<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>مهيب الرفاعي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/282rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/282rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 03 Oct 2026 14:39:43 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>مهيب الرفاعي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/282rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>&quot;الخروج إلى البئر&quot;: صيدنايا مرآة للدولة، والإسلاميون والعسكر والاقتصاد والخيانة </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38108</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 23 Apr 2026 08:53:06 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38108</guid>

					<description><![CDATA[<p> يكشف مسلسل "الخروج إلى البئر" عن تصور مركّب للدولة السورية عمومًا و لمخابرات نظام الأسد خصوصًا بوصفها كتلة تشغيل مرنة تتحرك عبر شبكات متداخلة من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، حيث تتجاوز السلطة شكلها المؤسسي التقليدي لتعيد توزيع الوظائف والأدوار داخل منظومة إدارة الصراعات في المنطقة، فيتحول السجين والمقاتل ورجل الدين والتاجر إلى وحدات وظيفية تعمل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38108">&quot;الخروج إلى البئر&quot;: صيدنايا مرآة للدولة، والإسلاميون والعسكر والاقتصاد والخيانة </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><b> </b><span style="font-weight: 400;">يكشف مسلسل "<a href="https://www.alarabyplus.com/ar/shows/al-khoruj-ila-albir" target="_blank" rel="noopener">الخروج إلى البئر</a>" عن تصور مركّب للدولة السورية عمومًا و لمخابرات نظام الأسد خصوصًا بوصفها كتلة تشغيل مرنة تتحرك عبر شبكات متداخلة من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، حيث تتجاوز السلطة شكلها المؤسسي التقليدي لتعيد توزيع الوظائف والأدوار داخل منظومة إدارة الصراعات في المنطقة، فيتحول السجين والمقاتل ورجل الدين والتاجر إلى وحدات وظيفية تعمل ضمن شبكة واحدة تضبط التفاعل الأمني والسياسي والاجتماعي في آنٍ معًا، ويتجسد هذا المسار بوضوح في تطور شخصية سلطان الغالب التي تنتقل من موقع الاعتقال إلى موقع الوساطة العملياتية في العراق ضمن صفقة استخباراتية مركبة تعكس سطوة نظام الأسد في إعادة تدوير الأفراد وتوظيفهم داخل سياقات جديدة تخدم بنيته العميقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يأتي هذا البناء ضمن أعمال شركة "ميتافورا" التي تتقدّم بوصفها شركة هادفة تعبّر عن تطلعات الإنسان العربي وقيم الحرية والجمال، وتستقطب أبرز الفنانين والمواهب الشابة وتجاربهم الجديدة، وهو ما ينعكس بوضوح في الطموح البصري والسردي للعمل وقدرته على الجمع بين البعد الجمالي والعمق التحليلي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعيد العمل صياغة فهم هرميات السلطة السورية بوصفها منظومة تشغيل متعددة المستويات تتقاطع فيها أدوات المخابرات السورية مع الامتدادات الاجتماعية والاقتصادية، وتتحرك عبر فضاءات عابرة للحدود تعيد تشكيل الإقليم بقدر ما تعيد ضبط الداخل، حيث تكتسب الفوضى وظيفة تنظيمية داخل هذه التركيبة، وتتحول الجماعات المسلحة إلى أدوات تفاوض، وتغدو العلاقات غير الرسمية مسارات نفوذ مستمرة تعيد إنتاج التوازنات مع القوى الدولية، كما يظهر في توظيف الفصائل العراقية ضمن معادلة ضغط مع الأميركيين تعكس قدرة هذه الشبكة على العمل خارج الحدود التقليدية للدولة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تفتح تجربة مشاهدة المسلسل أفقًا تحليليًا واسعًا يتجاوز الحكاية المباشرة نحو تفكيك طبقات المعنى التي يزرعها سامر رضوان في بنية النص، حيث تتقدّم "البئر" كإطار رمزي كثيف يحيط بمصائر الشخصيات ويدفعها نحو اختبارات حادة تتقاطع فيها السلطة مع الخوف، ويتداخل فيها القرار مع الضرورة، ويتحوّل فيها السقوط إلى مسار يعيد تشكيل الدور داخل الشبكة. وتتجسد قوة هذا البناء عبر حضور تمثيلي متماسك يقوده جمال سليمان (سلطان الغالب) في شخصية تتدرج من الهدوء إلى الانفجار، بينما يقدّم عبد الحكيم قطيفان (اللواء ناصيف) نموذجًا مركّبًا لشخصية رجل المخابرات تتقاطع فيها القسوة مع هشاشة داخلية عميقة، ويتحرك إلى جانبه غطفان غنوم ونضال نجم وقاسم ملحو ضمن فضاء جدلي يعكس تنوّع التيارات والتوترات الفكرية، في حين يضيف مازن الناطور بعدًا إنسانيًا يعمّق شبكة العلاقات، وتمنح كارمن لبس ونانسي خوري حضورًا نسائيًا يشتبك مع الخوف والقلق ورغبة النجاة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-38112 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/b16eab22-2989-4683-bf5a-45af6331ad24.jpg" alt="" width="1200" height="1791" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/b16eab22-2989-4683-bf5a-45af6331ad24.jpg 1200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/b16eab22-2989-4683-bf5a-45af6331ad24-201x300.jpg 201w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/b16eab22-2989-4683-bf5a-45af6331ad24-686x1024.jpg 686w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/b16eab22-2989-4683-bf5a-45af6331ad24-768x1146.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/b16eab22-2989-4683-bf5a-45af6331ad24-1029x1536.jpg 1029w" sizes="(max-width: 1200px) 100vw, 1200px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b> سجن صيدنايا وهندسة السيطرة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتقدّم سجن صيدنايا في هذا العمل بوصفه أكثر من فضاء احتجاز، حيث يتحول إلى مختبر مكثّف يعيد إنتاج بنية الدولة السورية عبر أدوات الضبط غير المباشر، ويستحضر لحظة الاستعصاء عام 2008 كمدخل درامي يكشف عمق التوترات البنيوية داخل هذا الفضاء المغلق. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعالج المسلسل تمثيل الإسلاميين بطريقة مركّبة تتجاوز التنميط التقليدي، حيث يبرز التباينات الفكرية والتنظيمية بين الإخوان المسلمين، والسلفيين، وتنظيم القاعدة، والجهاديين الإيديولوجيين، والإسلاميين المتشددين، ضمن سردية تُظهر هذه التيارات كشبكات متعددة المستويات تتصارع على المعنى والشرعية داخل فضاء السجن. وتتمركز هذه المقاربة حول شخصية سلطان الغالب (جمال سليمان)، الذي يُقدَّم بوصفه نموذجًا ديناميكيًا يجمع بين الدافع القومي والخطاب الديني المتوازن، الذي يهاجم المتشددين وأولهم ابنه " فهد"، ويحتفظ بمسافة نقدية تجاه الغلوّ، ما يمنحه موقعًا وسيطًا داخل شبكة الصراع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعكس التكوين الاجتماعي لسجن صيدنايا صورة مكثفة للمجتمع السياسي السوري، حيث تتجاور داخله التيارات اليسارية والقومية والبعثية، إلى جانب الإسلاميين بمختلف أطيافهم، فضلًا عن الناشطين المدنيين والأكراد والفلسطينيين واللبنانيين والفئات الجنائية والعسكرية، ما يخلق فضاءً متشابكًا تتقاطع فيه الهويات والخلفيات الأيديولوجية، وتتحول فيه تجربة الاعتقال إلى نقطة التقاء لصراعات متعددة المستويات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تستثمر إدارة السجن هذا التنوّع بوصفه أداة استراتيجية لإدارة السيطرة، حيث تعيد توزيع السجناء بطريقة تُبقي التوترات نشطة، وتغذّي الشكوك بين الإسلاميين والعلمانيين، كما تعمّق الانقسامات داخل التيار الإسلامي نفسه بين الإخوان والسلفيين الجهاديين والتيارات الدعوية، بما يحوّل الاختلاف الفكري إلى صراع يومي منظم داخل المهاجع. وتدعم هذه المنظومة عبر شبكات الوشاية الداخلية، وآليات التمييز في المعاملة، ما يعيد إنتاج بيئة قائمة على انعدام الثقة والتنافس المستمر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتصاعد هذه الديناميكيات مع صعود التيار السلفي الجهادي داخل السجن خلال سنوات الألفية، حيث تتكثف الاستقطابات، وتتحول الخلافات الأيديولوجية إلى مواجهات مباشرة تصل إلى التكفير والعنف، خاصة تجاه السجناء من الخلفيات اليسارية والعلمانية، ما يخلق حالة احتقان دائم تستخدمها الإدارة كذريعة لإعادة فرض السيطرة، ويؤسس لاندلاع الاستعصاء بوصفه نتيجة لتفاعل التوتر الداخلي مع هندسة الضبط الأمنية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يشكّل سجن صيدنايا العسكري، منذ إنشائه في ثمانينيات القرن الماضي، إحدى الركائز المركزية في بنية الضبط الأمني في سوريا، حيث صُمّم كمؤسسة احتجاز عالية الانضباط تؤدي وظيفة احتواء الخصوم السياسيين ضمن منظومة أمنية محكمة، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى عقدة أساسية داخل شبكة الاعتقال السياسي مع توسّع تركيبته البشرية واحتوائه أطيافًا متعددة من المعارضين. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يندرج هذا الدور ضمن سياق تاريخي بدأ مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 عبر "الحركة التصحيحية"، حيث عمل على إعادة تشكيل المجال السياسي عبر الإقصاء والسجن، في مواجهة معارضة يسارية وقومية، قبل أن تتصاعد المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين وجناحها المسلح "الطليعة المقاتلة" خلال أواخر السبعينات، وصولًا إلى حسم عسكري دموي في حماة، ما رسّخ نموذج الدولة الأمنية التي تعتمد الاعتقال طويل الأمد كأداة لإدارة الصراع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُدار السجن بعقلية عسكرية صارمة تعكس طبيعته كمؤسسة أمنية مغلقة، حيث تتكامل بنيته المادية مع وظيفة الردع والسيطرة، ويُعاد تنظيم حياة السجناء ضمن أنماط دقيقة من العزل والانضباط، ما يحوّله إلى امتداد مباشر لأجهزة الاستخبارات، ويمنحه دورًا مزدوجًا يجمع بين الاحتجاز وإعادة تشكيل الفاعلين السياسيين عبر القمع المنظم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتجسّد هذا الطابع في بنيته المادية، حيث يمتد السجن على مساحة تقارب 1.4 كيلومتر مربع فوق تلة محصّنة بثلاثة حواجز أمنية ومناطق مزروعة بالألغام، ويضم السجن الأحمر الذي أُنشئ عام 1987 بوصفه النواة الأساسية، والسجن الأبيض الذي أُضيف لاحقًا لتوسيع القدرة الاستيعابية. ويعكس تصميم السجن الأحمر، القائم على ثلاث كتل موزعة على خمسة طوابق، قدرة عالية على التحكم والمراقبة، حيث تُفصل الفئات المختلفة من السجناء ضمن تقسيمات دقيقة تسمح بالإشراف الكامل على الحركة داخل المبنى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتبع السجن إداريًا للشرطة العسكرية مع حضور مباشر للأجهزة الأمنية، خاصة المخابرات العسكرية وأمن الدولة، التي تفرض رقابة صارمة على تفاصيل الحياة اليومية، ويقود هذه المنظومة ضابط برتبة عقيد يعاونه ضباط وصف ضباط وعناصر يشكّلون شبكة تنفيذية واسعة، مدعومة بحماية خارجية مشددة تعزز عزلة السجن وتحكم السيطرة عليه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شهد السجن منذ افتتاحه عام 1987 تحولات متتالية في تركيبته البشرية، حيث استقبل في البداية معتقلين يساريين من حزب العمل الشيوعي، قبل أن يضم لاحقًا بعثيين محسوبين على الجناح العراقي، ومناصرين لحركة فتح، ومعتقلي الإخوان المسلمين، ما جعله فضاءً جامعًا لتيارات سياسية وفكرية متباينة. وشهدت تسعينات القرن الماضي حالة استقرار نسبي انعكست على ظروف الاحتجاز، حيث تطوّرت داخل السجن أشكال من التنظيم الذاتي والتعليم وتبادل المعرفة، في ظل هامش محدود من الانضباط الأقل قسوة مقارنة بمراحل سابقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عاد السجن مع مطلع الألفية إلى مركز جذب لموجات جديدة من المعتقلين، خاصة من التيار السلفي الجهادي المرتبط بساحات أفغانستان والعراق، ما خلق بيئة مشحونة بالصراعات الأيديولوجية داخل السجن، سواء بين الإسلاميين أنفسهم أو بينهم وبين التيارات الأخرى، وترافقت هذه المرحلة مع تشدد إداري وتدهور في الظروف المعيشية، واعتماد آليات قمعية قائمة على الوشاية والانقسام الداخلي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بلغ هذا المسار ذروته في استعصاء عام 2008، الذي شكّل نقطة تحوّل مفصلية، حيث اندلع احتجاج واسع نتيجة تراكم القمع، وتحوّل سريعًا إلى مواجهة مفتوحة بعد اقتحام قوات الشرطة العسكرية السجن، ليتمكن السجناء من السيطرة على أجزاء كبيرة منه واحتجاز عناصر أمنية، في حدث كشف قدرة السجناء على التنظيم وإعادة تشكيل موازين القوة داخل أكثر البيئات انغلاقًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تطوّر الاستعصاء إلى حالة سيطرة شبه كاملة للسجناء لعدة أشهر، حيث أداروا شؤونهم الداخلية ونقلوا ما يجري إلى الخارج، في مقابل حصار مشدد فرضته السلطة، التي عملت على استعادة السيطرة عبر مزيج من التفاوض والضغط التدريجي. وقاد هذا التمرد عدد من السجناء الإسلاميين الجهاديين، قبل أن ينتهي باتفاق أعقبه تدخل أمني أعاد فرض السيطرة عبر إعادة هندسة بنية السجن وتشديد العزل والرقابة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعيد هذا المسار تعريف سجن صيدنايا بوصفه أكثر من موقع احتجاز، حيث يتحول إلى ساحة صراع مركّب تعكس التوترات السياسية والأيديولوجية داخل سوريا، وتعمل كأداة لإعادة إنتاج السيطرة عبر مزيج من القمع المباشر وإدارة العلاقات داخل الفضاء السجني، بما يجعل السجن نموذجًا مصغرًا للدولة الأمنية في أكثر صورها كثافة وتركيبًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يشكّل استعصاء 2008 نقطة تحوّل مركزية، حيث يتحول السجن إلى ساحة صراع مفتوح تعيد تشكيل موازين القوة، وتكشف حدود السيطرة التقليدية، وتدفع النظام إلى اعتماد أدوات أكثر تعقيدًا تقوم على التفاوض والاختراق وإعادة توزيع الأدوار داخل السجن. لا سيما في مدة الانفتاح على العرب واستضافة القمة العربية العشرين في دمشق رغم مقطعتها من عدد من الدول العربية مثل السعودية والعراق والمغرب والأردن بسبب حساسيات سياسية وامنية مع نظام الأسد حينها. ويتطور هذا المسار في استعصاء 2009 نحو مستوى أكثر تركيبًا، حيث تُستخدم بعض الشخصيات كوسطاء داخل منظومة الضبط، كما في حالة "سلطان" الذي يُعاد توظيفه ضمن معادلة تجمع بين احتواء الانفجار الداخلي وحماية عائلته، ما يعكس انتقال السيطرة من القمع المباشر إلى إدارة العلاقات داخل البنية السجنية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقدّم المسلسل السجن كنموذج مصغّر للدولة، حيث تتكرّر داخله أنماط السلطة والصراع والتحالف، وتتشكل سلطات موازية أبرزها شخصية "أبو حذيفة" (غطفان غنوم) التي تمثل إعادة إنتاج للديكتاتورية ضمن خطاب ديني جهادي يحتكر القرار ويعيد تعريف الشرعية وفق منطق القوة ووفق مبدأ إمارة السجن. وتكشف هذه البنية عن فكرة مركزية تتمثل في تحوّل الاستبداد إلى نمط سلوك يعيد إنتاج نفسه داخل أي فراغ سلطوي، حيث يعاد تشكيل السلطة بدل تفكيكها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتعامل العمل مع التيارات الإسلامية بوصفها بنى متعددة المستويات، تتوزع بين مستوى عقائدي يمثله "أبو عبيدة" (نضال نجم) و"أبو عبد الله" قاسم ملحو ، ومستوى براغماتي يتجسد في "هشام الغزّال"، ومستوى سلطوي يحتكره "أبو حذيفة"، ما يعكس فهمًا عميقًا لهذه الحركات باعتبارها شبكات داخلية متنافسة. ويبرز في هذا السياق تحوّل بعض هذه الجماعات من أدوات ضمن استراتيجية الدولة إلى فاعلين مستقلين قادرين على إعادة توظيف اللعبة لصالحهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتعرّض هذا التوازن للاهتزاز عبر المسار الشخصي لسلطان الغالب، حيث يدفعه الضغط والصدام مع اللواء ناصيف إلى الانتقال من خطاب عقلاني إلى انفعال شخصي، ما يكشف هشاشة التوازنات الفردية تحت الضغط، ويقدّم الشخصية بوصفها كيانًا متحوّلًا يتفاعل مع السياق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المقابل، يقدّم المسلسل شخصية "فهد" (خالد شباط) كنموذج للتشدّد الأصولي، حيث يتبنى فهمًا حرفيًا مغلقًا للدين، ويتحوّل هذا الفهم إلى ممارسة قسرية داخل المجال العائلي، ما يعكس انتقال التشدد من مستوى فكري إلى سلوك يومي يعيد إنتاج العنف داخل العلاقات الاجتماعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تبلغ التباينات داخل التيار الإسلامي ذروتها خلال الاستعصاء الثاني، حيث تقود شخصية أبو حذيفة عملية إلقاء عناصر من النظام من أعلى المبنى، في مقابل اعتراض حاد من أبي عبيدة المنتمي إلى الإخوان المسلمين، في لحظة تكثّف صراعًا عميقًا حول حدود العنف ومعناه، وتكشف عن انقسام داخلي حول تعريف الشرعية والوسيلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينجح العمل عبر هذا التنوّع في تفكيك الصورة النمطية عن الإسلاميين، حيث يعيد تقديمهم كطيف واسع من التجارب والمواقف التي تتراوح بين الاعتدال والتشدّد، وبين العقلانية والانفعال، وبين الالتزام الأخلاقي والانزلاق إلى العنف، ما يعيد الإنسان إلى مركز السرد بوصفه كائنًا معقّدًا مشروطًا بسياقه وقابلًا للتحوّل. فعليًا، كان نظام الأسد يؤمن بتنوع الإسلاميين وأنهم ليسوا على قلب واحد ولا يعتنقون ذات الفكر، ويتجلى هذا في حديث اللواء ناصيف عن فكرة ضرب السجناء ببعضهم عبر تشتيتهم وزرع الفتنة بينهم؛ لا سيما وأنهم يمتلكون معلومات ول اختلافاتهم الجذرية ورغباتهم المتنوعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويظهر سجن صيدنايا في هذا الإطار كركيزة أساسية ضمن بنية الضبط الأمني السوري، حيث يتحول من فضاء لاحتواء الخصوم السياسيين إلى عقدة مركزية داخل شبكة إدارة الصراع، تعيد إنتاج الانقسام داخل المجتمع في أكثر صوره كثافة، وتؤسس لنموذج سيطرة قائم على هندسة العلاقات بين الأفراد بقدر ما يعتمد على القمع المباشر.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الفصائل العراقية والعلاقات السورية الأميركية </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكشف العلاقة بين نظام الأسد والولايات المتحدة خلال مرحلة ما بعد 2003 عن نمط تشغيل معقّد يقوم على إدارة التوتر عبر وسائط غير مباشرة، حيث تتحول الحدود السورية–العراقية إلى منصة استراتيجية لإعادة إنتاج التوازن، وتُعاد صياغة الجغرافيا بوصفها شبكة عبور وتوظيف للفصائل بدل أن تبقى خط فصل تقليدي بين دولتين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تفعّل الأجهزة الأمنية السورية ضمن هذا السياق مسارات منظمة لعبور المقاتلين الأجانب إلى العراق، وتبني قنوات اتصال مع شبكات جهادية تتقاطع مع تشكيلات مثل الدولة الإسلامية في العراق بحيث تؤدي هذه الشبكات وظيفة مزدوجة تقوم على استنزاف القوات الأميركية داخل العراق، وتخفيف الضغط الاستراتيجي عن الداخل السوري، ما يحوّل الفوضى العراقية إلى أداة ردع مرنة تُدار عبر فاعلين غير رسميين وتُنتج كلفة مرتفعة على الخصم دون انخراط مباشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تظهر هذه الديناميكيات في الخط الدرامي لمسلسل الخروج إلى البئر عبر علاقة اللواء ناصيف بشخصيات مثل الشيخ هشام الغزّال و“أبو البراء”، حيث تُبنى شبكات لنقل المقاتلين والانتحاريين من الداخل السوري إلى مدن مثل الموصل وبغداد، وتُنشأ مكاتب دعوية تعمل على استقطاب العناصر وتعبئتها وتدريبها قبل إعادة توجيهها إلى ساحات القتال، في عملية تتقاطع فيها الاستخبارات مع الفصائل، ويجري فيها توظيف بقايا شبكات نظام صدام حسين ، خاصة من الضباط السابقين الذين يمتلكون خبرة ميدانية وشبكات محلية داخل العراق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتقاطع هذا التشغيل الأمني مع تحولات البيئة السنية العراقية، حيث تتشكّل مجالس الصحوة بوصفها استجابة عشائرية لمواجهة التنظيمات الجهادية، وتبرز أسماء مثل عبد الستار أبو ريشة في الأنبار، قبل أن تتفكك هذه البنية لاحقًا إلى كيانات متنافسة، فينشأ مجلس إنقاذ الأنبار بقيادة حميد الهييس، وتظهر الجبهة الوطنية لإنقاذ العراق بقيادة الشيخ علي حاتم السليمان، التي تستند إلى ثقل عشائري ضمن قبيلة الدليم، وتتحرك ضمن فضاء سياسي يتقاطع فيه منطق القبيلة مع منطق الدولة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تعيد هذه التكوينات تشكيل المجال السني عبر شبكة من التحالفات القبلية والسياسية التي تمتد من الأنبار إلى الموصل، حيث تلعب عشائر الدليم والجبور وشمر أدوارًا محورية في إعادة توزيع النفوذ، وتتحول الصحوات من أدوات أمنية مدعومة أميركيًا إلى فاعلين يسعون لامتلاك تمثيل سياسي مستقل، ما يدفعها للدخول في تحالفات انتخابية مع قوى مثل ائتلاف دولة القانون، ويكشف عن انتقالها من وظيفة محلية مؤقتة إلى عنصر ضمن إعادة تشكيل الدولة العراقية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتحرك العلاقة بين هذه الفصائل ومخابرات الأسد ضمن بنية مشبعة بالشك، حيث تمتلك الفصائل قدرة ميدانية ووصولًا مباشرًا إلى القوات الأميركية، ما يمنحها وزنًا يتجاوز دورها الوظيفي، ويجعلها في الوقت ذاته عرضة للاختراق وإعادة التوظيف، فتتحول العلاقة إلى معادلة مركبة تقوم على التشغيل والاحتواء والاختراق في آن واحد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعكس الخط الدرامي هذا التعقيد عبر شخصية اللواء ناصيف الذي يدير لعبة مزدوجة تقوم على دعم الفصائل ظاهريًا، بالتوازي مع تسريب معلومات دقيقة عن مواقعها وتحركاتها إلى القوات الأميركية، ما يؤدي إلى استهدافها في بغداد والموصل، ويكشف عن نمط تشغيل يقوم على استنزاف الفصائل نفسها بعد استثمارها، وإعادة ضبطها عبر الضغط الأمني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يفكك الشيخ هشام الغزّال هذه المنظومة عندما يكتشف شبكة المخبرين داخل الفصائل، ويعمل على تفكيكها واعتقال عناصرها، ثم يعيد توظيف هذا الكشف كورقة تفاوضية في ملف سجن صيدنايا، ما يربط بين الساحة العراقية والداخل السوري ضمن شبكة واحدة من الصراع، ويحوّل المعرفة الأمنية إلى أداة لإعادة التوازن داخل بيئة شديدة التعقيد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتقاطع هذا المسار مع البنية الداخلية للنظام كما يعرضها المسلسل، حيث تُبنى السيطرة على مبدأ تعليق الوعود وإعادة تدوير الأفراد داخل منظومة لا تستقر، ويظهر ذلك في مسار سلطان الذي يتحول إلى أداة تفاوضية تُعاد برمجتها باستمرار، في نموذج يعكس طبيعة الدولة بوصفها شبكة تُدير العلاقات بدل أن تحسمها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يكشف هذا الترابط بين العراق وسوريا عن نموذج متقدم لإدارة الصراع، حيث تتحول الفصائل والعشائر والشبكات الجهادية إلى أدوات ضمن منظومة أوسع تعيد توزيع الكلفة والمخاطر، وتنتج توازنًا غير متماثل يقوم على تشغيل الفوضى وتوجيهها، ما يجعل الجغرافيا نفسها جزءًا من آلة سياسية وأمنية تعمل على إعادة إنتاج السيطرة عبر مستويات متعددة ومتشابكة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>العائلة كمساحة انهيار موازية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُكثّف مسلسل الخروج إلى البئر بنيته التحليلية حين ينقل منطق السلطة من مستواه السياسي المباشر إلى داخل العائلة، بحيث تتحول الأسرة إلى وحدة تشغيل مصغّرة تعيد إنتاج نفس آليات السيطرة والانقسام، وتعمل كحيّز وسيط تُختبر فيه قدرة الدولة على إعادة تشكيل المجتمع من الداخل، حيث لا تعود العائلة مجرد ضحية لانهيار الدولة، بل تصبح إحدى أدوات تجلي هذا الانهيار وإعادة تدويره في مستويات أكثر حميمية وتعقيدًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يبني العمل هذا الطرح عبر تفكيك البنية الأسرية إلى خطوط توتر متداخلة، حيث يتقدّم الابن المتشدد بوصفه سلطة أخلاقية بديلة تعيد تعريف الشرعية داخل المنزل، ويتحرك شاب آخر ضمن هشاشة اقتصادية وأمنية تدفعه إلى اضطراب عاطفي دائم، بينما تدير الزوجة حياتها عبر استراتيجيات التكيّف مع الخيانة والضغط، وتسعى الفتاة إلى انتزاع مساحة للحب داخل بيئة مغلقة تضيق بها، لتتشكّل من هذه المسارات شبكة علاقات تُظهر كيف تنتقل السلطة من المجال العام إلى البنية العميقة للعلاقات اليومية، وتعيد صياغة الأدوار داخل الأسرة بوصفها مواقع صراع لا روابط استقرار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتجسد هذه الديناميكية بكثافة في مسار "سمية (كارمن لبّس)، التي تتحول إلى نقطة تقاطع بين الاقتصاد والسلطة والعائلة، حيث تبني موقعها عبر إدارة معقدة للموارد والعلاقات تبدأ بإخفاء طلاقها من "سلطان" قبل شهرين من سفره الى العراق، وتمتد براغماتيتها نحو الرغبة بالحصول إلى الإرث ونحو الرغبة بتثبيت موقع مالي مرتبط بشبكات عقارية عبر مطالبة " فاضل" (علي كريم) باسترداد أموال “ سلطان" وصالون نسائي ، قبل أن تدخل في زواج جديد بوصفه محاولة لإعادة إنتاج الاستقرار ضمن شروط متغيرة. ويتعمّق هذا التعقيد حين يعيد اللواء ناصيف إدخالها في بنية التشغيل الأمني، ويطلب منها توظيف حياتها الخاصة ضمن خطة أوسع، فتجد نفسها داخل معادلة ضغط مركبة تتقاطع فيها سلطة الدولة مع رقابة الأسرة ومع سلطة الابن "فهد"، الذي يعيد تعريفها أخلاقيًا ويضعها تحت نظام ضبط يصل إلى مستوى العقاب الجسدي، ما يحوّل العلاقة بين الأم والابن إلى صراع سلطات داخل المنزل، ويكشف انتقال أدوات القمع من المؤسسة إلى الأفراد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتقدّم "فهد" هنا بوصفه نموذجًا لتحوّل الأيديولوجيا إلى جهاز ضبط داخلي، حيث يعيد إنتاج منطق الدولة الأمنية و منطق المحكمة الشرعية داخل الفضاء العائلي، ويستمد شرعيته من خطاب ديني منغلق يمنحه سلطة إعادة ترتيب العلاقات وفق معايير قسرية، ويعمل ضمن منطق جماعي يتقاطع مع شبكات سلفية أوسع، ما يحوّل العائلة إلى حقل تطبيق مباشر لهذه المنظومة، فتغدو الأم موضوعًا للتقويم و التهم و الشكوك و تتعرض للجلد بأمر من الشيخ و جماعته، والأخت موضوعًا للمراقبة، والأخ موضوعًا للتقييد بحجة عدم وجود محرم في المنزل، والعلاقات الإنسانية مجالًا لإعادة فرض السيطرة، في انعكاس واضح لانتقال السلطة من شكلها المؤسسي إلى شكلها الاجتماعي المعاد إنتاجه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتحول العلاقات العاطفية ضمن هذا السياق إلى مساحات مقاومة مشروطة، حيث تكشف قصة "خلود" (جفرا يونس) عن صراع يتقاطع فيه العنف الرمزي مع السيطرة الأبوية و العنف الاسري و النكاية، إذ يعيد "رشيد" إنتاج سلطته عبر خيانته لها مع زوجة صديقه، و من ثم يلفق لها التهم بالاتصال نمع شخص غريب و هذا من المحرمات في عرف عائلة " ابي الحارث"، فتختار الهروب بوصفه فعل كسر لبنية الضبط، وتدخل في علاقة مع "فراس" (مصطفى سعد الدين) تقوم على الحماية والتكافؤ، لتتحول هذه العلاقة إلى محاولة لإعادة بناء الذات داخل بيئة مفككة، ويكتسب الحب هنا معنى يتجاوز العاطفة ليصبح أداة لإعادة تعريف الموقع داخل شبكة العلاقات و تتزوج منه لاحقًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتخذ هذا المسار شكلاً أكثر هشاشة في تجربة "هنادي" (نانسي خوري)، التي تعيش علاقة حب سرية مع "محمود" تحت ضغط أخيها، حيث تتحول السرية إلى شرط وجود للعلاقة، ويلتقيان في سيارة والدها المرمية إلى جانب المنزل، ويصبح الزمن عنصر استنزاف يفرغ الحب من مضمونه، بحيث تأتي لحظة القبول بعد أن يفقد الشعور قدرته على الاستمرار، ما يكشف كيف تعمل البنية الاجتماعية كأداة ضغط غير مباشرة تعيد تشكيل العاطفة وتحدد مساراتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتجلى البعد البنيوي لهذا التفكك في عائلة "أبو الحارث" (مازن الناطور)، حيث تعمل الذكورية كمنظومة ضبط متكاملة تعيد إنتاج مفاهيم الشرف والعار بوصفها أدوات لإدارة العلاقات، ويرتبط موقع المرأة ضمن هذه البنية بشروط الطاعة والانضباط، ما يجعل العنف جزءًا من آلية التنظيم الداخلي للأسرة. ويتعرض هذا البناء للاهتزاز مع تصاعد التوتر، خاصة حين تتحول "خلود" إلى عنصر تهديد للصورة الاجتماعية للأب، فتدفعه إمكانية الانكشاف إلى إعادة ضبط سلوكه، ما يكشف أن هذه السلطة، رغم صلابتها الظاهرية، تقوم على توازن هش مرتبط بقدرتها على الحفاظ على صورتها أمام الخارج. يتضح هذا في مشهد اتصال "خلود" مع ابيها وتهديدها له بأن تصبح " راقصة" وترسل مقاطع الرقص لجميع التجار المحيطين به وعمال المصانع التي يمتلكها؛ فتضع بذلك علاقتهما على المحك قبل ان يراجع ذاته ويفتح صفحة جديدة مع اسرته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يفتح المسلسل مسارًا موازياً عبر العلاقة بين اللواء ناصيف و" كاتيا" (ريم علي)، وهنا تتكشف مفارقة عميقة في بنية السلطة، إذ يظهر ضابط المخابرات الذي يمتلك أدوات السيطرة الأمنية و السطوة و القدرة على فرض أي قرار بوصفه شخصية تعاني اختلالًا عاطفيًا، يحاول استعادة علاقة دمّرها بفعل خيانة شخصية، في مقابل موقف رافض يعكس قدرة الطرف الآخر على مقاومة هذه الهيمنة. ويكشف هذا التوتر أن السلطة، رغم تماسكها المؤسسي، تحمل داخلها هشاشة إنسانية عميقة، تعيد تعريفها كحالة مركبة تتداخل فيها القدرة على السيطرة مع قابلية الانكسار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينتهي هذا المسار إلى إعادة تعريف العائلة بوصفها امتدادًا مباشرًا لبنية الدولة، حيث تُعاد داخلها إنتاج نفس أنماط الضبط والتفاوض والصراع، ويتحول الأفراد إلى فاعلين داخل شبكة أوسع من السيطرة، بما يجعل العلاقات الإنسانية نفسها جزءًا من منظومة إدارة القوة، ويحوّل التفكك الأسري إلى نتيجة منطقية لبنية سياسية تعمل على إعادة تشكيل المجتمع من داخله عبر الضغط المستمر وإعادة توزيع الأدوار داخل أكثر وحداته حميمية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الاقتصاد ولعبة المخابرات </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدارت مخابرات نظام الأسد ومؤسساته الأمنية مفاصل الاقتصاد بوصفها امتدادًا مباشرًا لمنظومة السيطرة، حيث تتداخل التجارة مع الأجهزة الاستخبارية ضمن شبكة نفوذ تتحكم بحركة السوق وتعيد توزيع الفرص والموارد وفق معايير الولاء والانضباط. تفرض المخابرات حضورها عبر قنوات متعددة تشمل منح التراخيص، تسهيل الصفقات، التحكم بسلاسل التوريد، وتوجيه الاستثمارات، فتتحول العلاقة مع التاجر إلى علاقة وظيفية قائمة على الامتثال مقابل الحماية والترفيق المني والابتزاز. تستخدم هذه المنظومة أدوات ضغط مباشرة مثل الإتاوات والرسوم غير الرسمية، وتفعّل شبكات "التشبيح" كأذرع ميدانية لفرض السيطرة، حيث يجري التدخل في عمليات النقل والتوزيع والتخزين، ويُعاد ضبط الأسعار والتدفقات السلعية وفق اعتبارات أمنية وسياسية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُنشئ هذه البنية سوقًا موازية تعمل كأداة ضغط مستمرة، حيث تُفتح مسارات غير رسمية للتجارة والتهريب تمنح امتيازات لفئات محددة، وتُستخدم هذه المسارات لإعادة تشكيل توازن السوق وإضعاف الفاعلين غير المنخرطين في الشبكة، ما يدفع التجار إلى الانخراط ضمن منظومة النفوذ لضمان الاستمرار. يتحول الابتزاز إلى آلية تنظيم غير معلنة، تُدار عبر التهديد الأمني أو التعطيل الإداري أو الاستهداف المالي، فتُعاد صياغة الملكية والتنافس ضمن بيئة تُنتج احتكارات مرتبطة بالأجهزة، وتُقصي الفاعلين غير المنسجمين مع منطقها. ينتج عن ذلك اقتصاد موجّه أمنيًا، تُدار فيه السوق كمساحة للضبط وإعادة توزيع القوة، وتتحول فيه الثروة إلى أداة لتعزيز السيطرة وإعادة إنتاجها داخل المجتمع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقدّم المسلسل الاقتصاد بوصفه طبقة خفية من طبقات السيطرة، حيث يغيب السوق كحيّز مستقل تحكمه قواعد العرض والطلب، ويظهر كامتداد مباشر للمنظومة الأمنية يعمل ضمن منطقها ويخضع لإيقاعها، بحيث تتحول العلاقة بين رجال الأعمال والأجهزة الأمنية إلى شبكة تبادل براغماتي تقوم على الحماية مقابل التمويل، وعلى الامتياز مقابل الولاء، ضمن بنية تبدو ظاهريًا تعاقدية وتحمل في جوهرها علاقة تبعية غير متكافئة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يكشف العمل أن هذه العلاقة تتحرك ضمن تراتبية واضحة تحتفظ فيها الأجهزة الأمنية باليد العليا، حيث تُمنح الحماية للتاجر بقدر التزامه بالدور الوظيفي المطلوب منه، وتُسحب هذه الحماية في اللحظة التي يختل فيها ميزان الطاعة، ما يجعل رأس المال نفسه خاضعًا لمنطق السيطرة، ويتحول من قوة مستقلة إلى أداة ضمن شبكة النفوذ الأمني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتجسد هذا النموذج بوضوح في شخصية "فاضل"، تاجر العقارات الذي ينشط خلال مرحلة ما بين 2003 و2008، حيث يبني نفوذه عبر شبكة علاقات مع ضباط في أجهزة المخابرات، ويعتمد على الرشاوى والهدايا كآلية لإدارة هذه العلاقات، فتتحول الصفقات العقارية إلى واجهة لنظام تبادل أعمق يقوم على شراء الحماية وتثبيت الامتيازات. ويكشف تقديمه فيلا لزوجة ضابط في المخابرات عن طبيعة هذه العلاقة التي تتجاوز الفساد التقليدي إلى نمط من التشابك البنيوي بين رأس المال والسلطة، حيث تصبح الثروة وسيلة للاندماج داخل شبكة النفوذ، وتتحول إلى قناة عبور نحوها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتطور هذا المسار حين يعيد "فاضل" ترتيب ملكية الشراكة مع "سلطان"، مستفيدًا من غيابه والظروف الأمنية المحيطة به، فيستولي على حصته عبر أدوات قانونية شكلية مثل الشيكات وعقود البيع، في عملية تكشف كيف تُستخدم البنية القانونية نفسها كغطاء لإعادة توزيع الملكية تحت ضغط السلطة، بحيث يتحول القانون إلى أداة لإعادة تشكيل الثروة بما يخدم توازنات القوة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتسع هذا النموذج عبر شخصية "أبو الحارث"، الذي يمثل شريحة أوسع من رجال الأعمال المرتبطين ببنية السوق السورية، حيث يقوم نفوذه على تشابك عميق مع أجهزة الأمن، ويعمل ضمن شبكة مصالح تمتد بين التجارة والسلطة، ما يجعله جزءًا من المنظومة ومندمجًا في بنيتها. ويُدرك "أبو الحارث" حدود هذا النفوذ حين يتعلق الأمر بالأمن المباشر، حيث تظهر قدرته على التأثير داخل السوق والبيروقراطية، في مقابل حضور قرار أمني سيادي يحدد الإطار الأعلى للسلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتكثف هذا الإدراك في موقفه من اعتقال "فراس"، حيث يعرف أن الدخول إلى منظومة الاعتقال يعني الانتقال إلى مجال مختلف من السيطرة، وأن العلاقات والوساطات تفقد فاعليتها عند عتبة الأجهزة الأمنية، فيتحول رجل الأعمال النافذ إلى فاعل محدود القدرة داخل مجال تحكمه قواعد الضبط الأمني، ما يكشف حدود رأس المال حين يواجه سلطة تعيد تعريف موقعه ضمن بنيتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينتج عن هذا التداخل نموذج اقتصادي خاص، حيث يعمل الاقتصاد كذراع وظيفي ضمن بنية الدولة الأمنية، تُستخدم فيه الموارد المالية لتغذية الشبكات، وتُعاد فيه صياغة الملكية وفق معايير الولاء، ويُدار عبر علاقات شخصية تتجاوز المؤسسات، ما يجعل السوق نفسه جزءًا من منظومة الضبط ويعمل داخلها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يطرح العمل من خلال ذلك فكرة أكثر عمقًا، تقوم على أن الدولة الأمنية تعيد هندسة الاقتصاد ليعمل ضمن منطقها، بحيث يتحول رأس المال إلى عنصر في شبكة السيطرة، ويصبح النجاح الاقتصادي مشروطًا بالاندماج في هذه الشبكة، ما يعيد تعريف العلاقة بين الثروة والسلطة بوصفها علاقة تبعية مركبة، تنتج طبقة من رجال الأعمال تعمل داخل النظام وتعيد إنتاجه في آن واحد.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الإنسان كرهينة في لعبة أكبر</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتبلور أطروحة "الخروج إلى البئر" في ذروتها حين يُعاد تعريف موقع الإنسان داخل هذه المنظومة بوصفه عقدة معلّقة في شبكة تتجاوز قدرته على السيطرة، حيث تتقاطع السياسة والدين والاقتصاد والعائلة ضمن بنية واحدة تُعيد إنتاج نفسها عبر مستويات متعددة، وتحوّل الفرد إلى رهينة داخل لعبة تتغيّر قواعدها باستمرار دون أن تمنحه مخرجًا واضحًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتجسد هذا التعقيد في مسار "سلطان"، الذي ينتقل بين أدوار متلاحقة تبدأ بالمقاتل وتنتهي بالأب الباحث عن إنقاذ عائلته، مرورًا بالسجين والأداة داخل منظومة أمنية، في مسار لا يمنحه تماسكًا بقدر ما يعمّق انخراطه داخل الشبكة، حيث يتحول كل انتقال إلى طبقة إضافية من التورط، ويصبح الفعل ذاته جزءًا من إعادة إنتاج السيطرة، لا وسيلة للخروج منها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يكثّف العمل عبر هذا المسار نموذج الدولة بوصفها شبكة مرنة تدير الفوضى بدل احتوائها، وتعيد تشكيل أدواتها عبر الخيانة كآلية ضبط، والجماعات المسلحة كأذرع غير رسمية، والاقتصاد كامتداد أمني، والسجن كنموذج مصغّر للدولة، والعائلة كحيّز يعكس الانهيار الداخلي، بحيث تتكامل هذه المستويات لتشكّل منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل الأفراد قبل الفضاء العام.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، تكتسب رمزية "البئر" كثافتها الدلالية بوصفها محورًا بصريًا وسرديًا يربط بداية العمل بنهايته، حيث يظهر في المشهد الافتتاحي كحافة وجودية يقف عندها "سلطان" بين السقوط والاختيار، بينما تقف عائلته على الأطراف تنظر إليه بوصفه حالة معلّقة، لا حاضرة ولا غائبة، وتجد في دخوله إلى البئر نوعًا من الحسم الذي يحررها من حالة الانتظار والتشظي، فيتحول البئر إلى أداة لفك التعليق أكثر من كونه نهاية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتحوّل البئر مع تطور الأحداث إلى فضاء رمزي متعدد الطبقات، يحمل في ظاهره معنى الانحدار والغرق، ويكشف في عمقه عن مسار معكوس يُعيد تعريف السقوط بوصفه محاولة نجاة، حيث يلجأ إليه "سلطان" في الخاتمة كفعل هروب من شبكة معقدة من المسؤوليات والضغوط والنجاة من عقاب الخيانة الذي فرض عليه بترتيب من المخابرات عبر تسريبات معقدة ومزيّة داخل السجن ونقضه بالوعود التي قدمها له في حال انهاء الاستعصاء، فيبدو الدخول إلى البئر كخروج من العالم الخارجي المثقل بالتناقضات، وكأن النجاة تمر عبر النزول لا الصعود.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تفتح هذه الرمزية احتمالات قراءة متعددة، حيث يتقاطع البئر مع فكرة الخيانة حين يتحول إلى مساحة سقوط أخلاقي مرتبط بلحظة التعاون مع أجهزة الأمن، ويتقاطع مع فكرة الهروب حين يصبح ملاذًا من الفشل في إدارة العائلة ومن ثقل الأدوار المتراكمة، كما يتقاطع مع فكرة الخلاص حين يُعاد تقديمه كمسار داخلي للانفصال عن شبكة السيطرة، ما يجعله رمزًا مركبًا يجمع بين السقوط والنجاة في آن واحد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينتهي العمل بطرح فكرة وجودية مكثّفة فيما إذا كان الخروج من البئر يتخذ معنى يتجاوز الحركة المادية، ويتحوّل إلى اختبار لإمكانية التحرر من منظومة تعيد إنتاج نفسها داخل الإنسان، حيث يصبح الخلاص فعلًا داخليًا يرتبط بإعادة تعريف العلاقة مع السلطة، أكثر من كونه انتقالًا مكانيًا خارجها، وتغدو النجاة احتمالًا معلقًا بين الإدراك والهروب، بين السقوط والصعود، في مساحة رمزية مفتوحة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية داخل بنية السيطرة.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38108">&quot;الخروج إلى البئر&quot;: صيدنايا مرآة للدولة، والإسلاميون والعسكر والاقتصاد والخيانة </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;إمبراطورية القطن&quot;: الدولة والسلطة والقانون، وصناعة السوق العالمية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37779</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 13 Mar 2026 08:01:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37779</guid>

					<description><![CDATA[<p>يقدّم كتاب "إمبراطورية القطن: تاريخ عالمي" لسفن بِكَرت، الذي ترجمه إلى العربية مصطفى قاسم؛ و صدرت الترجمة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، نموذجًا تحليليًا نادرًا في كتابة التاريخ العالمي و تنوعاته بين الاقتصاد والأنثربولوجيا والدين والسياسة والعسكرة؛ و تداخلات العمالة و العبودية و الحرب وإعادة الإعمار ، لأنّه يختار القطن بوصفه عدسة تفسيرية [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37779">&quot;إمبراطورية القطن&quot;: الدولة والسلطة والقانون، وصناعة السوق العالمية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">يقدّم كتاب "إمبراطورية القطن: تاريخ عالمي" لسفن بِكَرت، الذي ترجمه إلى العربية مصطفى قاسم؛ و صدرت الترجمة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، نموذجًا تحليليًا نادرًا في كتابة التاريخ العالمي و تنوعاته بين الاقتصاد والأنثربولوجيا والدين والسياسة والعسكرة؛ و تداخلات العمالة و العبودية و الحرب وإعادة الإعمار ، لأنّه يختار القطن بوصفه عدسة تفسيرية تقود القارئ من العصر البرونزي إلى عصر الركود و الحروب وصولًا إلى سلاسل التوريد المعاصرة، ثم يستخدم هذه العدسة كي يعيد ترتيب أسئلة كبرى ظلّت راسخة في سرديات الثورة الصناعية والرأسمالية. يبدّل القطن في هذه العدسة الحكاية المألوفة التي تجعل أوروبا مركز الابتكار، ويجعل السوق الحرّ محرّك التقدم، ويجعل التكنولوجيا سببًا أول، بينما يصوغ بِكَرت سردية تُظهر الاقتصاد الحديث كبنية عالمية صُنعت عبر تجميع شروط متباعدة، فيها أرض مناسبة، وعمل مكثّف، وتمويل، ونقل، وتجارة، ثم سلطة سياسية قادرة على فرض انتظام هذا التجميع عبر مسافات شاسعة وأزمنة طويلة. تظهر جرأة الكتاب لأنه يقرأ التاريخ كعملية تنظيم تجعل الإنتاج ثابتًا ويمكن الاعتماد عليه عبر القارات، لا كحكاية اختراعات متتالية، ويقدّم القطن بوصفه السلعة التي دفعت العالم إلى تنسيق عمل الناس والزرع والنقل والمصانع والحياة اليومية وأساليب الحياة Lifestyles وتبعاتها في أماكن بعيدة ضمن جدول واحد ومسار إنتاج موحّد.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>القطن قبل أوروبا والرأسمالية الحربية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعرض بِكَرت في كتابه نصًا مكثفًا يراهن على التفاصيل والإحصاءات (مثل إحصاءات وارشيف مكتبة الكونغرس) والحواشي التفسيرية والشروحات بوصفها جزءًا من قوة الإقناع، ويجمع بين النظر من أعلى إلى الاتجاهات الكبرى والمفاهيم الأوسع، ثم النزول إلى قصص فعلية وشهادات محددة تمنح البنية التاريخية للإمبراطورية أساسها الإنساني والتفاعلي مع الصنّاع والكسبة. تجعل هذه المزاوجة الكتاب قريبًا من جمهور واسع من الناس البسطاء الذين يرتبطون عاطفيًا ببيئة الكسب والمعيشة والجدّ والتعب في الحصول على لقمة العيش، رغم طابعه الأكاديمي؛ ولأن القارئ يمسك بالخيط العام، ثم يرى أثره في حياة أفراد ومجتمعات، ويقرأ التاريخ كشبكة علاقات تتبادل الضغط والنفوذ والكسب عبر القارات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> يقع الكتاب في 14 فصلًا بين خلفية تاريخية للقطن وماهيته وكيف اكتشفه الإنسان قبل حوالي 5000 عام، و تنقل بين السرديات الدينية والثقافية لهذه النبتة وكيف اكتسبت ألقها بين الحضارات المتعاقبة؛ و كيف أثّر العرب والسلمون في نقل هذه النبتة و تجارتها إلى أوروبا، بما ينفي أساسًا أصالة النبتة أوروبيًا، على اعتبار أن مدنًا مثل إشبيلية وقرطبة كانت تحتوي مصانع للقطن بحلول عام 950م؛ لينتقل بعدها إلى مدن إيطاليا و فرنسا وألمانيا مع منافسة و طلب عالٍ على القطن القادم من الشرق. ثم يتحدث عن بناء خطوط الإمداد والمقايضات للحصول على القطن و الرأسمالية الناشئة و تبعاتها القانونية والإنسانية والأخلاقية والاقتصادية و الفروقات بين الرأسمالية الحربية و الرأسمالية الصناعية، إذ أن الأوروبيين كانوا يدفعون للحكام الأفارقة لاصطياد العبيد لهم مقابل منتجات النسيج الهنود؛ حيث كان الحكام الافارقة يطلبون منتجات القطن مقابل العبيد والشبان الافارقة وتصديرهم إلى أوروبا ضمن تشكيل نظام اقتصادي جديد قائم على الاستيطان و القتل و أساطيل الحماية والصادرات البشرية مقابل القطن و منتجاته بما يخدم نظرة الغرب الاستعمارية حتى للقطن و امبراطوريته. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عاش القطن تاريخًا طويلًا في وادي السند ومصر والهند وفلسطين والصين والبيرو ، وتحوّل إلى منسوجات عالية القيمة ضمن شبكات تجارة وخبرة حرفية سبقت زمن المصانع بقرون كثيرة، ومع هذا الإرث يصبح صعود أوروبا حدثًا يحتاج تفسيرًا مركّبًا؛ فالقارة التي ظلّ القطن فيها أقل حضورًا في الاستهلاك الراقي مقارنة بالمراكز الآسيوية، وجدت نفسها في لحظة توسع أطلسي أمام فرصة لإعادة تشكيل النظام بأكمله، وبذلك يضع بِكَرت القارئ أمام مفارقة تأسيسية فيها مركزية أوروبا في رأسمالية القطن حيث جاءت عبر إعادة تنظيم عالم كان يمتلك بالفعل معرفة زراعية وصناعية وتجارية سابقة عليها، ثم تحويل هذه المعرفة إلى خدمة لبنية صناعية جديدة تشغّلها المصانع الأوروبية وتغذيها الأطراف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتمثل المفهوم الأكثر تأثيرًا في الكتاب في رأسمالية الحرب، وهو مفهوم يعيد تسمية مرحلة تاريخية كاملة كي يلتقط طبيعتها التشغيلية؛ إذ فيها توسّع تجاري مدعوم بقوة بحرية، واستعمار يربط الأرض بالمركز، ومصادرة موارد تُبدّل أنماط الزراعة، وعبودية تخلق كتلة عمل قابلة للجدولة، ثم شبكات ائتمان وتأمين ومحاسبة تجعل العنف قابلًا للحساب داخل دفاتر التجار والمموّلين. ومن خلال هذا الإطار يتعامل الكتاب مع القوة السياسية باعتبارها أداة إنتاج تُخفّض المخاطر وتزيد انتظام الإمداد، لأن مصانع الغزل والنسيج تحتاج تدفقًا ثابتًا للألياف قبل أشهر من الحصاد، ويحتاج المستثمرون عوائد قابلة للتوقع، ويحتاج التجار عقودًا قابلة للإنفاذ عبر المحيطات، ويحتاج النظام كله جهازًا يضمن سير هذه الالتزامات؛ فتغدو الإمبراطورية جهازًا لوجستيًا أكثر منها مجرد امتلاك أراضٍ، وتغدو الحرب طريقة تنظيم وليست حادثًا جانبيًا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img decoding="async" class="size-full wp-image-37780 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/empire-of-cotton-a-global-history-bs.jpg" alt="" width="543" height="760" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/empire-of-cotton-a-global-history-bs.jpg 543w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/empire-of-cotton-a-global-history-bs-214x300.jpg 214w" sizes="(max-width: 543px) 100vw, 543px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>بين الشرق والغرب </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تَظهر أطروحة الكتاب بأوضح صورها عبر قصة الهند ، وهي مركز تاريخي لإنتاج المنسوجات القطنية عالية الجودة، ثم ساحة لإعادة تشكيل قسرية عبر سياسات استعمارية وتعريفات وحماية تجارية واستثمار رسمي في تفوق المصانع البريطانية، حيث تتحول الهند تدريجيًا من بائع قوي للمنسوجات في السوق العالمية إلى مورد للألياف الخام، ثم إلى سوق ضخم لصادرات القطن البريطانية. تتجلى هنا فكرة الأسواق المصممة بدل الأسواق المتشكلة تلقائيًا والعشوائية، لأن الهيمنة الصناعية احتاجت إعادة توزيع الأدوار داخل الإمبراطورية؛ بحيث يكون لدينا تصنيع في المركز، وزراعة في الأطراف، وتدفق أرباح يرسّخ هذا التقسيم، وبذلك يعرض بِكَرت العلاقة بين التنمية والتراجع بوصفها علاقة واحدة متزامنة، حيث يزداد التصنيع في مانشستر مع تفكيك صناعة النسيج في مناطق كانت تملك تاريخًا صناعيًا طويلًا.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>العبودية والعمل القسري والقطن الرخيص </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعامل بِكَرت العبودية بوصفها قلبًا تشغيليًا لإمبراطورية القطن، لأن القطن الرخيص يحتاج عمالة رخيصة، ثم يجد النظام في العبودية نموذجًا لإنتاج منخفض التكلفة عالي الانضباط، خصوصًا بعد توسع زراعة القطن في الأميركيتين ضمن مناخات مناسبة. ومع تناقص اليد العاملة الأصلية نتيجة الأوبئة، يصبح الاستعباد الأفريقي حلًا مهيمنًا، ثم تدخل المنسوجات القطنية نفسها في دورة مادية قاسية حين تُستخدم كوسيلة دفع في تجارة العبيد؛ ليغدو المنتج الصناعي جزءًا من آلية تمويل الملكية البشرية التي ستزرع المادة الخام اللازمة لتشغيل المصانع التي صنعت ذلك المنتج في الأساس، وهذه الحلقة تكشف منطقًا يكرره الكتاب، بحيث أ القيمة الصناعية تنمو عبر ربط الإنتاج بالعنف، ثم إعادة تدوير العائد داخل النظام نفسه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فمثلاً، خلال الفترة الممتدة بين 1820 و1832 انتقلت مساحات واسعة من أراضي سكان الاتشوكتاو الأصليين إلى أيدي مستوطنين بيض عقب معاهدات مفروضة بالقوة وصراعات مسلحة، لتبدأ مرحلة تأسيس مزارع قطن كبرى في دلتا المسيسيبي. تحوّلت المنطقة بسرعة إلى فضاء زراعي مخصّص لإنتاج محصول واحد موجّه للتصدير، وجرت تعبئة رؤوس أموال وخبرات زراعية من ولايات جنوبية أخرى، كما نُقل آلاف العبيد إلى الدلتا لتأمين قوة العمل اللازمة لهذا التوسع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بحلول عام 1840 تجاوز عدد العبيد في مقاطعة واشنطن معدل 10 عبيد لكل فرد أبيض، وفي عام 1850 بلغ متوسط ما تمتلكه العائلة البيضاء الواحدة أكثر من 80 عبدًا، ما يعكس درجة عالية من تركّز العمل القسري داخل هذا الاقتصاد الزراعي؛ وبرز ستيفن دنكان (Stephen Duncan) كأحد أكبر ملاك المزارع في المنطقة، إذ امتلك 1036 عبدًا، وقدّرت ثروته في أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر بنحو 1.3 مليون دولار، وهو رقم ضخم بمقاييس تلك المرحلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أصبحت مزارع الدلتا مشروعات رأسمالية ضخمة تتطلب استثمارات كبيرة في الأرض والعبيد والبنية التحتية، وتدفقت الأرباح من التربة الخصبة والعمل القسري إلى شبكة أوسع من التجار والمموّلين، بما في ذلك رأس المال الأوروبي. بهذا التنظيم الزراعي المركّز تأسس اقتصاد قطن يقوم على ملكية بيضاء للأرض ورأس المال، ويرتبط مباشرة بالأسواق العالمية التي جعلت من القطن محورًا للثروة والنفوذ في الجنوب الأميركي خلال القرن التاسع عشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين يصل السرد إلى الثورة الصناعية، يضع بِكَرت الاختراعات في مكانها بوصفها حلولًا إدارية لمشكلة إنتاجية ومكانّية؛ أي أن الآلات ترفع إنتاجية العمل، والمصنع يخلق نظامًا زمنيًا صارمًا، والإنتاج الآلي يحتاج تشغيلًا متواصلًا، ومن هنا تتبدل وظيفة الحكم الإمبراطوري لأن استمرارية الآلة تُحوّل انقطاع الإمداد إلى خسارة فادحة، فتتوسع السيطرة على الزراعة، وتُعاد هيكلة مناطق مثل الهند ومصر حول زراعة أحادية للتصدير، وتتعمّق العبودية في الجنوب الأميركي بالتوازي مع اتساع المصانع في بريطانيا، فتبدو الصناعة أقل كحدث محلي وأقرب إلى رأس شبكة تُزامن أنظمة عمل مختلفة داخل دورة واحدة فيها حصاد، وشحن، وائتمان، وتصنيع، وتوزيع، ثم استهلاك.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>انقسام نموذجي الرأسمالية (الحربية والصناعية)</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقدّم الكتاب الحالة الأميركية بوصفها نموذجًا مكثّفًا لانقسام بنيوي بين شكلين من التنظيم الاقتصادي تشكّلا في الوقت نفسه داخل دولة واحدة؛ ففي الجنوب تكرّس اقتصاد زراعي واسع النطاق قائم على مزارع القطن والعبودية، حيث تركزت الأرض ورأس المال والعمل القسري في وحدات إنتاج ضخمة موجّهة نحو التصدير، بينما شهد الشمال مسارًا مختلفًا ارتكز على التصنيع والميكنة وتراكم رأس المال الصناعي وتوسّع شبكة المصانع والمصارف والموانئ، فتكوّن تباين واضح بين منطقة تُنتج المادة الخام ضمن منطق توسعي يعتمد السيطرة على الأرض والعمل، ومنطقة تُحوّل هذه المادة إلى سلع صناعية ذات قيمة مضافة عالية داخل إطار مؤسسي وصناعي متطور.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بحلول عام 1860 بلغ عدد المغازل في الولايات المتحدة نحو 5 ملايين مغزل توزعت بين رود آيلاند ونيوجيرسي وميريلاند ونيويورك ونيوهامبشاير، وهو رقم يكشف عن اتساع صناعة القطن بوصفها أهم صناعة تحويلية من حيث حجم رأس المال وعدد العمال والقيمة الصافية للإنتاج. هذا التمركز الصناعي في الشمال ترافق مع توسّع زراعي مكثف في الجنوب، فصار الاقتصاد الأميركي يعمل عبر شطرين متكاملين ومتباينين في الوقت نفسه؛ بحيث يوفر الجنوب الألياف الخام بكميات هائلة، والشمال يعيد تشكيلها داخل مصانع ضخمة ترتبط بشبكات تمويل وتجارة عابرة للأطلسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حمل هذا الانقسام بين رأسمالية زراعية توسعية قائمة على العبودية، ورأسمالية صناعية ميكانيكية تعتمد على العمل المأجور والتنظيم المؤسسي، توترًا سياسيًا واقتصاديًا تصاعد تدريجيًا حتى انفجر في الحرب الأهلية. وعندما لجأ الجنوب إلى استخدام القطن كورقة ضغط عبر تقليص الإمدادات، أصيبت المصانع البريطانية بما عُرف بـ “مجاعة القطن"، فاستجابت الإمبراطورية البريطانية بتوسيع زراعة القطن في الهند ومصر، فتحوّل النقص إلى فرصة لإعادة توزيع الإنتاج على نطاق أوسع داخل الفضاء الاستعماري. وقعت مجاعة القطن بين عامي 1861و 1865 عندما أدى الحصار البحري على موانئ الجنوب الأميركي إلى توقف نحو 80% من إمدادات القطن الخام إلى بريطانيا، فتعطلت صناعة النسيج في لانكشير فتضرر ما بين 400,000 إلى 500,000 عامل بشكل مباشر، وتأثر ما يقارب 1 إلى 2 مليون شخص من السكان، وتوقفت أكثر من 60% من طاقة المصانع عام 1862، فيما تلقى نحو 250,000 عامل إعانات إغاثة. لم تسجل وفيات جماعية واسعة في بريطانيا بسبب شبكات الدعم، لكن الأزمة أدت إلى بطالة وفقر شديدين، ودَفعت بريطانيا إلى توسيع زراعة القطن في الهند ومصر، وهو ما ساهم لاحقًا في هشاشة غذائية ومجاعات في الهند خلال سبعينيات القرن التاسع عشر قُدّر ضحاياها في بعض المناطق بين 6 و10 ملايين شخص.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يبيّن هذا المسار أن الاعتماد الصناعي المكثف على مورد واحد يدفع بسرعة إلى تنويع جغرافي منظم يهدف إلى ضمان استمرارية التدفق، وأن الرأسمالية الصناعية تسعى دومًا إلى تثبيت الإمداد عبر توسيع دائرة السيطرة والربط العالمي، مما يجعل الانقسام الأميركي جزءًا من شبكة اقتصادية أطلسية أوسع تتجاوز حدود الدولة نفسها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> في مصر، تبدو تجربة محمد علي باشا مثالًا واضحًا على التزاوج بين الإكراه السياسي والتحول الصناعي؛ حيث أعاد تنظيم الزراعة عبر احتكار الدولة للأرض والتجارة وفرض التوسع في زراعة القطن طويل التيلة بوصفه محصولًا تصديريًا يمول بناء الجيش والترسانة والمصانع. ارتبطت مصانع الغزل والنسيج مباشرة بالمؤسسة العسكرية، وتشكلت العمالة عبر نظم تجنيد وإدارة مركزية، فكان التصنيع جزءًا من مشروع قوة توسعية في السودان والشام.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا النموذج اندمج القطن والدولة والجيش ضمن منظومة واحدة؛ كون الاقتصاد موّل القوة، والقوة أعادت تنظيم الاقتصاد؛ وبالتالي تحقق تحول صناعي سريع عبر الحماية والاحتكار، ثم أعادت التحولات في ميزان القوى الدولي رسم حدود هذا المسار، فبقيت التجربة دالة على ارتباط التصنيع المبكر ببنية دولة عسكرية مركزية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">احتلت مصر المرتبة الخامسة في العالم في عدد مغازل القطن لكل فرد، إذ ضمت نحو 80 مغزلاً آليًا لكل ألف نسمة، مقارنة ببريطانيا التي أسست 588 مغزلا وسويسرا التي ضمت 265 مغزلًا لكل ألف نسمة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>أخلاقيات حشد العمالة وشروط الآلة </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يكشف الكتاب انتقال النظام الاقتصادي من طور يعتمد على العمل القسري المباشر إلى طور تنظيمي تديره الدولة الحديثة عبر القانون والعقود والضبط الإداري، حيث صار حشد العمالة عملية سياسية واقتصادية متكاملة تستند إلى تشريعات وتشريعات مضادة، وإلى تدخل رسمي في سوق العمل بحجة حماية الإنتاج والاستقرار الاجتماعي. يشير بكرت إلى عام 1867 حين مُنح حق التصويت لقطاعات أوسع من الرجال في إنكلترا، ثم إلى عام 1875 حين رُفعت القيود الجنائية عن العمل النقابي، وصولًا إلى عام 1918 حين اتسع الاقتراع أكثر، ما يكشف مسارًا تدريجيًا لاعتراف الدولة بالعمال كقوة اجتماعية وسياسية داخل النظام الصناعي، ويبيّن أن إدماجهم في المجال العام جاء ضمن توازن دقيق بين مطالب العدالة الاجتماعية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق تتبدل أخلاقيات التوظيف من منطق السوق البسيط إلى منطق إدارة الجسد والزمن؛ فالمصنع يحتاج انتظامًا صارمًا في الحضور والأداء، وتفرض الآلة إيقاعها اليومي على حياة العمال، فتتشكل علاقة جديدة بين الإنسان والعمل تقوم على الانضباط والدقة والاستمرارية. ترتبط شروط التوظيف بقدرة العامل على التكيّف مع زمن صناعي محسوب بالدقائق والساعات، وتتحول الكفاءة إلى قدرة على الالتزام بإيقاع الآلة. ومع ارتفاع الأجور نسبيًا في بريطانيا، تظهر استراتيجيات لضبط التكاليف عبر توسيع تشغيل النساء والأطفال، وتبرز شهادات مثل شهادة إلين هوتون عام 1833 حول أيام عمل امتدت إلى 12 ساعة ونصف، وما رافقها من ضغط متواصل وسرعة أداء وعقوبات، لتجسّد المعنى الإنساني لشروط الآلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعكس الكتاب إدراك الدولة أن الاستقرار الصناعي يتطلب تسوية بين الرأسماليين والعمال؛ فإقرار الحق في التنظيم النقابي عام 1875 يمثل لحظة اعتراف بأن النزاعات العمالية جزء من البنية الصناعية نفسها، وأن احتواءها عبر القانون يحقق توازنًا أفضل من المواجهة المفتوحة. غير أن هذا التوازن ظل مرتبطًا بحماية حقوق الملكية واستمرارية الإنتاج، إذ بقيت أولويات النظام موجّهة نحو ضمان التدفق المنتظم للسلع ورأس المال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمتد التحليل إلى علاقة الزراعة الأحادية بالهشاشة الغذائية، حيث يبيّن الكتاب أن إعادة توجيه مناطق بأكملها نحو محصول تصديري مثل القطن يخلق تبعية عميقة للأسعار العالمية؛ وعندما تتبدل الأسعار أو تتعثر الأسواق، تتحمل المجتمعات الزراعية عبء الصدمة، فتتسع رقعة الفقر وتظهر المجاعات كنتيجة مباشرة لتوزيع غير متكافئ للمخاطر داخل النظام العالمي. يتحول الغذاء إلى سلعة مرتبطة بالقدرة الشرائية، ويغدو أمن المعيشة تابعًا لإيقاع السوق الدولية، بينما تستفيد المراكز الصناعية من انتظام التصدير وسداد الالتزامات المالية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما يمكن ان نستشفّ مفارقة أخلاقية عميقة؛ حيث توسّع الحقوق السياسية تدريجيًا بين 1867 و1918، وتنامي الاعتراف بالنقابات، يقابله استمرار تفاوت القوة بين الدولة ورجال الأعمال من جهة، والعمال من جهة أخرى، داخل بنية اقتصادية تعطي الأولوية لاستقرار الإنتاج. تصبح أخلاقيات العمل جزءًا من هندسة اجتماعية تهدف إلى خلق قوة عاملة منضبطة ومؤهلة، وتتحول المظالم من مواجهات مباشرة إلى صراعات قانونية وتنظيمية داخل مؤسسات الدولة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>دور الدولة في الإمبراطورية </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُظهر هذه الصفحات الدولة بوصفها المهندس الخفي الذي أعاد تشكيل اقتصاد القطن عبر أدوات متدرجة تبدأ بالحماية وتنتهي بإعادة تنظيم العمل؛ إذ أدارت الدولة عملية نقل الملكية عبر معاهدات مدعومة بالقوة، فأعادت تعريف من يملك الأرض ومن يحق له استثمارها، ووفرت الغطاء القانوني لتوسّع مزارع القطن ومصانع الغزل. داخل هذا الإطار، صارت الملكية محمية بقواعد رسمية، وتحول استجلاب العبيد ونقلهم وتوظيفهم إلى ممارسة تجري داخل نظام معترف به ومسنود بتشريعات تنظم البيع والشراء والعقود. ثم يتقدم دور الدولة إلى مستوى البنية القانونية التي تحكم الائتمان، حيث تُظهر مزرعة رانيميد في مقاطعة ليفلور نموذجًا لاقتصاد يقوم على ديون بفوائد بلغت 25% على الغذاء و35% على الكساء، وهي معاملات تعمل ضمن نظام تعاقدي تضمنه المحاكم وتدعمه سلطة تنفيذية، ما يجعل القطن المحصول الأكثر قابلية للتحويل إلى نقد داخل شبكة تجارة عالمية. وفي مرحلة لاحقة، تتوسع وظيفة الدولة لتعيد تنظيم العلاقة بين رأس المال والعمل عبر الضرائب والقوانين والاعتراف بالأطر النقابية، فتتحول السيطرة من عنف مباشر إلى ضبط مؤسسي يرسّخ هيمنة الرأسمالية الصناعية؛ ليمتد هذا المنطق إلى الزمن المعاصر من خلال الإعانات الحكومية الأميركية لمزارعي القطن، حيث تتدخل الدولة لضبط الأسعار وتعويض التقلبات وحماية القدرة التنافسية في السوق العالمية. هكذا تكشف الصور عن مسار متصل فيه الدولة تحمي الملكية، تضع التعريفات والقواعد، تبني بنية قانونية تضمن تنفيذ العقود، ثم تستخدم أدوات مالية حديثة للحفاظ على استقرار القطاع، فتغدو الرأسمالية شبكة تشغيلية تقف خلفها هندسة سياسية وقانونية دقيقة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>العصر الحالي بين بنغلادش وبنين وعمالقة التجزئة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقدّم بِكَرت في خاتمة "إمبراطورية القطن" بنغلادش وبنين بوصفهما نقطتين كاشفتين لاستمرار منطق الإمبراطورية داخل شكل معاصر أكثر نعومة في الأدوات وأكثر صرامة في النتائج؛ على اعتبار أن بنين تمثل طرف المادة الخام حيث يُدفَع للمزارع أجر يومي شديد الانخفاض، وبنغلادش تمثل طرف التحويل الصناعي حيث تتكدس مصانع الخياطة والتجميع التي تنتج جزءًا كبيرًا من ملابس الماركات العالمية، بينما تتموضع المراكز الفعلية للربح والقرار في عواصم الشركات العملاقة للتجزئة والتصميم والتسويق. يتضح لدينا أن العولمة التي تبدو على السطح شبكة تبادل حر، تعمل عمليًا كترتيب أدوار شديد التفاوت فيه طرف يقدّم العمل الرخيص والبيئات الضعيفة الحماية، وطرف يقدّم العلامة التجارية والتمويل والتحكم بالطلب، وطرف استهلاكي واسع يحصل على سعر منخفض يخلق وهم الوفرة، في حين يتراكم فائض القيمة في طبقة الشركات التي تملك القدرة على التحريك والاختيار والتبديل السريع بين البلدان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تظهر بنغلادش في هذا البناء كـمصنع عالمي للملابس، لأنها جزء من سلسلة توريد وتصنيع ولأنها تمسك الحلقة الأكثر كثافة عملًا والأقل حماية، بحيث لديها ( شأنها شان مقاطعات في الصين مثل إقليم تشينجيانغ) خياطة القطع، وتجميعها، وتسليمها ضمن مهل ضيقة ومعايير جودة يفرضها المشتري العالمي. تُحوَّل المخاطر إلى الداخل البنغلادشي وتحمل الحكومة والصناعيون البنغلادشيون سلامة العامل، وضغط الزمن، وتذبذب الطلبيات، والإغلاق المفاجئ، بينما يحتفظ عملاق التجزئة بميزة تبدو بسيطة لكنها حاسمة، وهي القدرة على نقل الطلب. هذه القدرة تصنع انضباطًا اقتصاديًا جديدًا يشبه السوط القديم في وظيفته؛ فالمصنع البنغلادشي يتنافس على البقاء عبر خفض التكلفة، والعمال يقبلون بالأجور الضعيفة لأن البديل بطالة واسعة، والحكومة تدخل غالبًا بوصفها ضامنًا لجاذبية الاستثمار عبر تسهيلات تنظيمية ومناطق صناعية وتخفيف قيود، فتتكوّن منظومة كاملة هدفها المركزي ضمان استمرار التدفق نحو رفوف المتاجر في أوروبا والخليج العربي وأميركا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا ننظر إلى الفجوة الطبقية هنا على انها مجرد فرق أجور بين عامل وخبير، بقدر ما هي هوّة في مواقع السيطرة داخل السلسلة؛ فالعامل في بنغلادش يبيع وقته في حلقة لا تمنحه ملكية ولا تفاوضًا فعّالًا على السعر، بينما عملاق التجزئة يملك العلامة والطلب وقنوات التوزيع وبيانات السوق والقدرة على التسعير، أي يملك الزمن نفسه؛ أي يسرّع الإنتاج حين يريد، ويبطئه حين يريد، ويغيّر البلد حين يريد. بهذه السيطرة يتحول انخفاض الأجور في بنغلادش إلى سياسة ضمنية تُدار عبر المنافسة بين الدول على جذب العقود، فتظهر المنافسة نحو الأدنى كآلية تشغيلية لإبقاء تكلفة العمل تحت السيطرة. وفي اللحظة التي يرفع فيها بلد ما كلفة العمل قليلًا، تُستخدم مرونة النقل لإعادة التموضع، فيبقى العامل محاصرًا داخل سقف معيشي منخفض، ويبقى المصنع محكومًا بعقود قصيرة وخصومات وضغط تسليم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا هو الامتداد المباشر لمنطق "إمبراطورية القطن" كما يشرحه بِكَرت؛ أي أن المنظومة تبحث دائمًا عن عمل أرخص ومخاطر أرخص، وتعيد توزيعها على الأطراف، بينما تتجمع الأرباح والقدرة على القرار في المراكز. تقدم بنين الطرف الزراعي الذي يتحمل تقلبات الأسعار العالمية ويقبض عائدًا يوميًا متدنيًا، وبنغلادش تقدم الطرف الصناعي الذي يتحمل مخاطر السلامة وظروف العمل، وفي المقابل تملك شركات التجزئة الكبرى هوامش مناورة عالية لأنها تتحكم بالمشتريات، بالتصميم، بالإعلان والتسويق والربح الاعلى، وبسلاسل الشحن، فتجعل سعر القطعة النهائية منخفضًا للمستهلك الغربي من دون أن يدفع المركز كلفة هذا الانخفاض داخل شروط عمله. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما من زاوية أخلاق العمل، يعيد هذا الواقع إنتاج سؤال الكتاب القديم بصيغة جديدة، وهو حول أن الإكراه ينتقل من شكل عنف مباشر إلى شكل تنظيم تجاري تعاقدي يجعل الاستمرار مشروطًا بالامتثال، فالعامل لا يرى السوط، لكنه يرى تهديد الإغلاق ونقل الطلبيات وتقلص الدخل؛ ويرى أن المعيار الذي تفرضه العلامة العالمية أقوى من قدرة الدولة المحلية على فرض حماية اجتماعية كاملة. بهذا المعنى، تمثل بنغلادش قلب المفارقة فهي بلد يحمل جزءًا كبيرًا من عبء التصنيع العالمي، لكنه يواجه فجوة طبقية عميقة لأن القيمة الأكبر تتشكل في مكان آخر، في حلقات التسويق والتمويل والبيانات والتجزئة، حيث تقيم الشركات العملاقة التي تدير الطلب وتحوّل الأقمشة والجهد البشري إلى أرباح وعلامات ونفوذ.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>في الختام </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمتلك الكتاب قوة تفسيرية عالية لأنه يعيد تنظيم عناصر متفرقة داخل إطار واحد وهي العبودية، والاستعمار، والتمويل، والتكنولوجيا، والقانون، والعمل المأجور، ثم يبيّن ترابطها الوظيفي داخل سلعة واحدة؛ ومع هذا الاتساع نفسه تبرز مساحة لأسئلة تكميلية فيها تاريخ الاستهلاك يبدو أقل حضورًا مقارنة بتاريخ الإنتاج، لأن ملايين زبائن القطن عبر القرون، وعادات اللباس والموضة والهوية والذوق، تستحق مسارًا يشرح كيف صنع القطن رغبات الناس بقدر ما لبّى رغباتهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يفتح هذا الاتساع المجال لامتدادات بحثية تزيد العمل ثراءً، إذ يمكن توسيع دراسة تاريخ الاستهلاك لفهم أثر القطن في تشكيل أنماط اللباس والهوية والذوق، كما يمكن تعميق البحث في أشكال التكيّف المحلي داخل المجتمعات التي اندمجت في الاقتصاد الإمبراطوري، حيث أعادت هذه المجتمعات ترتيب أوضاعها ضمن حدود الممكن وساهمت بدورها في تشكيل المسار الاقتصادي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يخرج القارئ بصورة للرأسمالية بوصفها بنية تاريخية تنظّم الإنتاج عبر أدوات القوة والقانون والائتمان والعمل، وبصورة للثورة الصناعية كمرحلة رسّخت هذا الانتظام وحوّلت تدفقات المادة الخام إلى إيقاع صناعي دائم، وبصورة للعولمة كتوزيع منظم للأدوار بين المراكز والأطراف. يغدو القطن في هذا السياق مادة تأسيسية لفهم العالم الحديث، لأنه يكشف كيفية ربط الأراضي البعيدة والأجساد العاملة والموانئ والمصانع والأسواق داخل شبكة واحدة، واستمرار هذا المنطق اليوم عبر سلاسل توريد تدفع الكلفة إلى الهوامش وتجمع العائد في المراكز، ليقدّم بِكَرت تاريخًا عالميًا يشرح بنية الروابط وإدارة المخاطر وطريقة تشغيل الاقتصاد الحديث.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37779">&quot;إمبراطورية القطن&quot;: الدولة والسلطة والقانون، وصناعة السوق العالمية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الأبوة بوصفها ملفا أمنيا: قراءة في فيلم &quot;أبو ميلاد&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37418</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 01 Feb 2026 10:29:46 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37418</guid>

					<description><![CDATA[<p>يختار فيلم "أبو ميلاد" ، الذي عرض على هامش  المنتدى السنوي  لفلسطين  في الدوحة، قطر؛ ومن إنتاج ميتافورا للإنتاج الفني ضمن الأعمال الأصلية للتلفزيون العربي، أن يفتتح حكايته من حيّز جغرافي حرّ فيه صباح عادي في باقة الغربية، في بيت بسيط، فيه أمّ وابنة، وحركة يومية تشبه حياة الناس جميعًا. هذا الافتتاح ليس تفصيلًا تقنيًا؛ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37418">الأبوة بوصفها ملفا أمنيا: قراءة في فيلم &quot;أبو ميلاد&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">يختار فيلم "أبو ميلاد" ، الذي عرض على هامش  المنتدى السنوي  لفلسطين  في الدوحة، قطر؛ ومن إنتاج ميتافورا للإنتاج الفني ضمن الأعمال الأصلية للتلفزيون العربي، أن يفتتح حكايته من حيّز جغرافي حرّ فيه صباح عادي في باقة الغربية، في بيت بسيط، فيه أمّ وابنة، وحركة يومية تشبه حياة الناس جميعًا. هذا الافتتاح ليس تفصيلًا تقنيًا؛ بقدر ما هو إعلان رؤية فيها وليد دقّة يُستعاد بوصفه ابن مكان، وصاحب حياة ممتدة خارج القضبان، ورجلًا ترك فراغًا ملموسًا في تفاصيل المنزل قبل أن يتركه في الخطاب الوطني الجمعي. فعندما تنحاز الكاميرا نحو روتين أسرة أبي ميلاد، فإنها تتعامل مع البطولة بوصفها حياة، ومع الذاكرة بوصفها ممارسة يومية؛ من ترتيب البيت، وحضور الأم، وتعلّق الطفلة، وقراءة قصص ما قبل النوم ؛ ثم تلك المسافة الدائمة التي تفرضها الزيارة والسجن والحرمان والنشاطات اليومية للطفة ميلاد. ليضع الفيلم المتلقي أمام معادلة قاسية فيها الغياب في هذه الحكاية ليس غياب شخص، لكن الغياب نظامٌ كامل لإعادة تعريف العائلة والزمن والحق في المستقبل.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الأسير الشهيد </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وُلد وليد نمر أسعد دقّة في باقة الغربية في الأوّل من كانون الثاني/يناير 1961، ونشأ في عائلة كبيرة فقدت الأب وهو في الأسر عام 1998، ثم واصل حياته بين الدراسة والعمل في محطات المحروقات وورش البناء والمطاعم والفنادق قبل أن يعتقله الاحتلال في 25 آذار/مارس 1986 ويحكم عليه بالمؤبد بتهمة خطف جندي إسرائيلي، ليبدأ مسارًا طويلًا لم يعرّفه بوصفه أسيرًا فقط، لكن بوصفه مثقفًا ومنظّرًا داخل السجن وقائدًا في نضالات الحركة الأسيرة؛ حيث مسارٌ صاغ فيه فلسفته الأخلاقية والفكرية حول معنى السجن ومعنى النجاة منه، إذ كان يقول إن "  السجن مكان حقير، وهو فعلًا أسوأ اختراع صنعه الإنسان، ولكن الأسر هو الأخطر من السجن كمكان، أي السجن كعقلية أو ثقافة، فهذا الذي بين أكتافنا يمكن بسهولة أن يتحول إلى زنزانة يسجن صاحبها، رغم أن جسده حر طليق… وللتغلب على السجنين، سجن المكان والعقل، لا بد من الوعي والتثقيف، وهذا ما كانت تبذل الحركة الأسيرة فيه جهدًا… فهناك فرق كبير بين التحرر والحرية: الأولى هي النضال ضد الخارج، والثانية هي النضال الداخلي الأصعب، لبناء المجتمع والدولة."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومن داخل هذا التصور رآكم خبرة سياسية ومعرفية مكّنته من مواصلة تحصيله الأكاديمي خلف القضبان، فنال بكالوريوس العلوم السياسية عام 2000 من الجامعة المفتوحة، ثم ماجستيرًا في الديمقراطية وحقوق الإنسان عام 2008، وماجستيرًا ثانيًا في الدراسات الإسرائيلية عام 2014، وانتُخب غيابيًا عضوًا في اللجنة المركزية للتجمع الوطني الديمقراطي سنة 2000، وترك أثرًا فكريًا وأدبيًا بارزًا عبر كتب وأعمال مثل "صهر الوعي" و"حكاية سرّ الزيت" التي نالت جائزة اتصالات الإماراتية لأدب اليافعين. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما وصف لحظة اعتقاله بوصفها صدمة للعقل والجسد تراقب فيها الروح جسدًا صار تحت سيطرة الآسر، وواصل دفاعه القانوني عن حقه وحريته رغم تثبيت المؤبد ثم تحديده لاحقًا إلى 37 عامًا وإضافة سنتين عام 2018، بحجة تهريب التلفونات واستخدامها.  ومع تشديد العزل والإجراءات ظلّ يكتب كي يحفظ صلته بالحياة، معتبرًا الكتابة "عملية تسلّل خارج السجن" و "نفقًا يحفره تحت الأسوار" ، وبقيت سيرته الشخصية جزءًا من مقاومته حين تزوّج سناء سلامة في السجن عام 1999 بعد تعارف بدأ عام 1996، ثم خاضا صراعًا طويلًا على حق الإنجاب انتهى بولادة ابنته ميلاد في 3 شباط/فبراير 2020 عبر نطفة محرّرة، وهو الذي كتب قبل ذلك "لطفل لم يولد بعد" مخاطبًا حلمًا  يرهب السجّانين قبل تحققه، إلى أن استشهد في 7 نيسان/أبريل 2024 نتيجة الإهمال الطبي، تاركًا وصيته الأكثر بساطة وعمقًا كتب فيها " سأبقى أحبكم، فالحب هو نصري الوحيد والمتواضع على سجّاني".</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الحب بوصفه بنية مقاومة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قلب الفيلم النابض يأتي عبر شهادة سناء سلامة، زوجة وليد، فال حبّ يتكون عبر الزيارة، ويتحوّل إلى مسار حياة بلا سقف زمني واضح، ثم يصير مشروعًا أخلاقيًا كاملًا. تفاصيل الرسائل الممتدة من 1996 إلى 2024 تمنح القصة ما يشبه أرشيفًا عاطفيًا يقاوم التبسيط؛ إذ تخرج العلاقة من قالب السيرة الرومانسية إلى معنى أكثر تركيبًا؛ فيها إصرار، ووفاء، وأدب، وأخلاق عالية،  وتربية سياسية مبكرة، ثم اختبار دائم لفكرة أن السجن ينتج أشكالًا غير مألوفة من القرب.  يلتقط الفيلم هذا التحول عبر مفردات صغيرة لكنها حاسمة؛ مثل سيارة مزينة في يوم عقد القران داخل سجن عسقلان، ساعات معدودة فيها لقاء عاطفي مكثف ، موسيقى وأكل وتزيين حيطان، تسعة أسرى يشاركون الفرح. هنا يصبح الفرح فعلًا من أفعال الاشتباك؛ عبر تنظيمه داخل بنية قمعية، وحمايته من أن يتحوّل إلى استثناء مُهين ، وتحويله إلى دليل أن الحياة قادرة على ابتكار شروطها داخل أكثر الأماكن ضيقًا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_37419" aria-describedby="caption-attachment-37419" style="width: 1093px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="wp-image-37419 size-full" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/02/image-2.jpg" alt="" width="1093" height="720" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/02/image-2.jpg 1093w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/02/image-2-300x198.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/02/image-2-1024x675.jpg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/02/image-2-768x506.jpg 768w" sizes="(max-width: 1093px) 100vw, 1093px" /><figcaption id="caption-attachment-37419" class="wp-caption-text">مخرج فيلم "أبو ميلاد" صهيب أبو دولة في الدوحة، 23 يناير 2026 (حسين بيضون)</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>طفولة تولد من ثقب في الجدار</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تظهر ميلاد في الفيلم كأنها فكرة تحولت إلى جسد؛ فيها طفلة لا تُقدَّم بوصفها حدثًا عائليًا أو بيولوجيًا كلاسيكيًا؛ بقدر ما تُقدَّم بوصفها فكرة نجت من نظامٍ أُقيم لتجفيف المستقبل؛ فتعلّقها بأمها يبدو بحثًا حسيًّا عن رائحة الأب عبر أقرب جسدٍ إليها، جسد سناء، وكأن الأم تتحول إلى وسيطٍ بين عالم البيت الذي يواصل حياته بعناد، وعالم الزنزانة الذي يحاول تحويل الحياة إلى ملفّ. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ضمن هذا البناء، تظهر ميلاد نتيجة معركة على المعنى والسيادة؛ ومعركة على النسب، وعلى الاعتراف، وعلى حق الطفل في أن يكون حقيقة قانونية واجتماعية كاملة، لا خطأ إجرائيًا في دفاتر سلطةٍ استعمارية تريد أن تقرّر حتى شكل العائلة وحدودها. هنا تتكثّف الفكرة الأمنية في قلب السرد؛ إذ إن الاحتلال رفض منح وليد وسناء فرصة التواصل الطبيعي لإنجاب طفل، ورفض جمعهما بحجة "الخطر على أمن الدولة"، ثم كرّر الرفض منذ عام 2004 بذريعة التصنيف الأمني، معتبرًا أن لقاء الزوجة عن قرب بنفس الحجة.  وحين حاول وليد كسر هذا القيد عبر المسار القانوني تقدّم في 2008 بالتماسٍ إلى محكمة الناصرة للسماح بالإنجاب فرفضت المحكمة المركزية التماسه في 21 أيلول/سبتمبر 2009، ثم ذهب إلى المحكمة العليا في القدس من دون أن يأتيه ردّ؛ وفي هذه الفجوة بين الحقّ الطبيعي والقرار الأمني تتشكّل "ميلاد" بوصفها تحديًا صريحًا لمنطق الدولة التي تخاف من طفلٍ لم يأتِ بعد. بعد هذا الرفض المتكرر تحت عنوان الأمن، لجأ وليد إلى تهريب نطفة إلى الخارج، وأعلنت سناء على الملأ في باقة الغربية حملها بعد أن تمكنت من تهريب النطفة خلال زيارة السجن، ليولد بعد انتظارٍ دام واحدًا وعشرين عامًا طفلة صارت عنوانًا بحد ذاتها في الثالث من شباط/فبراير 2020، في لحظة التقت فيها البيولوجيا بالسياسة، والعائلة بالسيادة، والرحم بخطوط الرقابة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يلتقط  الفيلم صخب تلك الولادة بوصفه صخبًا يتجاوز الخبر الصحفي الذي كان وسيلة لإيصال الخبر الى السجن  بسبب عزل وليد قبل أيام من الولادة، لأن اسم ميلاد نفسه يحيل إلى رواية أصدرها وليد وكتب فيها حلم الأبوة الذي صودر من عمره، ثم تعود سناء فتُحوّل الولادة إلى بيانٍ سينمائي بلغة الأم؛ وأعلنت أنها وضعت مولودتها في مستشفى الناصرة؛  وكتبت حينها  أن "ميلاد حطمت جدران السجن وحررت والدها من قيده… ميلاد الحرية، ميلاد التحدي… جاءت إلى الدنيا في مدينة البشارة -الناصرة لتكون ميلادًا للبشارة، حاملة نور المحبة والسلم" . وبذلك لا تبقى الطفلة في الفيلم مجرد حضور بريء،  وتتحول إلى أداة سردية تنقل الحكاية من ألم الأسر إلى مستقبل الأسر؛  من سيرة رجل إلى سيرة جيل، ومن سؤال الحرمان إلى سؤال الزمن نفسه، حيث تكشف السلطة أنها تخشى استمرار الحياة أكثر مما تخشى الجسد.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>صداقة تتحدى الجغرافيا السياسية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما يمنح الفيلم توازنًا فكريًا عميقًا هو حضور الدكتور عزمي بشارة في الحكاية، ليس بوصفه ضيفًا تقليديًا يعلّق من الخارج، بل بوصفه جزءًا من شبكة حياة وليد خارج القضبان، لا سيما وأن وليد أصر على لقاء بشارة وكان يقرأ له نتاجه الفكري ومقالاته.  تشرح العبارة التي يتردد معناها في شهادة الدكتور بشارة " أقرب صديق خارج القضبان" وظيفة هذا الحضور من خلال تحويل وليد من أيقونة أحادية إلى شخصية متعددة الطبقات، مثقفًا لامعًا يتبادل الأفكار، يستعيد السياسة بوصفها لغة، ويحافظ على حسّ فكاهي مع جدّيةٍ صارمة. حين يتحدث بشارة عن زيارات تمتد يومًا كاملًا، وعن علاقة تكبرت بالتدريج على مدى 12 عامًا، يقدّم الفيلم تعريفًا مختلفًا للصداقة؛ أي صداقة تحفر نفقًا داخل الوقت، وتخلق لحظات ينسى فيها الزائر والأسير وجود السجّان. هذه النقطة مهمة لأنها تُظهر أن السجن يُحارب بالعقل والعاطفة معًا، وأن التضامن لا يعني فقط الدعم، ويعني إعادة إنتاج حياة طبيعية داخل وضع غير طبيعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والأهم أن شهادة بشارة تمنح وليد موقعه الطبيعي داخل الحركة الوطنية بوصفه منتِجًا للفكرة، لا مجرد حاملٍ للألم؛ لتتبدى هنا نبرة وليد المتفائل الواقعي والاستراتيجي على القدرة على التشخيص دون الوقوع في خطاب الشكوى، والقدرة على الحلم دون التخلي عن الحسابات. هذا النوع من الشخصيات يربك أي عمل وثائقي؛ لأنه يطلب من الفيلم أن يكون ذكيًا بقدر بطله؛ وفيلم "أبو ميلاد" ينجح غالبًا في هذا الامتحان حين يترك لأصدقاء الأسير الشهيد ، وبالتحديد الأقرب منه،  مساحة لتفسير لماذا كانت رسائل وليد تمسك بالسياسة كحياة يومية، ولماذا ظل جزءًا من الحركة الوطنية حتى وهو معزول.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><iframe title="38 عامًا من الأسر… سيرة الأسير الفلسطيني وليد دقّة | وثائقي أبو ميلاد" width="800" height="450" src="https://www.youtube.com/embed/Kn2vnK3i8Xg?feature=oembed&#038;enablejsapi=1" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الأسير المواطن </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمرّ الفيلم عبر واحدة من أعقد القضايا وهي أسرى فلسطينيي الداخل، حيث تتحول المواطنة إلى أداة تشديد عقابي؛ لتتجلى هنا مفارقة سياسية ثقيلة فيها مواطن يُعاقَب أكثر لأنه مواطن، وتُرفع عليه معايير ردع أشد لأن “المفترض” منه الطاعة ولأنه مواطن لا يجب عليه ان يفعل ما فعله مع الجندي اليهودي.  يتجاوز الوثائقي حدود السيرة الفردية ليضع وليد داخل بنية قانونية-سياسية تفهم الأسر كتصنيف، وتفهم الهوية كملف أمني؛ لتبدو هنا النقطة شديدة الأهمية لأن وليد دقّة، في هذه الزاوية، يصبح مرآة لمسألة أكبر هي كيف تُدار الفوارق داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، وكيف تنتج اتفاقيات السياسة  ( اتفاقية أوسلو واتفاقيات تبادل الأسرى) خطوطًا فاصلة بين الأسرى، وحول من يشمله التبادل ومن يُستبعد. طرح هذه المسألة يمنح الفيلم عمقًا إضافيًا؛ لأنه يربط مصير الرجل بتقسيمات الزمن السياسي وما خلّفته من هرميات استحقاق غير عادلة داخل قضية واحدة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>السجن والهندسة البشرية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقدّم الفيلم، عبر إشارات إلى "صهر الوعي" وإلى حوارات رفاق الأسر مثل وائل جاغوب ونائل البرغوثي وزكريا الزبيدي، تصورًا للسجن بوصفه منظومة تهدف إلى العقل. فكرة "اللايقين" كأداة ضبط، وفكرة أن الجسد ليس الهدف الوحيد، تصنع طبقة تحليلية قوية؛ فإدارة السجن تعمل على تشكيل الإدراك، تكسير القدرة على التوقع، إنتاج الخوف بوصفه بيئة، ثم دفع الأسير إلى الانكماش داخل خزنة مراقبة. هذه المفاهيم حين تُروى عبر سيرة وليد تكتسب شرعيتها من التجربة، وحين تُدعّم عبر شهادات رفاقه تتحول إلى قراءة بنيوية تتجاوز الشخص.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تشرح هذه الطبقة لماذا كانت الكتابة عند وليد "عملية تسلل خارج السجن؛ على اعتبار ان الكتابة هنا ليست مجرد هواية، وليست تزجية وقت؛ إنها تمرين يومي على استعادة المعنى من بين كتل الإسمنت، ومحاولة لبناء فضاء داخلي قادر على مقاومة القيد الخارجي. في هذا المستوى، يصبح وليد كاتبًا بالمعنى الوجودي للكلمة؛ فيكتب كي يحافظ على اتصال بالحياة، وبهموم الناس، وبالزمن الذي يحاول السجن عزله عنه.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>جماليات الصورة والصوت</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يستند الفيلم إلى اقتصاد بصري محسوب؛ حيث حرية المكان في البداية، ثم عودة متكررة إلى محيط وأسوار وأثر السجن دون أن يغرق في استعراضه؛ لتظهر قوة الفيلم في طريقة إدخال الرسائل الصوتية والرسائل المكتوبة بوصفها طبقة سمعية تُكمل الصورة. تعمل الرسال المكتوبة هنا ككاميرا ثانية؛  تُفتح داخل الشخصية من دون أن تُسقطها في خطاب مباشر، وتسمح للمونتاج أن يقفز بين زمن البيت وزمن الحارة والجيران والعلاقات الاجتماعية المتبادلة والتضامن العالمي وزمن السجن من غير فواصل فجة. كذلك، يمنح حضور الرسائل الصوتية وليد فرصة أن يكون حاضرًا وهو غائب، وأن يظل صاحب السرد حتى حين تنتقل الكاميرا إلى من بقوا خارجه.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>من تحرير الأسير إلى تحرير الشهيد</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تصل الحكاية إلى ذروتها المؤلمة حين يضع الفيلم المتلقي أمام انتقال المعنى من تحرير الأسير إلى تحرير الجثمان؛ هنا تلخّص الاحداث منطقًا سياسيًا مرعبًا مفاده ان السيطرة لا تتوقف عند حدود الحياة، تمتد إلى ما بعدها، وتحوّل الجسد إلى ملف تفاوضي يحتاج إلى محامين وقضاء وسلاسل دعم لإنقاذه من المستعمرين. حين يمر الفيلم على مشهد باقة الغربية وما يرافقه من شعور بالقسوة المتعمدة، يضيء معنى الاحتجاز بوصفه احتجازًا للزمن أيضًا؛ من قبيل زمن الحداد، زمن الوداع، زمن الذاكرة. هنا تتشكل قيمة الفيلم الأخلاقية عبر التذكير بأن القضية ليست حكاية إنسان واحد فقط، إنها معركة على الحق في وداع الإنسان، وعلى حق العائلة في إغلاق الدائرة الإنسانية الطبيعية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ما ينجزه الفيلم </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يشتغل فيلم "أبو ميلاد" بوعيٍ واضح على معادلة حسّاسة أن يكتب سيرة وليد دقّة من دون أن يجمّده في تمثال رمزي، وأن يفتح نافذة على تجربته الفكرية من دون أن يثقل الصورة بخطابٍ تعليمي، لذلك تأتي إنجازاته الثلاثة كأعمدةٍ تحمي السيرة من الاختزال. أول هذه الإنجازات أنه يستعيد وليد بوصفه إنسانًا يوميًا قبل أن يكون أيقونة، عبر افتتاحٍ من باقة الغربية وتفاصيل البيت وحضور الزوجة والابنة وتراكم زمن الرسائل والزيارات، حيث تصبح هذه العناصر استراتيجية ضد تجميد القضية في لقطة بطولية واحدة، ويتحوّل السؤال من سجنٍ كقدر إلى حياةٍ حاول السجن محوها. تكمن في هذا الخيار دقّة أخلاقية تمنع التشييء العاطفي وتُظهر وليد أثرًا في البيت كما هو أثر في السياسة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> ثانيًا،  أن الفيلم يمنح سناء وميلاد دورهما بوصفهما صانعتين للمعنى لا ملحقًا بسيرة رجل؛ فتظهر سناء كمشروع حياةٍ يتأسس على الصمود وعلى قرار حبٍ طويل النفس من دون ضمانات زمنية وعلى نقل العلاقة من الخاص إلى العام من غير استعراض؛  بينما   تُقدَّم ميلاد كامتداد سردي يعيد تعريف الزمن ذاته، إذ يتحول الحق في الإنجاب إلى ساحة سيادة على الجسد والنسب والاعتراف، فيغدو استمرار الحياة جزءًا من المعركة لا هامشًا لها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما الإنجاز الثالث فيتجلى في تقديم وليد كمفكر وطني من داخل شبكة علاقاته، وفي مقدمتها حضور الدكتور عزمي بشارة بوصفه جسر عقل يتيح رؤية وليد عبر محادثة فكرية وصداقة تتنامى وتقاوم شروط السجن، فتظهر شخصيته اللامعة بذكائها وروحها المرحة وجديتها معًا. يُثبت الفيلم أن قيمة وليد تتصل بما فكّر وكتب وأنتج من معنى داخل المكان الذي صُمّم للإلغاء، ومع كل ذلك يظل هناك أفق كان يمكن أن يغامر فيه الفيلم أكثر داخل لغة السينما نفسها؛ فيها إدخال نتاج وليد الأدبي بوصفه مادة بصرية ممتدة لا إشارة عابرة، عبر استعارات تصويرية أطول لأفكاره عن "اللايقين" و"معركة العقل و الوعي "، واشتغال زمني أشد وضوحًا بين زمن البيت وزمن السجن بإيقاع المونتاج وصور الدائرية والرتابة والانتظار، واستثمار نصوصه كصوت داخلي يتقدّم ليصير ضمير الفيلم؛  ثم تحويل فكرة  تحرير الجثمان  إلى ذروة محسوبة تقوم على صمتٍ أطول ومساحة تنفّس تسمح للمعنى أن يسقط بثقله الكامل.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b> فيلم كذكرى تليق بأبي ميلاد</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في واقع الامر، ليس فيلم “أبو ميلاد" فقط توثيقًا لسيرة أسير شهيد؛ إنه تمرين على كيفية صناعة ذاكرة تليق بصاحبها؛ فوليد دقّة لم يكن وحيدًا حتى في العزل، لأن ما كتبه وما زرعه في الناس جعل القضبان أقل قدرة على احتكار المعنى. هكذا يتخلّد أبو ميلاد؛ الرجل الذي صنع من التضامن  (برفقة سناء سلامة) طريقة حياة، ومن الكتابة ممرًا، ومن ميلاد ابنته إعلانًا بأن المستقبل يمكن أن يولد حتى تحت أقسى شروط الحصار.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><iframe title="&quot; أنا مصمم على كتابة النهاية يا أبو عمر&quot; | وثائقي أبو ميلاد" width="800" height="450" src="https://www.youtube.com/embed/PRCfBOUk__4?feature=oembed&#038;enablejsapi=1" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37418">الأبوة بوصفها ملفا أمنيا: قراءة في فيلم &quot;أبو ميلاد&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>خوف الطغاة من الحكايات: قراءة في التجربتين السورية والفلسطينية مع حمزة العقرباوي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37299</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 19 Jan 2026 08:54:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37299</guid>

					<description><![CDATA[<p>لا يمكن مقاربة فنّ الحكواتي وثقافة الحكاية والعبرة في المشرق العربي بوصفه مجرّد ممارسة تراثية أو نشاطًا فولكلوريًا منزوع السياق، يُستدعى للتزيين الثقافي أو للاحتفاء بالماضي، بل ينبغي التعامل معه بوصفه إحدى آليات إنتاج المعنى الجماعي في مجتمعات صاغتها علاقات قهر مركّبة، وتاريخ طويل من العنف السياسي، سواء في ظل الدولة السلطوية الحديثة أو تحت [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37299">خوف الطغاة من الحكايات: قراءة في التجربتين السورية والفلسطينية مع حمزة العقرباوي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">لا يمكن مقاربة فنّ الحكواتي وثقافة الحكاية والعبرة في المشرق العربي بوصفه مجرّد ممارسة تراثية أو نشاطًا فولكلوريًا منزوع السياق، يُستدعى للتزيين الثقافي أو للاحتفاء بالماضي، بل ينبغي التعامل معه بوصفه إحدى آليات إنتاج المعنى الجماعي في مجتمعات صاغتها علاقات قهر مركّبة، وتاريخ طويل من العنف السياسي، سواء في ظل الدولة السلطوية الحديثة أو تحت أنظمة الاستعمار الاستيطاني. فالحكاية، في هذا المعنى، لا تؤدي وظيفة تذكارية محايدة، ولا تعمل كمخزن للنوستالجيا، بل تقوم بدور بنيوي في تنظيم الزمن الاجتماعي، وإعادة ترتيب الخبرة التاريخية، وربط الحدث الفردي بسياقه الجمعي، بما يسمح للمجتمع بفهم ذاته داخل مسار متصل، لا كسلسلة من الصدمات المعزولة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمثل السرد الشفهي، كما يتجسّد في فعل الحكواتي، مقاومة صامتة لمحاولات السلطة تفكيك الزمن والذاكرة؛ إذ تسعى السلطة، في حالات القهر المختلفة، إلى تحويل التاريخ إلى وقائع مبتورة، وإلى عزل الحدث عن أسبابه ونتائجه، بما يفرغ التجربة الجَمعية من معناها السياسي والأخلاقي. في مواجهة ذلك، تعمل الحكاية على إعادة وصل ما جرى قطعه عمدًا؛ فهي تعيد ربط الماضي بالحاضر، والظلم الفردي بالبنية العامة للقهر، والحدث العابر بسياقه التاريخي، منتجة بذلك وعيًا سرديًا مضادًا للسرد الرسمي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا الإطار، لا يظهر الحكواتي في فلسطين وسوريا على وجده التحديد، بوصفه راوٍ محايد أو ناقلًا أمينًا لتراث جامد، بل كفاعل ثقافي وسيط، يتحرّك داخل فضاء سياسي مشحون بالصراعات وأنماط الرقابة والتناقضات؛ إذ يشتغل على تخوم المسموح والمحرَّم، ويعيد صياغة التجربة الجمعية بلغة الرمز والمجاز، حيث تتحوّل الحكاية إلى أداة لفهم الظلم دون تسميته المباشرة، وتفسير العنف دون الوقوع في خطاب شعاري، وإنتاج معنى جماعي قادر على الصمود في وجه محاولات الإفراغ الرمزي. بذلك، يغدو الحكواتي أحد أشكال السلطة الرمزية المضادة، بحيث لا ينازع السلطة على أدوات القهر، بل على تعريف الواقع نفسه، وعلى حق المجتمع في أن يروي تاريخه بلسانه، وأن يحفظ ذاكرته بوصفها شرطًا لإدراك الحاضر وتخيّل مستقبل مغاير.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>المجتمع الفلسطيني بوصفه مجتمعًا حكّاءً</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الحالة الفلسطينية، تتداخل الحكاية مع الحياة اليومية تداخلًا بنيويًا يجعل من السرد جزءًا لا ينفصل عن التجربة المعيشة، لا نشاطًا ثقافيًا اختياريًا يُمارَس على الهامش؛ إذ أن الحكواتي الفلسطيني، بفعل كثافة الحدث التاريخي، وتراكم الصدمات الجماعية، وتعدّد الجغرافيات داخل مساحة ممزّقة بين قرية ومدينة ومخيّم ولجوء وداخلٍ مُحتل وقرىً مهجرة، يعيش داخل فيض سردي دائم، تُصبح فيه الحكاية صيغة طبيعية لفهم العالم من حوله. عمومًا، كل فرد يحمل قصته الخاصة، وكل عائلة تحتفظ بأرشيفها الشفهي، وكل مكان يختزن روايته، بحيث يتشكّل المجتمع الفلسطيني، في جوهره، بوصفه مجتمعًا حكّاءً يعيد إنتاج ذاته عبر السرد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا الفيض السردي لا يصدر عن ميل ثقافي مجرّد أو اختيار جمالي واعٍ، بل يتولّد مباشرة من واقع سياسي قسري، يعمل فيه الاستعمار على تفكيك الزمن الفلسطيني، وكسر استمراريته، وتحويله إلى لحظات منفصلة بلا تاريخ جامع. أمام هذا التفكيك المتعمّد، تؤدي الحكاية ووراءها الحكواتي، وظيفة إعادة الوصل، عبر وصل الماضي بالحاضر، وربط التجربة الفردية بسياقها الجمعي، وإعادة إدخال الحدث اليومي في مسار تاريخي أوسع يمنحه معنى ودلالة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، تتحوّل مرويات الحكواتي الفلسطيني الراحل، حمزة العقرباوي (1984-2025)، الذي كان يعرف نفسه أنه فلاح من قرية عقربا، قضاء نابلس، أداة أساسية لفهم ما يجري، وإنتاج معنى في واقع تُصادَر فيه الأرض، وتُمحى الأسماء، وتُعاد كتابة الجغرافيا بلغة المستعمِر. كانت مرويات العقرباوي ممارسة معرفية وسياسية في آن، تُقاوم محاولات المحو عبر تثبيت الذاكرة، وحفظ أسماء القرى، واستعادة المواسم والطرق والعلاقات الاجتماعية التي يسعى الاحتلال إلى اقتلاعها؛ ليكون السرد هنا ليس ترفًا ثقافيًا ولا تعويضًا رمزيًا عن الخسارة، بل شرطًا من شروط البقاء، وأحد أشكال الدفاع العميق عن الوجود في مواجهة مشروع يقوم جوهريًا على نفي الحكاية الفلسطينية ذاتها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>من التدجين إلى المنع</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الضفة الأخرى من التجربة الفلسطينية، وفي سوريا الخاضعة لعقود طويلة من السلطوية، لم يكن الحكواتي مجرّد ناقل بريء للتراث أو حارس لذكريات بعيدة، بل فاعلًا ثقافيًا يتحرّك داخل فضاء عام شديد الضبط والرقابة. فالذاكرة الشفوية نفسها خضعت لمعادلات الأمن والسيطرة، لأن الحكاية، بما تختزنه من رموز بطولية، وصور عن العدالة والظلم، وسرديات عن القوة والخيانة، تمتلك قدرة كامنة على إعادة إنتاج المعنى خارج النصّ الرسمي، وعلى فتح شقوق في السردية التي تسعى الدولة إلى احتكارها؛ وفي أفضل أحوالها، يسمح بسرد روايات الماضي والسير الغابرة من أنماط "عنترة بن شداد" و " الزير سالم أبو ليلى المهلهل" بما لا يفسح المجال امام الصور والاستعارات العميقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لهذا، لم تتعامل السلطة مع الحكواتي بوصفه خطرًا يستوجب الإلغاء التام، بل كطاقة رمزية ينبغي تدجينها؛ وجرى تحييد الحكاية عبر تفريغها من أي حمولة معاصرة أو إسقاط سياسي، والسماح بها فقط بوصفها فولكلورًا منزوع الدسم من قبيل بطولات تاريخية بعيدة، وأخلاق عامة، ونهايات مغلقة تُعيد إنتاج قيم الطاعة والاستقرار والنظام. أمّا أي محاولة لربط الظلم في الحكاية بالواقع المعيش، أو لإحياء رموز التمرّد الأخلاقي، فكانت تُقرأ بوصفها انزلاقًا خارج المسموح، وتهديدًا محتملًا للأمن الرمزي الذي تسعى الدولة إلى إحكامه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بحسب رؤية الحكواتي الراحل حمزة العقرباوي، لم يكن تضييق الفضاء على الحكواتي في سوريا مسألة لوجستية أو تنظيمية تتعلّق بتراخيص أو أماكن عرض فحسب، بل شكّل جزءًا من منظومة ضبط سياسي شاملة تستهدف السرد نفسه بوصفه حقلًا حساسًا لإنتاج المعنى. كان العقرباوي يرى أن المقاهي التراثية في دمشق القديمة، وعلى رأسها مقهى النوفرة، لم تُترك للحكواتي (شأنها شأن مقاهي فلسطين في يافا والقدس وحيفا) باعتبارها فضاءات ثقافية حيّة، بل جرى تحويلها إلى جزر سردية معزولة داخل فضاء عام مُحكم السيطرة، يُسمح فيها بإعادة تمثيل الماضي بشرط صارم؛ هو ألّا يلامس الحاضر، وألّا يفتح أي شقّ بين الحكاية والواقع المعيش.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من منظور العقرباوي، لم يكن اختيار المكان بريئًا ولا عفويًا؛ فالمقهى، بحدوده المعمارية وجمهوره المعروف ونصوصه المتوقعة، كان جزءًا من آلية احتواء السرد. يُعاد إنتاج الحكاية داخل إطار زمني متوقّف، ونصوص مألوفة، وسقف غير مكتوب لكن واضح المعالم، لا يجوز تجاوزه دون تعريض الحكواتي للمساءلة. بهذا المعنى، لم يكن المكان خلفية محايدة لفعل السرد، بل أداة فاعلة في التحكم به، حيث يُحاصر الحكواتي مكانيًا عبر حصره في نقاط محددة، وزمنيًا عبر دفعه إلى الماضي وحده، ورمزيًا عبر نزع قدرته على الربط بين الحكاية وأسئلة العدالة والظلم في الحاضر. يمكن القول إن هذا الشكل من الضبط أخطر من المنع المباشر، لأنه يُبقي الحكواتي ظاهرًا في المشهد، لكنه يفرغه من قدرته على إنتاج معنى يتجاوز حدود المسموح.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، شكّل أبو شادي الحكواتي (رشيد الحلاق 1944-2014) حالة دالّة على هذا التوازن القلق بين الاستمرار والقيد. فقد حافظ على تقليد آيل للاندثار، وأدّى دور حارس الذاكرة الشعبية، لكنه في الوقت ذاته اضطر إلى التكيّف مع شروط الرقابة الصارمة. انحيازه إلى السير الشعبية والبطولات التاريخية البعيدة لم يكن خيارًا جماليًا خالصًا، بل تعبيرًا عن إدراك عميق لحدود المسموح والممنوع. هكذا استمرّ الحكواتي في سوريا لا بوصفه معارضًا أو ناقدًا للحاضر، بل كشاهدٍ على التراث، وكمؤشّر صامت على ما جرى نزعُه من هذا التراث من قدرة على مساءلة الواقع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كانت سلطوية نظام الأسد في سوريا قد اختارت تدجين الحكواتي وتفريغه من خطورته السياسية، فإن التجربة الفلسطينية، منذ الاستعمار البريطاني وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي، تكشف مسارًا أكثر جذرية وقسوة في التعامل مع الحكاية والتراث اللامادي. ففي ظل الانتداب البريطاني، جرى التعامل مع السرد الشعبي الفلسطيني بريبة واضحة، بوصفه حاملًا محتملًا للوعي الوطني الناشئ. لم يكن المنع دائمًا مباشرًا، لكنه تجلّى في مراقبة التجمعات، وتقييد الفضاءات العامة (مضافات ومقاهٍ وبيادر حصيدة)، والتضييق على أي ممارسة ثقافية يمكن أن تتحوّل إلى منصة لتداول رواية فلسطينية جامعة عن الأرض والاقتلاع والحق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع عام 1948، انتقل التعامل مع الحكواتي والتراث اللامادي الفلسطيني من منطق الضبط إلى منطق المحو؛ فالاحتلال لا يكتفي بإدارة السرد أو تدجينه، بل يسعى إلى نفيه من الأساس، عبر إنكار الوجود التاريخي الفلسطيني، ومصادرة الفضاءات التي تحتضن الحكاية، وتجريم التجمعات، وتضييق الخناق على كل أشكال التعبير عن الذاكرة الشفوية. في هذا السياق، لا يُمنع الحكواتي لأنه ينتقد الحاضر فقط، بل لأنه يثبت أن لهذا المكان رواية أخرى، وزمنًا سابقًا، وسكانًا أُقصوا قسرًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> تشكل وعي حمزة العقرباوي المبكر في حضن السرد العائلي، حيث تلقّى الحكاية عبر جدّه الحاج خضر، الذي لم يكن مجرّد راوٍ للقصص، بل حاملًا لذاكرة فلاحية كثيفة اختزنت تاريخ الناس وأرضهم. كانت حكاياته تمتد من تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، إلى إيقاع المواسم الزراعية، مرورًا بصراعات الملكية والنزاعات على الأرض، وصولًا إلى أشكال القمع والعنف التي خبرها الفلسطينيون عبر تجربتهم الجمعية. في هذا السياق، لم تكن الحكاية تُورَّث بوصفها نصًا يُحكى، بل كمنظور شامل لفهم العالم؛ منظور تُقرأ فيه الأرض ككائن حيّ له ذاكرة وحق، ويُستوعَب فيه الظلم كتجربة ملموسة تُعاش في الجسد والذاكرة، لا كمفهوم نظري مجرّد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من الجد إلى الحفيد، تابعت هذه السياسة التضييق على المهرجانات الشعبية، وملاحقة الفعاليات الثقافية، وتجفيف مصادر التراث اللامادي، وصولًا إلى إعادة تقديم عناصر منه، كالدبكة أو الأزياء أو الأطعمة، بعد نزعها من سياقها التاريخي والسياسي، وتحويلها إلى فولكلور منزوع الهوية. هنا، تصبح الحكاية الفلسطينية خطرًا وجوديًا، لأنها لا تروي الماضي فقط، بل تُفشل ادّعاء الاحتلال بأن المكان بلا ذاكرة أصلية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكشف المقارنة بين سوريا السلطوية وفلسطين تحت الاستعمار والاحتلال عن منطق مشترك واختلاف حاسم في الأدوات؛ إذ أنه في الحالتين، تُدرك السلطة أن الحكاية ليست ترفًا ثقافيًا، بل أداة لإنتاج الوعي والهوية والمعنى. غير أن الدولة السلطوية تسعى إلى احتوائها وتدجينها، بينما يسعى الاستعمار الاستيطاني إلى اقتلاعها ومحوها. في سوريا، يُسمح للحكواتي أن يعيش بلا أن يكون خطرًا؛ وفي فلسطين، يُلاحَق لأنه يثبت أن الذاكرة ما زالت حيّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، يغدو الحكواتي في الحالتين مؤشرًا حساسًا على علاقة السلطة بالسرد؛ فكلما ضاق الهامش، ازداد الخوف من الحكاية؛ وفي الحالتين أيضًا، يظلّ السرد قابلًا للعودة، لأن الحكاية ليست ملكًا للمكان الرسمي، بل تُودَع في الناس، وتنتقل عبر الذاكرة، وتستعصي، في النهاية، على السيطرة الكاملة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>إعادة تشكّل الفضاء السردي الفلسطيني</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقرأ العقرباوي الحكاية الفلسطينية بوصفها ممارسة متجذّرة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للحياة، لا بوصفها فنًا طافيًا فوق الواقع. فالسرد، تاريخيًا، لم ينتشر في فضاءات عشوائية، بل في أماكن محدّدة الوظيفة والدلالة؛ على اعتبار أن البيادر في مواسم الحصاد حيث كانت الحكاية امتدادًا للعمل الزراعي، تُعيد تثبيت العلاقة بين الإنسان والأرض، وتحوّل الجهد الجسدي إلى معنى أخلاقي مرتبط بالكرامة والانتماء؛ والمضافات ومجالس المخاتير التي أدّت فيها الحكاية دورًا تنظيميًا عميقًا، تُدار عبره العلاقات الاجتماعية، وتُفضّ النزاعات رمزيًا، وتُعاد صياغة المعايير الجمعية؛ ثم المقاهي في المدن التي تحوّلت إلى فضاء عام بديل، تُتداول فيه القضايا الكبرى بلغة السرد والرمز، بعيدًا عن خطاب السياسة المباشر. مع تتابع الأحداث الأمنية والعسكرية في البلاد، انهارت هذه البنية بفعل القسر لا التحوّل الطبيعي؛ حيث تفكّكت الفضاءات التي احتضنت السرد، وتحوّل الاجتماع نفسه إلى فعل محفوف بالمخاطر، وانشغل الناس بضرورات البقاء المادي. غير أن الحكاية لم تنقطع، بل غيّرت مواضعها وأشكالها، وانتقلت إلى المخيمات والبيوت والساحات المؤقتة، لتصبح فضاءً سرديًا متحرّكًا، غير مركزي، يتكيّف مع واقع الاقتلاع واللجوء. في هذا التحوّل، يرى العقرباوي أن السرد حافظ على وظيفته الجوهرية المتمثلة بإعادة وصل الاسم بالمكان، والذاكرة بالجغرافيا، في مواجهة مشروع يسعى إلى تفكيك الزمن الفلسطيني وتحويله إلى شظايا بلا سياق جامع.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>رؤية خاصة </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من خلال تجربته ومعايشته وتنقلاته في عدة محافل دولية ترعى الحكاية واسرد؛ قدّم حمزة العقرباوي قراءة مقارنة دقيقة لموقع الحكواتي في سوريا تحت نظام الأسد وفي فلسطين تحت الاستعمار والاحتلال. في الحالة السورية، رأى أن الحكاية أُبقيت داخل حدود صارمة من حيث المكان والوظيفة، بوصفها ممارسة يُراد لها أن تشير إلى الماضي دون أن تفتح أسئلة الحاضر او المستقبل؛ فالذاكرة الشفوية هناك كانت محكومة بسقف غير مكتوب، يُحدِّد ما يمكن قوله وكيف ومتى، بحيث يصبح الحكواتي شاهدًا على التراث أكثر مما هو فاعل في مساءلة الواقع. لم يكن المنع هو القاعدة، بل الإبقاء على السرد في حالة تعليق، حيث يُعاد إنتاج الحكاية كصورة عن زمن منتهٍ، لا كأداة لفهم الزمن الجاري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> في المقابل، واجهت الحكاية الفلسطينية وضعًا أشدّ قسوة؛ إذ لم تُحاصَر داخل إطار وظيفي محدود فحسب، بل وُضعت في مواجهة مباشرة مع مشروع يسعى إلى نفي الذاكرة من أساسها. فالاستعمار، في قراءة العقرباوي، لا ينازع الفلسطيني على الحاضر فقط، بل على حقّه في امتلاك رواية للمكان. من هنا، تصبح الحكاية فعل إثبات وجود، لا مجرد ممارسة ثقافية. لهذا السبب، لم يفصل العقرباوي بين الحكاية والسياسة، ولا بين السرد والمكان؛ بل عمل على تحويل الحكاية إلى أداة معرفة ومقاومة في آن، تربط الجغرافيا بتاريخها الشفهي، وتعيد إدخال التجربة الفردية في سردية جمعية أوسع. في هذه المقارنة، لا تظهر الحكاية كضحية صامتة للسلطة أو الاحتلال، بل كحقل صراع مفتوح حول المعنى. وبين ذاكرة مُقيَّدة في الفضاء السوري وذاكرة مُهدَّدة بالمحو في فلسطين، تتكشّف رؤية العقرباوي للحكواتي بوصفه حاملًا لمسؤولية تتجاوز السرد ذاته؛ وهي مسؤولية الحفاظ على استمرارية الذاكرة، وإبقائها قادرة على إنتاج معنى، حتى في أكثر السياقات قسوة واختناقًا.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37299">خوف الطغاة من الحكايات: قراءة في التجربتين السورية والفلسطينية مع حمزة العقرباوي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>من العدم إلى الذاكرة: مخيم اليرموك في &quot;بعض الورد الأبيض&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37151</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 29 Dec 2025 15:24:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37151</guid>

					<description><![CDATA[<p>يبدأ فيلم " بعض الورد الأبيض" من حيث لا يبدأ عادةً أي سرد؛ من العدم، ومن الفراغ الذي خلّفه انهيار المعنى بعد الخراب. غير أنّ الكاميرا لا تتعامل مع هذا العدم كما تفعل نشرات الأخبار أو تقارير المنظمات، بل كما تنظر الروح إلى بيتٍ مهدّم، تسأل حجارته لا عن سبب سقوطها، بل عمّا تبقّى فيها [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37151">من العدم إلى الذاكرة: مخيم اليرموك في &quot;بعض الورد الأبيض&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">يبدأ فيلم " بعض الورد الأبيض" من حيث لا يبدأ عادةً أي سرد؛ من العدم، ومن الفراغ الذي خلّفه انهيار المعنى بعد الخراب. غير أنّ الكاميرا لا تتعامل مع هذا العدم كما تفعل نشرات الأخبار أو تقارير المنظمات، بل كما تنظر الروح إلى بيتٍ مهدّم، تسأل حجارته لا عن سبب سقوطها، بل عمّا تبقّى فيها من أثر الحنين. في اللقطة الأولى يسود الصمت، وتتحرّك العدسة ببطء في أزقة مخيم اليرموك، لا بوصفها مكانًا، بل كذاكرة تخشى أن توقظ ألمها الخاص. ثم يعلو الصوت، صوت وصية الشهيد يزن عريشة: "ادفنوني بهدوء، وضعوا بعض الورد الأبيض… هنا يُسجّى من كان يحلم بالتحليق". يزن الذي ورد اسمه على لائحة الإعدام شنقًا حتى الموت بقرار صادر عن فرع القضاء و الانضباط العسكري في تاريخ 2/12/2025 بعد قرار محكمة الميدان العسكرية، بجرم "القيام بأعمال إرهابية"؛ لم يكن مواطنًا فلسطينيًا-سويرًا عاديًا، بل كان ثائرًا مناضلاً في سبيل حرية شركائه في البلاد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ هذه اللحظة، تؤسس المخرجة صوفي عليان لما يمكن تسميته بـ "اللغة الشاهدة"؛ لغة لا تُعنى بالتوثيق كإثباتٍ زمنيّ، بل كفعلٍ وجدانيّ يقاوم المحو. الصورة هنا ليست انعكاسًا للواقع، بل موقفًا أخلاقيًا منه؛ تُكتب من داخل الذاكرة لا من خارجها. بذلك يعيد الفيلم تعريف الوثائقي نفسه والسينمائي نفسه، لا كأرشيف للأحداث، بل كفنّ يستنطق ما تبقّى بعد الكارثة؛ فإن الفيلم يوثّق ما بقي في العيون بعد أن حدث، ليصبح التوثيق ممارسة أخلاقية لا مادة معلوماتية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>المكان بوصفه سيرةً جماعية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينطلق الفيلم الذي عرض في الأكاديمية العربية الدولية في لوسيل، في دولة قطر، من ذاكرة المكان، من تأسيس مخيم اليرموك كفكرة قبل أن يكون جغرافيا، فضاء لآلاف الفلسطينيين الذين هُجّروا بعد نكبة 1948، وحملوا فلسطين بوصفها ذاكرة لا وطنًا مكتملًا. يتدرّج السرد البصري عبر محطات التاريخ الفلسطيني والسوري المتشابك، من حرب تشرين 1973، إلى قتال الفصائل الفلسطينية في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، وصولًا إلى "ربيع دمشق" مع تسلّم بشار الأسد الحكم، حيث تشكّلت ذاكرة الجيل الثالث من أبناء المخيم، المرتبطة بأسماء نخب ثقافية وسياسية مشتبكة مثل رياض سيف وعلي شهابي، الذي غيّبته الملاحقة الأمنية في بدايات الثورة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يكن المخيم يومًا خارج عين السلطة. كان مطمعًا لها ومصدر قلق دائم، لأن أبناءه، على اختلاف توجهاتهم، كانوا يدًا واحدة. ورغم التهديد بالقتل أو النفي، ورغم الرحلات القسرية من مخيم إلى مخيم ومن بلد إلى بلد، حافظ اليرموك على تماسكه ككيان اجتماعي-سياسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع اندلاع الثورة السورية، انخرط الفلسطينيون في اليرموك في الحراك الشعبي، وأسّسوا تنسيقيات إعلامية، وانضمّوا إلى فصائل مسلّحة متعدّدة بلغ عددها نحو اثني عشر فصيلاً. لكن المشهد سرعان ما دخل مرحلة أكثر قتامة مع دخول تنظيم "داعش" إلى المخيم، في سياق معقّد يكشف الفيلم علاقته بأجهزة النظام الأمنية، ولا سيما فرع الأمن العسكري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من خلال شهادة نوار السقال، المقاتلة السابقة في الجيش الحر، يفتح الفيلم نافذة على عذابات الحياة اليومية تحت القصف، وعلى ديناميات العمليات العسكرية، وعلى كيفية تعامل النظام مع الفصائل داخل المخيم. يبدأ القصف المكثّف عام 2012، ويستمر بشكل ممنهج حتى 2018، لينتهي بتدمير نحو 80% من اليرموك. لم يكن الهدف عسكريًا فحسب، بل رمزيًا؛ ردم المكان بوصفه ذاكرة، وردم القضية الفلسطينية ذاتها، وحق العودة، عبر محو فضائها الأكثر كثافة رمزية في سوريا.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>حين يصبح اللون زمنًا</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بصريًا، يعتمد الفيلم على مقابلة شاعرية بين الضوء والغياب؛ الألوان الدافئة تظهر في مشاهد الذاكرة، حتى في طقس الشتاء البارد، خصوصًا في استدعاءات الثورة الأولى. في المقابل، يغمر الحاضر لونٌ طبيعي ، في حياة استعادت نفسها بعد سقوط نظام الأسد، الجاثوم فوق صدور اليرموكيين. بهذا التباين، يتحوّل اللون إلى حامل للزمن النفسي، وإلى أداة سردية تفصل بين ما كان وما بعد الفقد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الكاميرا تتحرّك ببطءٍ تأمليّ، تقترب ثم تتراجع، كأنها تفاوض المكان قبل الدخول إليه. أحيانًا تُصوَّر الشخصيات من مستوى الأرض، لتُلغى سلطة الكاميرا لصالح مساواة أخلاقية بين الراوي والمروي عنه. الجدران المهدّمة تتحوّل إلى وجوه، والفراغات إلى كيانات ناطقة، وكأنّ المكان نفسه صار الشخصية الرئيسية في الفيلم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الزمن في الفيلم غير خطي؛ فالماضي والحاضر يتجاوران بلا فواصل واضحة. لقطة من الحصار تليها شهادة شفوية، يعقبه أرشيف قديم للمخيم و ذاكرة ناسه. هذه البنية تحاكي فعل التذكّر ذاته، حيث لا تُستعاد الذاكرة بترتيب منطقي، بل بتداعٍ وجداني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تستخدم عليان ذوبان الصوت بين المشاهد، لا سيما صوت بكاء العم أبو رأفت، فيبدأ صوت المشهد التالي قبل انتهاء السابق، ليصبح الصوت جسرًا بين الأزمنة. هكذا يتحوّل الحنين من إحساس عاطفي إلى إيقاع بصري، ومن شعور فردي إلى بنية سردية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الصوت هنا بعد درامي مستقل. الصمت يُعامل كعنصر ناطق، لا كفراغ. في مشاهد كثيرة، تكتفي الصورة بأصوات الريح أو طلق بعيد، لتذكّر بأن الحرب لم تنتهِ في الوعي. الموسيقى هادئة، أقرب إلى تنفّس خافت، تتسلّل دون أن تفرض معنى. وفي لحظة مفصلية، تتوقّف الموسيقى تمامًا، ولا يبقى سوى صوت امرأة تقول هنا فقدت أغلي ما لدي ... عندها يصبح الصمت ذروة التعبير.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignleft wp-image-37152" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/571218189_2810236832518795_8810295900890054802_n.jpg" alt="" width="437" height="647" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/571218189_2810236832518795_8810295900890054802_n.jpg 864w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/571218189_2810236832518795_8810295900890054802_n-203x300.jpg 203w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/571218189_2810236832518795_8810295900890054802_n-691x1024.jpg 691w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/571218189_2810236832518795_8810295900890054802_n-768x1138.jpg 768w" sizes="(max-width: 437px) 100vw, 437px" /></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>من الفرد إلى الطيف ما بعد الصدمة </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يقدّم الفيلم أبطاله كشخصيات درامية مكتملة، بل كأطياف ذاكرة. لا أسماء كاملة، ولا حكايات مغلقة. إنهم شظايا من سيرة جماعية، من "اليرموك الجمعي". في المقاطع التمثيلية، لا يُستخدم الأداء لإعادة التمثيل، بل كطقس استحضار؛ مثل اجتماع أسرة يزن عريشة و هم يبكون و يكشفون عن مقتنياته الشخصية في بيت شبه مهدّم ليست مشهدًا تمثيليًا بقدر ما هي فعل مقاومة للغياب، واستعادة للحق في الحياة. الورد المجازي على قبر يزن هنا لا يرمز إلى الرثاء، بل إلى الاستمرارية، إلى الزرع في وجه الموت. إنه وعد بأن الذاكرة قادرة على الإزهار حتى في المقابر، وأن الرهافة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمكن النظر إلى فيلم "بعض الورد الأبيض" من خلال منظور ثقافة الصدمة (Trauma Culture) كما صاغتها الباحثة الأميركية إي. آن كابلان، التي لا تتعامل مع السينما بوصفها وسيلة لتمثيل الألم فحسب، بل باعتبارها فضاءً لإعادة بناء الوعي الجمعي بعد الكارثة. ففي المجتمعات التي تعرّضت للدمار أو التهجير أو الإبادة الرمزية، لا تصبح الصورة أداة نقل للحدث، بل تتحوّل إلى شكل من أشكال "الشهادة الأخلاقية في محاولة للحديث باسْم من صمتوا قسرًا، دون الادعاء بالحديث بدلًا عنهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ضمن هذا الإطار، يقدّم فيلم صوفي عليان نموذجًا ناضجًا للسينما الشاهدة (Cinema of Testimony)؛ فالفيلم لا يكتفي بتوثيق مأساة مخيم اليرموك، ولا يعيد إنتاجها بصريًا من أجل إثارة التعاطف، بل ينقلها إلى فضاء الاعتراف الهادئ، حيث تتحوّل العدسة إلى عين تتذكّر لا إلى عين تراقب. الكاميرا هنا ليست سلطة معرفية، بل وسيط أخلاقي بين الذاكرة والمحو.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ترى كابلان أن الفن بعد الكارثة يُقاس أخلاقيًا بقدرته على تجنّب ما تسميه استعراض الصدمة(the spectacle of trauma)، أي تحويل الألم إلى مادة بصرية قابلة للاستهلاك. وهذا ما يتجاوزه فيلم " بعض الورد الأبيض" بوعي واضح؛ إذ يرفض تحويل الدمار إلى مشهدية جمالية، أو إعادة إنتاج العنف بوصفه لحظة ذروة درامية. بدلًا من ذلك، يبني الفيلم لغة للذاكرة، لا لغة للحدث.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، تندرج رؤية صوفي عليان ضمن ما تصفه كابلان بـ ما بعد تمثيل الكارثة (Post-representation of catastrophe). فالفيلم لا يسعى إلى إعادة تصوير الصدمة كما وقعت، بل إلى مساءلة شروط تذكّرها؛ كيف يمكن للذاكرة أن تستعيد نفسها دون أن تعيد إنتاج الرعب؟ وكيف يمكن للصورة أن تكون مساحة للتصالح مع الفقد، لا لإعادة فتح جراحه بشكل فجّ؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن العلاقة التي يقيمها الفيلم بين السينما والذاكرة الجماعية ليست علاقة أرشفة، بل علاقة تعافٍ رمزي. فالذاكرة هنا لا تُحفظ بوصفها سجلًا زمنيًا، بل تُعاد صياغتها كخبرة إنسانية قابلة للفهم والمشاركة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>حين يعود الألم بوصفه وعيًا</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تستحضر كابلان مفهوم الزمن المؤجّل للصدمة (Deferred Temporality of Trauma)، وهو الزمن الذي لا تُعاش فيه الصدمة لحظة وقوعها، بل بعد مرورها، حين يحاول الوعي استيعاب ما حدث. هذا المفهوم يشكّل أحد المفاتيح الأساسية لقراءة "بعض الورد الأبيض".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فالفيلم لا يعرض الحصار أو القصف أو الجوع في لحظة حدوثها، بل يعود إليها بعد أن هدأت الكارثة ظاهريًا، حين يصبح التذكّر ذاته فعلًا مؤلمًا ومحرّرًا في آن واحد. الكاميرا تتجوّل في أزقة اليرموك المدمّرة، لا بحثًا عن آثار الانفجار، بل عن أثر الإنسان الذي مرّ من هنا. الألم لا يعود بوصفه صدمة حسّية، بل بوصفه وعيًا متأخرًا يعيد تأويل الفقد من موقع إنساني، لا من موقع الرعب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، تتحوّل الشهادة الفردية إلى ذاكرة جمعية، وتغدو الكارثة الخاصة لغة بصرية عامة تتحدث باسم الإنسان، لا باسم المكان وحده. اليرموك لا يظهر كحيّ مدمّر، بل كذاكرة تحاول أن تستعيد صوتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> إن تمثيل الكارثة يحمل مسؤولية أخلاقية مضاعفة، لأن الصورة قادرة إما على إعادة إيذاء الضحية، أو على إعادة تأويل تجربتها بكرامة. ويختار الفيلم الطريق الثاني بوضوح؛ فالصورة كشهادة لا كاستعراض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا نجد في الفيلم مشاهد صادمة أو لقطات دمار تُستخدم لجذب الانتباه بالمعنى الاستعطافي، لأن الألم لا يُجمّل. في كثير من الأحيان، تكتفي الكاميرا بلقطة ثابتة لوجه يتحدث، أو لباب مهدّم، أو لفراغ صامت. وكأن الفيلم يقول للمشاهد؛ لستُ هنا لأريك الألم، بل لأمنحك فرصة الإصغاء إليه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في أحد المقاطع، يتحدّث رجل من اليرموك عن خوفه من نسيان ملامح الوجوه التي فقدها لا سيما بعد خروجه من فرع فلسطين ، ثم يصمت. لا تقطع المخرجة هذا الصمت، بل تتركه يملأ الكادر. هنا يتحوّل الصمت نفسه إلى شهادة، وإلى فعل مقاومة ضد تلاشي الذاكرة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من خلال هذا المنظور، يمكن فهم "بعض الورد الأبيض" بوصفه أرشيفًا للحنين لا للأحداث. الفيلم لا يعيد بناء الحصار كما جرى، بل كما يُتذكَّر؛ مشظّى، متقطّع، وغير مكتمل. الحنين هنا ليس نوستالجيا رومانسية، بل آلية للنجاة من النسيان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحافظ المخرجة على إيقاع بصري هادئ يوازن بين اللقطات الواسعة للأحياء الخالية واللقطات القريبة لوجوه الناجين، وكأنها تقيس المسافة بين الخراب المادي والذاكرة العاطفية. ويتجلّى هذا التوتر بصريًا عبر استخدام الضوء الرمادي المائل إلى الأبيض، ما يمنح الفيلم طابعًا شبه حلمي، يذكّر بما تصفه كابلان بـ فضاء الحلم ما بعد الصدمة (post-traumatic dream space)، حيث تختلط الصور بين الوعي واللاوعي، بين ما كان وما يُتمنّى.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الأنوثة والذاكرة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">جانب أساسي آخر يربط رؤية صوفي عليان بالفيلم هو البعد النسوي للذاكرة. ففي مقابل الخطاب السياسي الذي ينشغل عادة بالمقاتلين والفصائل، يعيد الفيلم تركيز الصورة على النساء؛ المرأة المقاتلة، الأم الممرضة، أم الشهيد، الأخت ، زوجة الناشط الإعلامي و السياسي والناجية التي تروي قصتها وهي تنظر إلى الفراغ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تمثّل هذه الوجوه ما تصفه كابلان بـ "الأنوثة كشكل من المقاومة الأخلاقية"، حيث تصبح المرأة حاملة الذاكرة لا بوصفها ضحية، بل كقوة تعيد سرد الحكاية من موقعها الخاص. الورد الأبيض المجازي في يد ام يزن يحمل دلالة مزدوجة حيث استعادة للحياة، واعتراف بأن الحنين نفسه فعل سياسي. الأنوثة هنا ليست هوية بيولوجية، بل ذاكرة في مواجهة السلطة والمحو.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا ينتمي "بعض الورد الأبيض" إلى السينما التقريرية أو الدعائية، بل إلى ما يمكن تسميته سينما الشهادة الجماعية . إنها سينما لا تتحدث باسم فرد، بل باسم مجتمع، ولا تعيد تعريف اليرموك كحيّ مدمّر، بل كذاكرة مشتركة بين السوريين والفلسطينيين، بين المنفى والمخيم، بين الغياب والحنين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبينما تحذّر كابلان من تحوّل الصدمة إلى سلعة إعلامية، ينجح الفيلم في عكس هذا المنطق تمامًا؛ فهو يرفض تقديم الألم كمشهد للاستهلاك، ويصرّ على تقديمه كحكاية للإنصات. بذلك، يتحقق ما يمكن تسميته السينما الأخلاقية سينما لا تطلب من المشاهد التعاطف فحسب، بل تحمّله مسؤولية التذكّر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينتهي الفيلم بلقطة ثابتة لشجرة لبلاب طويلة و فارعة تتسلق جدار بيت متصدّع... لا موسيقى، لا تعليق. فقط صمت الصورة وقد تحوّل إلى صلاة. هذه النهاية تختصر جوهر العمل؛ إذ إن الورد هو ما يبقى من الإنسان حين يمحوه التاريخ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"بعض الورد الأبيض" ليس فيلمًا عن اليرموك فقط، بل عن الذاكرة حين تصرّ على الحياة، وعن العدسة التي تحوّل الألم إلى معنى قابل للبقاء. إنه وثيقة فنية للحنين المقاوم، ودليل على أن السينما، حين تُصغي بدل أن تستعرض، ما تزال قادرة على استعادة ما تحاول السياسة محوه.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><iframe title="العرض الأول | &quot;بعض الورد الأبيض&quot;.. فيلم وثائقي من إنتاج &quot;العربي الجديد&quot; و&quot;ميتافورا&quot;" width="800" height="450" src="https://www.youtube.com/embed/ir3bWmgivWY?feature=oembed&#038;enablejsapi=1" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37151">من العدم إلى الذاكرة: مخيم اليرموك في &quot;بعض الورد الأبيض&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>من الظل إلى الصالة: تظاهرة أفلام الثورة السورية وصعود السينما الحرة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36803</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 29 Oct 2025 10:33:26 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36803</guid>

					<description><![CDATA[<p>لم تكن تظاهرة أفلام الثورة السورية التي أعلنت عنها وزارة الثقافة السورية واستكملتها المؤسسة العامة للسينما في دور السينما المتوزعة على المدن السورية، مجرد احتفال فني، بل فعل استعادة للزمن والذاكرة بعد عقودٍ من الصمت القسري والاحتكار لصالح جهاز مخابرات نظام الأسد الذي طمس معالم السينما الحرة . فأن يُعرض فيلم في دمشق أو درعا [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36803">من الظل إلى الصالة: تظاهرة أفلام الثورة السورية وصعود السينما الحرة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">لم تكن تظاهرة أفلام الثورة السورية التي أعلنت عنها وزارة الثقافة السورية واستكملتها المؤسسة العامة للسينما في دور السينما المتوزعة على المدن السورية، مجرد احتفال فني، بل فعل استعادة للزمن والذاكرة بعد عقودٍ من الصمت القسري والاحتكار لصالح جهاز مخابرات نظام الأسد الذي طمس معالم السينما الحرة . فأن يُعرض فيلم في دمشق أو درعا أو إدلب بعد ديسمبر 2024، لا يعني فقط عودة الحياة إلى الصالات، بل عودة الخيال الجماعي إلى المشهد السوري نفسه؛ إذ إنها المرة الأولى منذ نصف قرن تقريبًا التي يلتقي فيها السينمائيون السوريون دون أن يمرّوا عبر بوابة الرقابة، أو أن ينتظروا موافقة من مؤسسة عامة للسينما كانت يومًا ذراعًا ثقافية للأمن لا للفن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحوّلت الكاميرا التي كانت تُراقَب إلى عينٍ تراقب، وتكتب تاريخًا جديدًا بالصورة لا بالبيان. لم تكن تظاهرة أفلام الثورة السورية حدثًا ثقافيًا عابرًا، بل إعلانًا رمزيًا عن ولادة وعي بصري جديد في بلدٍ يحاول أن يرى نفسه خارج المرايا القديمة التي صاغتها السلطة لعقود، إذ شكّلت العروض مناخاً ثقافيًا ثوريًا مجتمعيًا جديدًا على البلاد أكثر من مجرد أعمال سينمائية؛ وكانت شهادات بصرية على جرح جماعي، لم يصدّق مخرجوها أنهم اليوم على أرض سوريا وقصصهم وعدساتهم عادة إلى دمشق بعد أن جابت شاشات المنافي؛ في محاولة لجعل الصورة أداة مساءلة للتاريخ والسياسة والذات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه السينما التي وُلدت من رحم الألم لا من مؤسسات الدولة، تمثل فعل مقاومة رمزية ضد النسيان، وسعيًا لبناء سردية سورية جديدة تُروى من الداخل.؛ فإقامة التظاهرة في دار الأوبرا وصالات الكندي والساحات الرئيسية في المدن السورية والمتاحف القديمة حملت دلالة على إعادة بناء الجغرافيا الثقافية للبلاد، وكسر المركزية التي طالما اختزلت الثقافة في العاصمة. ومع توسيع العروض إلى محافظات أخرى، تحولت السينما من نشاط نخبوي إلى حركة اجتماعية وفكرية. يمكن القول اليوم إن التظاهرة عن تحوّل جوهري في معنى الفن نفسه، إذ انتقلت من وسيلة للهروب إلى أداة للمواجهة وإعادة التشكيل، ومن صناعة خاضعة للمؤسسة إلى مشروع وطني مستقل يعيد تعريفها. هكذا تبدو السينما اليوم امتدادًا للثورة ومشروعًا لاستعادة الذات السورية التي خرجت من بين الركام وهي تحمل الكاميرا بدل البندقية، وتبحث في الضوء عن معنى جديد للحياة والحرية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>السينما تحت القبضة الأمنية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قبل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، كانت السينما السورية أداة من أدوات السلطة وليست فضاءً حرًّا للإبداع؛ فمنذ تأسيس المؤسسة العامة للسينما في الستينيات، تحولت إلى جهازٍ بيروقراطي يخدم رواية النظام عن فكرة الوطن المستقر والقيادة الراعية للفنون والثقافة، فصارت الكاميرا تعيد إنتاج الواقع كما تريده السلطة لا كما هو. كانت الشاشة تعكس صورة الفلاح السعيد والجندي المثالي و العائلة السعيدة رغم "الحصار الاقتصادي المفروض من قوى الامبريالية"، بينما تُقصي من الذاكرة القرى المدمّرة والمعتقلين والمنافي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما المخرجون الذين حاولوا التمرّد، فقد لجأوا إلى الرمز والمجاز لتجنّب الاصطدام المباشر بالرقابة، في حين أصبحت المهرجانات وسيلة لتكريس الولاء بدل مكافأة الإبداع؛ إذ كان التمويل مضمونًا، لكن الحرية معدومة؛ والإنتاج محسوبًا، لكن الروح غائبة. حتى التجارب الجريئة التي سُمح بها كانت تُقدَّم كواجهة تجميلية أمام الخارج لا كتحوّل حقيقي. وهكذا بقيت السينما، حتى ديسمبر 2024، حبيسة البروباغندا، تُنتج وهم الاستقرار بينما يغلي الواقع تحت السطح؛ مرآة مكسورة لوطن محجوب، ينتظر عدسة جديدة تعيد ترتيب الضوء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المجمل، كانت السينما السورية الرسمية أداةً لتثبيت سردية الأسد السياسية أكثر مما كانت مساحةً فنية حرة إذ تحوّلت الشاشة إلى منبرٍ دعائي يُعيد إنتاج صورة النظام كمنقذٍ ومخلّص، ويحوّل الحرب إلى ملحمة بطولية يختفي فيها الإنسان العادي ليحلّ مكانه الجندي المخلّص والقائد الحامي؛ من أمثال عصام زهر الدين وسهيل الحسن وغيرهم. كانت الأفلام تُنتَج داخل المؤسسة العامة للسينما وتُعرض بتوجيه رسمي، لتكرّس خطاب "الدولة المنتصرة على الإرهاب"، وتعيد صياغة الذاكرة الجمعية من منظور السلطة وحدها. من أبرز تلك الأعمال فيلم "أبطال الحامية" الذي يوثّق حصار دير الزور بوصفه ملحمة وطنية للجيش العربي السوري. ركّز الفيلم على "بطولات الجنود" في مواجهة "قوى الإرهاب"، وعلى "تعاون المواطنين" مع الجيش، في محاولة لتجسيد صورة الانسجام بين الشعب والقيادة. كما أبرز الفيلم "الأهمية الاستراتيجية لمطار دير الزور العسكري" واعتبر صموده رمزًا لإرادة الدولة في استعادة كل شبر من الأرض السورية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما فيلم " رجل الثورة" فقد قدّم سردية معاكسة تمامًا للواقع الصحفي، إذ صوّر الصحفي الأجنبي بوصفه شريكًا للجماعات المسلحة، مستغلًا الحرب لتحقيق طموحاته الشخصية، في محاولة لتقويض مصداقية الصحافة العالمية وتبرير رواية النظام عن "تآمر الإعلام الخارجي". في المقابل، حاول فيلم "الاعتراف" أن يقدّم معالجة درامية تبدو أكثر "إنسانية"، لكنها بقيت في حدود السرد الرسمي ذاته، إذ ربط بين ما يسميه النظام الأسدي وموالوه "الأزمة السورية" و"الإرهاب"، وتناول جوانب المعيشة والأزمة الاقتصادية من منظورٍ بطولي يركّز على قدرة السوريين برعاية الدولة على الصمود والتصدي ومقاومة التحديات. أما فيلم "ردّ القضاء" فقد أعاد صياغة أحداث سجن حلب بطريقة بطولية خالصة، تُظهر فكرة "نضال الجيش" في مواجهة "قوى الشر"، لينتهي بمشهد فك الحصار بوصفه نصرًا عسكريًا ومعنويًا للدولة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تلك الأفلام، مجتمعة، شكّلت الوجه السينمائي للبروباغندا في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، إذ أُنتجت بلغة تمجّد الجيش والقيادة وتُفرغ المأساة من بعدها الإنساني؛ وكانت تُعيد تدوير الحدث السوري داخل قوالب بطولية جاهزة، حيث تتحوّل الحرب إلى استعراضٍ للوفاء الوطني، والموت إلى واجبٍ مقدّس، والدمار إلى خلفية درامية تُستخدم لتلميع صورة النظام. كانت تلك السينما، في جوهرها، سينما الإنكار، تُخفي الجرح تحت لافتة الانتصار، وتُنتج الوهم بدل الحقيقة، حتى جاء سقوط النظام ليكشف أن الصورة الرسمية لم تكن سوى مرآة مشروخة لواقعٍ مُغَيَّب.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ولادة السينما الحرة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع سقوط نظام الأسد، لم ينهَر جهاز سياسي فحسب، بل سقطت معه أثقل القيود الرمزية في التاريخ الثقافي السوري المتمثلة بقبضة الدولة على الصورة والمهد واللغة والخطاب؛ فقد تهاوت منظومة الإنتاج المركزي التي احتكرت لسنوات الكاميرا والتمويل والمهرجانات، ليتفجّر فجأة فضاء جديد عنوانه البسيط والمعبّر "كلّ السوريون يصوّرون". هنا، تحولت الكاميرا من أداة مراقبة إلى أداة تحرّر، ومن وسيلة للتزييف إلى وسيلة للنجاة؛ ففي سوريا المحرّرة من شوالها حتى جنوبها، خرج المخرجون من صمتهم الطويل إلى العلن، وعاد من عاد من المنافي ولم ينتظروا تصاريح أو موافقات أو لجان رقابة؛ وكانوا يعرفون أن الثورة لا تحتاج إلى ترخيص كي تُصوَّر. تحوّلت البيوت إلى استوديوهات صغيرة، والشوارع إلى مواقع تصوير، والساحات إلى شاشات عرض مؤقتة، في مشهدٍ استعاد المعنى الأول للسينما على أن تكون في قلب الحياة، لا على هامشها. لم يعد الفيلم يُصنع داخل الجدران الرسمية والأمنية، بل في الهواء الطلق، بين الناس، حيث تُكتب الحكاية وتُروى في اللحظة نفسها؛ وحتى الأفلام التي صوّرت أثناء الثورة السورية وشاركت في مهرجانات عالمية ، عادت اليوم بلا رقابة وبلا محظور إلى الأرض السورية، صاحبتها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>تحولات الثيمات </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد سقوط النظام، لم تعد السينما السورية تكتب عن "الوطن" كما أرادته السلطة، بل عن الناس الذين صنعوا الوطن الحقيقي بأجسادهم وذاكرتهم وموتهم اليومي؛ وتحوّل الوعي السينمائي من تمجيد البطولة إلى تأمل الهشاشة؛ ومن تصوير "المقاتل المثالي" إلى ملاحقة وجوه النساء الحرائر الثائرات والمعذبات خلال 14 عام من التنكيل، والناجين، والمهاجرين، وأطفال المخيمات الذين صاروا الأبطال الجدد للواقع السوري. في هذه الأفلام، لم تعد البطولة في حمل السلاح، بل في النجاة، والبقاء، والقدرة على الحلم، والكتابة من داخل الألم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يبدو أن السينما السورية الجديدة بدأت تتخلى عن خطاب الانتصار والخلاص الجمعي، لتدخل زمنًا إنسانيًا مفتوحًا على الأسئلة والمتابعة؛ إذ إن الثورة، في هذه المرحلة، لم تعد حدثًا سياسيًا، بل ذاكرة شخصية وجماعية، تمتزج فيها السيرة الفردية بالحكاية الوطنية، والحقيقة بالتأمل، واليومي بالأسطوري. رموز مثل البحر، والنافذة، والضوء، والحدود تكررت في أغلب الأعمال كاستعارات بصرية للبحث عن الأفق المفقود؛ والحرية التي تلوح من بعيد ولا تُمسك. هنا يمتزج الوثائقي بالروائي في أسلوب هجين يكسر حدود النوع السينمائي نفسه، لأن الواقع السوري بات بدوره واقعًا هجينًا؛ على اعتبار أنه لا بداية له ولا نهاية، بل حياة معلّقة بين زمن ما قبل السقوط وما بعده، بين الذاكرة والصدمة، بين الفقد وإعادة التكوين.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">هذا الأسلوب الجديد لم يكن خيارًا فنيًا فحسب، بل ضرورة وجودية لأي مخرج، لأن أي محاولة اخراجية لتقسيم العالم إلى "حقيقي" و"تمثيلي" أصبحت بلا معنى في بلدٍ يعيش على خط التماس بين الحياة والمجاز.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">توزّعت العروض في معظم المحافظات السورية بين صالات دراما، وسينما الكندي في دمشق ودمر، والمتحف الوطني، ومدينة المعارض القديمة في العاصمة دمشق، وفي المراكز الثقافية والسينمائية في المدن خارج العاصمة؛ في توزيع جغرافي رمزي يعكس عودة الحياة الثقافية إلى الفضاء العام ورغبة المنظمين في كسر المركزية الثقافية القديمة التي كانت تحصر الفعل الفني في العاصمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تنوّعت الأفلام المشاركة بين الروائي والوثائقي، بين الإنساني والسياسي، بين التجريب والذاكرة، فكان فيلم الافتتاح "نزوح" للمخرجة سؤدد كعدان (103 دقائق) أقرب إلى مرثية للبيت السوري المهدّم وللطفولة المعلّقة في زمن الحرب، بينما قدّمت أفلام مثل "إلى سما" و"هذا البحر لي" و"العودة إلى حمص" ثلاثية بصرية عن الذاكرة والنجاة والأمل، صنعتها كاميرات لا تبحث عن البطولة، بل عن المعنى. في المقابل، برزت أعمال ذات بعد وطني مباشر مثل "قضية الغرباء" و"سوريا نشيد الأحرار" و"حلم الطفولة"، وأخرى تجريبية مثل "لبن المسِّيج" و"فقدان" و"سكيت الرجل القوي" التي تكشف كيف يحاول المخرجون الشباب قراءة الذات السورية من الداخل باستخدام أدوات جديدة في السرد والتصوير والمونتاج.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا الشكل، لم تكن التظاهرة مجرد مهرجان أفلام، بل تجسيدًا لثورة جمالية وفكرية تتجاوز الشاشات إلى معنى أوسع: أن تتحوّل السينما من أداة دعاية إلى أداة معرفة، ومن خطاب سلطوي إلى تجربة إنسانية حرة؛ إذ إنها اللحظة التي اكتشفت فيها السينما السورية أن الضعف نفسه يمكن أن يكون قوة، وأن الهشاشة، حين تُروى بصدق، قد تصبح شكلًا جديدًا من البطولة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قبل عام 2024، كانت الجغرافيا السورية خريطة من المحظورات أكثر منها وطنًا. المحافظات كانت مناطق مغلقة، والطرق بين المدن نقاط تفتيش طويلة، والعدسة لا تتحرك إلا بإذن أمني يحدّد ما يُصوَّر وما يُمحى؛ فكانت الكاميرا تُعامل كتهديد، والمخرج كمتسلّل محتمل، والشارع كمشهدٍ ممنوع من الظهور. لكن اليوم انفتح الفضاء السوري على نفسه، وتحوّلت الحدود الداخلية إلى جسور رمزية بين المخرجين والمصورين، وصارت الكاميرا تمرّ بحرية من إدلب إلى درعا، كأنها تستعيد جسد البلاد الممزّق بالضوء. أُنتجت أفلام مشتركة بين مناطق كانت حتى الأمس القريب تفصلها المتاريس، وكأن السينما أعادت توحيد ما فرّقته الحرب، ليس بالسياسة، بل بالصورة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا التحرّر في التنقل لم يكن مجرد إنجاز لوجستي، بل تحوّل في المعنى، إذ صار الطريق نفسه جزءًا من الفيلم، والعبور بين المحافظات فعلًا من أفعال الحرية. لم تعد الجغرافيا عائقًا للإبداع، بل موضوعًا له؛ فالطريق التي كانت تمرّ بها الدبابات صارت تمرّ بها الكاميرات، والمواقع التي شهدت القصف تحوّلت إلى فضاءات للعرض والذاكرة. أُعيد افتتاح دور السينما في حلب ودمشق، بمبادرات شبابية وأهلية جمعت متطوعين وفنانين أعادوا تنظيف الصالات القديمة وترميم المقاعد المحترقة. تحوّلت هذه الفضاءات إلى ساحات لقاء حيّة، حيث يجتمع الناس لمشاهدة أفلام صنعتها أياديهم، ويكتشفون أن الشاشة لم تعد منبرًا للدعاية، بل ساحة للحوار والمصالحة. في هذا المشهد الجديد، لم تعد السينما تملك جدرانها، بل تملك فضاءها؛ وأصبحت البلاد كلّها موقع تصوير واحد، يمتد من البحر إلى الصحراء، من الحارة إلى الساحة، من الحلم إلى الذاكرة. وهكذا صارت حرية التنقل في الجغرافيا امتدادًا طبيعيًا لحرية الرؤية في الصورة؛ فكلاهما يعيدان للبلاد معناها الحقيقي: أن تكون مفتوحة، وأن تُرى.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>حوار مع مخرج "هذا البحر لي" </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في زاوية مهمة من التظاهرة، كان للمخرج السوري محمود حسن رؤية خاصة حول عودة السينما السورية للسوريين ولواقعهم المعاش؛ إذ أنه يرى من المبكر الحديث عن "سينما سورية" بالمعنى الشامل، فوجود أفلام سورية لا يعني بالضرورة وجود سينما ذات هوية متكاملة. الهوية السينمائية تحتاج إلى تراكم سياقات إنتاجية وفكرية وثقافية متصلة، وهو ما غاب طويلًا بفعل النظام الأسدي الذي تمسّك بالفيلم كمنتج، وجرّد السينما من معناها كحالة وسياق وهوية. ومن وجهة نظره، فالسوريين، جمهورًا وصنّاعًا، مازالوا يسعون للانتقال من تجربة "الفيلم السوري" إلى فضاء "السينما السورية"، مستندين إلى مكتسب الحرية لإعادة تعريف المفاهيم الأصيلة لهذه الصناعة، من المنتج إلى التجريب. هذه التظاهرة السينمائية قد تكون الشرارة الأولى لتحرير الفن من عقلية النظام القديمة، ولفتح النقاش حول سؤال الهوية والموقع والدور؛ فيحتفل السوريون بالتحرر، لكنهم يدركون في الوقت ذاته حجم المسؤولية الملقاة عليهم لإعادة صياغة علاقتهم بكل ما يحيط بهم من فضاءات. فالتحرر الحقيقي يبدأ من طرح الأسئلة الصحيحة: كيف يمكن للسينما أن تعبر عن الحرية دون أن تكون خطابًا سياسيًا؟ كيف تستعيد ذاكرتها وجمهورها بوقار، دون وصاية فكرية؟ إنه حلم مؤجل، لكنه لن يتحقق ما لم يتحرر من أدوات الاستبداد، ويبتكر لغته وخطابه الجديد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبصفته مهاجرًا ولاجئًا، حمل معه، كما كثير من السوريين ، صورة سوريا التي يتمناها، لا تلك التي تركها وراءه؛ كان يدرك أنه إن ترك ذاكرته تغرق في وحل الوحشية الأسدية فسيخسر ذاته، لذلك تمسّك بما هو جميل في الإنسان السوري، ذاك الرافض لدور البطل والمُكره على دور الضحية. بالنسبة له، سوريا ليست حجارة ولا مدنًا مصطنعة، بل الإنسان السوري بكل تناقضاته ومزاياه وخيباته. من وجهة نظره، فإن الصراع في جوهره ليس سياسيًا فحسب، بل نفسيًا يعتمل داخل الشخصية السورية نفسها. ومن هذا المنطلق، تصبح السينما فعل تأمل في الذاكرة لا أداة أيديولوجية، دورها أن تكشف الإنسان لا أن تحاكمه. فالأفلام العظيمة، كما يؤمن، هي تلك التي تمنحنا في كل مشاهدة قراءة جديدة للذاكرة ولذواتنا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يرى حسن أن السينما فعل فني وأخلاقي تراكمي، لا يمكن فصلها عن الاشتباك المجتمعي والسياسي في سوريا؛ ويعتبر أن إطلاق المؤسسة العامة للسينما لهذه التظاهرة يمثل خطوة أولى نحو إعادة وصل ما انقطع بين المؤسسة والمجتمع، بعد عقودٍ من القطيعة التي جعلتها كيانًا سلطويًا منفصلًا عن الناس، اختزلت الفن في مهرجانات شكلية واحتفالات برجوازية.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">اليوم، ومع استعادة السوريين لهذه المؤسسة، يأمل أن يتحول دورها إلى منصة مفتوحة تدعم التنوع، وتشجع التجريب، وتحرر السينما من الصبغة الحكومية نحو فضاء أوسع من الإبداع والتعدد. فالسينما - كما يؤكد حسن - مشروع جماعي، كبير وصغير، تجاري وفني في آنٍ، وهي قادرة على أن تكون مرآةً لسوريا الجديدة، العطشى إلى الضوء واللغة والفرادة. ويشير إلى أنه لمس هذا التحول بنفسه في تجربته الأولى مع المؤسسة، حيث وجد فيها روحًا إيجابية وسعيًا صادقًا لإحياء الذاكرة البصرية السورية. ويبقى الرهان _برأيه _ على أن يتحد السينمائيون السوريون لخلق مجتمع سينمائي جديد، يحرر الخيال السوري من ثقافة التلفزيون التي كبّلته لعقود، ويمنح الذاكرة الجمعية حقها في أن تُرى وتُروى من جديد.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>السينما بوصفها عدالةً بصرية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُعيد تظاهرة أفلام الثورة السورية تعريف معنى السينما، لا باعتبارها صناعةً أو ترفًا ثقافيًا، بل بوصفها أداةً للعدالة الرمزية؛ فتمنح الذاكرة حقها، وتنصف ما حاول الطغيان محوه من الوعي الجمعي. في بلدٍ نُهب فيه التاريخ واحتُكر فيه السرد، أصبحت الكاميرا محكمةً رمزية تعيد التحقيق في الوقائع، لا لتدين أحدًا، بل لتمنح الشهود حق الكلام، وتعيد توزيع الضوء على من عاشوا طويلًا في الظل. لم تعد السينما السورية مجرّد وسيلة للتعبير، بل مسارًا لإعادة بناء الوعي الوطني وصياغة هوية بلدٍ يبحث عن صورته خارج الأرشيف الرسمي الذي شوّه ملامحه لعقود؛ فكل فيلم يولد اليوم هو محاولة لرسم ملامح وطنٍ جديد لا يُختزل في الخريطة السياسية، بل في ذاكرة الناجين وشهاداتهم التي تملأ الشاشات الصغيرة قبل الكبيرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وربما لا تملك هذه السينما استوديوهات ضخمة أو مؤسسات إنتاج مستقرة، لكنها تملك ما لم تملكه من قبل: الحرية. حرية النظر بلا إذن، وحرية السؤال بلا خوف، وحرية تحويل الجرح إلى جمال، والمأساة إلى معرفة. ومن رحم هذه الحرية تولد ملامح ما يمكننا تسميته بـ"السينما السورية الثانية" أو سينما ما بعد الدولة الأسدية المخابراتية، وسينما ما بعد الخوف، وما بعد الكذب؛ سينما لا تبحث عن الشرعية في المهرجانات أو المؤسسات، بل في صدق التجربة وعمق الشهادة، وتنتمي إلى الناس الذين تصوّر بيوتهم المهدّمة وأحلامهم المؤجلة وذاكرتهم التي قاومت الإبادة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد أثبت المخرجون السوريون خلال الثورة وما بعدها أن السينما ليست ترفًا، بل فعل مقاومة؛ فمن كاميرات الهواتف إلى العدسات الاحترافية، وثّقوا المجازر والمخيمات ورحلات اللجوء والاغتراب والأمل والألم وأيام التحرير وحياة ما بعد الحرب، فتحوّلوا إلى مؤرّخين للضوء، يكتبون تاريخًا بصريًا لبلادٍ غابت عنها مؤسسات الدولة والإعلام الرسمي؛ فأصبحت هذه الأفلام وثائق زمنية تحفظ مشاهد لم تعد موجودة إلا في الذاكرة، وتُقدَّم بوصفها شهاداتٍ إنسانية لا يمكن محوها من التاريخ. هؤلاء المخرجون لا يصنعون سينما عن الثورة ، بل سينما هي الثورة نفسها، وسينما تُمارس العدالة البصرية بفتح العيون لا بإصدار الأحكام، وتُعيد لسوريا وجهها الإنساني المفقود، لتكتب تاريخها من جديد لا بالحبر، بل بالضوء</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36803">من الظل إلى الصالة: تظاهرة أفلام الثورة السورية وصعود السينما الحرة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حروب الجيم: ماذا تكشف ضجة سلوم حداد عن هيبة الفصحى في الدراما العربية؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36561</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 15 Sep 2025 05:51:48 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36561</guid>

					<description><![CDATA[<p>أثار الجدل الذي فجّره انتقاد سلوم حداد لطريقة نطق الممثلين المصريين للعربية الفصحى زلزالًا إعلاميًا كون عدة أطراف اعتبروه تصريحًا فجّاً أكثر بكثير من مجرد زلة لسان أو نقاش في مقابلة تلفزيونية؛ إذ كشف تنافسًا قديمًا حول مَن يملك حق تحديد معايير المكانة الثقافية في العالم العربي. عمومًا، إن خلفية حداد في تقاليد الدراما التاريخية [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36561">حروب الجيم: ماذا تكشف ضجة سلوم حداد عن هيبة الفصحى في الدراما العربية؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">أثار الجدل الذي فجّره انتقاد سلوم حداد لطريقة نطق الممثلين المصريين للعربية الفصحى زلزالًا إعلاميًا كون عدة أطراف اعتبروه تصريحًا فجّاً أكثر بكثير من مجرد زلة لسان أو نقاش في مقابلة تلفزيونية؛ إذ كشف تنافسًا قديمًا حول مَن يملك حق تحديد معايير المكانة الثقافية في العالم العربي. عمومًا، إن خلفية حداد في تقاليد الدراما التاريخية والملحمية القرآنية والاجتماعية والثقافية في سوريا، حيث تُعامَل الفصحى البليغة بوصفها المعيار الذهبي، تتيح له ادعاء سلطة في شؤون المخارج والإلقاء، وكأن إتقان الفصحى هو العلامة الحاسمة على الاحتراف. سلوم حداد ممثل السوري من مواليد مدينة حلب، عام 1953، ودخل عالم التمثيل لينال لقب "فارس الدراما العربية" بمشاركات في الدراما والسينما والمسرح والإذاعة؛ وبأنماط اجتماعية وسياسية، وبوليسية، وفنتازيا تاريخية، وغيرها. غير أنّ سخريته من اللكنات المصرية، مع استثناءات قليلة مثل عبد الله غيث ونور الشريف، خلّف جرحًا عميقًا وأحدث كركبة في الشارعين السري والمصري، إذ أعاد النظر إلى الشعور بتآكل مركزية مصر في الدراما العربية بعد أن هجرها معظم صنّاعها للعمل في دول الخليج العربي ولبنان وتونس. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على مدى أجيال، حكمت السينما والتلفزيون في مصر الإقليم بفضل حميمة اللهجة المصرية وقدرتها على محاكاة صوت الشارع والمقهى وسائق التاكسي. ومن ثمّ، فإن الادعاء بأن هذه الأصوات تفتقر إلى "العربية السليمة" ليس تحقيرًا فحسب؛ بل هو تحدٍّ لمطالبة مصر التاريخية بأنها القلب النابض للفن العربي. لذا لم يكن مستغربًا أن تأتي ردود الفعل فورية وعنيفة، أفضت إلى اعتذار قُبل من نقابة الممثلين، لكن مع بقاء مذاق صراع ثقافي غير محسوم. ما هو على المحكّ حقًّا هو صراعٌ بين نموذجين للفصحى ذاتها؛  فصحى شامية مصقولة تُبنى على صرامة المخارج وإيقاع الجملة الملحمية كما تبلورت في الدراما التاريخية، وأعمال نجدة أنزور وحاتم علي، في مواجهة فصحى مصرية ذات تقاليد إذاعية ومسرحية عريقة تُراهن على وضوح البيان، وحسن الوقف والابتداء، ونبرٍ أدائيٍّ يُقرّب المعنى إلى المتلقّي المعاصر. هنا لا تدور المسألة حول عاميةٍ مقابل فصحى، بل حول معيارين للفصحى،  أحدهما يُعلّي الحبكة الصوتية والجزالة الوزنية، والآخر يُقدِّم البلاغة بوصفها اقتصادًا في النطق وخدمةً مباشرة للدراما. إن ترقية معيارٍ واحدٍ إلى مقام "النموذج الأوحد" ليست تفضيلًا بريئًا، بل فعلُ حراسة أبواب ثقافية يختزل الفنّ العربي في هرم لهجاتٍ داخل الفصحى نفسها؛ مثل نطق القاف، وتفخيم الظاء، وحدود الهمز، ومقادير المدّ ، وكلّها تتحوّل إلى شيفرات انتماء وأساسيات في تحديد الهوية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في عصر المنصّات، تبدو هذه الهرمية أكثر اهتزّازًا؛ فالجمهور لم يعد يساوي الفصاحة بتفخيمٍ مطلقٍ أو بتليينٍ شامل، بل بما يحقِّق صدق الأداء ودقّة الدلالة. لذا يغدو التشبّثُ بشعارات "النطق الصحيح" أقرب إلى صراعٍ على السُلطة والمعيار، وبالتالي دائما يسألون: من يضع قواعد الذائقة العربية؟ أو من يملك حقَّ اعتماد "الضبط" بوصفه مقياسًا للمهنية؟ أو من يراقب حدود الانتماء المدرسي داخل الفصحى؟ قد تبدو "حروب الجيم" و"قاف القاهرة وقاف الشام" تفاصيل تقنية، لكنها تُجسِّد قلقًا أوسع يطرح سؤالًا حيويًا مفاده فكرة اتساع السرد العربي لتعدّد مدارس الفصحى بوصفها أدواتٍ متكافئة للتعبير، أم استمرار التطهّر اللغوي في التخفّي بزيّ الوطنية، فيقوِّض التعدّدية التي تمنح مشهدنا اللغوي والفنّي حيويّته.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>أصول العربية الفصحى</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أصول العربية الفصحى عميقة ومتعددة الطبقات، تمتد مما قبل الإسلام إلى العصر الحديث. فأقدم جذورها في لهجات بدوية مرموقة بوسط وشمال الجزيرة العربية، حُفظت عبر الشعر الجاهلي مثل المعلقات، التي أرست نماذج للمفردات والنحو والبيان وأضحت لاحقًا أساس العربية الكلاسيكية. ثم جاء نزول القرآن في القرن السابع ليُعلي شأن ضربٍ من العربية إلى مقام القداسة، مثبتًا قواعد النحو، ومكرّسًا مفردات وسمات أسلوبية صارت مركزية في الفصحى. وفي القرنين الثامن والتاسع، قعّد علماء البصرة والكوفة، وعلى رأسهم سيبويه، العربية في نحوٍ منظومي مستند إلى القرآن والشعر الجاهلي وكلام الأعراب، فأنشأوا إطارًا تقنينيًا متميزًا عن اللهجات اليومية. وفي العصر العباسي، ازدهرت العربية الكلاسيكية كلغة للأدب والعلم والإدارة، مثبتة دورها معيارًا لغويًا حتى مع استمرار تباعد المنطوقات المحكية وتباين لفظ الحروف وتعقيدات الانتقال والتبديل بين القاف، والجسم، والدال، والشين. وأخيرًا، في نهضة القرن التاسع عشر، حدّث المفكرون العربية الكلاسيكية إلى ما يُعرف اليوم بـ "الفصحى الحديثة"، فأُدخلت ألفاظ جديدة وبُسّطت بعض البنى لتواكب الحاجات المعاصرة. واليوم تُستخدم الفصحى الحديثة في التعليم والإعلام والكتابة الرسمية في سائر العالم العربي، متجاورة مع العاميات المتنوعة في الحياة اليومية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في قلب الجدل السوري-المصري سؤال شائك: ما الذي يُعد "فصحى سليمة"؟ أهو النطق الخالي من العيوب للحروف، أم إحكام قواعد النحو، أم القدرة على بث الوضوح والوقار، أو مدة الاعتداد وتطابق المنطوقات الأخرى مع منطوقنا؟ تختلف مقاييس الجمهور والنقاد، ما يثير اللغط حول صاحب الحق في تعريف الأصالة اللغوية. فقد افترضت تصريحات حداد معيارًا صارمًا، بينما رأى منتقدوه أن الفن والأداء لا يُختزلان في النقاء اللغوي، ليفتح هذا السجال باب التفكير في مدى واقعية هذه المعايير، وهل تعيد إنتاج مُثلٍ نُخبوية منفصلة عن ضرورات الأداء العملية المرتبطة بالنص الدرامي والإخراج.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الدراما التلفزيونية العربية، ولا سيما التقليد السوري في إنتاج الملاحم التاريخية المعتمِدة على الفصحى، نرى أن تركيز الإنتاج السوري الدرامي على تدريب الممثلين في اللغة العربية الكلاسيكية وتقديم أعمال شاقة لغويًا تحتاج تدريبًا ومدققين لغويين وخبراء معجميين قد ضغط على الإنتاج المصري للحفاظ على المعايير أو رفعها في هذا الجانب. وهكذا يجد قطاع الترفيه المصري واسع النطاق، المهيمن تاريخيًا، نفسه مقارنًا بنموذج سوري من الصرامة اللغوية. ويعقّد هذا التوازي السردية الشائعة: فبينما تُحتفى بمصر عاصمةً ثقافية للعرب، تُقاس أحيانًا بميزان المهارة السورية في صون تراث الفصحى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">التمثيل لا يُختزل في الحروف؛ بل هو تزامنُ نفسٍ وإيقاعٍ وجسدٍ وصوت، تُكسب فيه اللغة الفصحى العملَ رفعًا نغميًّا، ووضوحًا دلاليًّا بفضل الإعراب، وتوحيدًا أسلوبيًّا في العوالم الملحمية؛ لكنها تصير عائقًا إن فُرضت تعسّفًا أو أُديت بنبرة مدرسية. ولضبط النقاش يمكن أن نعود إلى خريطة سيبويه للمخارج: الأحرف الحلْقية (ء/ه/ع/ح/غ/خ)، ومناطق اللسان (القاف لهوية، الكاف أمامها، الجيم/الشين/الياء وسطه، الضاد حافّتاه…)، والشفويتان (ف/ب/م/و)، والخيشوم للغنّة؛ وهي منهاج عمل لتمارين النفس والانتقال السلس وتلوين النبرة. أما اختلاف النطق فقديمٌ أصيل: للجيم أوجهٌ معاصرة ([d</span><span style="font-weight: 400;">͡ʒ</span><span style="font-weight: 400;">]، [</span><span style="font-weight: 400;">ʒ</span><span style="font-weight: 400;">]، [</span><span style="font-weight: 400;">ɡ</span><span style="font-weight: 400;">])، وللقاف صور ([q]، [ʔ]، [</span><span style="font-weight: 400;">ɡ</span><span style="font-weight: 400;">]) ذات دلالات مكانية وطبقية وزمنية، وتتحوّل الثاء/الذال/الظاء إلى س/ز/ظ أو ض في لهجات كثيرة، وتظهر ظواهر الإمالة وتخفيف الهمز. وظيفة الفنان تسخير التنوّع لخدمة الدور مع حفظ معيار فصيح عند الحاجة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> الآن ، عمومًا، نعيش ازدواجية لغوية (فصحى عالية/ فصحى متدنية ؛ عامية فوقية/ عامية يومية). ينجح العمل الدرامي حين يبدّل سِجِلَّ الفصحى بوعي: فـالفصحى العادية (المعيارية الميسَّرة) أصلحُ للدراما الاجتماعية المعاصرة حيث تُطلَب سرعة الفهم وقرب العبارة، بينما الفصحى المنمَّقة (المشدودة إلى الجزالة والوزن والوقف) أنسبُ للملاحم التاريخية والدينية حيث تُبنى الهيبة الأسلوبية. ويفشل حين يفرض المنمَّق على مشاهد يومية فيبدو متخشّبًا، أو يهبط بالمنمَّق في التاريخي إلى تلقينٍ جامد يفقد النَّفَس الملحمي. عمليًّا: تُعلِن كلّ تجربة «بيان أسلوب لغوي» يحدّد مستوى الفصحى ومفرداتها ودرج الإعراب وحدود التخفيف، وتُرصد ميزانية لتدريب الصوت، ويُعامَل المشرف اللغوي شريكًا إبداعيًّا لا شرطيًّا، وتُنشأ جوائز مزدوجة لأفضل أداء بالفصحى العادية وأفضل أداء بالفصحى المنمَّقة، مع برامج تبادل تدريبية بين العواصم العربية. الخلاصة: لغةٌ تخدم الدراما؛ نرفع معيار الفصحى المنمَّقة حيث يلزم المقام، ونُبقي الفصحى العادية حيّة حيث يقتضي الواقع، والمعيار النهائي دائمًا هو الإجابة عن مخدومية اللغة لهذا المشهد ولفكرته ولعقل المتلقي.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>سؤال الهوية والتسويق </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتحوّل الفصحى بنسختَيها  العادية و المنمقة من مجرّد خيار أسلوبي إلى شارة هوية تُترجم تسويقيًا إلى نفاذٍ أوسع أو أضيق؛ إذا اعتبرنا أن الفصحى المنمّقة تمنح العمل هالة «مرجعية» يستثمرها المنتجون في تسويق الدراما التاريخية والدينية عبر المنصّات والقنوات العابرة للحدود؛ إذ تقلّ كلفة التوطين، وتتعزّز قابلية التصدير لأن المخاطر اللهجية أقل؛ أو إذا ما قلنا إن الفصحى العادية الميسّرة ذات البيان الإذاعي والوقف الواضح تراهن على قابلية الاستهلاك السريع في الدراما الاجتماعية المعاصرة، فتُحافظ على الفصاحة بوصفها علامة مهنية وتمنح المتلقي انطباع "الحداثة المفهومة". بين هاتين المدرستين تتحرّك سياسات البائعين والمشترين: مديرو المحتوى والمشتريات في القنوات والمنصّات يقيسون مخاطر اللفظ على جمهور متنوّع، ويقرّرون هوية العمل (بان–عربي/محلّي) وفق مستوى الفصحى؛ ومن ثمّ تُعاد صياغة الهوية اللغوية للعمل باعتبارها أصلًا تجاريًا لا مكوّنًا فنّيًا فحسب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا تظهر السطوة،  فهناك قوة تسعير أعلى في المواسم الكبرى (وخاصة موسم رمضان) بفضل النجومية المصرية والبنية الإنتاجية، فيما راكمت المدرسة السورية عبر تدريب الفصحى التاريخي رأس مال لغوي يوظّف كميزة تنافسية في سلة البيع الإقليمي. تتحوّل قرارات المشرفين اللغويين ومديري الأداء الصوتي إلى أدوات سلطة داخل غرفة المونتاج؛  فيتم التدقيق في أي فصحى تُعتمد في البرومو التسويقي،  وإلى أيّ مدى يُرخَّص بالتخفيف مثلاً، وأيّ مفردات تُستبدل لتقليل الحساسية المحلية والإقليمية. هذه التفاصيل لا تحسم فقط جماليّات المشهد، بل تحدّد ممرّات التوزيع، وأسعار البيع، ونِطاق الترجمة ،والدبلجة. وعليه، فإن صراع الهوية بين مدارس الفصحى ليس اختلاف ذائقة فحسب؛ إنّه لعبة موقعٍ وسوق، حيث تُعاد صياغة الانتماء اللغوي بوصفه قيمة تبادلية تُقرِّر من يرى العمل، وبأي سعر، وفي أي خريطة بث.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><span style="font-weight: 400;"> </span><b>فوضى المنصات واعتذار لم يطفئ نارًا </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">صاحَبَ هذا التصريح ضجة في الشارع المصري، وسارع رموز مصريون بارزون، وفي مقدمتهم أشرف زكي نقيب الممثلين، إلى الدفاع عن زملائهم. وقد عقّب زكي بأن على حداد أن ينصرف إلى تحسين نفسه قبل انتقاد الآخرين، في تعليق يعكس عمق الإهانة التي شعر بها محترفو مصر. وأوحى هذا الدفع بأن تصريحات حداد تجاوزت حدًّا مرسومًا؛ على اعتبار أنه في حقل يُشاد فيه بمصر كثيرًا بوصفها "أمّ الفن العربي"، يُقرأ التشكيك في كفاءة الممثلين اللغوية على أنه تقويض لسلطة مصر الثقافية. وتبيّن الواقعة كيف يمكن أن تتحول مناقشات الكفاية اللغوية سريعًا إلى منازلات حول المكانة الوطنية والفنية، خصوصًا حين تكون ريادة مصر الثقافية موضع رهان. تُظهر واقعة تصريح حداد كيف يتقمص الجمهور دور الحارس لمعايير اللغة والثقافة. فقد لجأ مصريون كثيرون إلى وسائل التواصل للتعبير عن الغضب، ليس من الإهانة المتصوَّرة فحسب، بل أيضًا من الإيحاء بأن ممثليهم يفتقرون إلى الانضباط. ويكشف هذا الغضب أن النطق وإتقان الفصحى مرتبطان بالفخر الوطني: فالجمهور يتوقع معيارًا معينًا، حتى لو كان الترفيه اليومي يعتمد إلى حد كبير على العامية. كما تكشف الردود الإلكترونية انقسامات جيلية وأيديولوجية؛ فبينما يصر البعض على قدسية الفصحى لغةً للثقافة والتعليم، يرفض آخرون الانتقاد بوصفه متقادماً في بيئة إعلامية تهيمن عليها العاميات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إزاء تصاعد النقد، أصدر حداد اعتذارًا، موضحًا أنه لم يقصد الانتقاص من الممثلين المصريين. وشدّد على احترامه لإرث مصر الفني، واصفًا المصريين بأنهم "معلمون ورواد" وضعوا أسس المسرح والتلفزيون العربيين. وصرّح أيضًا بأن المصريين تجاوزوا مرحلة الانشغال بالفصحى، في إشارة إلى أن تركيزهم بات منصرفًا إلى أوجه إبداع أخرى. وبرغم نبرة التصالح، يكشف الاعتذار توترًا مستترًا: التمييز بين تقدير الإسهام المصري تاريخيًا وبين التساؤل عن النهج الراهن في التدريب اللغوي. وهذه الازدواجية تبرز كيف تحاول الاعتذارات في المنازعات الثقافية الموازنة بين توقير التقليد والاعتراف بتحولات الممارسة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> بالمحصلة، فتح هذا الحوار بابًا لنقاشٍ مهنيّ قديم حول معايير الأداء الصوتي في الدراما العربية ووظيفة اللغة داخل الأنواع الدرامية المختلفة. جاءت الاستجابات متباينة على نحوٍ يكشف خرائط النفوذ والاعتبارات الجمالية في الحقل نفسه؛ فقد قدّم محمد هنيدي تأييدًا حذرًا لملاحظة حدّاد، معتبرًا أن المشكلة تتعلق أساسًا بمخارج الحروف والإلقاء، ومشيرًا إلى نماذج تاريخية مرجعية (مثل "عمر" و"الزير سالم") وإلى أسماء مصرية سبقت وأتقنت الأداء الفصيح؛ في المقابل، وسّع أحمد حلمي زاوية النظر من الفصحى إلى تراجعٍ عام في سلامة التعبير حتى على مستوى العامية المصرية، وهو ما قرأه متابعون بوصفه إقرارًا بوجود فجوة تدريبية تستدعي مقاربات منظمة للإلقاء والصوت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الضفة الأخرى، لم يقتصر التفاعل على الفنانين المصريين أنفسهم أو المتابعين العاديين، ليتعداه أيضًا إلى مشايخ ودعاة دينيين إسلاميين يردون على حداد ان العربية المصرية هي قديمة وأن النطق سليم في القرآن وغيره،  ليخرج الداعية عصام تليمة ليدافع عن الرواية المصرية، وكيف كان يوسف وهبة وغيرهم يهتمون في الالقاء واللغة الفصحى، والكتابة وغيرها هي باللغة الفصحى. واتخذ أحمد ماهر موقفًا دفاعيًا صريحًا عن الإرث المصري، معتبرًا تصريح حدّاد تعميمًا مُجحفًا ينتقص من تاريخ طويل لممثلين أتقنوا الفصحى، ومُلمّحًا إلى ضرورة عدم تحويل ملاحظات جزئية إلى أحكام كليّة على الصناعة المصرية. وبين هذين الاتجاهين، قدّم مقدّم الندوة محمد المتيم سياقًا مكمّلًا، موضحًا أن المقطع المتداول مجتزأ من حوار أطول، وأن انتقاد حدّاد جاء بوصفه مثالًا لغويًا لا إساءة شخصية، مع التذكير بثلاث مسلّمات متداولة داخل الأوساط الفنية: تفوّق نسبي للدراما التاريخية السورية في العقود الأخيرة، وإتقان لغوي أعلى "في الغالب" لدى ممثلين سوريين ضمن هذا النوع تحديدًا، وثبات ريادة مصر إنتاجًا ونجومية على مستوى السوق العربية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على المنصات، تراوحت التفاعلات بين غضبٍ دفاعي قرأ في الكلام إساءة للمشهد المصري، ونبرة تهكّم طالت الدراما السورية، ومراجعات تاريخية ومناطقية كثيرة، وبين أصواتٍ حاولت تحويل الجدل إلى نقاشٍ مهني حول مكانة المشرف اللغوي، ومعايير اختيار السجلّ اللغوي تبعًا للنوع الدرامي (تاريخي/ملحمي مقابل اجتماعي/واقعي). وبمنظور نقدي وصفي، لا ينصبّ الخلاف على "قيمة" الفصحى بحدّ ذاتها بقدر ما يتعلّق بوظيفتها وحدودها داخل الأعمال: فالفصحى تُستخدم لإحكام الإطار الأسلوبي في العوالم التاريخية أو الدينية، بينما تظل العامية معيارًا للحميمية والمطابقة الواقعية في الدراما الاجتماعية. وعليه، تشير مجمل الردود إلى حاجةٍ مهنية متكررة لسياسات لغة أوضح داخل الإنتاجات، بما في ذلك التدريب الصوتي المنتظم، وتحديد أدوار المشرفين اللغويين، ووضع معايير معلنة لاختيار السجلّ المناسب للمشهد والنص.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> يكشف هذا السجال، وفق معطياته المعلنة، عن توتّرٍ بين معيارين للأداء؛  الأول هو معيار الضبط الصوتي الذي يرتبط تقليديًا بالأعمال التاريخية ويستدعي أدواتٍ تدريبية صارمة، والثاني هو معيار الصدقية الاجتماعية الذي يمنح العاميات أولويةً وظيفية في الدراما المعاصرة. وتُظهر خرائط المواقف أن الخلاف الحالي يصلح "مؤشرًا" على فراغٍ تنظيمي أكثر منه خصومة فنية، وهو ما يدفع مراقبين إلى ترقّب تحوّل النقاش من ردودٍ انفعالية إلى إجراءاتٍ عملية داخل المعاهد وورش العمل والبلاتوهات، بحيث تُصان قيمة الفصحى في مقامها ويُحافَظ في الوقت ذاته على واقعية العاميات حيث تقتضي بنية الحكاية.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36561">حروب الجيم: ماذا تكشف ضجة سلوم حداد عن هيبة الفصحى في الدراما العربية؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بين الحداثة والتطييف: مأزق الثقافة السورية وإرث العلمانية المهدد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36125</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 11 Aug 2025 12:26:53 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36125</guid>

					<description><![CDATA[<p>تبدو الثقافة السورية اليوم في حالة من التوتر والتصدع العميق، ليست مجرّد سجلّ تاريخي أو مجموعة ممارسات اجتماعية، بل هي ساحة صراع بين إرث فكري تنويري غني وجذور متجذرة في الحداثة، من جهة، وبين موجات متجددة من الخطابات الطائفية والهوياتية التي تصاعدت بشكل ملفت بعد عام 2011، من جهة أخرى. هذا الصراع ليس مجرد تنازع [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36125">بين الحداثة والتطييف: مأزق الثقافة السورية وإرث العلمانية المهدد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">تبدو الثقافة السورية اليوم في حالة من التوتر والتصدع العميق، ليست مجرّد سجلّ تاريخي أو مجموعة ممارسات اجتماعية، بل هي ساحة صراع بين إرث فكري تنويري غني وجذور متجذرة في الحداثة، من جهة، وبين موجات متجددة من الخطابات الطائفية والهوياتية التي تصاعدت بشكل ملفت بعد عام 2011، من جهة أخرى. هذا الصراع ليس مجرد تنازع بين أفكار، بل هو انعكاس لصراع أوسع داخل المجتمع السوري نفسه، حيث تكشفت هشاشة البناء الثقافي أمام الضغوط السياسية والاجتماعية، وفُجّرت الفجوات التي كانت مكبوتة أو مغلّفة في أزمنة سابقة. فالانتقال من ثقافة تنويرية حداثية، تؤمن بالمواطنة، والهوية الجامعة، وقيم الدولة المدنية، إلى ثقافة مسيسة طائفياً وهوياتياً، يمثل انهياراً نوعياً في العلاقة بين الفرد والمجتمع، كما بين الفرد والدولة، وهو مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بفقدان المشروع الثقافي الوطني الذي كان يجمع السوريين على اختلاف خلفياتهم.</p>
<p dir="rtl">ولا يمكن لهذا التحول أن يُفهم بوصفه مجرد تراجع إلى ما هو تقليدي أو بدائي، بل هو تمزق بين زمنين ثقافيين متباعدين؛ زمن مضى، حيث كان الانتماء إلى الدولة والمواطنة والعقلانية الفكرية يشكل الأساس الذي تبنى عليه الحياة الثقافية والاجتماعية، وزمن راهن يهيمن عليه انكفاء على الذات الطائفية أو القومية الضيقة، ما أدى إلى تشرذم الهوية السورية وتفكك نسيجها الاجتماعي. هذه الردات الثقافية ليست فقط انعكاساً للمآسي السياسية والاجتماعية، بل هي إعادة إنتاج لمنطق الصراعات على السلطة والنفوذ عبر الثقافة، حيث تُوظّف الهويات الطائفية كأدوات للهيمنة والتفرد، فتتقلص معها الفرص الحقيقية لإعادة بناء ثقافة وطنية جامعة قادرة على توحيد المجتمع السوري في مواجهة تحديات المستقبل.</p>
<p dir="rtl">بالتالي، فإن مأزق الثقافة السورية الراهن هو تجسيد لحالة أعمق من الانكسار في الرؤية الوطنية، وانهيار للحوار بين الأطياف الفكرية والثقافية المختلفة، وهو ما يجعل من استعادة الإرث العلماني والحداثي الذي عايشه المجتمع السوري منتصف القرن العشرين، ضرورة ملحة ليس فقط للحفاظ على الهوية الثقافية، بل لاستعادة أفق سياسي واجتماعي يضمن حداثة مجتمعية قادرة على التعايش والازدهار.</p>
<p dir="rtl">لقد كانت الثقافة السورية، حتى نهاية التسعينيات، تحتفظ بنقاشات فكرية غنيّة، كانت العَلمانية، ونقد الدين، والماركسية، والعقلانية، هي محاورها الأساسية. أسماء كصادق جلال العظم، وياسين الحافظ، وعزيز العظمة، ومحمد الجابري (رغم مغاربيّته)، شكّلت الوعي النقدي السوري والعربي بمجمله. لكن مع صعود النيوليبرالية الاستبدادية في العقد الأول من الألفية الجديدة، وازدياد تغوّل النظام في قمعه للسياسي والثقافي معًا، بدأت هذه النقاشات تخبو، وتحلّ محلّها تعبيرات مائعة عن "الخصوصية الثقافية" و"الإسلام السوري المعتدل" و"الدولة الحضارية"، وصولًا إلى العهد الذي انفجرت فيه الثورة، فوجدنا أنفسنا أمام ثقافة مفرغة من أدواتها النقدية، وأمام مجتمع سقط بين فكي خطابين: خطاب النظام الاستبدادي الأمني، وخطاب المعارضة المتطيّف والمسلّح.</p>
<p dir="rtl">ضمن هذا السياق، يمكن فهم ظاهرة الانبعاث المتأخر لخطابات الهويات، وتحديدًا الخطاب السني السياسي، الذي بدأ يُعيد قراءة التاريخ من بوابة "النهضة الأموية" تارة، و"الدولة السنية الكبرى" تارة أخرى. هذا التوجه لا يمكن فصله عن الانهيار الرمزي للهوية الوطنية الجامعة، ولا عن تراجع الإرث النقدي العلماني الذي مثّله صادق العظم في كتاباته. العظم، كما حلّله عزيز العظمة، لم يكن مفكرًا عابرًا للزمن، بل كان، على العكس، رجل لحظة نقدية بامتياز، لحظة استبطان الفوات، ومحاولة درء الكارثة.</p>
<p dir="rtl">في ظل الصعود المتسارع للتيار السني السياسي والثقافي، تجلى بوضوح تفاقم معضلة سرديات التفوق الثقافي التي أعادت إنتاج نموذج هيمنة طائفي يُسقط قيم التعددية والتنوع، ويكرّس لهيمنة ثقافة واحدة على حساب بقية مكونات المجتمع السوري. هذه السرديات، التي حاولت استعادة دور الطائفة السنية بالتفوق Sunni Supremacy كمركز لا يُنازع في الهوية السورية، لم تكن مجرد رد فعل لحالة الضعف السياسي، بل كانت جزءًا من مشروع أوسع لتفكيك المركز الطائفي التقليدي الذي سيطر على مفاصل الدولة، وتحويله إلى فضاء مفتوح للنفوذ الطائفي والسياسي المتنازع عليه. إذ تحولت الدولة السورية، التي كانت تحكم عبر منطق سيادة مركزية واضحة، إلى حالة من "سيولة طائفية" متزايدة، حيث فقدت الدولة قدرتها على فرض مشروع وطني جامع، وتحوّل حكمها إلى توزيع نفوذ طائفي متشظٍ، يعكس حالة انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي. هذا التحول أدى إلى انهيار البنية الوطنية الجامعة، وتحول الفضاء العام إلى ساحة صراع هويات متصارعة تتنافس على شرعية الهيمنة، على حساب قيم المواطنة والعقلانية والسيادة الوطنية. في هذه الأجواء، لم تعد الدولة ككيان جامع قادرة على احتواء التنوع السوري، بل غدت ساحة لتقلبات ومناكفات طائفية متحركة، ما يعزز من حالة الانقسام ويجعل من إعادة بناء الدولة الوطنية مهمة في غاية التعقيد والصعوبة، إذ يحتاج الأمر إلى إرساء مشروع سياسي ثقافي جديد قادر على تجاوز هذه الهيمنة الطائفية Sectarian Dominance ، واستعادة فكرة الدولة الجامعة التي تحتضن الجميع دون استثناء</p>
<p dir="rtl">في مقاله "صادق العظم واستبطان الفوات"، يقدّم عزيز العظمة قراءة فلسفية عميقة لموقع العظم في مشروع الحداثة العربية، لا كمفكّر حداثي وحسب، بل كمفكّر فوتيّ، أي وعي مأزوم بحالة التخلّف. إنه وعي مفارق: يرى نفسه منتمياً إلى عالم العقل والأنوار، لكنّه في الوقت ذاته يدرك تمامًا استحالة تحقيق هذه الأنوار في واقع عربي طارد للحداثة. العظم كان واعيًا لهذا التناقض، وكتابه "نقد الفكر الديني" ليس إعلانًا ضد الدين، بل إعلان ضد آلية اشتغال العقل الديني في مجتمعات فشلت في التنوير، وأحبطت مشاريع العقلانية.</p>
<p dir="rtl">وما يثير القلق هو أن ما شهده الخطاب الثقافي بعد الثورة لم يكن عودة إلى الدين الشعبي التقليدي فقط، بل تطييفًا عنيفًا لهذا الدين، وفرضًا له كهوية سياسية بديلة للدولة المنهارة. لم يعد النقاش يدور حول مكانة الإسلام في المجتمع، بل حول من يمثّل الإسلام السني "الحقيقي"، ومن يحق له أن يتحدث باسم "الأمة"، بل وباسم سوريا أيضًا. ومن هنا جاءت ظاهرة استدعاء الأمويين بصفتهم "نموذج الدولة السنية"، وكأن المطلوب الآن هو محو قرن من السجال العلماني والتنويري، والعودة إلى بدايات ما قبل الوطنية.</p>
<p dir="rtl">لا يعني هذا أن التيار العلماني قد اختفى تمامًا من المشهد الثقافي والاجتماعي السوري، لكنه تعرض لعملية انكماش حادة خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى تهميشه وفقدانه للفضاء الحيوي الذي كان يشغله سابقًا. هذا التيار، الذي كان يومًا ما حاضنًا لتيارات فكرية متنوعة تدافع عن قيم العقلانية، والمواطنة، والفصل بين الدين والدولة، أصبح اليوم محصورًا في دائرة ضيقة من النخب المثقفة والمفكرين المستقلين، الذين يعملون غالبًا في هامش المشهد العام، أو داخل فضاءات معرفية محدودة ومتخصصة. مفكّرون مثل ماهر مسعود وياسين الحاج صالح وغيرهم، لا زالوا يكتبون من موقع نقدي علماني واضح، يطرحون أسئلة جوهرية حول الهوية، والحداثة، والدين، والسياسة، ويحاولون المحافظة على قيم التنوير والعقلانية في وجه تصاعد الخطابات الدينية والسياسية المتشددة.</p>
<p dir="rtl">غير أن واقع الحال يؤكد أن الصوت الذي يعلو في الفضاء العام السوري، سواء عبر الإعلام، أو الخطابات السياسية، أو حتى في الساحات الشعبية، هو صوت الدعوة إلى "الخلافة"، أو "حكم الشريعة" أو "حكم السنة إلى يوم القيامة"، أو على الأقل "المرجعية الإسلامية" للدولة السورية القادمة، وهو صوت يعكس تحوّلًا دراماتيكيًا في موازين القوى الثقافية والسياسية. هذا الصعود للخطاب الديني والمرجعية الإسلامية لا يُعبر فقط عن قوة تنظيمية أو سياسية، بل يكشف عن فراغ ثقافي واجتماعي تركته تراجع التيار العلماني، وغياب مشروع حداثي جامع قادر على استيعاب التنوع السوري، والتعبير عن تطلعاته بمستوى وطني حقيقي.</p>
<p dir="rtl">كما أن هذا التحول يُظهر أيضًا عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع السوري في مفاهيم المواطنة والهوية، حيث تغدو الدين والسياسة متداخلين إلى حدّ كبير، ويتحول الخطاب الديني من كونه مكوّنًا ثقافيًا روحيًا إلى أداة للهيمنة السياسية والتموضع الإيديولوجي، ما يزيد من تعقيد المشهد ويُعطل فرص التفاهم الوطني الشامل. وفي هذا السياق، يواجه التيار العلماني تحديات جسيمة في استعادة مكانته وتأثيره، تتطلب إعادة بناء خطاب فكري قادر على تجاوز الانقسامات الطائفية، واستعادة القيم الجامعة التي تُعلي من شأن العقلانية والحوار والتسامح.</p>
<p dir="rtl">يبدو من المهم استحضار إرث العَلمانية السورية، ليس بوصفها مجرد فصل بين الدين والدولة، بل بوصفها نمطًا من أنماط التفكير الذي يجعل من العقل أساسًا للشرعية، ومن المساواة أساسًا للسيادة. إن التراث العلماني في سوريا، رغم هشاشته، قدّم نماذج مهمة في القرن العشرين، مثل دستور عام 1950، ومداولات الجمعية التأسيسية التي ناقشت حقوق المرأة والمواطنة واللغة الرسمية، ونصّت على الحريات السياسية. وقد لعبت النخب اليسارية والليبرالية المتصالحة مع العَلمانية دورًا محوريًا في تلك المرحلة، رغم أنها كانت نخبوية ولم تستطع تأسيس قاعدة جماهيرية.</p>
<p dir="rtl">اليوم، ونحن في خضمّ التحوّلات العنيفة التي عصفت بسوريا، ووسط التمزق بين الطوائف، والانفجارات الهوياتية، واختفاء فكرة "الدولة الوطنية" من التداول، يغدو استحضار هذا الإرث العلماني ضرورة ، ليس لأن العلمانية حلّ سحري، بل لأنها تتيح لنا التفكير في مجتمع لا يُختزل في طائفة أو دين أو إثنية أو شخصية دينية تستأثر بقرار المجتمع و تفرض العزلة. إنها الأفق الذي يمكننا من خلاله إعادة بناء الدولة باعتبارها عقدًا مدنيًا، لا مجرد توازنات طائفية أو انقلابات هوياتية. إن التطييف الذي اجتاح الخطاب الثقافي، حتى في أوساط مثقفي الثورة،  لا سيما بعد سقوط الأسد  في ديسمبر 2024، لا يعكس فقط تحولات اجتماعية، بل يعكس أيضًا انقطاعًا معرفيًا حادًا عن تقاليد النقد. ولعلّنا بحاجة الآن إلى العودة إلى أعمال صادق جلال العظم لا كتراث فقط، بل كممارسة نقدية قابلة للتجدد، تتيح لنا إعادة التفكير في السؤال السوري خارج ثنائيات النظام/المعارضة، أو السني/العلوي/ الدرزي/ الشيعي، أو الديني/العَلماني.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36125">بين الحداثة والتطييف: مأزق الثقافة السورية وإرث العلمانية المهدد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>فاروق الشرع: مثقف الدولة المختطفة والسلطة المستبدة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35853</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 15 Jul 2025 08:46:41 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35853</guid>

					<description><![CDATA[<p>في الأنظمة الشمولية ، لا تقتصر السلطة على أدوات القمع الخشنة، بل تمتد إلى آليات هيمنة ناعمة تُنتج سردياتها الخاصة، وتُعيد تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم استمراريتها؛ ليبرز "مثقف السلطة" بوصفه أداةً مركزية في تأبيد البنية الاستبدادية، من خلال تبرير السياسات، وتشويه المعارضة، وصياغة خطاب عقلاني يبدو كأنه من صُنع نخبوي مستقل، بينما هو في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35853">فاروق الشرع: مثقف الدولة المختطفة والسلطة المستبدة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في الأنظمة الشمولية ، لا تقتصر السلطة على أدوات القمع الخشنة، بل تمتد إلى آليات هيمنة ناعمة تُنتج سردياتها الخاصة، وتُعيد تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم استمراريتها؛ ليبرز "مثقف السلطة" بوصفه أداةً مركزية في تأبيد البنية الاستبدادية، من خلال تبرير السياسات، وتشويه المعارضة، وصياغة خطاب عقلاني يبدو كأنه من صُنع نخبوي مستقل، بينما هو في جوهره صدى مدجّن لأوامر رأس الهرم السلطوي. وفي المقابل، يبرز لدينا "مثقف الدولة" الذي ينتمي إلى فكرة الدولة بوصفها مؤسسة، أي كيان مستقل عن الحاكم، ويعمل على خدمة استقرارها، وسيادتها، ومصالحها العليا وترتيب روايتها أمام الإعلام بما يتناسب مع المنطق والحقيقة، ويبتعد عن مصالحه الخاصة لصالح العامة. قد يكون قريبًا من النظام السياسي، لكن ولاءه ليس مطلقًا له، بل مقيد برؤية طويلة المدى تتجاوز الأشخاص. غير أن الحدود بين "مثقف السلطة" و"مثقف الدولة" ليست دومًا واضحة، فثمة مثقفون خدموا في مواقع رسمية، لكنهم حافظوا على قدر من النزاهة الفكرية أو السلوك الأخلاقي، مما يجعلهم في موقع يستحق التفكيك لا الإدانة الفورية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تنقلنا هذه المقدمة والحديث عن نمطين للمثقف السياسي، إلى الحديث عن فاروق الشرع بوصفه مثقفًا سياسياً ودبلوماسيًا من الرعيل الأول في سورية، والذين عاصروا حكم الأسد الأب والأسد الابن؛ وروى في الجزء الثاني من مذكراته "مذكرات فاروق الشرع 2000-20215" (<a href="https://www.dohainstitute.org/ar/BooksAndJournals/Pages/farouk-al-sharaa-memoir-volume-two-2000-2015.aspx" target="_blank" rel="noopener">المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠٢٥</a>) شهادات على مراحل حساسة ومفصلية في تاريخ سورية المعاصر، والروابط بين القيادة القُطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي والأجهزة الأمنية في البلاد لتشكيل ملامح السياسة الداخلية والخارجية وإشرافها على ملفات حساسة لا سيما ملفات لبنان والفصائل الفلسطينية، بالإضافة إلى عرض صراعات السلطة وشخصيات القيادات وعلاقاتهم بالأنظمة العربية والدولية؛ وصولًا إلى الثورة السورية 2011، والاجتماعات الغنية والحساسة التي شارك بها والخطابات المتوازنة التي ألقاها في عدة مناسبات دولية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في عُرف نظام الأسد، لا يُمنح المثقف بأي صفة يحملها ، سواء دبلوماسية أو سياسية أو اجتماعية تقليدية، هامشًا للمعارضة أو حتى النقد البنّاء. بل تُعاد صياغته ليكون صوتًا وظيفيًا، يستعير مفردات التحليل والعقلانية ليخدم رواية السلطة. "مثقف السلطة" ليس بالضرورة بوقًا مباشرًا للقمع، لكنه غالبًا ما يكون شريكًا في شرعنته، باسم الدولة، وباسم الهوية، وباسم التاريخ أحيانًا. يُنتقى من بين النخب القادرة على الصياغة، على التبرير، وعلى تمرير القسوة بلغة الحرص، والانغلاق بلغة السيادة، والموت بلغة القدر الوطني. يختلف فاروق الشرع عن هذا النمط من المثقفين، لا سيما وأن الشرع لم يكن على ذات الصفحة التي كان عليها بشار الأسد، سواء اقتصادياً، أو أمنياً، أو حزبيًا، أو سياسيًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعلى الرغم من أن أدوات فاروق الشرع في تصدير خطابات الدولة أمام المحافل الدولية كثيرة تبدأ من الانتقاء التاريخي، والتصنيم الرمزي للرئاسة السورية، والحديث عن المفاهيم الكبرى كالديمقراطية والسيادة والاستعمار، إلا أن الشرع لم يتبع منهج مثقف السلطة القائم على التبرير الأخلاقي للعنف، وتسويق الرواية الرسمية كحقيقة مطلقة، وتشويه المعارضة بوصفها مشروعًا خارجيًا،  أو حتى صناعة خطاب "نخبوي" مزيف يدّعي الموضوعية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّ دبلوماسيًا مثقفًا مثل فاروق الشرع ليس ظاهرة جانبية، بل هو جزء بنيوي من جهاز الحكم، وضروري للسلطة كي تبدو متزنة، وقاسية، ولكن عقلانية. ولذلك، حين نتحدث عن فاروق الشرع، فإننا لا نحاكم شخصًا فقط، بل نحاكم نموذجًا لمثقف جمع بين الثقافة والدبلوماسية، ووقف على حافة الهوية بين الدولة والسلطة، دون أن يتجاوزها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>بين الدولة والنظام؛ واجهة العقل وضريبة الصمت</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وُلد فاروق الشرع في محافظة درعا السورية عام 1938، ودرس الأدب الإنجليزي ثم العلاقات الدولية، ليصعد سريعًا في السلم الدبلوماسي السوري، متحوّلًا إلى أحد أعمدة السياسة الخارجية السورية من السبعينيات وحتى بداية الألفية. وعلى مدى عقدين، مثّل الشرع وجه سوريا الرسمي في محافل دولية كبرى، من مدريد إلى جنيف، مقدمًا خطابًا عقلانيًا بدا ،مقارنة بسلوك النظام ، أكثر تهذيبًا واتزانًا. تميّز بلغته الدقيقة، وبلاغته المدروسة، وحرصه على تقديم "الدولة السورية" كفاعل عاقل، بعيد عن الفجاجة الأمنية التي طبعت النظام في الداخل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن خلف هذه الواجهة، لم يكن الشرع سوى أحد تروس ماكينة السلطة. فقد دافع، بوعي أو تحت الإكراه السياسي، عن رواية النظام في أكثر اللحظات دموية: مجزرة حماة، قمع الإسلاميين، وملف توريث الحكم. لم يُسجل له يومًا اعتراض علني، ولم يستقل حين بدأت سلطة الوراثة تهمّش جيله من البعثيين. ظل على ولائه لبنية الحكم، وإن كان بطريقته الخاصة: خطاب عقلاني دون عنف لغوي، لكن دون فعل سياسي مستقل. ومع صعود بشار الأسد، بدأ نفوذ الشرع في التراجع، لينتقل في 2006 إلى منصب "نائب الرئيس للشؤون الخارجية"، وهو منصب بلا صلاحيات حقيقية، أقرب إلى الإخراج البروتوكولي لإنهاء دوره دون كسره علنًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وجاءت الثورة السورية عام 2011 لتضع كل المثقفين الرسميين أمام اختبار حاسم. وكان الشرع أبرز هؤلاء. فقد انتظر السوريون أن يكون صوتًا أخلاقيًا، أو وسيطًا ممكنًا. لكنه اختار الصمت، تحت ضغط الالة القمعية للنظام الأسدي البعثي، وفاروق الشرع هو الذي اختبر وعرف هذا الآلة ومآلات معارضتها سواء. يُقال إنه رفض التوقيع على بيان يُهاجم المتظاهرين، فتم تهميشه وإقصاؤه بهدوء. لم يظهر بعدها سوى مرة واحدة في مؤتمر الحوار الوطني عام 2013، وألقى خطابًا بدا وكأنه اعتراف بالعجز أكثر مما هو موقف. هذا الصمت الذي استمر لعشر سنوات، يفتح تساؤلات مؤلمة: هل كان الشرع مثقفًا عاجزًا؟ أم سياسيًا مأزومًا؟ أم بيروقراطيًا أخطأ في الحسابات وبقي في الظل يدفع ثمن تردده؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليس الغرض من تناول تجربة ومذكرات فاروق الشرع إصدار أحكام أخلاقية مبسطة: هل هو خيّر أم شرير؟ بل المطلوب هو تفكيك البنية التي جعلت من رجل مثل الشرع بثقافته، وخبرته، وخطابه الهادئ مجرّد ظلّ في نظام لا يسمح بالضوء إلا للولاء المطلق. الشرع لم يكن من زمرة القتلة، ولم يتورط، بحسب الشهادات التي أظهرها كتابه والكلمات التي عبرت عن ذاكرته، في التخطيط الأمني أو التعذيب أو الفساد. لكنه في ذات الوقت أيضًا لم يخرج عن النص الذي حددته سلطة آل الأسد، لم يُصادم، لم يحتجّ، لم يستقل. بقي داخل الحدود المرسومة له، وبقي صمته في لحظة الحقيقة علامة على الأزمة الأخلاقية التي يعيشها مثقفو الدولة حين لا يعود هناك فرق بين الوطن والنظام.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تجربة الشرع تلخص مأزق "مثقف الدولة" في نظام قائم على العائلة والمخابرات: إما أن تنخرط بالكامل في ماكينة الولاء، أو أن يتم تهميشك. ليس هناك منطقة وسطى. وإن وجدت، فهي مجرد انتظار بطيء للنهاية. في هذا السياق، يُمكن قراءة الشرع كشخصية حاولت أن تخلق فرقًا في حدود الممكن، لكنها فشلت، أو لم تمتلك الإرادة الحاسمة لفعل ذلك. وربما كان يدرك حجم البنية السلطوية التي يواجهها، فاختار الانكفاء على الذات، بدلًا من الاصطدام معها. لكن هذا الخيار ، في منطق التاريخ والعدالة، لا يعفي من المسؤولية، ولا يمنح صكّ البراءة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن مأساة الشرع، شأنها شأن مأساة كل مثقف رسمي في الأنظمة الاستبدادية، تكمن في أنه يظل مرهونًا بالسلطة حتى حين يبدو أنه يخدم الدولة. وهكذا، حين تتغيّر المعادلات، ويأتي زمن الأسئلة، لا يعود المثقف الذي صمت يُنظر إليه بوصفه حكيمًا، بل كشاهد لم يتكلم، كشريك صامت في الجريمة، أو على الأقل كشائنٍ لفرصةٍ ضائعة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>في محكمة العزلة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لحظة مفصلية من تاريخ سوريا الحديث أعادت فاروق الشرع، الرجل الذي عايش قلب النظام السوري لأربعة عقود، ليطلق شهادته الثانية على زمنين متداخلين: زمن الدولة وزمن الانهيار. المثير أن صدور الكتاب تزامن مع حدث تاريخي غير عابر: سقوط النظام السوري نفسه في عام 2025. لكن هذا التزامن لا يندرج ضمن سيناريوهات اختيارية، بل هو محض مصادفة، إذ أن الشرع كان قد أنهى كتابة الجزء الثاني منذ عام 2019، وركن بعدها إلى عزلة طويلة في منزله الدمشقي، بعيداً عن الضوء، شاهداً على انطفاء الدولة التي ساهم في بنائها، ومراقباً بمرارة ما خلفه "الوريث". الوريث الذي لطالما وصفه الشرع بالسايكوباتي، ووصفه السوريون بالقاصر، الذي أودى البلاد إلى هلاك وارتهانات بيد دول عدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مذكرات المثقف هذه المرة ليست مجرّد وثيقة سياسية، بل هو عمل ثقافي إنساني خالد في جوهره، يتيح الدخول إلى خفايا آل الأسد ودهاليز القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وتفاصيل وفاة واغتيال أصدقاء سياسيين وأمنيين رسموا معالم سورية الحديثة إلى مدة غير بعيدة ، وأسسوا لمستقبل انتهى بسقوط النظام البعثي. إنه نصّ يعيد تعريف مفهوم "مثقف الدولة" لا بوصفه أداة تنفيذ أو مدافعاً عن النظام، بل باعتباره شاهدًا حقيقيًا على انكسار المشروع الوطني من الداخل، وباحثاً في الوقت الضائع عن صيغة نجاة لم تتحقق. ففي ثقافة الاعتراف والذاكرة، لا يكتفي الشرع بسرد الأحداث، بل يحاكمها أخلاقيًا وسياسيًا، من موقع من يعرف أكثر مما يُقال، ويقول أقل مما يُعرف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمثّل الشرع في كتابه هذا نوعًا خاصًا من المثقفين السياسيين: من أولئك الذين لم ينشقوا، ولم يصمتوا، بل اتخذوا موقفًا مركّبًا بين التراجع والمراجعة، بين الحذر والكشف، بين الإدانة والصمت المبطّن. هو مثقف الدولة حين كانت الدولة تتسع لجميع السوريين، ثم أصبح شاهداً على اغترابها عن ذاتها وانزلاقها في الغنيمة والخراب.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الرواية التي لم تُروَ</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مذكراته الثانية، لا يتحدث الشرع عن نفسه بقدر ما يتحدث عن دولة تتفكك، ورئيس يتلاشى في نرجسيته، ونظام يتخلى تدريجيًا عن السياسة. يعاين من موقعه مسؤولاً ووزيرًا ونائباً للرئيس تحول بشار الأسد إلى حاكم معزول عن الواقع، غارق في الهوس الإعلامي، فاقدٍ للتعاطف، وعديم الوفاء بوعوده. يصفه بوضوح مدهش بأنه "نرجسي سيكوباتي"، فاقد للشعور، يعيش في وهم الأبدية، وينتج نظاماً من التبلّد الأمني والخواء السياسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يحفل الكتاب بقراءة دقيقة لكواليس القرار السياسي في سوريا، وكيف تحولت الاجتماعات إلى مناسبات للتهرّب من المسؤولية، وتحوّل الحوار إلى غطاء زائف للعنف. يروي الشرع بأسلوبه المتأني كيف خُذلت المبادرات السياسية منذ أيامها الأولى، بدءًا من اللقاء التشاوري في 2011 الذي ترأسّه، وكان أوّل محاولة جادة لإنقاذ البلاد سياسيًا، لكن بشار انقلب عليه وسرّب أوامر إلى اتحادات البعث لتشويه المؤتمر ونزع شرعيته. يوضح الشرع، المثقف البعثي السابق، كيف جرى تخريب اللحظة السورية داخليًا، وليس فقط نتيجة للتدخلات الخارجية، منتقدًا الانحطاط الأخلاقي في الأداء الرسمي، والعجز السياسي عن الإصلاح، والانصراف إلى "الهيبة الشكلية" عوضًا عن احتواء الشارع الغاضب.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الدولة بصفتها منفى</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتيح لنا هذه الذاكرة عرضًا واسعًا لتفاصيل الإقصاء السياسي التي تعرّض لها بعد 2013. لم يُقَل له إنه مرفوض، لكن أُغلِق مكتبه، وجرى تسريح موظفيه، ومنع زملاؤه من زيارته، في واحدة من أكثر عمليات "الإبعاد الناعم" وحشيةً في تاريخ البيروقراطية العربية. ولم يكن هذا سوى تتويج لمسار طويل من العزل الرمزي بدأ منذ لحظة تراجع الأسد عن الحوار الوطني الذي كلفه الشرع بترأسُه. في هذا السياق، يُستدعى مفهوم "مثقف الدولة" بصفته وظيفة لا تنفصل عن شروط السلطة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بإمكانية التحول إلى ضميرها. فالشرع ــ الذي لم ينشق كما يوضح ــ لم يترك النظام لأنه لم يؤمن بأن البدائل الدولية تقدّم مشروعًا وطنيًا، لكنه اختار "الاعتكاف" كصيغة احتجاجية نادرة في تراث السياسيين السوريين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الشرع، المثقف الذي كان شاهداً ومشارِكاً ومهمَّشاً، لم يُرد أن يكون شريكاً في تدمير سوريا، فكتب شهادته واعتكف. وفي هذا، يقدّم نموذجاً مركباً ومؤلماً عن المثقف الذي يعي حدود الممكن، ويفضّل أن ينسحب بصمته لا أن يبرر بالجهر، ولكنه في الوقت نفسه يكتب، ليقول: لقد كنتُ هناك، ورأيت، وأردت شيئًا آخر.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>من الذاكرة إلى الورق </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان المثقف التقليدي في النظم السلطوية يُستدعى ليبرر السياسات القائمة، فإن الشرع يقلب هذا الدور. هو لا يبرر، بل يروي. لا يدين الشعب، بل يُدين النظام. ولا يكتفي بالمراجعة، بل يكشف، رغم بعض المسكوت عنه. وهو إذْ يفعل ذلك، ينتقل من موقعه الرسمي إلى موقعه الثقافي، حيث تصبح الذاكرة وثيقة، ويصير الاعتكاف مقاومة رمزية، وتغدو الكتابة وظيفة أخلاقية. هكذا لا يعود كتاب "مذكرات فاروق الشرع 2" مجرد سجل سياسي، بل نصًا ثقافيًا، يجمع بين سرد السيرة وتحليل البنية، وبين كشف التفاصيل وتشريح الكارثة. وفي لحظة ما بعد السقوط، يمكننا أن نقرأه كوثيقة تأسيس لرواية سورية بديلة، تحاول أن تقول ما لم يُقَل، وتعيد الاعتبار للسياسة بوصفها حوارًا لا رصاصة. إنه نص المثقف السياسي في أقصى تجلياته: المتردد، الناقد، الموجوع، والمُصرّ على أن الحكاية لم تنتهِ بعد.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35853">فاروق الشرع: مثقف الدولة المختطفة والسلطة المستبدة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title> المثقف السوري من الثورة إلى الدولة: أدوار جديدة أم أعباء قديمة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35625</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مهيب الرفاعي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 03 Jun 2025 08:06:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35625</guid>

					<description><![CDATA[<p>يروي المثقف السوري حكاية معقدة من الخوف والحياد والتواطؤ، تتقاطع فيها السياسة بالثقافة وتتشابك فيها معارك المعرفة مع سطوة الاستبداد، منذ أن استولى حزب البعث على السلطة عام 1963. حينها، بدأ المثقف السوري يعيش تحت وطأة سلطة تسعى لاختراق المجال الثقافي وتطويعه خدمةً لأهدافها السياسية وترويجًا لسرديتها الأمنية والعسكرية وتوظيف النخب الثقافية متحدثين باسم هذه [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35625"> المثقف السوري من الثورة إلى الدولة: أدوار جديدة أم أعباء قديمة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">يروي المثقف السوري حكاية معقدة من الخوف والحياد والتواطؤ، تتقاطع فيها السياسة بالثقافة وتتشابك فيها معارك المعرفة مع سطوة الاستبداد، منذ أن استولى حزب البعث على السلطة عام 1963. حينها، بدأ المثقف السوري يعيش تحت وطأة سلطة تسعى لاختراق المجال الثقافي وتطويعه خدمةً لأهدافها السياسية وترويجًا لسرديتها الأمنية والعسكرية وتوظيف النخب الثقافية متحدثين باسم هذه الرواية. تعمّد فيها نظام الأسد ( الأب والابن)  رسم سياسة مزدوجة تجاه النخب الثقافية: سياسة احتواء ناعمة وسياسة إقصاء عنيفة؛ وسياسة إرضاء وسياسة ترهيب، ليسير المشهد الثقافي بطريقة مخابراتية أمنية لا مجتمعية فكرية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في سياق الاحتواء، أُنشئت اتحادات رسمية مثل اتحاد الكتاب العرب واتحاد الصحفيين، وقدّمت جوائز الدولة التشجيعية، وفتحت مساحات ترويج إعلامية للمثقفين الذين أبدوا استعدادًا لتجميل صورة النظام أو لتبرير سياساته. وجاءت نقابة الفنانين السوريين لتنظيم عمل فني جامع يضم الفنانين السوريين تحت سقف واحد، وهو السقف الذي حدده آل الأسد بحكمهم للبلاد. أبرز المدافعين عن سياسات النظام كان الشاعر السوري علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس) الذي لم يتوانَ يومًا عن مهاجمة الثورة والمعارضة السورية متبنيًا رواية نظام الأسد في "حربه ضد الإرهاب"، ودريد لحام الذي كان يعلن ولاءه لنظام الأسد في كل محفل فني ولقاء تلفزيوني. هؤلاء دفعتهم رغبة جامحة بالتملق لسلطة الأسد، إذ رؤوا أن هذه السلطة هي سبيل الخلاص متجاهلين إرادة الشعب الحقة بالتغيير. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سابقًا، لم يتردد نظام الأسد الأب في اللجوء إلى القمع ضد من رفض الاصطفاف وراء تغريد جوقة البعث؛ فكان الاعتقال مصير كثيرين، مثل ميشيل كيلو وعارف دليلة، والمنع من النشر لاحق كتّابًا معارضين، والنفي أُجبر عليه آخرون أمثال صادق جلال العظم. هذه السياسات الثنائية أدت إلى إنتاج مشهد ثقافي مشوّه؛ بدا فيه المثقف إما تابعًا أو مقصيًا أو منكفئًا؛ ليتابع نظام الأسد الابن حملة القمع الممنهجة التي استهدفت المثقفين والفنانين الذين عبّروا عن دعمهم للحراك الشعبي أو انتقدوا سياسات النظام، ليكون من أوائل الفنانين والمثقفين الذين اعتقلهم النظام الناشطة الحقوقية ريما فليحان، الممثلة مي سكاف، والكاتبة والمؤلفة التلفزيونية يمّ مشهدي، وفادي زيدان، ونضال حسن، وسارة الطويل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الأرض، تنوّعت أساليب القمع بين الاعتقال التعسفي والتعذيب والتصفية الجسدية ومصادرة الممتلكات والتضييق المهني، ما دفع العديد منهم إلى المنفى أو الصمت القسري. ومن أبرز حالات الاعتقال والتصفية زكي كورديللو وابنه مهيار اللذان اعتقلا في أغسطس 2012 بعد مداهمة منزلهما في دمشق، ولا يزال مصيرهما مجهولًا حتى اليوم، وعدنان زراعي الكاتب الدرامي الذي اعتُقل في بداية 2012 وتعرّض لتعذيب شديد، وسمر كوكش الفنانة التي حُكم عليها بالسجن خمس سنوات بتهمة تمويل الإرهاب بعد اعتقالها دون محاكمة لمدة عام، ومحمد رشيد رويلي الكاتب والأديب الذي قضى تحت التعذيب في نوفمبر 2012 بمدينة دير الزور، ومحمد أكرم رسلان رسام الكاريكاتير الذي توفي تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز التابع للنظام. ولم تقتصر ممارسات النظام على الاعتقال والتعذيب، بل شملت أيضًا مصادرة الأملاك إذ أصدر النظام قرارات بمصادرة ممتلكات عدد من الفنانين المعارضين، منهم أصالة نصري وفارس الحلو ويارا صبري وكندة علوش وعبد الحكيم قطيفان وجمال سليمان. كما تعرّض عدد كبير من الفنانين للتهجير القسري بعد تلقيهم تهديدات بالقتل أو الاعتقال، منهم جمال سليمان وسامر المصري ويارا صبري وعبد الحكيم قطيفان، والمخرج هيثم حقي وفارس الحلو وكندة علوش ومكسيم خليل وجهاد عبدو. وحتى الفنانين الذين حاولوا التزام الحياد لم يسلموا من التضييق إذ أُجبروا على إعلان الولاء العلني للنظام لضمان سلامتهم واستمرارهم المهني، وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 14 فنانًا سوريًا، منهم أربعة قضوا تحت التعذيب، واعتقال 50 فنانًا لا يزال تسعة منهم قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري. تعكس هذه الانتهاكات حجم القمع الذي مارسه النظام السوري ضد المثقفين والفنانين الذين استخدموا أدواتهم الثقافية والفنية للتعبير عن تطلعات الشعب السوري، ورغم المخاطر استمر العديد منهم في النضال من أجل الحرية والكرامة سواء من داخل السجون أو من المنافي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ظل هذا الواقع، تشكلت أنماط مختلفة من المثقفين؛ فإضافة إلى المثقف الموالي الذي خدم النظام بوعي أو بدون وعي، مبررًا ممارساته القمعية ومدافعًا عن «ثوابت» الدولة الأمنية، مثل وائل رمضان وسلاف فواخرجي ودريد لحام وأدونيس، ظهر المثقف الصامت الذي اختار الانكفاء على ذاته، محافظًا على مسافة آمنة من السلطة، إما خوفًا من البطش أو قناعة بعبثية المواجهة؛ والمثقف المعارض والمنفي، الذي انحاز لقيم الحرية والديمقراطية ودفع ثمن ذلك سجنًا أو نفيًا أو تهميشًا كاملًا.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b> أسئلة مصيرية ووجودية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، طُرحت على المثقف السوري أسئلة مصيرية جديدة، وانقسم المثقفون حينها بين من انخرط بوضوح في الثورة ودعم حراك الشارع المطالب بالحرية والكرامة، وبين من اكتفى بالمراقبة، إما خوفًا من تعقيدات المشهد أو لعدم وضوح البدائل، وبين من واصل دعم النظام تحت ذرائع «الخوف من الفوضى» أو «المؤامرة». ورغم انخراط بعض الأسماء الثقافية الوازنة في صفوف الثورة، بقي صوت المثقف عمومًا أقل بروزًا مقارنة بالنشطاء السياسيين والميدانيين، لأسباب تعود إلى تآكل استقلاليته خلال عقود الاستبداد، وضعف تقاطع المثقفين مع قواعد اجتماعية أوسع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، عاد النقاش حول «وظيفة المثقف» بقوة إلى الواجهة، ولا سيما في ظل التجاذبات بين النخبة والعوام وبين الرسمية والشعبوية. لقد صار واضحًا أن إعادة بناء سوريا الجديدة تقتضي ثقافة سياسية مختلفة جذريًا عن ثقافة الخضوع والتبعية. يُنتظر من المثقف اليوم أن يغادر موقع التبرير أو الحياد السلبي، ليصبح طرفًا فاعلًا في مشروع تأسيس دولة مدنية ديمقراطية. تقع على عاتقه مهمة استعادة استقلاليته الفكرية والمساهمة في صياغة خطاب جديد يعزز قيم الحرية والمواطنة والعدالة الاجتماعية، ويقطع مع إرث ثقافة الخوف والتواطؤ. إن سوريا ما بعد الاستبداد تحتاج إلى مثقف قادر على النقد والمساءلة وعلى تجسير الهوة مع المجتمع، بعيدًا عن النخب المعزولة أو المؤسسات الرسمية المفرغة من مضمونها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>المشاركة السياسية بين النقد والبناء</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، يبرز سؤال محوري حول دور المثقف في بناء الدولة الجديدة: هل يجب أن يظل المثقف في موقعه النقدي الخارجي، أم أن المرحلة تفرض عليه الانخراط المباشر في مؤسسات الدولة والمساهمة في صياغة مستقبلها؟ في السياق السوري، يواجه المثقف تحديات كبيرة في تحديد موقعه ودوره في المرحلة الانتقالية. من جهة، هناك حاجة ماسة لحرية التعبير والرأي في سوريا الجديدة ما بعد الأسد. تتيح هذه الحرية للمثقفين السوريين المشاركة في صياغة الدستور وبناء مؤسسات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، إضافة إلى تطوير سياسات التعليم والثقافة التي تعكس تطلعات الشعب السوري. ومن جهة أخرى، على المثقف أن يحافظ على استقلاليته الفكرية والنقدية، لتجنب الوقوع في فخ التبرير والدعاية الذي ساد في العهود السابقة؛ وألا يتحول إلى بوق سلطة يعيد تشكيل خطابها كما حصل مع مثقفي بلاط الأسد وحاشيته. ربما يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه المثقف السوري اليوم في كيفية التوازن بين الانخراط في بناء الدولة الجديدة والحفاظ على دوره النقدي المستقل. فالمشاركة السياسية للمثقف يجب أن تكون مبنية على قيم الحرية والعدالة والمساواة، وأن تهدف إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون المثقف حذرًا من الانخراط المفرط الذي قد يؤدي إلى فقدان استقلاليته وتحوله إلى أداة في يد السلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع الحفاظ على استقلاليته الفكرية والابتعاد عن التسييس المفرط، المثقف الحقيقي هو الذي يسهم في بناء الدولة، دون أن يفقد قدرته على النقد والمساءلة؛ إذ إنه في امتدادٍ لمسؤوليات المثقف السوري في المرحلة الانتقالية، لا يتوقف دوره عند المساهمة في بناء مؤسسات الدولة الجديدة، بل يتعمق ليشمل إعادة صياغة الخطاب الثقافي برمّته، بحيث يتحول من خطاب نخبوي ضيق إلى خطاب وطني جامع يعزز المواطنة ويعكس التعددية الحقيقية للمجتمع السوري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شأنهم شأن أي ثائر، دفع المثقفون السوريون ثمنًا باهظًا لمواقفهم الفكرية والسياسية. فوفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يزال أكثر من 156,000 شخص، بينهم مثقفون وأكاديميون، معتقلين أو مختفين قسريًا حتى ديسمبر 2023 . كما تشير تقارير أخرى إلى أن آلاف المثقفين السوريين تعرضوا للاعتقال أو النفي خلال العقود الماضية، ما أدى إلى تفريغ الساحة الثقافية من الأصوات النقدية .</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من بين هؤلاء، برزت شخصيات مثل مي سكاف، التي جمعت بين الفن والنشاط السياسي حتى وفاتها في المنفى، وسمر يزبك، التي وثّقت تجربة الحرب واللجوء من منظور نسوي وإنساني، وعبد الله فاضل وحسيبة عبد الرحمن مثالين على المثقفين اليساريين الذين عانوا السجن والتعذيب، لكنهم ظلوا متمسكين بقيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية .</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، يُستحضر مفهوم "المثقف العضوي" لأنطونيو غرامشي، الذي يرى أن المثقف يجب أن يكون مرتبطًا بقضايا مجتمعه، لا منعزلًا في برج عاجي. كما يُستأنس برؤية إدوارد سعيد في كتابه "المثقف والسلطة"، حيث يؤكد على ضرورة أن يكون المثقف صوتًا للحق في وجه السلطة، حتى وإن كان ذلك على حساب راحته الشخصية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن تجديد الخطاب الثقافي السوري يتطلب مراجعة نقدية للإرث الثقافي، وتحريره من رواسب البعثية والطائفية، وإعادة الاعتبار للتعددية الثقافية. كما يتطلب دعم حرية التعبير، وتشجيع ثقافة الحوار، وإنتاج سرديات وطنية جامعة. وفي ظل الثورة الرقمية، يمكن للمثقف استثمار الفضاء الرقمي لإعادة بناء الفضاء العمومي، وتوسيع دائرة التأثير الثقافي.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>تجديد الخطاب الثقافي </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في امتداد لمسؤوليات المثقف السوري في المرحلة الانتقالية، لا يتوقف دوره عند المساهمة في بناء مؤسسات الدولة الجديدة، بل يتعمق ليشمل إعادة صياغة الخطاب الثقافي برمّته، بحيث يتحول من خطاب نخبوي ضيق إلى خطاب وطني جامع يعزز المواطنة ويعكس التعددية الحقيقية للمجتمع السوري. فبعد عقود من تسخير الثقافة لخدمة الأيديولوجيا البعثية، التي طمست التعددية الثقافية السورية وروّجت لخطاب قومي مركزي ضيق، بات من الضروري الشروع في مراجعة نقدية للإرث الثقافي السوري. فعليًا، لا عني هذه المراجعة محو الماضي، بل غربلته بوعي مطلق لينتج لدينا تحرير الإنتاج الثقافي من رواسب البعثية والطائفية والأيديولوجيات المغلقة التي هيمنت على العقود الماضية، وإعادة الاعتبار للثقافات المهمّشة وللهويات الوطنية المتعددة ضمن نسيج اجتماعي واحد. في هذا السياق تبرز أهمية إعادة تعريف دور "المثقف العضوي"، ليصبح المثقف السوري جسرًا بين النخب والجماهير، وليس ناطقًا باسم السلطة أو منعزلًا في أبراجه العاجية. لم يعد مقبولًا أن يبقى المثقف حبيس الحلقات الضيقة أو المؤتمرات المغلقة، بل عليه أن ينخرط عمليًا في الحياة العامة، مسهمًا في بناء سياسات تعليمية وثقافية جديدة، مشاركًا في صياغة الدستور، وفي تعزيز العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع تغيير طاقم وزارة الثقافية السورية، لا بد من إيجاد أدوات تجديد الخطاب الثقافي في سوريا تتطلب دعمًا فعليًا لحرية النشر والتعبير، وتشجيع ثقافة الحوار النقدي والتسامح، مع إنتاج سرديات وطنية جامعة تُعيد الاعتبار للتنوع السوري بمختلف مكوناته العرقية والدينية والمناطقية. كما تفرض المرحلة المقبلة على المثقف مواجهة تحديات معقدة، أبرزها التصدي لخطابات الكراهية والانقسامات الطائفية التي عمّقتها الحرب، والعمل على توثيق ذاكرة الانتهاكات بهدف بناء ذاكرة جمعية عادلة تكون جزءًا من عملية المصالحة الوطنية. ومع صعود الفضاء الرقمي، صار أمام المثقف فرصة نوعية لتوسيع دائرة تأثيره عبر استثمار وسائل الإعلام الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي لإعادة بناء الفضاء العمومي السوري، وتعزيز الحوار المفتوح وتسهيل تداول الأفكار بين مختلف فئات المجتمع، داخل الوطن وخارجه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن تجديد الخطاب الثقافي السوري ليس مشروعًا نخبويًا معزولًا، بل رافعة أساسية لبناء سوريا الجديدة، دولة مدنية ديمقراطية تتسع للجميع، وتصون حقوق الأفراد والمجموعات في ظل نظام سياسي تعددي حديث. المثقف السوري اليوم مطالب بألا يكتفي بالتنظير ولا بالتاريخ، بل أن يكون جزءًا من عملية إعادة التأسيس الثقافي على أسس الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية، وهذه مسؤولية لا يجوز التفريط بها بعد كل هذا الثمن الذي دفعه السوريون.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35625"> المثقف السوري من الثورة إلى الدولة: أدوار جديدة أم أعباء قديمة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-10-19 08:36:15 by W3 Total Cache
-->