتماعياً كالإيمان بالشوعيّة، المال أو الذات. إلّا أنّ هاملت لم يؤمن بأيّ قوّة ميتافيزيقيّة، وإدراكه لقذارة الإنسان وقبحه منعه من الإيمان بأيّ سبب رئيسيّ اجتماعيّ، وفي ظلّ غياب الإله وغياب المعنى، كان هاملت يشعرُ بالغرابة، بالسقوط في كون واسع يستحوذُ عليه الشعور بالعبث وانعدام المعنى. </p>
<p dir="rtl">هنا يظهر العبث على مسرح شيكسبير، فلا شيء يعني شيئاً على الأرض، لا الإنسان ولا الطبيعة، ومنذ أن كان الإنسان لا يعني شيئاً، فلم يكن ممكناً له أن يكون سبباً رئيسياً لهاملت، بل كان النقيض من ذلك. فقد اختبر هاملت انحطاط الإنسان وجانبه المظلم عندما شعَرَ أنّه يعيش في بيئة ملوّثة وقذرة، بيئة مليئة بالمكائد والقبح البشريّ المتمازجِ بأقنعة عواطفٍ نبيلة. هناك شعَرَ هاملت أنّه هو الآخر كان مُلوّثاً ببيئته، وامتدّت إليه طِباع الآخرين، فلم يكن حتّى قادراً على الإيمان بنفسه كسبب رئيسيّ يستند إليه. وفي حالة تأزّمٍ نفسيّة كتلك التي عاشها كان لا بدّ من مخرجٍ أو آليّة نفسيّة لتفريغ الشحنات الداخليّة المتأزّمة في موضوعٍ خارجيّ. كان للمعرّي والمتنبّي الشعر منفذاً لأناهم المثاليّة، لكنّ هاملت لم يكن شاعراً وذلك ما صعَّدَ أزمته النفسيّة إلى الدّرجة التي لم يعد فيها قادراً على التّفكير المنطقيّ، إلى حالة "اختلال العلاقة بين العالم الحقيقيّ والعالم الخياليّ"، ما دفع بهِ إلى نوعٍ من أنواع المرض النفسيّ الذي طبع أدب القرن التاسع عشر والعشرين كما في أدب دوستويفسكي.  </p>
<p dir="rtl">كلّ شخصيّات دوستويفسكي هي هُوَ؛ "فدوستويفسكي نفسه ليس بشراً، بل مستشفى من الأمراض النفسيّة، ومكتبة من الفلاسفة وسرباً من الأنبياء المتديّنين، وقطيعاً من المجرمين، وحفنة من الأنبياء الاجتماعيين، ولكن متّحدين في شخصٍ واحد"(ص.١٩٤). والمرحلة التي يمثّلها دوستويفسكي هي مرحلة انهيار الذات على نفسها، و"هنا يصبح البحث عن الذات هو المهمّة الحقيقيّة". في هذه المرحلة يفقد الفرد الكلية مع الطبيعة، مع نفسه ومع المجتمع ويصبح الشقاء كاملاً، ولا طائل من وراء البحث عن الذات في المجتمع أو الطبيعة، ويكونُ انسحابُ الفرد إلى عالمه الداخليّ، إلى ذاته الممزقة، محاولة أخيرة ويائسة لترميم نفسه وتحقيق الكلّية.  </p>
<p dir="rtl">لا تملك شخصيّات دوستويفسكي أيّ نقطة "ارتكاز أرخميديّة"، أي، سبباً رئيساً، فهي كما يقول كما يقول الناقد جورج لوكاتش:"هم أناس متوحّدون، أناس يعتمدون على أنفسهم اعتماداً كاملاً في معرفتهم للحياة ولمحيطهم، أناس يحيون بعمق وبحدّة داخل نفوسهم بحيث تظلّ أرواح الآخرين عندهم أرضاً مجهولة للأبد"(150). </p>
<p dir="rtl">يأخذُ حسين بطل رواية "مذكرات من العالم السُّفليّ"، مثالاً لتلك الشخصيّة الدوستويفسكيّة المتوحّدة؛ "إنّه مختلف وغريب عن هذا العالم، وكلّما تعمّق إدراكه لذاته زاد رفضه لها، وازداد أيضاً شعوره بفقدان هويّته وفراغه الداخليّة، لكنّه لا يستطيع أن يغيّر نفسه، لماذا؟ "لأنّه لا يوجد ما أتغيّرُ إليه""(ص.١٦٣). لا هو يستطيع أن يكون هو ولا يستطيع أن يتغيّر إلى شيءٍ لأنّ ليس ثمّة من شيءٍ يكونه بدلاً من نفسه. مع ذلك فإنّ ما يريده هو أن يحقّق الأصالة الذاتيّة، أن يكون ذاتاً أصيلة، وربّما يكون مفهوم الأصالة الذاتيّة، مفهوماً شارحاً لمفهوم السبب الرئيسيّ؛ أيّ أن يكون الإنسان ما يريدُ أن يكونه، لأنّه يستطيع أن يكون ذلك الشّيء، لأنّه حرٌّ بالأساس ليكون أيّ شيء. تماماً كما يصفُ بطل المذكّرات رغبته في "أن يحيا وفق إرادته الخاصّة". لكنّ الحريّة بإمكانها أن تكون مرعبة عندما لا يستطيع الإنسان معرفة ما يفعلُ بها؛ "الحرية المرعبة ليست حرية حقيقيّة"، كما يكتب حسين، لأنها تستحوذُ على الفرد وتُصبحُ وجهاً آخر للعبودية وتولِّدُ فيه قلقاً، وانعداماً للثقة بالنّفس واحتقاراً للذّات. تلك هاوية شخصيّات دوستويفسكي التي تحيا في عوالم نفسيّة مُضطَّربة؛ راسكلنيكوف قتل المرابية بحثاً عن الكلّية، ومن الكلّية بحثاً عن الحقيقة الأخلاقيّة، وإيفان كارامازوف مجرم بحقيقته الأخلاقيّة التي تبيح كلّ شيء:"إذا لم يكن هناك إله، فكلّ شيء مباح"، والرّجل المضحك حاول ارتكاب جريمة فتقل نفسه؛ لكنّ عقل إيفان العميق ليس سبباً رئيسياً يستندُ إليه، بل أداة لتحطيم السّبب الرئيسيّ، كذلك جريمة راسكلنيكوف؛ كلّهم شخصيّات عائمة في كونٍ واسعٍ إلى جانب هاملت، يقفون بتردّد وهم يُحدِّقون في انعدام المعنى وغياب التّفسير. التردّد الذي ربّما رافق حسين في تنقّله بين قريته كوبر، وبلدة بيرزيت، إلى لبنان، هنغاريا وسياتل، قبل أن يتمكّن قبل النهاية بقليل من إيجاد سببه الرئيسيّ تحت شجرة اللوز.  </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20429">«سقوط الجدار السابع»... سيرة الصعالكة والمجانين </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«فرس العائلة»... رواية الذاكرة والثنائيات</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20380</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس إبراهيم]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 13 Feb 2021 15:09:58 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[محمود شقير]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d8%a6%d9%84%d8%a9-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a6%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يكتب محمود شقير في بِداية روايته "فرس العائلة" (هاشيت أنطوان، بيروت 2013):"للبرية أعرافها التي ابتدعها أبناء بُسطاء"، ثمّ يُكمل في السّطر الثاني:"منّان هو أحد هؤلاء الأبناء، والبرّية لم تعد كما كانت من قبل، أو هذا ما يعتقده منّان". يُؤسِّس شقير بهذه المُقدّمة لثلاثةِ حُقولٍ متأزّمة، أو يجعلُها تداخلُها ببعضها البعض في حالة تأزٌّم؛ البرّية بِما [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20380">«فرس العائلة»... رواية الذاكرة والثنائيات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">يكتب محمود شقير في بِداية روايته "<a href="https://www.hachette-antoine.com/farass-alaa-ila.html" target="_blank" rel="noopener">فرس العائلة</a>" (هاشيت أنطوان، بيروت 2013):"للبرية أعرافها التي ابتدعها أبناء بُسطاء"، ثمّ يُكمل في السّطر الثاني:"منّان هو أحد هؤلاء الأبناء، والبرّية لم تعد كما كانت من قبل، أو هذا ما يعتقده منّان". يُؤسِّس شقير بهذه المُقدّمة لثلاثةِ حُقولٍ متأزّمة، أو يجعلُها تداخلُها ببعضها البعض في حالة تأزٌّم؛ البرّية بِما تُمثِّلهُ من طبيعة، حيوان، أرض، نبات وبـأعرافها التي تفرضها على ساكنيها، والإنسان بأعرافه، تقاليده، ساكن البرّية البدويّ المرتحل من مكان إلى مكان، وبالحقل الزمانيّ الذي يُغيِّر من طبائع المكان والإنسان. </p>
<p dir="rtl">كانت البرّية ما كانته دائماً، وما تغيّر هو حاجة الإنسان منها أو عدم حاجته إليها واحتياجه إلى مكانٍ آخر، لذلك يُضيفُ شُقير عبارة:"أو هذا ما يعتقده منّان". منّان هو الشّيخ منّان، ابنُ الشّيخ محمّد، حفيدُ الشّيخ عبد الله وشيخ عشيرة عبد اللات. والبرّية ليسَتْ مُجرّد أرضٍ قحطاء كما بدأ يراها منّان لمّا قرّر أخيراً أنّ الأوان آن لمغادرتها والاقتراب أكثر من مدينة القدس، للسكَن في قرية "رأس النبع"، ومن ثمّ الانسلال بهدوء إلى حياة المدينة؛ بل كانت متحف ذاكرة العشيرة، وكان الشّيخ منّان، ومعه آخرون، يتوقون إلى النّسيان أكثر من توقهم إلى عيش أكثر سهولة. </p>
<p dir="rtl">كان مقتل الشّيخ عبد الله، هو الحدث المؤسِّسُ للتحوُّلات التي أصابت عشيرة عبد اللات والتي استمرّت آثارها تُلاحِقُ شيوخ العشيرة شيخاً بعد الآخر. "فبينما كان الشّيخ عبد الله يركب فرسه ويقترب من بئر الماء على مسافة من مضارب عشيرته، برز له عدد من فرسان عشيرة الفرارجة واشتبكوا معه وأردوه قتيلاً ثمّ لاذوا بالقرار"(ص35). بقيت فرس الشيخ عبد الله في المكان تحمحمُ وتصهلُ طلباً للنجدة، ولكنّ أحداً لم يأتِ، فركضَتْ إلى مضارب القبيلة لتُدلِّلَ على مكان موت فارسها. كان هناك عداء طويلٍ بين القبيلتين، الفرارجة وعبد اللات، وأدّى مقتل الشّيخ عبد الله إلى صراعٍ دمويّ بين العشيرتين، كان الشّيخ محمّد الذي ورث زعامة العشيرة عن أبيهِ المقتول، يرف أن لا طاقة له ولا طاقة للعشيرة على إلحاق الهزيمة بقتلة أبيه. كانت العشيرة في حالة ضعف، ولولا تدخّل عشائر أخرى لعقد الصّلح بين العشيرتين، لرُفِعَت "رايات الذلّ والاستكانة"(ص36). رغم الصّلح، شعر الشّيخ محمّد بعد أن ورث الزّعامة أنّ دماء أبيه ذهبت هدراً، وتملّكه شعور بضعف عشيرته أمام العشائر الأخرى، ولذلك اندفَعَ نحو الإكثار من التزاوج "لاستيلادهنّ أعداداً كبيرة من الأولاد"(ص36). كان للشّيخ محمّد ستّ زوجات، أنجبن له أولاداً ذكوراً كثيرين حصدت حروب السلطنة العثمانيّة اثنين منهم، ما دفعهُ إلى موقفه المتصلّب من الضّابط التركيّ الذي أتى لتجنيد أبناء العشيرة. </p>
<p dir="rtl">ففي الصفحات الأولى من الرواية يظهر ضابط تركيّ في حوارٍ مع الشّيخ محمّد يطلبُ منه تجنيد بعض أبناء العشيرة الذين كانوا اختبأوا في الجبال، للالتحاق بالجيش العثمانيّ. يرفُضُ الشّيخ محمّد غير الواثق بالسّلطنة وحروبها. فقد كان لا يثقُ بعودة أيّ من أبناء العشيرة، ولا يثق بقيمة الحروب العثمانية. يؤكّد له الضابط التركيّ أهميّة هذه الحرب للدفاع عن مدينة القدس، ولكنّه يظلّ متمسّكاً بموقفه الرافض. في النّهاية يقول الضابط التركيّ "كمن يقرأ نصّاً مكتوباً في ورقة: بهذا تحكُم أنت وأبناء العشيرة على أنفسكم بأنّه لاقيمة لكم، وستظلّون جنكلة مثلما أنتم الآن". تلك كانت إهانة انغرست في عظام الشّيخ محمّد: "نظلّ جنكلة، بدواً رحّلا لا قيمة لنا". سكَتَ عنها، ولكنّها كانت تعاوده بين الحين والآخر، خاصّة بعدما سقطت القدس تحت الاستعمار الإنجليزيّ. <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="550" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/٢٠٣٤٩٨٥لت٩٤تل§-3.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">ربّما يمكن التّفكير في بداية تفكّك العشيرة مع الشّيخ محمّد وسلوكه على مرّ السنين الذي يكشِفُ الكثير عن طِباع العشيرة؛ كان محمّد منغمساً باللذات ومطاردة النّساء لمّا كان والده الشّيخ عبد الله زعيماً للعشيرة. لم يلتفت لشؤون العشيرة إلّا بعد مقتل والده، وكان عليه الدّخول في حربٍ عشائريّة انتهت بهزيمة تجرّعها غصباً وجعلتهُ يشعُرُ بالمسؤولية عن مقتل والده وعن ضعف عشيرته. ذلك ولّد قلقاً كبيراً في داخله تحوّل إلى نهمٍ وجشعٍ عبّر عن نفسه برغبة جارفة لتملك الأراضي والنّساء. كان يتغلّب على خيبات الماضي بمحاولة جعل الحاضر مليئاً، محاولاً ملء فراغه الداخليّ بممتلكاتٍ مادّية محسوسة كالأرض، الزوجات والأولاد. ورغم محاولاته العديدة، إلّا أنّ الإهانة التي تجرّعها أخيراً من الضابط التركيّ أرجعته سنواتٍ إلى الوراء مرّة أخرى، إلى المكان الذي فيه شعر بعدم أهميّته، وبعدم أهليّته على زعامة العشيرة. فبعد وقتٍ قليلٍ، تصرّف كما تصرّف مرّة أخرى، تزوّج للمرّة الأخيرة، وقرّر الذّهاب إلى الحجّ ليبدأ مرحلة أخرى من حياته. كان يتغلّب على الموت بالوِلادة، على الماضي بالحاضر، على ضعفه الشخصيّ بجشعه وقدرته على الامتلاك، وعند ذهابه إلى الحجّ كان يتأمّل في أيّام الماضي، وفكّر كما كان جشعاً، متسلّطاً ومنغمساً في لذّاته، لكنّه لم يفكّر بالمطلق بالعودة عن أيّ من أخطائه، بل قال:"ما مضى مضى، والمهمّ لديه ما سوف يكون"(ص27). </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الذّاكرة، الفرس، وليلة الخطيئة </span></strong></p>
<p dir="rtl">دائماً ثمّة ما لا يُنطَقْ، وما لا يمكن التعبير عنهُ بالكلمات ولكن فقط بالرّمز؛ وفي "فرس العائلة"، تُشكِّلُ فرس الشيخ عبد الله ذلك الرّمز بأبلغ طريقة ممكنة. "ما زالت مهيوبة [زوجة الشّيخ عبد الله] تتذكّر كيف تغيّرت طباع الفرس. ظلّت تقف في مربطها أياماً وهي ساهمة واجمة، تحدّق ببلادة نحو الأفق، كأنّها تحاول أن تستذكر ما حدث للشيخ. بعد ذلك أخذت تحمحم وتخبط الأرض بقوائمها. وذات مساء، قطعت مرس الكتّان، وانطلقت تعدو عبر المضارب مبتعدة إلى حيث قبر سيّدها. وقفت تحفر ترابه بحافرها، ثمّ لم تلبث أن رفعت رأسها إلى السّماء، كأنّها تستغيثُ بقوّة مجهولة لإنقاذ الشّيخ مما حلّ به". </p>
<p dir="rtl">مرّت على الفرس فترة هدوء بعد مقتل الشّيخ عبد الله، فلم تعد النّسوة يسمعن صهيلها إلّا في أوقات متباعدة، ولكنّها لم تستمرّ على هذه الحال، فقطعت مرسها ذات ليلة وانطلقت تعدو ولم تعُدْ إلّا بعد وقتٍ طويل. البشَرُ ينسون، ينغمِسون بما يحمله الحاضر لهم من هموم جديدة وقلق جديد، ولكنّ الحيوان، الفرس الأصيلة، لا تنسى كما في الحكاية، وتظلّ تعيش في الماضي، وتتوقّف عند لحظة بعينها، اللحظة التي فيها انكسر زمانها واعوجَّ ولم يعُدْ ممكناً بعدُ العيش فيه كما لو أنّ شيئاً لم يكن. ظلّت زوجة الشّيخ عبد الله، مهيوبة، في حدادٍ لسنواتٍ سبعٍ انتهت بزواجها من رجلٍ آخر، وأمّا ابنهُ الشّيخ محمّد فحاول مراراً وتكراراً الهرب من الماضي إلى أجساد زوجاته الستّ وأولاده الكثيرين وأخيراً إلى مكّة المكرّمة في رحلةٍ حجٍّ عاد منها ولم يلبث أن مات بعد وقتٍ قصير. ويحاول حفيده، الشّيخ منّان، الهرب من إرث والده وجدّه، نحو المدينة ومغادرة البرّية مرّة إلى الأبد، لأنّها لم تعد كما كانت عليه، كما يعتقد، وحاول هو الآخر كحال والده الهرب إلى أجساد النّساء وإلى الغامض السحريّ مُسلِّماً نفسه في "ليلة الخطيئة" إلى قوى مجهولة، إلى مشاعر غريبة، علّه يدرأ عن نفسه وعن عشيرته المخاطر التي حذّرتهم منها الفرس التي عادت بعد فترةٍ طويلةٍ. </p>
<p dir="rtl">فبعد غيابها لمدّة طويلة ظهرت الفرس ذات ليلة مرّة أخرى. كان الشّيخ محمّد قد ذهب إلى رحلة الحجّ، وبقي ابنه الشّيخ منّان مسؤولاً عن العشيرة. أثار مرأى الفرس الخوف في نفوس العشيرة لظنّهم أنّها ممسوسة أو مسكونة بالجنّ. بعد ثلاثة أيّامٍ مشت بين المضارب وقبل اختفائها تماماً وقفت لحظةً و"التفتت برأسها نحو المضارب، شعر الجميع كأنّ لها ألف عين. اقشعرّت أبدان النّساء والتصقن بالرجال. أطلقت الفرس صهيلاً محموماً، خبطت الأرض بقائمتيها الخلفيّتين، وانطلقت تعدو عبر الغبش الداكن"(ص50). في تلك الليلة تعاظم شعور العشيرة بالخطر القريب، واتجهوا إلى السّاحة التي تتوسّط المضارب، وشعروا بضرورة فعل جماعيّ يحميهم. كانوا كأنّهم ارتدوا إلى ماضيهم الوثنيّ السحيق، فأوقدوا ناراً عظيمة، ومن دواخلهم انبجست رغبة في صياح محموم لملء الفراغ الممتد من حولهم. راحوا يرقصون حول النّار رقصاً عشوائياً، فوضوياً مدفوعاً برغبة في "التحرّر من الخوف". "بدوا كما لو أنّهم بحركة أجسادهم التي تحكمها دوافع شتّى يفكّون قيوداً غير منظورة ويختبرون ما يكمن في نفوسهم من قدرات دفينة لا تظهر إلّا عند الإحساس بالخطر"(ص50). </p>
<p dir="rtl">في تلك اللّيلة كانوا كأنّهم متجرّدون من أيّ حسّ عاديّ بأنفسهم، وبينما كان يرقُصُ الشّيخ منّان رأى "وطفاء"، وسألها:"تتزوّجيني؟"، فقالت:"أتزوّجك". فجلب حجراً له وحجراً لها، جلسا كلّ منهُما على حجر وقال لها:"أنا على حجر وأنت على حجر"، فردّت عليه:"أنا الأنثى وأنت الذكر"، وهكذا تزوّجا. ولم يكن ذلك الزّواج الوحيد، فقد كان هناك سبع حالات زواجٍ أخرى في تلك الليلة التي عُرِفَتْ بليلة النّار، أو ليلة الخطيئة التي ظنّها الكثيرون ستجلبُ المصائب على العشيرة بسبب الآثام التي ارتكبت تلك الليلة. </p>
<p dir="rtl">بحسب موريش هالبواش، الباحثُ في دراسات الذّاكرة، التاريخ يكون القليل الذي يُتذكّرُ في سياق الذاكرة الجمعيّة المعاصرة، والذي يلائم مصالح المجتمع في الزمن الحاضر. فتحتفظُ الذّاكرة الجمعيّة من الماضي فقط بما لا يزال حياً، أو بمكنته العيش في العقل الباطن للجماعة، التي تُبقي على الذّاكرة حيّة. وكما أنّ لكلّ مجتمعٍ أكثر من ماضٍ، وأكثر من تاريخ، وأكثر من ذاكرة جمعيّة واحدة، فهناك لكلّ فردٍ ماضيه الخاصّ، وذاكرته الخاصّة التي يُشكِّلها بالحكايات، بالأسطورة ويُغذِّيها بالمخيّلة. ينتَمي شُقير إلى العشيرة التي يحكي عنها في روايته "فرس العائلة"، ويستعيدُها الآن، لا في رواية واحدة، بل في ثلاث روايات متعاقبة:"فرس العائلة" (2013)، "مديح لنساء العائلة" (2015)، "ظلال العائلة" (2019)، والتي صدرت كلها عن دار هاشيت أنطوان – بيروت. وفي الرّوايات الثّلاث يُؤرّخ لا لعائلة واحدة أو عشيرة، فكما شعرَتْ زوجة الشّيخ محمّد الأولى وهي تمرُّ بمدينة القدس وعرفت أنّها ليست مُجرّد ابنة شيخ عشيرة ما في البرّية، بل هي تنتمي لـ"كلّ" هذا المكان، ولتلك المدينة والقرية، ولهؤلاء النّاس، تنتمي لفلسطين الكُبرى، فلسطين المترامية في كلّ مكان، وفي كلّ زمان؛ كذلك، يؤرّخ شقير إلى العشيرة التي صارعت أعراف البرّية التي لم تعد كما كانت، وراحت تنسلُّ بصعوبةٍ إلى القرية بعد مغادرتها البرّية إلى قرية "رأس النبع" على مشارف مدينة القدس ومن ثمّ إلى المدينة نفسها. </p>
<p dir="rtl">تتداخل الأسطورة، بالحكاية، بالحقيقة؛ وأيُّ عمليّة استعادة أصيلة للماضي كما يدّعي فرويد إمكانيّة ذلك، غير ممكنة أصلاً، بل هي عمليّة تنقيح متواصلة. يعتقد هالبواش أنّ الذكريات التي تنتقل إلى الحاضر في خضمّ عمليّة التكرار، تُقلَّصُ إلى لحظاتٍ معيّنة في صورة مثاليّة تلائم حاجات الأفراد، وتعجُّ رواية فرس العائلة بتلك الصور المثالية التي قد تشتغلُ كمصدَرٍ تفسيريّ للحاضر أو تعليليّ. </p>
<p dir="rtl">يُؤسِّس شقير لزمن أسطوريّ، مع ذلك، واقعيّ، أقرَبُ، كما يعتقدُ البعض، إلى واقعيّة ماركيز السحريّة؛ مُنْشِئاً ثُنائيّاتٍ في تصارعٍ دائم؛ البرّية/المدينة، الحاضر/الماضي، الذكر/ الأنثى، الحيوان/الإنسان، العشيرة/الفرد، الخرافة/الحقيقة؛ كلّها ثنائيات شكّلت الخطوط السّرديّة لحكايات شخصيّات الرّواية والتقلُّباتِ التي مرّت بِها. ومن أشدّ هذه الثُّنائيات حضوراً، ثُنائيّة الذكر/ الأنثى؛ فقد شكّل الذّكر السّلطة والتّيه، بينما شكّلت الأنثى الجسد الثقافيّ الهويّاتي للذكر، وللعشيرة بأكملها، وكان لوظيفتها الإنجابيّة أهميّة شديدة بالنّسبة للعشيرة، التي عنَتْ كثرتها العددية شعوراً ذكورياً بطريركياً بالقوّة والمَنَعة، وكان على النّساء تدبُّر أمورهنّ بشكلٍ دائمٍ للحفاظ على أنفسهنّ في مكانة "المرأة الولّادة" للإبقاء على حظوتهنّ عند الرجال. وكنّ أيضاً "حائكات الأسطورة/الخرافة"، والأجساد الثقافية الحارسة على الماضي؛ بينما كان الرّجال يحاولون الهرب منه والفرار إلى مكانٍ آخر في غَدٍ آخر. </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20380">«فرس العائلة»... رواية الذاكرة والثنائيات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عن قصة كافكا &quot;أمام القانون&quot; (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20296</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس إبراهيم]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 24 Nov 2020 13:34:01 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b9%d9%86-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d9%83%d8%a7%d9%81%d9%83%d8%a7-%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتبها هيربرت دينيرت، ونشرت للمرّة الأولى عام ١٩٦٤ في The Germanic Review, May. لوقت طويل اعتبِرَت حكاية كافاكا "أمام القانون Before The law"، الواقعة في فصل "في الكاثدرائية"، مركزَ رواية كافكا غير المنتهية "المحكمة The Trial". ويمكن اعتبارها وفق شروطٍ معيّنة مفتاحيةّ لعمل كافكا بكلّيته. عولِجَتْ القصة من النقّاد بإسهاب، وكانت تفسيرات فيلهلم ايميريش وهاينز بوليتزر، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20296">عن قصة كافكا &quot;أمام القانون&quot; (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">كتبها هيربرت دينيرت، ونشرت للمرّة الأولى عام ١٩٦٤ في </span><a href="https://courses.cit.cornell.edu/hd11/BeforeTheLaw.html" target="_blank" rel="noopener">The Germanic Review, May.</a></p>
<p>
لوقت طويل اعتبِرَت حكاية كافاكا "أمام القانون Before The law"، الواقعة في فصل "في الكاثدرائية"، مركزَ رواية كافكا غير المنتهية "المحكمة The Trial". ويمكن اعتبارها وفق شروطٍ معيّنة مفتاحيةّ لعمل كافكا بكلّيته.</p>
<p dir="rtl">عولِجَتْ القصة من النقّاد بإسهاب، وكانت تفسيرات فيلهلم ايميريش وهاينز بوليتزر، ومؤخراً دراسة إنجبورج هينيل اللامعة والشاملة من بين التفسيرات الأكثر عمقاً. ورغم اختلاف هؤلاء النقّاد في العديد من القضايا، إلّا أنّ آراءهم لا تتعارض كلّياً، ولذلك سيكون من السذاجة القول أنّ الصفحات التالية ستقترحُ شيئاً مختلفاً جداً بحيثُ لا يشتركُ مع أيّ شيءٍ من التفسيرات التي قُدِّمَتْ من قبل. ومع ذلك، أعتقدُ أنّه بالتخلُّص من خطأين ابتلِيَ بهِما النقّاد السابق ذكرهم، يمكن لهذه المقالة الإشارة إلى جوانب إضافيّة ومختلفة. الخطأ الأوّل، أشعُرُ أنّه افتراضُ الذّنب لدى كـ K، والذي لا أستطيعُ رؤيته. أمّا الآخر، فهو الأخذُ، جزئياً، بأقوال الكاهن بوصفِها قراءات صحيحة للحكاية، في حين أنّ الكاهن يُصرُّ على أنّه يُعدِّدُ آراء مختلفة لا أكثر (p. 200). </p>
<p dir="rtl">للوهلة الأولى، القصّة تبدو بسيطة وغامضة في الآن ذاته. والحبكة تبدو شارحة لنفسها بحيثُ تمتنع على أيّة تفسيرات أخرى. رجلٌ يحاولُ بلا فائدة التمكّن من الدّخول، ويقضي بقيّة حياته منتظراً تصريح الدّخول الذي لا يحصل عليه أبداً. ورغم منطقيّة الفعل، فلا يبدُو، في إطاره، مُطابقاً لواقعنا على الإطلاق. وكذلك لا نستطيع التعرُّف على الشخصيّات؛ فالرجل الريفيّ حُدِّدَ ليكون تجسيداً لرغبة حثيثة، واقتصر الحارسُ وظيفياً على كونه عائقاً، بينما بقيت هويّة القانون مخفيّة. ومع ذلك، بمجرّد قبولنا بنوع الواقع المُعرَّف بهذه التحديدات، لا يبدو أنّ الحكاية تطرحُ أيّ مشكلة رغم وضوح قصديّتها في أن تكون حكايّة وعظية. وذلك يبدُو جليّاً من موقعها نفسه في سياق "المحاكمة". ومن السّهل التعرّف على بعض التقنيّات التي تُشخِّصُ الموعظة ( مثلاً، غياب أسماء مناسبة، التركيز على الحبكة، وطبيعة النهاية). ورغم أنّ تفاصيل الحبكة شارحة لنفسها فمؤكّد أن القصّة ككلّ تتطلّبُ تأويلاً. إن كانت "حكاية" فلا بدّ أنها تعني شيئاً، إذن، ما الذي تعنيه؟ </p>
<p dir="rtl">الشّائعُ في دراسة كافكا هو النّظر إلى أعماله بوصفها استعارة رمزية، ومن ثم البحث عن معنى ثانٍ متزامنٍ تحت سطحِ القصّة الظاهرة. معنى ضيّق النطاق، قابل للتطبيق على مشكلة واحدة، طبقة واحدة، لحظة تاريخيّة، وهكذا. </p>
<p dir="rtl">في محاولة الكشف عن هويّة الحارس، الرجل الريفيّ والقانون، يمكنُنا البحث عن شيءٍ يلائم نمط الحبكة؛ مثلاً، الإنسان في بحثه عن سعادة لا يحقّقها على الإطلاق، الإنسان في بحثه عن إله لا يتمكّن من فهمه، الفنّان في بحثه عن إلهامٍ أو اعترافٍ عامّ لا يجيء على الإطلاق. </p>
<p dir="rtl">يمكن لعدد من القرّاء بمخيّلة واسعة التوصّل إلى أكبر عدّد ممكن ممّا يمكن عدُّه مفاتيحاً للقصّة، ولكن كيف لنا معرفة المفتاح الصّحيح؟ بالطّبع، ذاك الذي يبدو أشدّ ملاءمةً. ولا حاجة بي على ما أتخيّل بالإشارة إلى أنّ هذا ليسَ بتأويلٍ على الإطلاق ولكنّه مجرّد لعبة تخمين غير منضبطة إلى حدّ ما، ومع ذلك مسلّية. ولن تكون قائمة على الحكاية نفسها، بل فقط على نمطها، على بعض معرفتنا وعلى هوى خيالنا. وعلى أيّة حال، سنكون في حالة نظر إلى ما وراء القصّة بدلاً من النّظر فيها. </p>
<p dir="rtl">والبديل هو تحليل دقيق لما يبدو حبكة بسيطة، ويبدو هذا النهج أكثر ملاءمة بما أنّه الشيء نفسه الذي اتّبعه كافكا ولو ظاهرياً مع مُستمعه. </p>
<p dir="rtl">يعلَنُ كـ، الشخصية الرئيسيّة للمحاكمة، ذات صباح معتقلاً من قبل رجالٍ لم يلتق بهم من قبل أبداً، ولكنّه يظلّ حرّاً للتصرّف كيفما كان من قبل. يتمُّ إعلامه أنّ إجراءات محاكمته جارية، ولكن دون الكشف لا عن الجريمة المزعومة ولا عن هويّة متّهميه. والقضيّة مبنيّة على قانونٍ لم يسمع به كـ من قبل. ويصبح طموحه الأوحد في النّهاية مقابلة المحكمة الغامضة وجهاً لوجه لغاية تبرئة نفسه. في يومٍ ما، في إطار جهوده عديمة الجدوى، وبعد قضائه مدّة من الوقت منتظراً في العتمة في كاثدرائية فارغة، يلاحظ فجأة منبراً خافت الإضاءة، ومنه يُخاطبهُ كاهن بما هو نصّ الحكاية. وتماشياً مع التقليد الذي يتبع قراءة وتأويل النصّ المقدّس، ينخرطُ كـ والكاهن في نقاشٍ حول أهميّة الحكاية. وككلّ مجهودات كـ عديمة الجدوى الأخرى، لا يقوده النقاش إلى شيء ولا حاجة بنا إلى توصيف تفصيليّ. </p>
<p dir="rtl">مع ذلك، من المهمّ ملاحظة اقتناع كـ الراسخ ببراءته وانشغاله بتبرئة نفسه ممّا لا بدّ أنّه اتهام خاطئ لدرجة عدم استطاعته النّظر إلى الحكاية إلّا بمنظور الخطأ والصّواب. وكان قد نسي، أو بالأحرى لم يفهم أبداً ملاحظة الكاهن الغاضبة التي سبقت قراءته:"ألا تستطيع النّظر أبعد بقليل؟ (p. 254). ردّ فعله الفوريّ هو أنّ الرّجل الريفيّ قد خُدِعَ من قبل الحارس. فيردّ الكاهن أنّه أخبره القصّة بنسختها الرسميّة، فهي تنتمي –ضمنياً، إلى "النصوص المقدّسة" للمحكمة حيث تجري محاكمة كـ السرّية. إنّه النصّ الرسميّ إذن، والإتيان على ذكر الخداع Deceit، مجرّد خطأ، لأنّ كلمة "خداع" لا توجد ببساطة. ومرة تلو الأخرى، بالعودة إلى الحكاية وبالوزن السّاحق للمنطق تُرفَضُ حُجج كـ. ولكن تحديداً في اللحظة التي يبدُو فيها القارئ وكـ قريبانِ من الاقتناع ببراءة الحارس، يتبيّن أنّ الكاهن كان يتبع نقاشاً أكاديمياً منهجياً صارماً، ولم يُلزِمْ نفسهُ به ولكنّه فقط أبرَزَ رأياً من عديد الآراء المختلفة. وفوق ذلك، يوضّح بتفصيلٍ أنّ هذه الآراء غير ذات صلة لأنّ النصّ نفسه غير قابل للتغيُّر مهما تكن التأويلات والآراء نفسها غالباً "ليست إلّا تعبير يأس من هذه الحقيقة"(p. 260). وكما لو أنّه يثبِتُ كم هو موضوعيّ وغير مُلزَمٍ بشيءٍ، يستمرُّ في طرح وجهة نظر تبيّن أنّ الحارس من تمّ خداعه. ومرّة أخرى تكون الحجّة شديدة المنطقيّة ومُتقنة البناء لا يستطيع حتّى كـ رفضَ خلاصتها. مع ذلك يظلّ مصرّاً على عدم التخلّي عن قناعته الأولى بأنّ الرجل الريفيّ كان ضحيّة خداع ما. إن كان الحارس بالفعل مخدوعاً (مثلاً إن كان مُضلّلاً حول موقعه)، فلانخداعه لا بدّ آثار كارثيّة على الرجلّ الريفيّ؛ مخدوعاً أم غير مخدوع، في أفضل الأحوال هو غبيّ يجب تجريده من وظيفته. يردّ الكاهن بحجّته الأخيرة، بردّ فوريّ على نقطة كـ الأخيرة، أنّ النصّ لا يمنحنا الحقّ بالحكم على الحارس، ناهيك عن إدانته. كخادمٍ للقانون فهو أشدُّ علواً من الحكم الإنسانيّ؛ والشكُّ في استحقاقه سيتضمّنُ شكّاً في القانون نفسه. وهكذا يختِمُ الكاهن حجّته بدائرةٍ مغلقة. ومن البديهيّ أنّ كـ لا يستطيع الموافقة لأنّ ذلك سيعني أنّ كلّ شيء يقوله الحارس صحيح، وذلك لا يمكن أن يكون صحيحاً للأسباب نفسها التي بيّنها الكاهن سابقاً:"ليس على المرء اعتبار كلّ شيء صحيحاً"، يردُّ الكاهن:"على المرء اعتباره لا بدّ منه"(p. 264). </p>
<p dir="rtl">والآن نحنُ في ارتباكٍ تامّ. القصّة البسيطة لم تعد بسيطة. النقاش تقريباً أربعُ مرّات ضعف النصّ نفسه. وكالسّابق، ارتباكنا ينبعُ من فهم ما قيل ولكن عدم معرفتنا ما نصنع به. جزئيّاتُ النّقاش تبدو غير معيبة وسليمة تماماً، ولكنّ النقاش بكلّيته يبدُو أنّه لا يصلُ إلى أيّ خاتمة من أيّ نوع. والحكاية مع كلّ بساطتها، لا تبدو واضحة كفاية لفهمها بالقدر اللازم لإصدار الحكم. رغم أوّلية الحبكة، من الصّعب استيعاب إيحاءاتها. وذلك يتضمّنُ مُتعارِضان؛ السؤال البديهيّ من المُصيب ومن المخطئ لا يزال بلا إجابة. </p>
<p dir="rtl">في الأدب التقليدي، تُقال الحكاية لتوضّح نقطة معيّنة، لتعليم قاعدة ذهبيّة. إنّها سرد وعظيّ. وفي مأزقه الميؤوس منه، يتوقّع كـ. بعض الإيضاحات، ولو إشارة لما يُفترَضُ به فعله – ومؤكّد أنّ القارئ يتوقّع ذلك أيضاً. ولكنّ محاولته لتحليل ما يبدو أنّه حكاية قُصِدَ بها أن تكون له تثير الإحباط؛ فلا تحتوي الحكاية على قاعدة ذهبيّة، ولا تقترحُ سلوكاً معيّناً في سياقٍ معيّن. ويظهر، أنّها، ليست بالحكاية الوعظية على الإطلاق، بل إنّ وظيفة الحكاية الوحيدة والوحشيّة هي هزيمة الأمل الذي أحيته للحظة من قبل. </p>
<p dir="rtl">ومع ذلك لا يمكن لهذا أن يكون غاية قصّة قُدِّمَتْ بتلك الأناقة، ولسوء حظّ كـ، لا تُكشَفُ أهميّة القصّة حتّى نهاية الرّواية، بعد فوات الأوان. وبالنّظر إلى الوراء، يتبيّن أنّها كانت استعارة رمزيّة وكذلك حكاية وعظيّة. بحيثُ لم تكن إلّا تفسيراً محجوباً ومركَّزاً لحياة كـ نفسه. فالرّجل الريفيّ هو كـ. نفسه. وثمّة اختلاف وحيد: كـ يموتُ بشكلٍ عنيف، بينما يموت الرّجل الآخر بسبب الشيخوخة. ومع ذلك، ثمّة أهميّة بسيطة. فلا جدوى لحياة كهذه أكثر أهميّة من طريقة إنهائها في النّهاية. ألا يكون الرّجل الريفيّ "ميّتاً" عمليّاً منذُ لحظة تخلّيه عن كلّ شيءٍ فقط ليجلس بجانب بوّابة القانون؟ وألا يمكن القول الشيء ذاته عن كـ.، الذي يتخلّى عن سلوكه المعتاد في الحياة ليُكرّس نفسه بشكلٍ متزايد لخلاصه الشخصيّ؟ </p>
<p dir="rtl">أيتعرَّفُ كـ. على الأقلّ إلى الصّلة في حكاية الكاهن؟ والإجابة هي "نعم" مؤكّدة. منذ أن كان هو نفسه يحاول الحصول على إذنِ وصولٍ إلى محكمة غامضة مراوغة، سيدافع غريزياً عن رجلٍ آخر في حالة موازية. إنّه يحاول إنشاء وضعيّة ما/أو من الصّواب أو الخطأ. ويقوم تأويله للحكاية على افتراض أنّ هناك معاييراً كالذّنب والبراءة، والواقع أنّه شديد الانشغال بتلك المعايير إلى درجة فشله في رؤية الأهميّة الحقيقيّة للحكاية. وتصوّره ينتهي عند النّقطة الحاسمة التي فيها تتحوّل القصّة إلى موعظة؛ إنّها لا تكترث بسؤال الصّواب والخطأ، ولا تُقدِّمُ أيّ اقتراحاتٍ لسلوكيّاتٍ قصديّة ما لغاية الوصول إلى غاية بعينها، بل هي تصوّر عبثية كلّ المحاولات. كلّ ما يفعله الإنسان محكوم بالفشل. أيّاً كان ما يُريدهُ يُفلِتُ منه. كلّ ما يفعلهُ ليُدافع عن قضيّته سيُحبَط. أيّاً كان ما فعله، كان الشّيء الخاطئ لفعله. إنّه حرّ ليكون قادراً على فعل ما يريد، ولكنّه السّجين البائس للإحباط الذي يُصيبُ كلّ ما يفعله. طُموحه لتحرير نفسه يقوم على وهم إمكانيّة الحرّية أصلاً. لديه هبة حريّة الخيار، ولكنّه يفتقر إلى القوّة اللازمة لتنفيذ قراراته. لا يكمنُ معنى قصّتنا في الشخصيّات بل في الفعل العامّ الذي يتحقّق بغضّ النّظر عن كلّ الشخصيّات تقريباً. الحبكة بأكملها إحدى تنويعات كافكا على ثيمته المركزيّة، وثيمته المركزية هي الإحباط Frustration. وما هو مُصوّرٌ العبثُ بذاته، كونيّ وبقابليّة للتطبيق غير محدودة، ولا يجب قراءته في عبث شخصيّة بعينها أو بتمثيل سرّي لمشكلة معيّنة. </p>
<p dir="rtl">لا يكفي أن يكون الإحباط هو ثِيمةُ القصّة الرّئيسة؛ فمحاولة كـ لتحليلها كذلك تُحبَطْ، وغاية وجودها في الرّواية زيادة إحباطُه. منشغلٌ حدّ العماء كـ بسخط عقليّته القانونية على ظُلمٍ بيّن وكذلك، في التحليل النهائيّ، تُضلِّله غريزة البقاء. وهو شديدُ الاقتناع بإمكانيّة تغيُّر الأمور إلى درجة إغفاله للرسالة الوحيدة التي تحملها القصّة له؛ أي، كلا، لا يمكن للأمور أن تتغيّر. وهو يفشَلُ في فهم الموعظة تحديداً لتأويله إيّاها في إطار مفهوميّ حول العدالة والظلم. وبفعله ذلك، يُسقِطُ مفاهيمه الخاصّة على السّرد بدلاً من التركيز على النصّ نفسه. وقد حاول الكاهن، منذُ البداية، التلميح إلى مغالطتهِ في إشارته أنّ كلمة "خداع" لا توجد. الحقيقة الأساسيّة، كلُّ ما هُناك ليُعرَفْ، موجودٌ في القصّة نفسها، أو كما أوضَحَ الكاهن: النصُّ غير قابل للتغيُّر. ويستندُ إدخال عنصر غريب [على النصّ] إلى الأمل العبثيّ بأنّ الحالة قد لا تكون ما هي عليه، وذلك، مرّة أخرى بكلمات الكاهن؛ تعبيرٌ عن اليأسِ من هذه الحقيقة. وتبقى القصّة غير مُقنعة فقط لأنّ كـ يفتقرُ إلى المنظور الملائم. </p>
<p dir="rtl">ولكن حتّى لو تعرَّف كـ إلى أهميّة القصّة، أكان ذلك ليساعده؟ والإجابة بالطّبع، "كلّا". أيّا كان متّهموه فهم يُقيمونُ في حالٍ تعالٍ لا مُبالية. من وجهة نظرهم ثمّة اختلاف طفيف بين انعدام المجهود كُلياً وما بين قُدرات كـ المحدودة على التصرّف. مصيرهُ مُتعذّر النّظر فيه وسيكونُ نفسُهُ، تماماً مثلما كان الرّجلُ الريفيّ سيموتُ بالشيخوخة لو بقي في المنزل. وهنا، نحن أيضاً قطعنا الدائرة كاملةً. لم يكن خطأ مأساوياً عدم قُدرة كـ على إدراك القصّة، فمن غير المهمّ إنْ عُرِّفَتْ القصّة كحكاية وعظية أو لا، فهي لا تقترحُ أيّ فعلٍ وبالضّرورة، لم يكن كـ ليتعلّم شيئاً منها. في الحقيقة، فهي تقترحُ أنّ اللا فعل سيُساعد، ومعرفة ذلك أو عدمه لن يحدث أيّ اختلافٍ في مصيره النّهائيّ. القصّة هي مُلخَّصُ للرواية بأكملها، قُدِّمَت قرب النهاية؛ وهي موعظة ونبوءة في آنٍ واحد. صُورة الإحباط والاستحالة مُكتملة. هائلٌ ولا يُمكِنُ تصوّره تعقيدُ صراع كـ، ولكنّ السبب في ذلك حقيقة بسيطة مجهولة بالنّسبة إليه: ليسَ هُناك شيءٌ يمكنه فعله. أتساءلُ إن كان كافكا قد تصوّر بؤس الوجود البشريّ كُلّياً في محاكمته بشكلٍ أكثر فاعليّة من إدخال موعظة لا يحتاجُ بطل الرّواية إلى فهمها. </p>
<p dir="rtl">قضيّة كـ خاسرة منذُ البداية. عندما يُصرُّ على براءته يردُّ الكاهن:"ولكن هكذا يتكلّمُ المذنب"(p.253). ومن المؤكد أنّ قضيّته خاسرة إن كانت براءته دليل ذنبه. ماذا يُثبِتُ الاعتراف بالذنب؟ هذا مصيرٌ محدّدٌ سلفاً لا مفرّ منه. تُضافُ القسوة إلى الظلم بالأمل المتجدد والمحيّرة [المُعبّر عنهُ في القصة "ولكن ليس الآن"] والذي لا يتحقّقُ أبداً، محوِّلاً الفضيلة الكارديناليّة القديمة إلى وسيلة تعذيب. لا يعرفُ كـ أبداً تهمتهُ ولا يُقابل على الإطلاق مُتّهميه، وبعيداً عن العنوان فهُو لا يُسألُ أبداً للمثول أمام المحكمة. إنّه حرّ ليذهب أينما شاء. ولكنّ التأثير على محكمة لا يعرفُها يُصبِحُ طُموحه الأوحد رغم أنّه يعتبر نفسه بريئاً والقارئ كذلك لا علم له بجريمة ارتكبها كـ. كلّ خطوة يأخذُها يثبُتُ خطؤها. وما هو شديدُ الوضوح؛ الظّلام لا يمكن اختراقه إلى درجة أنّه غير قادرٍ على تحسَّس أثر أفعاله. في النّهاية يقُتلُ وهو يعرفُ أقلّ من أيّ وقتٍ مضى. </p>
<p dir="rtl">حالة التعقيد هذه والإحباط المطلق هي سمة أعمال كافكا كلّها. فالحبكة البسيطة ظاهرياً مُضلّلة. اهتمام كافكا بالتفاصيل [كما يظهرُ في الجدل الذي تبع القصّة] لهُ أثَرٌ تشويش بدلاً من توضيح. وقد أظهر إتقاناً أكبر لمنهجيّته التحليليّة في قصص قصيرة كـ فنان الجوع، جوزفين، الملجأ وغيرها. نحن مجبرون على الوصول إلى الخاتمة المُتناقضة والتي لا يُساعدُ التمعُّن على تبيُّنها بل يحجبُها. مرّة أخرى وأخرى نصطدم في أعمال كافكا بالحساب الدّقيق لكلّ الإمكانات، بالانتباه المُجهِدْ إلى كلّ وجهة نظر ممكنة، مما يخلُقُ تصوّراً واضحاً لكلّ تفصيل، ولكنّ الصورة الكلّية مشوّشة بشكلٍ ميؤوسٍ منه؛ وهكذا يُترك حتّى القارئ محبطاً. </p>
<p dir="rtl">يبقى السّؤال ما إن كانت رواية كالمحاكمة عملاً فنّياً عظيماً. تظهَرُ عبقريّة كافكا المثيرة للتقدير في قدرته على تصوّر وضعيّات جديدة دائماً، في التحليل التفصيليّ للمشاكل، وليسَ في البناء الشخصيّ للأشخاص الذي يواجهونها. ومع ذلك قد لا يكون الافتقار إلى بناء شخصيّات مؤثِّرة عيباً على الإطلاق. ربّما يكون كافكا قد تعمّد ذلك لغاية توجيه انتباه قرّائه بشكلٍ حصريّ تقريباً إلى الحالة التي تواجه الشخصيّات. أبطالهُ منخرطون في صراعٍ ضدّ مصيرٍ بلا وجه، هم أنفسهُم مُجرّد دُمى. وبالنّظر إلى أنّها حالة ربّما تنطبقُ على الجميع في كلّ الأوقات لا يمكن أن يكون هناك شخصيّات مميّزة تواجهُ ما يمكن تسميتهُ بمصيرها الخاصّ. إنّها الحالة النموذجيّة، حالة كونيّة. ومن وجهة النّظر هذه كلّ البشر متشابهون، لا يمكن تمييزهم، ذلك: الـ بِلا وجه Faceless. وهناك جانب آخرٌ مهمّ؛ بما أنّ أبطال كافكا ليسُوا شخصيّات من لحمٍ ودمٍ بالمعنى التقليديّ [ناهيك عن شخصيّات أقلّ حضوراً تُعرَّفُ بمجرّد وظائفها] فهي لا تتطلَّبُ تعاطفنا. لا يُحرّكُنا مصيرهم، لا نُشفقُ عليهم ولكن بدلاً من ذلك، نحن مرعوبون من قسوة القدر بشكل عام، بتعقيدات الوجود الهائلة والجهود المُحبطة. ويحلُ بدل الشّفقة والخوف، الشّللُ جرّاء المصير المحتوم. أيّ شخص يمكنه أن يكون هذا النّوع من البطل المأساويّ، لا لخطئه أو عيب في شخصيّته، ولا بمزيجٍ من الظّروف، بل ببساطة لمجرّد وجوده. وهكذا تتبيّن فعاليّة منهجيّة كافكا في إيصال [القارئ] إلى حالة كُلّية من اللاجدوى. </p>
<p dir="rtl">ومع ذلك، فالرّواية تتطلّبُ نطاقاً واسعاً وحمولةً واسعة مُقارنة بثيمةٍ استثنائيّة وبطريقة عمل محدودة. لا يمكنُ إنكارُ افتقار كافكا إلى الملحميّة ولا يجبُ تجاهل ذلك. أسلوبهُ أسلوبُ العقل القانونيّ المُسيطر، العبقريّ والمنطقيّ الذي يرى موضوعاً من كلّ زاوية ممكنة ولا يتوقّفُ عن خلقِ وضعيّات روائيّة تُظهرُ البطلُ مُصارعاً إيّاها بكلّ طريقة ممكنة. ولكنّ إبداعه يقتصرُ على عدد لانهائي من أحداثٍ متنوّعة؛ وهناك ثيمة واحدة وهي الإحباط واللاجدوى. ويمكن للمرء تلخيصُ المحاكمة بالقول: منذُ اعتقاله وحتّى يوم إعدامه، يحاول كـ عبثاً مقابلة متّهميه وجهاً لوجه. وكلُّ الرواية تتمحور حول "يحاول عبثاً"، وكلُّ فصلٍ روائيّ يتعامَلُ مع جانبٍ من جوانب [المحاولة العبثيّة]. لا المحاكمة ولا القلعة روايات بالمعنى التقليديّ؛ فكلّ واحدة تتكوّنُ من سلسلة من الحلقات المستقلة تقريباً. من المؤكّد أن انشغال كـ بالمحاكمة يتنامى، وتدريجياً يبدأ بتجاهل حياته العاديّة. وقد يتوقّع المرء تفسّخاً تدريجياً وكلّياً لقدراته الذهنيّة، ولكنّ انحرافه عن السلوك الطبيعيّ لا يكونُ عنيفاً كما هو الحال مع الضحيّتين الأخرتين، التاجر بلوك والمُحترَمُ الدنيويّ في الفصل الثالث الذي يفقِدُ رباطة جأشه تماماً لسؤاله سؤالاً بسيطاً. وحتّى نهاية الرواية تظهرُ درجة مدهشة من الخضوع من قبل كـ [على النقيض من مشهد الكاثدرائية، وقد تُعلّلُ "المفاجأة" بسبب طابع المحاكمة التجزيئيّ] تصوّره قادراً تماماً على التفكير العقلانيّ والنقديّ رغم أنّ ذلك، كما في حالة طبيب كافكا الريفيّ، نوع عديم الجدوى من التفوق. وبالتالي، حتى هنا ثمّة تغيير ضئيل، ومن وجهة النّظر هذه – وفقط من وجهة النظر هذه، فكلّ الجدل الأخير حول ترتيب ملائم لفصول الرواية لا معنى له تقريباً، فكلّها غير قابلة للتغيُّر لأنّها لا تتقدّم بالحبكة. تتقدّم الرّواية على طول مسارٍ ضيّقٍ تُحدِّده ُثيمةٌ واحدة فقط والفصولُ المختلفة هي تمثيلاتٌ لتلك الثيمة *. </p>
<p dir="rtl">عندما يختارُ كافكا طريقاً معاكساً؛ أي تكثيف رواية محتملة في قصّة قصيرة بدلاً من مُلاحقة المشكلة ذاتها عبر تنويعات لانهائيّة من لاجدوى مُتساوية تكون النّتائج هي روائع. "فنّان الجوع The Hunger Artist" (1922)، مثلاً، هي "رواية مكثّفة". الموضوع مرّة أخرى الإحباطُ الكلّي، مأخوذٌ من كلّ زاوية نظر، ومُقدَّمٌ في ضوء كلّ ممكن. ولو كُتبت وفق ترتيب زمنيّ ووُسِّعَت إلى 300 صفحة لكانت ستكون رواية مثل المحاكمة. بدلاً من ذلك، فهي قصّة قصيرة عبقريّة. يبدو أنّ هذا النوع الأدبيّ هو الوحيدُ القادر على أن يكون المُلائمَ الأنسَبْ لعقليّة كافكا المُتفرّدة ومهارته التحليليّة. الأوّل يفقدُ سحرهُ في سياق قطعة نثريّة طويلة، بينما الأخير يميلُ للانحطاط إلى مجرّد لعبٍ ذهنيّ*.</p>
<p dir="rtl">جامعة دوك. </p>
<p dir="rtl">*تذييل؛ كنتُ صغيراً جداً آنذاك، في محاضرات لاحقة بناء على هذه المقالة، ربطتُ كافكا بتقليد "البيكاريسك/أدب المغامرات Picaresque Novel"، لأعتق نفسي! </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">ملحق</span></strong> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">تختبرُ معظمُ شخصيّات كافكا الإحباط واللاجدوى بسبب طبيعة مُشكلاتهم ومحاولتهم التغلّب عليها. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">يتوقُ فنّان الجوع إلى التقدير بسبب شيءٍ لا يستطيعُ إلَّا فعلهُ؛ الصّيام والأملُ باكتساب مصداقيّة بأداءِ أفعالٍ لا تُصدّق. لا أحد يُصدّقه لأنّ أحداً لا يستطيع مراقبته دون انقطاع لأربعة أيّام. فقط هو يمكنه أن يكون مراقباً راضياً لإنجازهِ الشخصيّ. ولكنّه يظلُّ غير راضياً لأنّه يعرفُ الحقيقة كاملة لدافعه، وهو أنّ الصيام، بالنسبة له، أسهلُ شيءٍ في العالم؛ حقيقة لا يكشفُها حتّى نهاية حياته.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">تحوّل غريغور سامسا إلى حشرة عملاقة، واستمرّ يُفكِّرُ كالإنسان. ولكنّ عائلتهُ على وعيٍ فقط بهيئته الحيوانيّة، شهيّته وأسلوب حياته العامّ. ولا تُقنع الوسائل المتاحة لغريغور المتحوّل لإيصال عواطفه الإنسانيّة عائلته إلّا بأنّه لم يعد غريغور، بل إنّه حيوان. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">جوزفين، فأرة ومغنّية، تُصرُّ على إشادة خاصّة بقدرةٍ تتشاركها مع البقيّة. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الضابط في مستعمرة العقاب يحاولُ التوصّل إلى دعم المُستكشف بأن يشرح لهُ روعة تقنيّة الإعدام والبدائيّة المُطلقة للنظام القانوني. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">يسعى الحيوان في "الملجأ" إلى الأمان المطلق من خلال بناء شبكة معقّدة من الأنفاق بينما يُدركُ بشكلٍ غامض أنّه طالما بقي المخرج ضرورياً فسيظلُّ عرضة للخطر مهما كان البناءُ ذكيّاً تحت الأرض. والدرجة الأعلى من الأمان النسبيّ التي يُحققها الحيوان تُساوي عدم الأمان، النّشاط المتواصل، اليقظة الدّائمة والتبريراتِ المتواصلة التي لا تستطيعُ تهدئة مخاوفه. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أو المبعوث الإمبراطوري في طريقه إليك برسالة هامّة، ولكنّ المسافة والعوائق تجعلُ من وصوله إليك مستحيلاً. تجلسُ بجانب النّافذة وتتأمّلها. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">في القلعة يتوسّلُ كـ إلى منظومة بيروقراطية عملاقة ومُتلاعبة لتعويضه خلال حياته عن قرار خاطئ. والبيروقراطيّة صُمِّمت لتعيد تصحيح نفسها في النّهاية ولكن دون اعتبارٍ لحياة الإنسان. والقلعة، المسؤولة عن النّاس، مُصمّمة لتعمل بلا خطأ، ولكنّها موجّهةٌ باعتباراتٍ مؤسساتيّة وليسَ بميول بشريّة. وفقاً لماكس برود، كان كـ سيُمنحُ إقامة دائمة على فراش موته؛ عدالة وكرم؛ ولكنّ النوع اللامُجدي منهُما. ونتذكُّرُ هنا قليلاً الطبيب الريفيّ الذي استجاب لنداءٍ خاطئ، والذي يُلاحظُ بحكمةٍ في لحظة خطرٍ أنّه "أكثرُ تفوّقاً من الجميع هنا ولكنّ ذلك لا يُساعدُني بشيء". تفوّق عديم الجدوى، عديمُ الجدوى كالفرصة الذهبيّة التي قدّمها "برغل" لـ ك، ولكنّ كـ كان أكثر تعباً من اغتنامها. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">والقائمة قد تطول. النّهاية السعيدة لرواية "أمريكا" ليست كذلك بل الأحرى مُخادعة؛ كارل روزمان بالفعل يجدُ مكانه في النهاية في مسرح أوكلاوهوما الكبير، ولكن فقط لأنّ ذلك المجتمع مُعرَّفٌ بحقيقة أنّ فيه مكاناً للجميع؛ هل هو مجتمع يوتوبيّ؟ </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لماذا يستمرُّ أبطالُ كافكا في الصّراع؟ لماذا مثلاً تستمرُّ شخصيّتا كـ في محاولة تلو الأخرى، مثل أبطالٍ مغامرين يخوضون مغامرة تلو الأخرى دون كلل حتّى يغيّر الموت أو التقاعد كلّ شيء؟ لماذا، بما أنّ آمالهم تبددت مراراً وتكراراً وأمستْ أفعالهم عديمة الجدوى؟ لا أريدُ مجادلة أولئك الذين يقترحون سلوكاً مغايراً لضحايا كافكا، أو حتّى يجدونهم مذبين في عدم سلوكهم مسلكاً مختلفاً ولذلك فهم يستحقُّون ما نالهم في النّهاية. فالمرءُ لا يُلام على عدم تفكيره فيما لا يستطيعُ التّفكير فيه. فالرّجل الريفيّ كما رأينا يستمرُّ في استعمال كلّ وسيلةٍ يمكنه التّفكير فيه، والحقيقة الهامّة هي أنّه أيّاً يكن ما يُفكِّرُ فيه محكوم بالفشل. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الإجابةُ لسؤالُ لماذا يستمرُّون في مجهوداتهم بعد كلّ فشل يكمُنُ، في رأيي، في كلمة ومفهوم الأمل. هناك صفة مشتركة لكلّ المفارقات التي عددناها، أو بالأحرى، هناك مفارقة تكمنُ فيهم كلّهم. الإنسانُ محكومٌ بغريزة البقاء بينما في الآن ذاته يُواجِهُ يقين الموت. هذان المكوّنانِ المتناقضان للحياة هُما هوَسُ كافكا الإبداعيّ. الإنسانُ مُبرمجٌ لتمديد ذاتهِ بلانهاية في المستقبل، ومع ذلك هُو مصمّمٌ لينتهي. إنّه الأمل في النّجاة والإيمان في المستقبل ما يُعمِي جوزف كـ عن الموعظة التي رِسالتها الأساس هي عدَمُ الجدوى. يُمكنُ للمبادر أن يفهم، ولكنّ الموت هو المبادرُ الوحيد. المواعظُ صحيحة، ولكنّها غير قابلة للفهم. ولذلك فهِي عديمة الفائدة. وإن كانت قابلة للفهم فستظلُّ أيضاً عديمة الفائدة. فهي لا تظهرُ مخرجاً، إنّها بالكاد تقول أنّ القدر لا مفرّ منه؛ وذلك نعرفهُ، ولكن أمِلنا لو كنّا مخطئين. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الحياة مُقابل الموت؛ كلُّ الصراعات الأخرى والمفارقات هي بالكاد تنويعات على هذا الصّراع الأساسيّ. مثل القدرة على تصوّر اليوتوبيا والافتقار إلى الأدوات لبنائها. الشّعور بجوعٍ لا طعام يُمكِنهُ إسكاته. معرفة الأسئلة والعثور على إجابات مُراوغة. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">إصرارُ شخصيّتا كـ على صراعهما لا يستندُ إلى قرارٍ واعٍ كما في حالة متمرّدين تقليديين مثل "الشّيطان" و"فاوست"، اللذان اختارا تجاهل القيود المفروضة عليهما. شخصيّتا كـ تتفاعلان غريزياً. وصراعهُما تمظهر لغريزة البقاء، للأمل وبالطّبع تمظهر لجهلهما بخصوص فرصة نجاحهما. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ما نشهدهُ هي أيّامٌ في حياة سيزيف حتّى اليوم الأخير الذي يُنهي كلّ شيء دون أن يَحُلّ أيّ شيء. هذه الرّوايات والقصص هي دفاعُ كافكا المكتوب عن نمَطٍ حياةٍ قائم على الغريزة. وإن كان هناك أيّ اتّهام على الإطلاق فسيكون ضدّ أيّ قُوّة/سُلطة أطلقتْ "الحركة" دون إعلام الضحيّة بأنّه ليس هناك أيّ شيء يمكنهُ فعلهُ لإيقافها. ماذا لو تمّ إعلام الضحية؟ معلومة عديمة الجدوى. Catch 22.: لا يهمُّ كَيف تستدير، ستظلّ مؤخّرتك دائماً في الخلف No Matter how you turn, your butt will always be in back. </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20296">عن قصة كافكا &quot;أمام القانون&quot; (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-24 20:16:47 by W3 Total Cache
-->