<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>فخري صالح - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/297rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/297rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Fri, 13 Feb 2026 15:35:39 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>فخري صالح - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/297rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>نفتقد صوته المدوي العميق في زمن الإبادة الجماعية: الشعر العربي بعد محمود درويش</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37485</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فخري صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 09 Feb 2026 09:24:50 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37485</guid>

					<description><![CDATA[<p>رغم أن سبعة عشر عامًا مرَّت، حتى الآن، على رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، إلا أن حضوره ما زال طاغيًا في مشهد الشعر العربي المعاصر، وربما يكون من بين قلة من الشعراء العرب، في زماننا الراهن، الذين استطاعوا أن يحققوا جماهيرية واسعة. لكنه، في الوقت نفسه، طوَّر عمله الشعري، ليجعل منه مرآة للوجود الإنساني، ومشكلات [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37485">نفتقد صوته المدوي العميق في زمن الإبادة الجماعية: الشعر العربي بعد محمود درويش</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>رغم أن سبعة عشر عامًا مرَّت، حتى الآن، على رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، إلا أن حضوره ما زال طاغيًا في مشهد الشعر العربي المعاصر، وربما يكون من بين قلة من الشعراء العرب، في زماننا الراهن، الذين استطاعوا أن يحققوا جماهيرية واسعة. لكنه، في الوقت نفسه، طوَّر عمله الشعري، ليجعل منه مرآة للوجود الإنساني، ومشكلات الكائن ومكابداته في العالم، وللتراجيديا الفلسطينية، في الوقت نفسه، واضعًا فلسطين في وعي العالم. ولعلنا، لهذه الأسباب مجتمعة، نفتقد صوته المدوي، العميق، في زمن الإبادة الجماعية، وغزة تذبح يوميًّا، من الوريد إلى الوريد.<b>  </b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لنفكك العنوان. فهو يفترض أن الشعر العربي قبل محمود درويش (1941- 2008) كان شيئًا، وأصبح شيئًا آخر بعده، حيث استطاع درويش أن يضيف إلى حركة الحداثة الشعرية العربية اقتراحات جمالية، وإيقاعية، وصيغًا مجازية واستعارية، في التعبير عن العالم، تُنسب إليه، دون غيره من الشعراء العرب، ويمكننا التعرُّف بسهولة على أصدائها وتأثيراتها في قصائد غيره. وهذا صحيحٌ، بالطبع، لا ينازع فيه منازع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن العنوان أيضًا يفترض، إذا أوَّلنا الأمر  على نحو آخر، أن الشعر العربي بعد رحيل درويش أصبح شيئًا مختلفًا، وفقد بعضًا من زخمه، وطاقته الخلاقة، واقتراحاته، التي كان يمكن لمحمود درويش أن يختبرها، ويجد لها حلولًا شعريَّة، لو أنه عاش أكثر من أعوامه السبعة والستين، على هذه الأرض. كما أن الشعر العربي، بعده، فقد بعضًا من قدرته على مخاطبة جماهير أوسع، وشرائح متعددة، وأفهامًا مختلفة، بين القراء والمستمعين إلى الشعر، واضعين في الحسبان تلك الجماهيرية الواسعة التي اكتسبها محمود درويش وشعره، في أثناء حياته، وبعد رحيله، كذلك. فما زال هو، حتى هذه اللحظة، الأعلى مقروئية، والأكثر اقتباسًا، من شعره، خصوصًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وزمن الإبادة الجماعية التي تتعرَّض لها غزة الجريحة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والواقع أن هذه الافتراضات جميعًا تمتلك بعضًا من الوجاهة، والمعقولية، لكنها تُغفِل، في الوقت نفسه، حقيقة أن محمود درويش كان له سابقون، ومجايلون، وكذلك لاحقون، سواءٌ في الجناح الفلسطيني من الحركة الشعرية العربية، أو في الشعر العربي، عامًّة. وهو ما يجعل من الحديث عن الشعر العربي، بعد محمود درويش، مكتَنَفًا بالكثير من المصاعب، المنطقية والمعرفية، والزمنية التاريخية.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد كتب محمود درويش قصائده الأولى، بدءًا من السنوات الأولى لستينيات القرن الماضي، بتأثير ما تسرَّب إليه، وإلى جيله الفلسطيني، ممن يطلق عليهم اسم شعراء المقاومة، من شعر عربي أنجزه الرواد في حركة الحداثة الشعرية. فتأثيراتُ شعراء كبار، من مؤسسي الحداثة الشعرية العربية، مثل بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونزار قباني، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، من بين آخرين، واضحةٌ يسهل العثور عليها في شعر درويش، بدءًا من ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" (1960)، الذي لم يضمَّه الشاعر إلى أعماله الشعرية الكاملة، في طبعاتها المختلفة، لأنه كان مجرَّد تمرينات شعرية يكتبها تلميذ، وصولًا إلى "أحبك أو لا أحبك" (1972). كما أن قراءاته لترجمات شعراء من العالم، إلى العربية، أو حتى العبرية (التي كان يتقنها)، مثل فيدِريكو غارسيا لوركا، وبابلو نيرودا، وناظم حكمت، وتي. إس. إليوت، وإزرا باوند، تداخلت مع تأثيرات الشعراء الرواد، وشكَّلت الأساس لتطوره اللافت، فيما بعد، بدءًا من "أحبك أو لا أحبك"، و"محاولة رقم 7" (1973). </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<blockquote class="wp-embedded-content" data-secret="rwpD4AW87g"><p><a href="https://rommanmag.com/archives/34203">محمود درويش كما يروي رجا شحادة</a></p></blockquote>
<p><iframe class="wp-embedded-content" sandbox="allow-scripts" security="restricted"  title="&#8220;محمود درويش كما يروي رجا شحادة&#8221; &#8212; مجلة رمان الثقافية" src="https://rommanmag.com/archives/34203/embed#?secret=mD0EkHFwtn#?secret=rwpD4AW87g" data-secret="rwpD4AW87g" width="600" height="338" frameborder="0" marginwidth="0" marginheight="0" scrolling="no"></iframe></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما أقصد أن أقوله، هنا، هو أنه دون تلك التأثيرات، التي انسربت في وعي درويش الشعري، ومارست حضورها في عدد كبير من قصائده، خصوصًا في مرحلة ما قبل خروجه من فلسطين عام 1971، ما كان لشعريَّة درويش أن تتطور، وتصل إلى ما وصلت إليه. وقد كان، من بين أبناء جيله، الأكثرَ وعيًا، ربما، بضرورة الانفتاح على شعريات مختلفة، عربية وغير عربية، لكي يكون في إمكانه العثور على صوته الخاص في مهبِّ رياح تأثير هذه الشعريات المتزاحمة، في ستينيات القرن الماضي، وسبعينياته. وبهذا المعنى، فإن شعر محمود درويش، على مدار تجربته، وصولًا إلى آخر قصيدة كتبها، هو نتاجُ تلاقي هذه الشعريات، وتصادمها، وتخصيبها، وقدرتها على إلهام وعيه الشعري، بالطرائق والسبل التي تجعل قصيدته قادرة على التعبير عن التراجيديا الفلسطينية، بما هي مكابدةٌ شخصيةٌ وجماعية. إن الجمعيَّ يفيضُ في أعطاف الشخصيِّ، بينما ينسرب الشخصيُّ بوصفه تعبيرًا عن تجربة الجموع، وعن النكبة الفلسطينية المستمرة. لربما، هنا بالذات، تكمن فرادةُ درويش، وطاقةُ شعره الخلاقة: أن يكون لسان حال الجماعة الفلسطينية، لكن من خلال تطوير تجربته الشعرية، والإصرار على جعلها تمتصُّ التأثيرات الشعرية، والثقافية، والروحية، وتراجيديات الشعوب والجماعات، عبر التاريخ، ليُدرِج تراجيديا شعبه في كوكبة تلك التجارب والاختبارات الشخصية والجماعية للكائن البشري. وهذا ما نلاحظه، بصورة جلية، وعميقة، ومدهشة، في مجموعته الشعرية "أحد عشر كوكبا" (1992)، وفي أعمال أخرى تالية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الشقُّ الآخر من السؤال، عن موضعة شعر درويش، وعلاقته بأقرانه من الشعراء العرب، في إطار الكتابة الشعرية العربية، يتعلَّق بجيله الشعري، أي ذلك الجيل الذي يطلق عليه، على نحو فضفاضٍ، ومثيرٍ للكثير من الالتباس واللغط والخلط، اسمُ جيل الستينيات (رغم أن هذا الجيل، كتب شعره في حضور أسماء من الجيل السابق، أي جيل الرواد، ممثلًا في نازك الملائكة، وأدونيس، وبلند الحيدري، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وحتى أنسي الحاج، ويوسف الخال، ومحمد الماغوط، وفدوى طوقان، من بين آخرين). وبهذا المعنى، فإن التأثيرات المتبادلة، وتصادي المشاريع الشعرية، وتناقضها، لشعراء، من أجيال مختلفة، يكتبون في الوقت نفسه، يجعل من محمود درويش اسمًا من بين أسماء عديدة مثَّلت، بطرق وصيغ مختلفة، تطورَ حركة الشعر العربي المعاصر، وفتحت له آفاقًا أوسع، وخصوصًا فيما يتصل بعلاقة هذا الشعر بجمهوره، رغم كل الالتباسات، والأحكام السريعة الجاهزة، وربما اللئيمة، التي تحاول ربط أهمية شعر درويش بجماهيريته، وكون الشاعر، بلا منازع، ناطقًا شعريًّا باسم فلسطين. فالاستنتاج الأخير يمكن الردُّ عليه بالعودة إلى العلاقة المعقدة، التي قامت بين درويش ومستمعيه، وقرائه، الذين رغبوا دائمًا أن يسمعوا منه قصائده القديمة، التي تنتمي إلى مرحلة تاريخية، وصيغٍ شعرية في التعبير، عن القضية الفلسطينية، وجد هو أنه تجاوزها، بل إنها أصبحت عبئًا على تجربته الشعرية، مثل قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية". لكن درويش استطاع أن يسحب معه جمهوره الشعري إلى منطقته، ويطوِّر ذائقة ذلك الجمهور، في الوقت الذي يجرِّب هو مساحات أوسع من صيغ التعبير، وصولًا إلى بئر الأعماق، والإجابة على أسئلة وجودية، تخصُّ الكائن، والكينونة، لا أسئلة السياسة والاجتماع، التي تحيلُ عليها معظم قصائده، لكنها تتجاوزها، في آن.     </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الشيءُ نفسه يمكن أن نقترحه بخصوص حضور درويش بين أقرانه من الشعراء الفلسطينيين، بدءًا من أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، وصولًا إلى أسماء كثيرة أثْرت حركة الشعر الفلسطيني، بدءًا من خمسينيات القرن الماضي، وصولًا إلى السبعينيات والثمانينيات. فلا شكَّ أن محمود درويش، كتب شعره، وفي خلفية وعيه الثقافي، والشعري، شعرُ أبي سلمي، وربما إبراهيم طوقان، وعبد الرحيم محمود، وفدوى طوقان، وهارون هاشم رشيد، ويوسف الخطيب. كما أنه، وإن تمتع بحضورٍ أوسعَ بكثير من غيره، من الشعراء الفلسطينيين، من أبناء جيله، كان جزءًا من حركة شعرية فلسطينية وثَّابة، ضمَّت سميح القاسم، وتوفيق زياد، وعز الدين المناصرة، وأحمد دحبور، ومحمد القيسي، وفواز عيد، ووليد سيف، ومريد البرغوثي، من بين آخرين. وهو ما يجعل شعره نتاجَ مروحةٍ واسعة من التأثيرات، والتلاقحات، والتقاطعات، والافتراقات، التي مسَّت الشعر الفلسطيني، بعد النكبة، وفي زمن طلوع المقاومة الفلسطينية، وحضورِ السؤال الفلسطيني الملحاح، المستمر، كما الوطنيَّة الفلسطينية، التي كان الشعر واحدًا من العوامل المؤسسة لها. ومن ثمَّ، فإن هذه الرؤية لشعر درويش تضعه ضمن كوكبة من الشعراء الفلسطينيين، والعرب، وحتى شعراء العالم (الذين يكتبون بلغات عديدة، وينتمون إلى شعريات متعددة، متفارقة)، وفي الوقت نفسه، تضعه على حدة، لكونه صوتًا بارزًا، ومحلِّقًا، ما فتئ، على مدار تجربته الشعرية، يطور أدواته، وصيغَ تعبيره، وحتى رؤيتَه الشعرية، والثقافية، والمعرفية، ورؤيتَه للعالم، بعامة. وهو ما بوَّاه، بلا أي شك، مكانةً بارزة في حركة الشعر الفلسطيني، وكذلك في حركة الشعر العربي المعاصر. لربما لم تُدرَس، حتى الآن، الصيغُ التي استطاع محمود درويش، عبرها، ومن خلال الإجابة على اقتراحاتها، أن يطور الشعر العربي، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، وأن يبلغ بقصيدته مصافَّ الشعريات العالمية الكبرى. لكن أهمية شعره لا تنبع فقط من تطور قصيدته، كشاعر فرد، بل، وفي الوقت نفسه، بوصف منجزه الشعري تعبيرًا عن تطور الشعريات العربية، ومن ضمنها التجاربُ الشعرية الفلسطينية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن شعره يمثل مجرىً واسعًا، متنوعًا، شديدَ الغنى، في نهر الشعر العربي المتدفق، الممتد، من امرئ القيس، وطرفة بن العبد، وأبي تمام، والمتنبي، وصولًا إلى شعراء قصيدة النثر، بدءًا من أنسي الحاج، وتوفيق صايغ، ومحمد الماغوط، وصولًا إلى عباس بيضون، وأمجد ناصر، ونوري الجراح، وحلمي سالم، ووديع سعادة، وسركون بولص، وبسام حجار، وسيف الرحبي، وزكريا محمد، وغسان زقطان، وحتى من جاء بعد هؤلاء من شاعرات وشعراء. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا يمكن النظر إلى محمود درويش، لا بوصفه انقطاعًا، بل كامتداد، لميراثٍ واسعٍ عريضٍ، شديدِ الغنى ووفرة التجارب؛ كشرفةٍ مفتوحة لتطوير الشعريات العربية، ومن ضمنها الفلسطينية، لا بوصفه عقبةً وجدارًا. </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<blockquote class="wp-embedded-content" data-secret="fA2QeBiG5S"><p><a href="https://rommanmag.com/archives/20137">درويش يعترف</a></p></blockquote>
<p><iframe class="wp-embedded-content" sandbox="allow-scripts" security="restricted"  title="&#8220;درويش يعترف&#8221; &#8212; مجلة رمان الثقافية" src="https://rommanmag.com/archives/20137/embed#?secret=nl60lnpy3E#?secret=fA2QeBiG5S" data-secret="fA2QeBiG5S" width="600" height="338" frameborder="0" marginwidth="0" marginheight="0" scrolling="no"></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37485">نفتقد صوته المدوي العميق في زمن الإبادة الجماعية: الشعر العربي بعد محمود درويش</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>محمود درويش كما يروي رجا شحادة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34203</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فخري صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 01 Dec 2024 21:27:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<category><![CDATA[اتفاقيات أوسلو]]></category>
		<category><![CDATA[محمود درويش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34203</guid>

					<description><![CDATA[<p>يروي الكاتب والمحامي الفلسطيني رجا شحادة، الذي يكتب بالإنجليزية، في كتابه الأخير، "ما الذي يخيف إسرائيل من فلسطين؟" (2024)  What Does Israel Fear From Palestine، حكاية لافتة للانتباه عن الشاعر الفلسطيني الكبير، الغائب الحاضر، محمود درويش. حكاية قد تبدو عابرة، ولكنها تدلُّ على حصافة درويش، وفهمه العميق للتاريخ، وتصوره وإدراكه لدور المثقف العضوي في المجتمعات [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34203">محمود درويش كما يروي رجا شحادة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يروي الكاتب والمحامي الفلسطيني رجا شحادة، الذي يكتب بالإنجليزية، في كتابه الأخير، "ما الذي يخيف إسرائيل من فلسطين؟" (2024)  What Does Israel Fear From Palestine، حكاية لافتة للانتباه عن الشاعر الفلسطيني الكبير، الغائب الحاضر، محمود درويش. حكاية قد تبدو عابرة، ولكنها تدلُّ على حصافة درويش، وفهمه العميق للتاريخ، وتصوره وإدراكه لدور المثقف العضوي في المجتمعات والأمم التي تتعرض هوياتها للمحو والإبادة. وليس هناك مثالٌ أكثر سطوعًا من أمثولة الشعب الفلسطيني، وسرديته، التي يسعى الكيان الصهيوني، وداعموه، والمتعاونون معه، إلى استبدالها بسرديته التي تطرد الفلسطينيين من الجغرافيا، وتشطبهم من التاريخ. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يحكي رجا شحادة عن مؤتمر دعت إلى عقده منظمة اليونسكو، التابعة للأمم المتحدة، في 8 كانون أول (ديسمبر) 1993، في مدينة غرناطة الإسبانية، تحت عنوان "السلام: اليوم التالي". وقد كان شحادة أحد المدعوين الذين شاركوا في المؤتمر. وكانت الغاية من هذا المؤتمر (بعد إتمام توقيع اتفاقيات أوسلو، في وقت سابق من ذلك العام)، حسب ما يروي رجا شحادة، هي جمع المثقفين الفلسطينيين مع نظرائهم الإسرائيليين، وكذلك ممثلين عن مثقفي العالم العربي، لإعطاء شرعية ثقافية لما كان يحدث على جبهة السياسة، من توقيع على معاهدات "سلام" في المنطقة. لم يكن مطلوبًا من الحاضرين قول أي شيء، أو تقديم أية مشروعات أو اقتراحات، بل المطلوب فقط هو أن يكونوا "سهلي القياد"، منصاعين لما يقوله المنظمون، كما يقول شحادة. (ص: 37) ويروي الكاتب الفلسطيني أن شمعون بيريس، الذي كان حينها وزيرًا للخارجية الإسرائيلية، ظهر فجأة في القاعة التي يعقد فيها المؤتمر. لم يقل أي كلمة، ولم يتحدث مع أحد، وبقي بضع دقائق، ثم غادر ليلحق بموعد رحلة الطائرة التي سيستقلها. كانت الغاية من حضوره أن يقول الحاضرون إنهم التقوه في المؤتمر، كما يستنتج شحادة. مجرد رسالة للقول إن المثقفين والأكاديميين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب بدأوا يصنعون السلام، وها هو بيريز يبارك ما يفعلونه. مجرد احتفال، مجرد مشهد، وعرض مسرحي، لا أكثر.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">فما هي علاقة محمود درويش بالمؤتمر، وصلته بالحكاية التي يرويها رجا شحادة في كتابه الذي يشرح فيه، ولقرائه في الغرب، كيف أن إسرائيل، في الحقيقة لا تريد السلام، وتتخوف من وجود الفلسطينيين ذاته، وتتمنى أن يتبخروا ويختفوا؟ لقد أردت أولًا أن أوضح السياق الذي جرت فيه الأمور، والخلفية التي يتحدث عنها الكاتب. يقول شحادة إن من بين القلة التي رفضت حضور المؤتمر محمود درويش. وفي تعليق على رفضه المشاركة في المؤتمر، قالت مستشارة شمعون بيريس الثقافية، المشاركة في المؤتمر، إنها سبق أن وجهت رسالة لدرويش عندما غادر فلسطين عام 1971، والتحق بمنظمة التحرير، وإنها في الليلة السابقة للمؤتمر أعادت قراءة تلك الرسالة، ثم كتبت له رسالة ثانية، وهي تريد قراءتها للمشاركين. تقول الرسالة: "أين أنت يا مخمود درويش؟ (وقد لفظت الحاء خاء، إذ لا يتقن اليهود الغربيون الأشكناز نطق الحاء) لماذا لم تأت إلى هذا المؤتمر؟ الآن في وقت السلام، وبينما يجتمع الطرفان، أين أنت، يا مخمود درويش؟" (ص: 39) ويستنتج رجا شحادة من هذه الواقعة أن محمود درويش كان أكثر حكمة وذكاء في بقائه بعيدًا عن مثل هذه التجمعات، رغم الضغط غير العادي الذي لا بدَّ أن منظمة التحرير الفلسطينية قد</span> <span style="font-weight: 400;">مارسته عليه، في ذلك الوقت.</span></span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-34204" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/81tMlK5gOL._UF10001000_QL80_.jpg" alt="" width="623" height="1000" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/81tMlK5gOL._UF10001000_QL80_.jpg 623w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/81tMlK5gOL._UF10001000_QL80_-187x300.jpg 187w" sizes="(max-width: 623px) 100vw, 623px" /></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ما لا يذكره رجا شحادة، أو ربما لا يتذكره، أن محمود درويش كان قد استقال من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بعد توقيع اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير وإسرائيل، وقال حينها إنه لا يشعر أنه جزء من هذا المشروع الذي اختارته منظمة التحرير، ولا يستطيع المشاركة في ما قد يقود الشعب الفلسطيني إلى مستقبل مجهول. مثله مثل إدوارد سعيد، كان محمود درويش معارضًا لأوسلو. لربما كانت معارضته أقلَّ حدة من إدوارد سعيد، الذي وصف ما حصل في اتفاقيات أوسلو بأنه استسلام، وخضوع للإرادة الإسرائيلية، بل قال، بصراحة ووضوح، إنه خيانة لآمال الشعب الفلسطيني، وبحسب تعبيره فقد كان "معاهدة فرساي فلسطينية". ومع ذلك، فإن درويش، ولكونه جزءًا من هذا الإطار الواسع المسمى "منظمة التحرير"، واختلاف ظروفه عن ظروف إدوارد، الذي كان أكاديميًّا أمريكيًّا مرموقًا، وأستاذًا مرتاحًا في عمله بجامعة كولومبيا، بقي معارضًا لأوسلو، دون أن يحدث شقاقًا بينه وبين المؤسسة السياسية الفلسطينية. لقد شنَّ إدوارد سعيد حملة شرسة على المنظمة، واتهم ياسر عرفات بالاستسلام، والخضوع للضغوط، وخيانة آمال شعبه، وكتب عشرات المقالات التي تتهم رجال منظمة التحرير بالتفريط، وربما  الخيانة. أما محمود درويش فقد آثر الابتعاد عن شؤون السياسة اليومية، وتفرغ لتطوير تجربته الشعرية، وإصدار مجلة "الكرمل"، التي كان يرأس تحريرها، ويقرأ موادها، ويكلف الكتاب بالكتابة في المجلة، ويلاحقهم لكي يفوا بوعودهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كان محمود درويش، رغم كل ما يقوله أعداؤه عنه، وما يشيعه الغيارى من شهرته وموهبته (ومن قدرته على الوصول بقصيدته إلى ذرى لم يبلغها شاعر عربي آخر، منذ سبعينيات القرن الماضي)، ضميرًا ثقافيًّا للفلسطينيين. لم يكن مجرد شاعر كبير، ومبدع خلاق، فقط، بل كان رمزًا ثقافيًّا، في أوساط الشعب الفلسطيني، يعبر بعمق عن مأساة شعبه، ويحاول استشراف مستقبل فلسطين، من خلال الشعر، وكذلك من خلال النثر الفياض الذي كتبه، وعبر الحوارات التي كانت تجرى معه. ولعله لهذه الأسباب مجتمعة: الشعر المبدع الخلاق الذي يوسِّع دائرة السرديَّة الفلسطينية، ويجعلها جزءًا من وعي العالم بهذه القضية، والمواقف الشجاعة في القضايا الوطنية، وقدرته على التمييز بين الهامشي والجوهري في المواقف السياسية والوطنية، يُذكر، ويستعاد شعره، في زمن الإبادة الجماعية التي ترتكب بحق الفلسطينيين، وتُتَذكَّر مواقفه، الآن، وبعد حين.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34203">محمود درويش كما يروي رجا شحادة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الأرض وتحولاتها ومعانيها الرمزية في الأدب الفلسطيني</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21481</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فخري صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 13 Mar 2024 12:49:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%b6-%d9%88%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%85%d8%b2%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يتزامن ظهور النماذج الناضجة الأولى من الأدب الفلسطيني مع الهجمة الصهيونية على فلسطين، وتبلور الدعوات والمشاريع لإقامة وطن قومي لليهود، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، لإنشاء مستعمرات يهودية عليها. فقد تم إنشاء الصندوق القومي اليهودي (أو حسب التسمية العبرية: كيرن كييمت) عام 1901، من أجل جمع الأموال من يهود العالم، لشراء الأراضي وإقامة مستعمرات عليها، في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21481">الأرض وتحولاتها ومعانيها الرمزية في الأدب الفلسطيني</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يتزامن ظهور النماذج الناضجة الأولى من الأدب الفلسطيني مع الهجمة الصهيونية على فلسطين، وتبلور الدعوات والمشاريع لإقامة وطن قومي لليهود، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، لإنشاء مستعمرات يهودية عليها. فقد تم إنشاء الصندوق القومي اليهودي (أو حسب التسمية العبرية: كيرن كييمت) عام 1901، من أجل جمع الأموال من يهود العالم، لشراء الأراضي وإقامة مستعمرات عليها، في زمن الدولة العثمانية، تمهيدًا لإنشاء الدولة الصهيونية. وقد نشط هذا الصندوق، في زمن الانتداب البريطاني، بصورة جعلت النخب السياسية والثقافية الفلسطينية تتنبه إلى المصير الذي ينتظر فلسطين والفلسطينيين، بعد انتهاء الانتداب، ورحيل القوات البريطانية.</p>
<p dir="rtl">استنادًا إلى هذه الخلفية التاريخية، يمكننا قراءة الميراث الثقافي والأدبي الفلسطيني، خلال النصف الأول من القرن العشرين. فالأدباء والمثقفون الفلسطينيون، الذين ظهروا في هذه الفترة، وأصبحوا جزءًا من المدونة الشعرية أو السردية العربية، قبل حلول النكبة، تشكَّل وعيهم الثقافي والأدبي والسياسي في سياق الصراع على الأرض، والمكان، والهوية، والمصير المعلق على نتائج الصراع بين الحركة الوطنية الفلسطينية والمشروع الصهيوني. </p>
<p dir="rtl">من هنا تبدو الأرض، لا بالمعنى الجغرافي، والمكاني، فقط، بل بالمعنى الوجودي، في الأساس، هي المحور الذي دار حوله معظم المنجز الأدبي الفلسطيني، منذ بدايات القرن العشرين، حتى هذه اللحظة. فالأرض، وكذلك الهوية، هما بؤرة الصراع، ومدار المتخيَّل الأدبي، بأنواعه وأشكاله المختلفة، السردية والشعرية.  ولا أظنُّ أننا نعثر في ثقافة شعبٍ آخر، غير الشعب الفلسطيني، على تكرار ورود لفظة الأرض، ومرادفاتها ومشتقاتها، وصورها الرمزية، ومعانيها الحافَّة، إلى الحد الذي يُحيل الترابَ والمكانَ الجغرافيَّ إلى كيان وجودي نابض، يزاحم الفرد والجماعة. بل إنه يُحوِّل هذا الوجود إلى مأزق، إلى تجربة مؤجَّلة، إلى وعدٍ ينتظر التحقق. ولنتذكَّر، مصداقًا لهذا التصور، كلَّ الشعر الفلسطينيِّ تقريبًا، بعد النكبة، وكذلك كافَّة التعبيرات الخطابيَّة الأخرى، والسرد الفلسطيني، بأشكاله المختلفة، من يوميات، ومذكرات، وسير ذاتية، وبوح يوميٍّ، وحوارات تدور بين الفلسطينيين في الوطن والمنافي، وصولاً إلى القصة والرواية والمسرح والسينما، وأشكال التعبير الفني كافة. لا شيء غير الأرض، ودلالاتها الرمزية، ومعاني غيابها وانتظارها، ورغبات العودة إليها، والإيواء إلى حضنها، والالتحام بها،، ودخول فردوسها المفقود، بل إلى الغور فيها، والاندفان تحت سطحها.  وهو ما يعادل (بسبب الإحساس بالمآزق التاريخية المتتابعة للتجربة السياسية للفلسطينيين) بين الرغبة في العيش في الأرض، والرغبة المهووسة بالموت من أجل الأرض، أو التضحية فداءً لها. ويمكن أن نعثر على تجسيد شديد الدلالة لهذه العلاقة بالأرض، الجسدِ الحي النابض، والأمِّ المفتقدة، والحبيبةِ المرغوب في الالتحام بها، وحمايتها من الدنس والاغتصاب (ولنتفكَّر هنا بالدلالة الرمزية لتكرار ورود كلمة "الاغتصاب" بديلًا من كلمة "الاحتلال" في الكلام اليومي، وكذلك السياسي والثقافي للفلسطينيين)، في أكثر مشاهد رواية غسان كنفاني (1936- 1972) "ما تبقى لكم" (1966) تعبيرًا عن البؤرة الرمزية للتجربة الكيانية – الوجودية، الفردية والجماعية، للفلسطينيين، عندما يلتحم البطل الهارب، الراغب في اللجوء إلى أمه، والناجي من الدنس والخيانة، المتطهِّر منهما، بجسد الأرض النابض الحي، مثل رحم أم.    </p>
<p dir="rtl">في سياق متصل، كان الشعر، وهو حامل التجربة الثقافية الفلسطينية قبل النكبة وبعدها، يطور ما يمكن أن نسميَه "استعارة الأرض الكبرى"، التي ستختزل علاقة الإنسان الفلسطيني بالأرض. وقد استطاع أبو سلمى (عبد الكريم الكرمي 1909- 1980)، لقربه من مزاج الرومانسية العربية، أن يبلور في شعره، قبل النكبة وبعدها، الملامحَ الأولى لهذه الاستعارة التي تعجن الأرض بجسد الحبيبة، وتجعل القصيدة تشع بدلالات تفيض عن كيان المحبوب، في اتجاه الأرض المفقودة، والبلاد التي أصبحت بعيدة. وتَمثَّل التحويلُ الجذري لصورة الأرض، الذي بدأه أبو سلمى في غزلياته، في اشتقاق رمز المرأة – الوطن، الذي يختزل عناصر عديدة من الوجود: التجربة الشخصية الكيانية للشاعر، وتجربة شعبه، والتجربة المشتركة التي تنصهر فيها ذات الشاعر بالجماعة. وقد شكَّلت هذه الاستعارة المركزية، في شعر أبي سلمى، أساسًا لتطويرات عديدة في شعر المقاومة، فيما بعد. ويمكن القول إن محمود درويش (1941- 2008) وصل باستعارة الأرض إلى آفاق بعيدة، متابعًا إرث أبي سلمى، وإبراهيم طوقان (1905- 1941)، وعبد الرحيم محمود (1913- 1948)، بعد حلول ليل النكبة الطويل. وبهذا المعنى عمل أبو سلمى على إنضاج البذور الأولى لتجربة وجودية جماعية تتعانق فيها الأرض الفلسطينية، كجسد بعيد وناءٍ، مع الذات الجماعية المهددة بالمحو، والذوات الفردية، التي تتحلل وتذوب في ذات الجماعة، لكتابة لحن جماعي يتخذ من الشعر وسيلته التعبيرية الناضجة.</p>
<p dir="rtl">انطلاقًا من التصور السابق، لا يمكن النظر إلى التعبير الأدبي والفني والثقافي الفلسطيني عن الأرض، إلا بوصفه لحظةً متصلة من التعبير المتواتر، الوسواسيِّ، عن تجربة كيانية منشغلة بالأرض، ومعانيها الرمزية، ووجودها المتعيِّن، والرجراج غير المُتَيَقَّن منه، في الآن نفسه، في ثقافة الفلسطينيين، وأشكال تعبيرهم عن ذواتهم الفردية والجماعية. </p>
<p dir="rtl">يجري التعبير عن هذه الدلالة الرمزية في  "قصيدة الأرض" لمحمود درويش (ديوان "أعراس" 1977) التي تُعَدُّ، من وجهة نظري، أهمَّ نص شعري، أدبي، ثقافي، أنجزته الجماعة الفلسطينية، عن التئام ذاتها المبعثرة واستعصاء تمزيق وحدتها الكيانية، كما الرمزية، رغم جميع محاولات الكولونيالية الإحلاليَّة الصهيونية، وحروبها الكثيرة التي شنتها ضد الفلسطينيين. </p>
<p dir="rtl">يتخذ درويش من حدث استشهاد "خديجة ورفيقاتها"، في انتفاضة يوم الأرض، منصَّة للتعبير عن دلالات الخصب والولادة، والبعث والتجدد، التي يولِّدها فعل الاستشهاد، والالتحام بجسد الأرض، بالمعنيين الرمزي والوجودي. ونعثر في "قصيدة الأرض" على قاموس الشعراء التموزيين، والموتيفات المتكررة في أساطير الخصب والتجدد والبعث، حيث تحضر عناصر الطبيعة التي تفور في ربيع الخصوبة، التي يستثيرها ويبعثها مصرع خمس فتيات فلسطينيات، على بوابة مدرسة ابتدائية في فلسطين المحتلة  1948.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">في شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">أسرارها الدمويَّة، في شهر آذار مرَّت أمام</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">البنفسج والبندقية خمس بنات. وقفن على باب </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">البلديّ. افتتحن نشيد التراب. دخلن العناق</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">النهائيّ – آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">يأتي، ومن رقصة الفتيات – البنفسج مال قليلا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ليعبر صوت البنات. العصافير مدَّت مناقيرها</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">في اتجاه النشيد وقلبي.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">أنا الأرض</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">والأرض أنت</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">خديجة! لا تغلقي الباب</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">لا تدخلي في الغياب</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل</span></p>
<p dir="rtl">لكن، رغم هذه التموزيَّة الطاغية في القصيدة، والاندراج في تيار مهيمن في القصيدة العربية المعاصرة (بدءًا من السياب وخليل حاوي وأدونيس وليس انتهاءً بمحمود درويش)، فإن العنصر الأساسي البارز هو التشديد على الثيمة الخاصة بعلاقة الفلسطيني بالأرض، وحلوله فيها، وحلولها فيه. ويتردد في هذا التعبير تبادل المرأة والأرض موضعيهما، وغياب المسافة الفاصلة بينهما، لأن الأرض هي الأم، والأم هي الأرض (أنا الأرض/ والأرض أنت). وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى دلالات الخصب، واخضرار الطبيعة، بفعل التضحية والافتداء، وتخلل عناصر جسد الشهيد الترابَ وانسرابِه ذرَّاتٍ في جسد الأرض، واندلاع النشيد، في دلالة على الاحتفال بالموت، بوصفه بداية جديدة، وانبعاثًا وتجدُّدًا للحكاية الفلسطينية، والتئامًا لشطري البرتقالة الفلسطينية في الأرض والمنافي. ويتكرر ذلك كلما شعر الفلسطينيون بتهديد المحو، وتحولهم إلى جزر متقطعة متباعدة تسكن كلَّ أرض!    </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وفي شهر آذار تستيقظ الخيل</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">سيدتي الأرض</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">أيّ نشيد سيمشي على بطنك المتموج، بعدي؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وأيّ نشيد يلائم هذا الندى والبخور؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">كأن الهياكل تستفسر الآن عن أنبياء فلسطين في بدئها المتواصل</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هذا اخضرار المدى واحمرار الحجارة</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هذا نشيدي</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وهذا خروج المسيح من الجرح والريح</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">أخضر مثل البنات يغطي مساميره وقيودي</span></p>
<p dir="rtl">يمكن أن نعثر على هذه المعاني لدى شعراء فلسطينيين آخرين، وخصوصًا في شعر عز الدين المناصرة (1946- 2021)، ووليد سيف، اللذين ينوعان على هذا البعد التموزي، الذي نعاينه في بعض شعر محمود درويش. ويبتدع كلٌّ من هذين الشاعرين نماذجه وشخصياته التموزية، التي تعبر عن صورة الأرض الخصيبة، والتحام الذات الفردية، والجماعية، بالأرض، ودورة التجدد الطقسيَّة، وقيامة العنقاء الفلسطينية من رمادها.</p>
<p dir="rtl">يمثل المناصرة تيارًا في الشعر الفلسطيني يمكن أن نطلق عليه وصف "الرعويَّة الكنعانية"، التي ينهمر فيها معجم الطبيعة الفلسطينية، ليؤثث تجربة الشاعر الذي يعلن انتماءه إلى الأرض، عبر التغني بموجوداتها وعناصرها، ونباتاتها، وحيواناتها، وحشراتها، وصخورها، ووديانها، وجبالها، وينابيعها، وبحرها الميت الذي يمثِّل تعزيمةً سحريَّة في شعر المناصرة كله. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">يا سيدتي الكنعانيَّة</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> جرَّتُك دليل العشاق، عطاشٌ في بريَّة لوط</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> جرتك المشويَّة في الطابون</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> تحرسها هالاتٌ وإشاراتٌ سحرية:</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> نَقْمَشَةٌ لرغيف</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> حجرٌ منقوش كعروس في ليلة دخلتها</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> روثٌ ذكَّرني بسنابل راعوث</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> رأسك، قبّته كولي صالح</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> جرتك الراشحة بأنداء التين</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> جرتك لزيت الزيتون</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> جرتك لدبس يُثقل أدمغة في الصبح البارد</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> مجموعة أوتار تعزفها الريح الجبلية</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> فوق رؤوس الحطابين</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> غَدْفَتُها منديل ملفوف حول التفاحة</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> أسراب النورس في مُنعرجات البحر الأبيض</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> أبيضُ، أبيضُ ...</span> </p>
<p dir="rtl">في مجموعتي "الخروج من البحر الميت"، و"قمر جرش كان حزيناً"، يطور المناصرة عالمه الشعري من خلال دمج العناصر الرعويَّة الكنعانيَّة، وتأثيرات التموزية الشعرية العربية، بالصوت الشعري الفلسطيني المقاوم، مُدرجًا "البحر الميت"، ككيان جغرافي ودلالي ورمزي، كعنصر من عناصر رعويَّته الكنعانية، وتعزيمة سحرية تحتلُ بؤرة العمل الشعري، وتشكِّلُ إطارًا معنويًّا وإيقاعيًّا يفيض خارج القصيدة، ويوحِّد الذات الشعرية المتكلمة ببحرها، بالمياه المالحة الساكنة في "بحره الميت". </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هذا البحرُ المأكول المذمومْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> منذ خراب مدائنه العامرة الأرجاءْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> قاع العالم هذا البحر الحيْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> البحرُ الأخضر فوق سرير الموت الأحمر – أصفرْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> منذ رفيف فراشات الوعر المردوم</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> قرب الزلزال الناري</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> يتلوه صهيل بنات الرومْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> ثمَّ مؤامرة الصمت البيضاءْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> تتلوَّى خاصرة العالم كالجنيَّةْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> الحيَّةُ بنتُ الحيَّةْ/</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> .....البحرُ النائمُ في حضن فتاة مقتولةْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> البحر المتمدد في قلبي الوثنيْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> الضوء الطازج في قلبي كسراج الغولةْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> البحر الآثمُ ملحٌ أقوى من قهقهة الطفل الجنيّْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> البحر المشدود كقوسٍ... كهلام مرخيْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> البحر الميّتُ فوق الطاولة الحجريَّةْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> البحر النبطيْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> معتكر الروح، ضفيرته مبلولة</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> برذاذ الدمع البدويْ.</span></p>
<p dir="rtl">أما في مجموعتي "بالأخضر كفناه"، و"جفرا"، فتحضر العناصر الشعرية لقصيدة المقاومة. وهي وإن لم تكن العناصر الوحيدة التي تشكل عالم قصيدة المناصرة في هذه المرحلة (إذ إنها تنضاف إلى عناصر رعويَّته الكنعانية)، لكنها تقوم بإبراز البطولي، والصوت المقاوم، والاستشهادي، في الآن نفسه. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">بالأخضر كفناه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> بالأحمر كفناه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> بالأبيض كفناه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> بالأسود كفناه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">نزف المطر على شجر  الأرز لذكراه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وعلى الأكتاف حملناه</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">بكت المزن البيضاء لمرآه</span></p>
<p dir="rtl">لكن هذا المزج بين الشعريَّة الرعويَّة وعناصر البطولي والمقاوم تتأوَّج في مجموعته "جفرا" التي تنجح في الإفلات من النبرة العالية، والصراخ باسم المقاومة، الذي غلب على كثير من الشعر الفلسطيني في فترة صعود منظمة التحرير الفلسطينية، وتستبدل هذه النبرة العالية وإيقاع البطولة بعناصر الطبيعة وإيقاع الخصب الذي يلوِّن شعر المناصرة. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">جفرا جاءت لزيارة بيروت</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هل قتلوا جفرا عند الحاجز، هل صلبوها في بيروت؟؟!!</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">جفرا أخبرني البلبل لمّا نقَّر حبَّات الرمَّانْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">لمّا وَتْوَتَ في أذني القمرُ الحاني في تشرينْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هاجت تحت الماء طيورُ المرجانْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">شجرٌ قمريٌّ ذهبيٌّ يتدلّى في عاصفة الألوان</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هل قتلوا جفرا - قرب الحاجز، هل صلبوها في التابوت؟؟</span></p>
<p dir="rtl">من جانبه يطور وليد سيف في مجموعته الشعرية "وشم على ذراع خضرة"، التي كتبت إبان طلوع قمر المقاومة، وبروز الهويَّة الفلسطينية، وتظهيرها على خلفية المشهد المقاوم، المتحدي لسلب الأرض، ومحو الهوية، العلامةَ الأساسية في تجربة سيف الشعرية. إنها تمثل عنفوانها، وغناها، وطاقتها التعبيرية والتخييلية العالية، وتدفق صورها المبتكرة، وإيقاعها المتفجر، مثل نشيد طويل. قصائد هذه المجموعة منشغلة بتطوير احتفال شعري بالحياة، من خلال تزويج الشهيد بجسد الأرض، حيث تدور القصائد حول شخصية "زيد الياسين" وعلاقته بـ"خضرة"، المرأة والأرض، المعشوقة وعلامة الخصب والحياة والولادة والتجدد، ومقاومة المحو والاندثار. إن الثنائية الأسطورية – التموزية (زيد الياسين – خضرة) هي الموتيف الأساسي، المتكرر في شعر وليد سيف. </p>
<p dir="rtl">في قصيدة "أعراس"، وهي القصيدة الأولى التي نعثر فيها على رمز سيف التموزي المتكرر، نلتقي عناصر الرؤية التموزيًَّة: الخضرة والماء، والطمي، وعناصر الطبيعة التي تحتفل بالحياة والخصب والتجدد. لكن الشاعر يقوم بتحويل الأساطير التموزية إلى استعارة فلسطينية الدلالة، عن زواج الشهيد بحسد الأرض. وهكذا تتداخل عناصر تلك الأساطير بعناصر الحكايات الشعبية الفلسطينية (الزعتر، المأساة، ستر القمباز، الوشم الأخضر) لتشكل معًا قالبًا أسطوريا يعبر عن الالتحام بجسد الأرض، والطلوع منه، والعودة من الموت إلى الحياة. إن الهاجس الأساسي في شعر وليد سيف هو كيف نكتب ملحمة التاريخ الفلسطيني من منظور تموزي خالص، كيف نعيد الفلسطيني المطرود من فردوسه الأرضي (وطنه ومسقط رأسه) إلى بيته الأول؟ </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"زيد الياسين"</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">مسكونًا بالزعتر والمأساة</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">مسكونًا بعصافير الدم.. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وبعض وجوه الموتى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">(جارحة كالموسى..</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">                   شيقة تلهب مصطبة البيت)</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"زيد الياسين"</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">مسكونًا برموز الطمي..</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وستر القمباز</span></p>
<p dir="rtl">ولتحقيق هذه العودة يبتكر سيف حكاية شعبية أسطورية عناصرها "زيد الياسين" و"خضرة"، واحتفال الطبيعة والنبات بزواجهما المتكرر. "خضرة" هي المعشوقة، وهي الأرض، في الوقت نفسه، و"زيد الياسين" هو العاشق والفدائي الذي يموت ليعود ويحيا من جديد، متزوجًا جسد الأرض، ومخصبًا فيها الحياة كل مرة. </p>
<p dir="rtl">هكذا يبدو الاحتفال الطبيعي – النباتي ترجمةً لمحور الخصب والتجدد، الذي يسببه موت "زيد الياسين"، وعودته إلى الحياة ثانية. ويسعى وليد سيف إلى الوصول بتلك البؤرة الرمزية إلى مرتبة الرمز الأسطوري، رافعًا بذلك التجربة الفلسطينية إلى مقام التجربة الإنسانية الكونية، عبر إدخال التجربة الفلسطينية إلى مصهر الرموز الأسطورية التموزية التي تشير إلى أن في الموت حياة، وإخصابًا لها، وقيامة دائمة. في قصيدة "أعراس" نجد أن حكاية "إيزيس وأوزوريس" الفلسطينيين تصبح تعبيرًا عن حكاية الفلسطينيين، وتجربتهم التاريخية، ونكبتهم المستمرة. كما أننا نجد أن حضور الطبيعة، وفورانها، مصحوبان بعوامل التهديد والقتل، وكذلك بحضور قمر الشاعر الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا المتلصص، الشبق، القاتل، الملتبس الدلالة، في شعر لوركا، كما في شعر وليد سيف.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">حين تعرَّت</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وانغرس النهدان بصدر الريح</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">طالت أشجار الصفصاف</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">والتهبت أجفان القمر الداعر </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">حين امتدت في كل طريق غابة</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">والتمعت خلف الأغصان خناجر!</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"يا خضرة ردّي يا خضرة..</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">من طرف الثوب عليك"</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">غطست خضرة في ماء النهر</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">فتنفست الدنيا..</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">عطرًا محمومًا وفجيعة! </span></p>
<p dir="rtl">تشدد القصيدة، رغم حضور الفجيعة وعناصر المأساة، على الخصب والنماء، نتيجة اتصال خضرة بالأرض. إن أسطورة إيزيس وأوزوريس هي الخُطاطة الرئيسية التي يبني عليها وليد سيف عمله الشعري هنا، رغم تطعيمه هذه الأسطورة بحكاية "خضرة".</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ركضت خضرةُ..</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">لسعت قدماها الأرض العطشانة </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">فنما النعناع البري على كل</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">الجدران. </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21481">الأرض وتحولاتها ومعانيها الرمزية في الأدب الفلسطيني</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>رسالة مفتوحة إلى رئيس منظمة القلم العالمي (PEN)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21349</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فخري صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 26 Oct 2023 06:13:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d9%85%d9%81%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d9%85%d9%86%d8%b8%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أرسل الكاتب والناقد فخري صالح، رئيس فرع منظمة القلم في الأردن، رسالة مفتوحة إلى رئيس منظمة القلم العالمي PEN، وأعضاء مجلس إدارتها، ومراكزها في دول العالم المختلفة، يحث فيها الكتاب والمثقفين في العالم على المطالبة بوقف الحرب الشريرة التي تشن على غزة، والإبادة الجماعية التي يتعرض  لها الشعب الفلسطيني.  نص ترجمة الرسالة عن الإنجليزية تالياً:  [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21349">رسالة مفتوحة إلى رئيس منظمة القلم العالمي (PEN)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أرسل الكاتب والناقد فخري صالح، رئيس فرع منظمة القلم في الأردن، رسالة مفتوحة إلى رئيس منظمة القلم العالمي PEN، وأعضاء مجلس إدارتها، ومراكزها في دول العالم المختلفة، يحث فيها الكتاب والمثقفين في العالم على المطالبة بوقف الحرب الشريرة التي تشن على غزة، والإبادة الجماعية التي يتعرض  لها الشعب الفلسطيني. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">نص ترجمة الرسالة عن الإنجليزية تالياً: </span></p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">أوقفوا هذه الحرب الشريرة على غزة</p>
<p dir="rtl">الزميلات والزملاء الأعزاء في منظمة القلم العالمي</p>
<p dir="rtl">العزيز برهان سونميز، رئيس منظمة القلم</p>
<p dir="rtl">العزيزات والأعزاء أعضاء مجلس إدارة منظمة القلم</p>
<p dir="rtl">الصديقات والأصدقاء في مراكز القلم في دول العالم</p>
<p dir="rtl">وأنا أكتب هذه الرسالة إليكم، يسقط طفل قتيلًا كل عشرين أو ثلاثين ثانية بنيران القصف الإسرائيلي المرعب لبقعة الأرض الضيقة، المكتظة بالسكان، التي تسمى قطاع غزة. وقد بلغ عدد من قتلتهم الآلة الحربية الإسرائيلية الجبارة، من أهل غزة، حتى لحظة كتابة هذه الرسالة، أكثر من أربعة آلاف شخص، والجرحى أكثر من ثلاثة عشر ألف شخص. أكثر من ثلثي من قتلوا أو جرحوا هم من الأطفال والنساء، وما يزيد عن الثلث هم من الأطفال. إن ما يحدث في غزة هو مذبحة، بكل معنى الكلمة، حيث يقتل سكانها، ويسقطون جرحى، ويهربون بحثًا عن أماكن آمنة، لم يعد أيٌّ منها آمنًا في الحقيقة؛ فمدارس وكالة الغوث والمستشفيات، أيضًا، تقصفها الطائرات والدبابات. لقد دُمرت آلاف العمارات والبيوت، ومُحيت عشرات العائلات الممتدة من السجل المدني. كما طلب الجيش الإسرائيلي من أكثر من مليون شخص (يشكلون حوالي نصف سكان غزة) أن يتركوا بيوتهم وبلداتهم. لقد ردد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بداية هذه الحرب، قائلًا إن نكبة الشعب الفلسطيني لم تنته بعد، مشيرًا إلى النكبة الفلسطينية التي وقعت عام 1948، وأدت إلى محو فلسطين من الخارطة، وتشريد معظم مواطنيها، وإنشاء دولة إسرائيل. ووصف وزير دفاعه يوآف غالانت الفلسطينيين بالحيوانات البشرية، مبررًا هدف هذه الحرب، وهو قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. </p>
<p dir="rtl">أما الوضع في الضفة الغربية، فليس أفضل حالًا. فقد قتل الجيش الإسرائيلي والمستوطنون، حتى كتابة هذه الرسالة، ومنذ بداية هذه الحرب، أكثر من ثمانين فلسطينيًّا، وجرح أكثر من ألف شخص. لقد تحدثت مع عائلتي في الضفة الغربية، فأخبروني أنهم يشعرون بالخوف من هجمات المستوطنين على البلدات الفلسطينية، والطرق التي يسلكها المواطنون الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة. كما أن شبح ما حدث عام 1948 يحوم حولهم. فقد كتب أحد أفراد العائلة على صفحته على الفيسبوك قائلًا إنه استفاق، قبل أيام، مفزوعًا من نومه، ظانًّا أن السنة هي 1948.  </p>
<p dir="rtl">إن ما يحدث في غزة الآن جريمة إبادة جماعية، وتطهير عرقي للفلسطينيين. ولا شيء، بأي حال من الأحوال، يبرر هذا الرد غير المتناسب على ما قامت به حماس في 7 تشرين أول (أكتوبر). فقتلُ المدنيين العزل، من الجانبين، جريمة حرب، لكن قتل المدنيين الأبرياء العزل، وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها، وقصف المستشفيات، والطلب من المستشفيات إخلاء المرضى والجرحى، والتوقف عن معالجتهم، وقطع الماء والكهرباء والغذاء عن أهل غزة، يُعدُّ جريمة حرب لا يمكن وصفها. </p>
<p dir="rtl">إننا في منظمة القلم العالمي دعاة سلام، وحوار بين الثقافات والحضارات. وثمَّة دعم غير مشروط لإسرائيل، من جانب الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، مما يؤجج الكراهية، والإسلاموفوبيا، وإسكات الأصوات الفلسطينية، ومن يناصر قضيتهم في العالم.  وقد أدى ما نشهده الآن من نشر لكراهية الإسلام، وشيطنة للفلسطينيين، ونزع إنسانيتهم، إلى قتل طفل فلسطيني أمريكي مسلم، لا يزيد عمره عن ست سنوات، بطريقة بشعة الأسبوع الماضي، على يد صاحب البيت الذي سكن فيه مع أمه. </p>
<p dir="rtl">لقد جرى تقييد حساباتنا على وسائط التواصل الاجتماعي، وكمُّ أفواهنا، وعدم إعطائنا الحق في التعبير عن آرائنا، بغض النظر عن نوعية هذه الآراء.  كما ألغى معرض فرانكفورت الدولي للكتاب حفل تسلُّم الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي جائزة ليبيراتور، التي تمنحها مؤسسة ليتبروم الألمانية، عن روايتها "تفصيل ثانوي"، مبررين ذلك "بالحرب التي بدأتها حماس، التي يعاني بسببها ملايين من الإسرائيليين والفلسطينيين". إن إسكات أصوات الفلسطينيين، وشيطنتهم، يجري هذه الأيام على قدم وساق، بصورة لم يسبق لها مثيل. </p>
<p dir="rtl">إننا نعيش في زمن الرعب. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقف هذا التسارع الرهيب نحو الكارثة في منطقة الشرق الأوسط، هو التوقف التام للحرب، والدعوة إلى التفاوض، وبحث جذور هذا النزاع الذي طال أمده، ويعود إلى عام 1948. إن من حق الفلسطينيين أن يحصلوا على دولتهم، لكي يعيشوا جنبًا إلى جنب مع جيرانهم. أما شنُّ الحرب، ومحاولة القضاء على الطرف الآخر، بالقوة المجنونة الغاشمة،  فلن يقود إلى سلام وأمن أي طرف من أطراف النزاع.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21349">رسالة مفتوحة إلى رئيس منظمة القلم العالمي (PEN)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>التغريبة الفلسطينية: الرواية والدراما</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21261</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فخري صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 05 Jul 2023 08:54:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ba%d8%b1%d9%8a%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%85/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في دراما "التغريبة الفلسطينية"، كما في الرواية المأخوذة من أوراقها، يقع المشاهد، وكذلك القارئ، على تجسيد بالصورة، أو الكلمة، لمسلسل الصراع الذي دار على أرض فلسطين، بين أهلها من جهة، وقوات الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية، من جهة أخرى. ويصور المؤلف وليد سيف، في عمله الدرامي الذائع الصيت، وكذلك على صفحات روايته "التغريبة الفلسطينية"،  الصراع غير [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21261">التغريبة الفلسطينية: الرواية والدراما</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">في دراما "التغريبة الفلسطينية"، كما في الرواية المأخوذة من أوراقها، يقع المشاهد، وكذلك القارئ، على تجسيد بالصورة، أو الكلمة، لمسلسل الصراع الذي دار على أرض فلسطين، بين أهلها من جهة، وقوات الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية، من جهة أخرى. ويصور المؤلف وليد سيف، في عمله الدرامي الذائع الصيت، وكذلك على صفحات روايته "التغريبة الفلسطينية"،  الصراع غير المتكافئ الذي دار بين دولة استعمارية عظمى، في حينه، والمقاتلين الريفيين الذين تصدوا بأسلحتهم الفردية لهذه القوة العظمى، التي سعت، منذ بداية انتدابها لفلسطين، إلى إنشاء دولة يهودية في وطن الفلسطينيين وعلى أرضهم. وهو يصور، كذلك، تواطؤ القوات البريطانية مع الحركة الصهيونية المدربة والمدججة بالأسلحة، في مقابل ملاحقة الفلسطينيين، بأسلحتهم الفردية القليلة. وتعرض "التغريبة" سلسلة الأحداث التي تعاقبت على أرض فلسطين، منذ عشرينيات القرن الماضي، وصولًا إلى هزيمة حزيران، ومرورًا بالنكبة الفلسطينية الكبرى التي أدت إلى طرد الفلسطينيين إلى المنافي، وتجريدهم من هويتهم الوطنية، وعيشهم في مخيمات ذاقوا فيها أهوال الذل والمهانة، والفقر، والعوز.  </p>
<p dir="rtl">في المسلسل، وكذلك في الرواية، نشهد بسالة المقاتل الريفي الفلسطيني، كما نشهد المؤامرات التي حيكت ضد شعب فلسطين، وتواطؤ القوى العظمى، وكذلك الأنظمة العربية، التي كانت ترزح تحت حكم الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، لاقتلاع هذا الشعب من وطنه. ويتخذ المؤلف من الرواية الشفوية، والتاريخ الشعبي، لثورة 1936، وكذلك لأحداث النكبة، والحكايات المتداولة بين الفلسطينيين، الذين توزعوا بين المنافي، والسير والمذكرات التي كتبها فلسطينيون عن تجاربهم الشخصية على أرض فلسطين، وبعد تشردهم في جهات الأرض الأربع، مادة للحكايات التي يرويها في عمله. إننا هنا بإزاء كتابة التاريخ الفلسطيني المعاصر من أسفل، حيث يحضر المناضلون المجهولون الذين لم تحتف بهم التواريخ الرسمية، ولم تذكر أسماءهم الكتب، سواء في تأريخها لثورة 1936، أو ذكرها لمن دافعوا عن أرض فلسطين قبل سقوطها في أيدي القوات الصهيونية عام 1948. ولعل هذه الرغبة في إلقاء الضوء على البطولات الفردية والجماعية، التي دافعت عن فلسطين، وتعرضت للخذلان، هو ما يجعل وليد سيف يركز على شخصيات متخيَّلة يحكي بطولاتها، ومعاناتها، فيما يمر مرور الكرام على نضالات الشهيدين عبد القادر الحسيني (1908- 1948)، وحسن سلامة، وعدد آخر من قادة الجهاد المقدس، الذين قاتلوا حتى النفس الأخير، رغم قلة التسليح، وامتناع قيادة جيش الإنقاذ عن مدهم بالأسلحة، وتأخر هذا الجيش الذي، شكلته الأنظمة العربية، في دخول فلسطين حتى 15 أيار (ثم انسحابه فيما بعد دون قتال)، وهو الموعد الرسمي لانسحاب جيش الانتداب البريطاني، مخليًا معسكراته، وتاركًا أسلحته للقوات الصهيونية.</p>
<p dir="rtl"> تحضر هذه الأحداث في الخلفية، وعلى لسان الراوي، لكنها لا تشكل مادة المسلسل أو الرواية. فالمادة الشفوية، وما تداوله الرواة، وحفظته الذاكرة الحية للفلسطينيين، هو ما يشكل عصب هذا العمل الذي يؤثثه المؤلف بالشخصيات والحكايات الفردية، ولحظات الفرح والانتصار، والهزيمة والألم والانكسار. فلا تمجيد لقيادات تاريخية، بل تسليطٌ للضوء على البطولة الشعبية، والأمل المعقود على الأشخاص الطالعين من بين الناس، ومن أحلامهم، وآمالهم، وإحباطاتهم، وعذاباتهم اليومية، وتطلعهم الذي لا يخبو إلى العودة إلى وطنهم وأرضهم. وهو ما يجعل هذا العمل، في صيغتيه الدرامية والروائية ملحمة الشعب الفلسطيني في صراعه مع الاستعمار والصهيونية. </p>
<p dir="rtl">بهذا المعنى، يمكن القول إن المؤلف يشكل مادة عمله مما يسمى التاريخ الصغير، أو الحكايات الصغرى للأفراد والجماعات، مفتشًا في الذاكرة الشعبية، ومؤلفًا كسر الحكايات التي حفظتها ذاكرته، أو سمعها من الناس، بعد حلول النكبة الفلسطينية.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>المسلسل<br />
<img decoding="async" alt="" height="420" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/315x420_1daffa38095b5b61623bd1909de5cb8ac0b21f1bf1c35772f2725ccfe83aaed5.jpg" style="float:left" width="315"></strong></span></p>
<p dir="rtl">يمكن القول إن مسلسل "التغريبة الفلسطينية"، الذي كتب قصته وصاغ السيناريو والحوار له: د. وليد سيف وأخرجه السوري الراحل حاتم علي (1962- 2020)"1"، هو أهم مسعى درامي لتصوير النكبة الفلسطينية، والشتات الذي أعقبها، والظروف المعقدة التي أحاطت بسقوط الوطن الفلسطيني عام 1948. وقد حشد له حاتم علي عددًا كبيرًا من نجوم الدراما السورية والأردنية والفلسطينية"2"، لتجسيد حياة الفلسطينيين قبل النكبة وبعدها، في عمل يتَّسم النص المكتوبُ فيه بالتألق، والطاقة الفياضة، والقدرة على تصوير حياة شخصياته، ونقل صورة الحياة في الريف والمدينة الفلسطينيين قبل النكبة، وحياة المخيم بعدها. كما أن إدارة المخرج لممثليه تتميَّز بإطلاق طاقات هذا الحشد الكبير من الممثلين، ممن قاموا بالأدوار الرئيسية، كما الشخصيات الثانوية، ما جعل المسلسل يتصاعد وتتطور أحداثه، ويلتصق الممثلون فيه بأدوارهم، مشهدًا بعد مشهد وحلقة بعد حلقة. لقد استطاع الثنائي وليد سيف وحاتم علي، اللذان تعاونا في أعمال أخرى قبل هذا المسلسل وبعده"3"، أن يوفرا رؤية من أسفل للقضية الفلسطينية، ولنضال الجموع الشعبية الفلسطينية وعذاباتها، وأحلامها بالعودة إلى الوطن الذي سلب منها، والأرض التي اقتلعوا منها، رغم كل ما قدموه من دم، لمنع هذا الاقتلاع والنفي والتشريد العنيف. </p>
<p dir="rtl">يقدم وليد سيف وحاتم علي، في "التغريبة الفلسطينية"، ملحمة شعب، ومسيرة القضية الفلسطينية، بدءًا من عشرينيات القرن الماضي، وصولًا إلى انبثاق حركة المقاومة الفلسطينية بعد نكسة حزيران 1967، حيث تنفتح الحلقة الأخيرة من المسلسل على الأمل، رغم موت البطل "أبو صالح" الذي يجسد دور الجموع الشعبية الريفية في محاولة منع سقوط فلسطين، ونضالها إلى اللحظات الأخيرة التي سبقت كابوس النكبة واللجوء، والتشرد إلى بعض فلسطين (الضفة الغربية لنهر الأردن، وقطاع غزة)، وبقية جهات الأرض. </p>
<p dir="rtl">يقيم وليد سيف عمارة قصته حول  أفراد عائلة ريفية فقيرة، تمتلك قطعة أرض صغيرة تعتاش منها، إضافة إلى عملها لدى الملاكين الكبار من الفلاحين بالأجرة اليومية. وتعيش هذه العائلة في واحدة من القرى الواقعة شمال فلسطين، وتتكون من أب وأم، وأربعة أبناء وابنة وحيدة. ويصور المسلسل معاناة العائلة في كسب رزقها اليومي، وظلم أحد ملاك الأراضي لها، وضغوطه المتزايدة عليها لإجبارها على بيع قطعة الأرض الوحيدة التي تمتلكها، لكونها تقع على حدود أرضه. </p>
<p dir="rtl">هكذا يصعد بنا المسلسل من واقع أسرة فلسطينية شديدة الفقر، مشيحًا النظر عن إبداعات روائية وقصصية فلسطينية لوَّنت حياة الفلسطينيين بألوان رومانسية حالمة، وكأن فلسطين كانت فردوسًا أرضيًّا خرج منه الفلسطينيون جميعًا إلى أرض الشتات والفقر والذل والمهانة. فقد تضافرت الصراعات السياسية، والتفاوت الطبقي، والظلم الاجتماعي، والتخلف، والعشائرية البغيضة، وصراعات الزعامات العائلية في المدن والقرى الفلسطينية، مع مؤامرات الدول الاستعمارية الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا، والمخطط الصهيوني، الذي حاك مؤامرته للاستيلاء على فلسطين. وقد أدت خيانة الأنظمة العربية (التي كانت تنفذ أوامر الدول الاستعمارية التي تحكمها)، إلى جانب هذه العوامل، الذاتية والخارجية، إلى السقوط المدوي عام 1948، ومن بعد ذلك إلى هزيمة العرب الشاملة في حرب 1967، حيث تنتهي حلقات المسلسل وقد توحدت فلسطين تحت حراب المحتل الصهيوني.  </p>
<p dir="rtl">انطلاقًا من هذه الرؤية التاريخية، التي يتسلَّح بها المسلسل، تتعاقب الأحداث، وتتطور الشخصيات وتنضج، في مهب العاصفة التي تنذر بالهبوب. فأسرة صالح الشيخ يونس، التي تعاني من الفقر والظلم، تصعد مكانتها السياسية والاجتماعية، عندما يشارك ابنها الأكبر أحمد في ثورة الريف الفلسطيني عام 1936، ويصبح أحد قادة الفصائل التي تقاتل قوات الجيش البريطاني، وتحقق انتصارات مشرِّفة على الدولة الاستعمارية التي لم تكن الشمس لتغيب عن الأراضي التي تحتلها. وهكذا يتحول القائد الريفي "أبو صالح"، الذي يبدو صورة روائية لأحد قادة ثورة 1936(عبد الرحيم الحاج محمد (أبو كمال) (1892- 1939)، ابن قرية ذنَّابة الفلسطينية الواقعة قرب مدينة طولكرم"4"، إلى بؤرة لأحداث المسلسل الذي يشدد على النضالات الفلسطينية خلال ثورة الريف الفلسطيني التي أشعلها الشيخ عز الدين القسام، وازدادت وتيرتها بعد استشهاده في معركة أحراش بلدة يعبد، الواقعة جنوب غرب مدينة جنين، سنة 1935. هكذا تتضافر سيرة القائد أحمد صالح الشيخ يونس مع سير قادة ثورة الفلسطينيين التي دامت ثلاث سنوات 1936- 1939، الشيخ القسام وعبد الرحيم الحاج محمد ويوسف سعيد أبو درة (1900- 1940)، ليعود هذا القائد الثوري بعدها حزينًا محسورًا، ينتظر أحداث 1948 ليقاتل من جديد. </p>
<p dir="rtl">لكن "التغريبة الفلسطينية"، وفي سياق سعيها لرسم صورة لحياة الفلسطينيين قبل النكبة، تنقلنا من مشاهد المعارك التي يخوضها أبو صالح ورفاقه، إلى مشاهد التفاف بعض أعيان المدن ومثقفيها حول الثورة، وانكسار شوكة ملاك الأراضي، ممن يظلمون فقراء الريف، في ضوء صعود الثورة، وتحكمها بكثير من مقاليد حياة الفلسطينيين في تلك المرحلة الفاصلة من النضال الفلسطيني. كما أن هذا العمل الدرامي المجيد، يصور لنا، من خلال عائلة أبي صالح الريفية الفقيرة، إصرار الفلسطينيين على التعليم، لكونه أداة للنهوض، والصعود الاجتماعي، والتفتح السياسي والثقافي، وتشييد الهوية الوطنية، في وجه عمليات المحو، والاقتلاع، والتهجير، والنفي، التي تعرض لها الشعب الفلسطيني قبل النكبة وبعدها. </p>
<p dir="rtl">نحن هنا، بإزاء إعادة كتابة درامية للنكبة الفلسطينية، من خلال التفاصيل الصغيرة، وحكايات العيش اليومي، ومشاهد الأفراح والأتراح، وصور الفقر المدقع الذي لا يمنع الروح المتوثبة لأبناء هذا الشعب من الحلم والتغلب على صعوبات العيش، وحبائل السياسة التي صنعت واقعهم اليومي، ورمت بهم إلى خارج الجغرافيا الفلسطينية، وألقت بهم إلى مخيمات ما زالوا يرون فيها صورة نكبتهم الماثلة والمستمرة. ويستخدم وليد سيف، من أجل كتابة نصف قرن من المأساة الفلسطينية (1917 – 1967)، مادة السيرة الذاتية، التي يكتبها علي (الأخ المتعلم الذي أصبح عالمًا وأستاذًا للفيزياء في الجامعة الأمريكية في بيروت)، وتتخللها تحليلات للواقع السياسي والاجتماعي  والثقافي، ليضيء على المشاهد والأحداث والحوارات التي تدور بين شخصيات المسلسل. وهو ما يبدو لنا متطابقًا مع صوت المؤلف، ورؤيته الذاتية للقضية الفلسطينية، وتصوره الشخصي لأسباب النكبة، وتحليله الخاص لما آلت إليه الأمور، بعد أن نجح الحكام العرب في إخماد نار ثورة الريف الفلسطيني، بالتزامن مع اندلاع أحداث الحرب العالمية الثانية (1939- 1945). ويوفر استخدام صوت السارد، الذي يحكي ويحلل، على خلفية مشاهد المسلسل التي تصور الحياة اليومية للعائلة الصغيرة، وللأحداث التي تنذر بضياع وطن وتشريد شعب، نوعًا من الثقافة العالمة، التي توحي بالموضوعية، والحياد التحليلي، والرؤية الواقعية، التي تباعد بينها وبين عاطفية الشخصيات، وآمالها بعودة سريعة إلى الأرض والوطن. </p>
<p dir="rtl">إن وليد سيف، وعلى مدار حلقات المسلسل، يحاول لمِّ شتات الأحداث، والحوارات التي تدور بين الشخصيات، ليركزها في بؤرة محددة، ويسلكها في سياق رؤية الكاتب، ونظرته إلى مستقبل القضية، وتأشيره في اتجاه صعود المقاومة الفلسطينية، وبعثها الأمل في أعطاف جموع اللاجئين الحالمين بالعودة. صحيحٌ أن شخصية الأخ مسعود، الذي لم يتسنَّ له إكمال تعليمه، تتمتع بالواقعية، وتنفر من الآمال التي لا أساس لها، لكن واقعيته جهمة، يائسة، محبطة، ما يدفعه إلى البحث عن الخلاص الفردي، عبر الثروة والغنى، على عكس شخصية ابن أخته رشدي، الواقعي، لكن الذي يتخذ من المقاومة طريقه إلى الحلم بالعودة. كما أن علي (الابن الأصغر) يبدو صوتًا عقلانيًّا، لكنه يفتح نافذة للأمل، برغم سلبيته في معظم المسلسل، وعدم عثوره على معادل ثقافي لما حققه أخوه القائد أبو صالح في ثورة 1936، وكذلك في دفاعه المجيد عن قريته حتى أصيب بجراح كادت تودي بحياته عام 1948. </p>
<p dir="rtl">لقد حصد مسلسل "التغريبة الفلسطينية" نسب مشاهدة عالية منذ عرضه لأول مرة، ولا شك أنه سيجذب مشاهدين جددًا كل يوم، لأسباب تتعلق بمراوحة القضية الفلسطينية دون حل، وعدم تحقق حلم العودة، واستمرار النكبة الفلسطينية. لكن المسلسل، إلى جانب هذه الأسباب الموضوعية، التي تجعله يتمتع بالراهنيَّة، والقدرة على شدِّ أنظار المشاهدين، والاستحواذ على اهتمامهم، ينجح في تخطي حدود مرحلة إنتاجه بسبب قدرته على توفير خلفية شعبية حية ونابضة من الحكايات، والشخصيات، والأغاني والمواويل والعتابا والزجل الشعبي الفلسطيني، واللهجة المحكيَّة للريف الفلسطيني، وكذلك بعض مدن الشمال الفلسطيني، بحيث يجد فيه الناس أنفسهم، حتى ولو لم يكونوا فلسطينيين. </p>
<p dir="rtl">إن توفير سرديَّة فلسطينية تقوم على حكايات النضال، والمقاومة، ومقارعة العدو الغاصب، والاحتلال الاستعماري، والمستوطن الذي يدعي حقًّا زائفًا بملكية الأرض الفلسطينية، هو ما يجعل من مسلسل "التغريبة الفلسطينية" عملًا نابضًا بالأمل، ورؤية المستقبل.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="916" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/bposts20221128131307.png-1.jpeg" width="1222"></div>
<p dir="rtl">
<span style="color:#ff0066"><strong>الرواية</strong></span></p>
<p dir="rtl">تكاد أحداث الرواية، التي نشرها وليد سيف تحت عنوان : التغريبة الفلسطينية، الجزء الأول: أيام البلاد، الجزء الثاني: حكايا المخيم"5"، أن تتطابق مع أحداث المسلسل، مع تعديلات طفيفة في عدد من المواضع، التي ربما أملتها ظروف التصوير والإنتاج، ورؤية المخرج. لكن مقارنة المسلسل بالرواية، المأخوذة من نصه المكتوب، تفضي إلى تطابق، لا في الأحداث فقط، بل في حوارات الشخصيات، والأغاني، والمواويل، التي ترد على ألسنة بعض الشخصيات. كما تتخلل المسلسلَ والروايةَ السيرةُ التي يكتبها علي صالح الشيخ يونس في غربته، حيث يصبح في الرواية مدرسًّا في جامعة برِنستون الأمريكية. ولا ندري إن كان ذلك متطابقًا مع النص الأصل – المكتوب، فيما جرى التعديل على السيناريو، عند تصوير المسلسل، ليكون علي الشيخ يونس أستاذًا للفيزياء في الجامعة الأمريكية في بيروت، في اتفاق جرى بين المؤلف والمخرج.</p>
<p dir="rtl">ورغم التطابق بين المسلسل والرواية، المأخوذة عن نصه المكتوب، فإن قارئ العمل الروائي سوف يجد نفسه منشدًّا إلى هذا العمل السردي، الخطي، الذي تتوالى أحداثه، حسب سياق زمني يبدأ من الماضي ويتجه نحو المستقبل. لا تجريبَ هنا، لا انتقالات زمنية، لا عودةَ إلى الماضي، ثم ارتدادٌ إلى الحاضر المكلوم المهزوم. وهو ما يجعل هذا النص تقليديًّا في حبكته، واستخدامه للأمكنة وصيغ الزمان، وكذلك ظهور صوت المؤلف، لا في سيرة علي الشيخ يونس فقط، بل كذلك في ثنايا السرد والتعليقات والتحليلات، وتأويلات الأحداث، ورسم صور الشخصيات، وعلاقتها بالمكان، وكذلك في الحوارات التي تدور بين مثقفي العائلة، وتسعى إلى نقل الجدل الثقافي والسياسي في العالم العربي، في تلك الحقبة الزمنية التي أعقبت النكبة، وسادت فيها تيارات الفلسفة الوجودية التي جرى تطعيمها بالأفكار القومية العربية.  </p>
<p dir="rtl">يقوم وليد سيف، كما هو واضح، بنقل نص الدراما المكتوب إلى ورق الرواية، مغيِّرًا، بطبيعة الحال، من شرح المشاهد، وتعليمات السيناريو، ومحوِّلًا هذه الشروحات إلى سرد بصيغة السارد العليم، وتعليقات المؤلف، الذي يختفي خلف السارد، ويلقنه ما يريد أن يقول. لكن الحوارات في أغلبها تبقى كما هي في النص الأصل، أي النص الدرامي المكتوب، ما جعل الكثير من هذه الحوارات يحافظ على صيغته بالمحكية الشعبية الفلسطينية. وهو ما منح الرواية الحيوية نفسها، التي تمتع بها المسلسل، على لسان ممثلين جرى تدريبهم على المحكيَّة الريفية الفلسطينية، بالأساس، فأتقنوها أحيانًا وجانبهم الصواب أحيانًا أخرى، وبالغ بعضهم أحيانًا، وزلَّت ألسنة بعضهم أحيانًا أخرى، لكون معظم الممثلين سوريين، أو فلسطينيين ممن عاشوا في سوريا، أو ولدوا فيها. أما في الرواية، فتبدو هذه المحكيَّة حية، ونابضة، ومفعمة بالقدرة على التعبير عن واقع الشخصيات وانتماءاتها الريفية، أو المدنية، وكذلك الاجتماعية، والطبقية. وبغض النظر عن الجدل الذي دار، وما زال يدور، في النقد العربي الحديث والمعاصر، حول استعمال المحكية في الرواية، وتفضيل نوع من المحكيَّة المفصَّحة، أي أنها تحتفظ بأصلها المحكي، لكنها تلتزم بالعلامات النحوية والصرفية للعربية الفصحى، فقد فضَّل وليد سيف أن ينقل الكلام المحكي، كما هو، في بعض الأحيان، وقام بتفصيحه في أحيان أخرى، بما يتناسب مع طبيعة القائل وثقافته، فإن كان القائل بسيطًا، شبه أمي، أبقى على المحكية، وإن كان مثقفًا، والنقاش يدور حول قضية ثقافية، قام المؤلف، بتفصيح كلامه، إلى حد ما، موشحًا الكلام ببعض الكلمات الدارجة. ولا شك أن هذا الخيار الذي ذهب إليه المؤلف، هو ما أعطى حيوية وغنى للحوار في الرواية، كما هو في المسلسل. ولو ذهب المؤلف إلى عكس ذلك، فتعامل مع الحوارات الواردة كلها في النص بالطريقة نفسها، مضفيًا عليها طابع الفصاحة والبيان الناصع، فسوف يتخذ الحوار شكلًا غريبًا على ألسنة الناس البسطاء الذين يحتشد بهم النص، فيفقد الحوار، وكذلك النص، قدرتهما على الإقناع والمعقولية. </p>
<p dir="rtl">هكذا تتقاطع الرواية مع المسلسل الدرامي، في طبيعة الحوار، واللغة المستعملة، كما تقاطعت معه في تسلسل الأحداث، وطبائع الشخصيات، وتطورها المفترض، بمرور الوقت وتوالي الأحداث. لكن ما يفارق به النصُّ الروائيُّ العملَ الدراميَّ هو استخدام الشعر، في مدارات الفصول. فالمؤلف يقتبس من أشعار محمود درويش، وصلاح عبد الصبور، وتوفيق زياد، كما يورد شعرًا من كتابته، ومن دواوينه السابقة، واضعًا القارئ في جو مجموعاته الشعرية: "قصائد في زمن الفتح" (1969)، و"ووشم على ذراع خضرة" (1971)، و"تغريبة بني فلسطين" (1979)، حيث تتخايل أساطير الخصب الكنعانية، برمز خضرة، التي تلتحم بالأرض، وتطلع من أعشابها، ورمز جبينة، التي ما فتئت تبحث عن أمها. ولا شك أن ذلك يشير في وجه من وجوهه إلى خضرة، البنت الوحيدة للعائلة، التي ذهبت مع زوجها إلى بلدة أم الفحم، وانقطعت عن العائلة داخل سور احتلال 1948، فصاروا هم في الخارج، وظلت هي في الداخل. وفي هذا التقابل بين خضرة وعائلتها إيحاءٌ بتقابل واضح بين شطري الشعب الفلسطيني؛ الباقين منهم والمنفيين المشردين اللاجئين. </p>
<p dir="rtl">لا نعلم بالطبع، هل كانت هذه النصوص الشعرية الواردة في النص الروائي، موجودة في النص المكتوب من أجل تنفيذه، لتلحن وتغنى، كما هي قصيدة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (1905- 1941) "6"، التي اتخذها المسلسل شارة له، تتردد في مطالع الحلقات. لا نعلم إن كان المخرج حاتم علي قد قام بحذف تلك القصائد لكي لا يثقل المسلسل بالقصائد المغناة. لكن وجود هذه القصائد، سواء تلك التي كتبها المؤلف ووضعها على لسان الشاعر الشاب صلاح (ابن القائد أبو صالح)، أو تلك التي استعارها من شعراء فلسطينيين وعرب آخرين، تعطي للنص الروائي أعماقًا شعرية، ودلالات تفيض عن الواقع  اليومي، الضاغط، الكابوسي، الذي ترزح تحته شخصيات العمل، في مرحلة ما بعد النكبة وأثناء الإقامة في المخيم. كما أنها  تشحن الفضاء الروائي بالأمل، وتحقنه بشرارة المقاومة التي تتسم بها النصوص الشعرية  التي أضافها وليد سيف إلى عمله الروائي. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">في دلالة المقارنة بين النص الدرامي والعمل الروائي</span></strong></p>
<p dir="rtl">أشرت فيما سبق إلى مواضع التطابق الغالبة، وحالات التفارق القليلة، بين مسلسل "التغريبة الفلسطينية" والرواية التي تتخذ لها العنوان نفسه. وهو ما يجعل النص الروائي تحويلًا للنص الدرامي المكتوب، الذي كتب لغايات التحويل إلى عمل درامي تمثيلي، وصياغةً جديدة له، بحيث يصبح قابلًا للقراءة كعمل روائي. وإذا كان المألوف هو أن يتم تحويل العمل الروائي إلى مسلسل درامي، أو فيلم سينمائي، أو نص مسرحي"7"، فإن وليد سيف، بعد مسيرة طويلة في عالم الكتابة الدرامية، للتلفزيون، يقوم بتحويل تلك النصوص إلى روايات"8"، مغيرًا في بعض مواضع النص، ومضفيًا حبكة الرواية ولغتها، وتقنياتها، على تلك النصوص، ساعيًا في الوقت نفسه إلى رسم الملامح النفسية للشخصيات. فالأعمال الدرامية التي كتبها سيف، ولاقت رواجًا كبيرًا، وحققت حضورًا بارزًا في عالم الكتابة الدرامية العربية، واستقطبت أعدادًا كبيرة من المشاهدين، تحتاج عند تحويلها إلى روايات إلى إعادة نظر، بل إعادة كتابة، في معظم الأحيان. إن وليد سيف يعرف أن جمهرة مشاهدي المسلسلات التلفزيونية ليست هي نفسها ممن يقرؤون الروايات بالضرورة، خصوصًا أن الفئة الأخيرة هي من المتعلمين والمثقفين والمهتمين، وهي، كما قلنا، قليلة العدد بالقياس إلى الجماهير الغفيرة من مشاهدي التلفزيون، والمهتمين بالمسلسلات. فالصورة أوسع انتشارًا، وأكثر استقطابًا للمهتمين من قراء الكتب. لكن كاتبًا دراميًّا، بحجم وليد سيف، يحاول، كما أظن، الوصول إلى شريحة مختلفة من المهتمين، أي جمهور المثقفين والمتعلمين، من قراء الرواية. ففي العمل الروائي نقع على مهارة الكاتب، وأفكاره، وطريقة بنائه لعالمه الروائي، ورؤيته للعالم، والقضايا التي يقوم بتحويلها إلى حكايات. في الرواية ينغمس القارئ في عالم الروائي، ولغته، وكلامه، ولا ينشغل بأداء الممثلين، والموسيقى التصويرية المصاحبة للعمل الدرامي، وصور المعارك، والعالم المتحرك أمام أعين المشاهدين، ورؤية المخرج للنص. نحن هنا، وفي النص الروائي المطبوع، نتوحَّد مع الكاتب، مع الكلمات التي تتراصف أمام أعيننا. </p>
<p dir="rtl">لكن مشكلة نص وليد سيف، الذي تحول من دراما إلى عمل روائي، خصوصًا في "التغريبة الفلسطينية"، تكمن في أن مشاهدي المسلسل ليسوا فقط من عامة الناس، بل هم من جمهرة قراء الروايات كذلك. صحيحٌ أن عدد هؤلاء أقل من مشاهدي المسلسل، لكن قراءتهم ستعيدهم على الدوام إلى المسلسل الذي شاهدوه من قبل، وسوف يستعيدون صور الممثلات والممثلين الذين أدوا أدوار الشخصيات، خصوصًا إذا كان ما يقرؤونه يتطابق كثيرًا مع ما شاهدوه على الشاشة. ولربما تحثهم قراءة الرواية إلى العودة إلى المسلسل الذي شاهدوه قبل سنوات طويلة، كما فعلت أنا، ليبحثوا عن التشابهات والاختلافات بين نص الرواية وتجسيد الدراما. </p>
<p dir="rtl">على الرغم من هذه المشكلات، التي يثيرها تحويل دراما "التغريبة الفلسطينية" إلى عمل روائي، وتشويش العمل الدرامي على النص الروائي، حيث تطل شخصيات المسلسل، ومشاهده المتوالية، على قارئ النص الروائي، فإن الكسب الذي يتحقق، من خلال نقل دراما "التغريبة" لتصبح عملًا مطبوعًا، هو إعادة تسليط الضوء على المسلسل الشهير، ومن ثمَّ، إعادة تسليط الضوء على النكبة الفلسطينية، وقضية الفلسطينيين التي ما فتئت تتعقد، وتلحُّ على وعينا، كفلسطينيين، وعرب، وكذلك كبشر، يشهدون هذه النكبة المستمرة، وأكبر سرقة في التاريخ، دون أن يتحقق للفلسطينيين، على أرضهم أو في مهاجرهم، أي حل، حتى ولو كان منقوصًا. ومن هنا راهنيَّة المسلسل، وراهنيَّة الرواية، في الوقت نفسه. </p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">هوامش</span></strong></p>
<ol dir="rtl">
<li dir="rtl">
<h5><span style="color:#7f8c8d">كتب حلقات المسلسل الـ31 د. وليد سيف، وأخرجه المخرج السوري الراحل حاتم علي، وأنتجته شركة سوريا الدولية للإنتاج الفني، وجرى تصويره عام 2004، وتم عرضه لأول مرة في شهر رمضان من العام نفسه.  </span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5><span style="color:#7f8c8d">قام بالأدوار الرئيسية في المسلسل: جمال سليمان، خالد تاجا، جولييت عواد، يارا صبري، رامي حنا، نادين سلامة، باسل خياط، تيم حسن، سليم صبري، حسن عويتي، مكسيم خليل، وعدد كبير من نجوم الدراما السورية والفلسطينية والأردنية. </span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5><span style="color:#7f8c8d">تعاون وليد سيف، كاتبًا، مع حاتم علي، مخرجًا، في عدة أعمال درامية: صلاح الدين الأيوبي (2001)، صقر قريش (2002)، ربيع قرطبة (2003)، التغريبة الفلسطينية (2004)، ملوك الطوائف (2005)، عمر بن الخطاب (2011). </span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5><span style="color:#7f8c8d">وليد سيف، في الأصل، من قرية ذنّابة، الواقعة شرق مدينة طولكرم. </span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5><span style="color:#7f8c8d">وليد سيف، التغريبة الفلسطينية، الجزء الأول: أيام البلاد، الجزء الثاني: حكايا المخيم، الدار الأهلية للنشر، عمان، 2022. </span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5><span style="color:#7f8c8d">كلمات الشارة هي من قصيدة إبراهيم طوقان "الفدائي":</span></h5>
</li>
</ol>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">لا تسل عن سلامته     روحه فوق راحته</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">بدلته همومه                كفنًا من وسادته</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">                       ........</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هو بالباب واقف     والردى منه خائف</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">فاهدئي يا عواصف  خجلًا من جراءته</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">صامتٌ لو تكلما           لفظ النار والدما</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">قل لمن عاب صمته  خلق الحزم أبكما</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">لا تلوموه، قد رأى    منهج الحق مظلما</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وبلادًا         أحبها           ركنها قد تهدَّما</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">انظر: إبراهيم طوقان، ديوان إبراهيم: أعمال شاعر فلسطين إبراهيم طوقان، دراسة في شعره: د. إحسان عباس، دار القدس، بيروت، 1975، ص: 94. </span></h5>
<ol start="7">
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">المألوف  في العالم الثقافي أن يقوم الكاتب، أو شخص آخر متخصص في كتابة الدراما أو السيناريو السينمائي، بتحويل عمله الروائي إلى فيلم سينمائي أو دراما تلفزيونية، أو عمل مسرحي يعتمد الحوار، ووصف المشاهد، والتعليمات التي يكتبها ليقوم المخرج بتنفيذها، أو أنها على الأقل ترشده إلى الرؤية الإخراجية التي ينفذها للعمل. هذا ما عهدناه في آلاف الأعمال الروائية، والقصصية، وكذلك المسرحية، في طول العالم وعرضه، وفي ثقافات العالم المختلفة، ومن ضمنها الثقافة العربية. وقد شهدنا تحويل عدد كبير من أعمال نجيب محفوظ الروائية، وبعض قصصه، إلى أفلام سينمائية، ومسلسلات تلفزيونية. وقام نجيب محفوظ نفسه بكتابة السيناريو والحوار لعدد من روايات إحسان عبد القدوس التي تحولت إلى أفلام سينمائية. لكنه لم يكتب أيَّ سيناريو لأعماله الروائية، وترك الآخرين يفعلون ذلك.</span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">أصدر وليد سيف عددًا من الروايات المأخوذة عن أعماله الدرامية: ملتقى البحرين (2019)، مواعيد قرطبة (2020)، النار والعنقاء (الرايات السود، 2021)، النار والعنقاء (صقر قريش، 2021)، الشاعر والملك (2022)، التغريبة الفلسطينية (2022).  </span></h5>
</li>
</ol>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21261">التغريبة الفلسطينية: الرواية والدراما</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>قصص محمود شقير العامرة بحس الدعابة وخفة الظل والمفارقة الساخرة </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20389</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فخري صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 19 Feb 2021 15:24:54 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[محمود شقير]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%b4%d9%82%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d8%a8%d8%ad%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d9%88%d8%ae%d9%81/</guid>

					<description><![CDATA[<p>على مدار تجربته الإبداعية التي تغطي حوالي ستة عقود من الزمن، يسعى الكاتب والقاص والروائي الفلسطيني محمود شقير (مواليد 1941) إلى التعبير عن مكابداته كفلسطيني، تعصف به محاولات مستمرة لمحو هويته واستلاب وجوده وأرضه والمكان الذي ولد فيه وعاش وتكوَّن وجدانيّاً وثقافيّاً. من هذا الجرح العميق، الذي انفتح في وجدانه منذ كان في السابعة من [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20389">قصص محمود شقير العامرة بحس الدعابة وخفة الظل والمفارقة الساخرة </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">على مدار تجربته الإبداعية التي تغطي حوالي ستة عقود من الزمن، يسعى الكاتب والقاص والروائي الفلسطيني محمود شقير (مواليد 1941) إلى التعبير عن مكابداته كفلسطيني، تعصف به محاولات مستمرة لمحو هويته واستلاب وجوده وأرضه والمكان الذي ولد فيه وعاش وتكوَّن وجدانيّاً وثقافيّاً. من هذا الجرح العميق، الذي انفتح في وجدانه منذ كان في السابعة من عمره عند سقوط فلسطين وقيام دولة إسرائيل عام 1948، تتشكَّل حكاياته وقصصه وأمثولاته التي نعثر عليها في  مجموعاته القصصية ورواياته ومرويَّاته عن مدينة القدس، التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن قريته جبل المكبّر التي نجت من الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 لتقع فريسة هذا الاحتلال عام 1967. وعلى الرغم من مشاغل العيش والحياة اليومية، والعمل السياسي والحزبي، والانتماء إلى اليسار وحركة المقاومة الفلسطينية، الذي كلفه بضع سنوات من حياته إذ اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعد 1967 ثمَّ أبعدته إلى خارج فلسطين، قبل أن يعود إليها بعد اتفاق أوسلو، إلا أن ما أنجزه شقير، في القصة القصيرة أولاً، ثمَّ في الرواية والكتابة للأطفال، يجعله واحداً من الأعلام الأساسيين في السرد الفلسطيني. لقد أنجز في العقود الخمسة الأولى من حياته القليل من الأعمال، لكنه في العقود التالية، التي تحرر فيها من العمل اليومي، والشقِّ السياسي منه بصورة خاصة، أنجز عدداً كبيراً من الأعمال القصصية والروائية، والقصص التي كتبها خصيصاً للأطفال والفتيان، مستخدماً ذاكرة الطفل والصبي فيه ليطلَّ على مشهد القرية التي كتب عنها أفضل قصصه ورواياته، ساعياً إلى تصوير تبلور وعي الفلسطينيين بالنكبة التي حلَّت بهم، والوطن الذي ضاع وأُلحقت أجزاء منه بدول أخرى (الضفة الغربية بالأردن، وقطاع غزة بالإدارة المصرية).</p>
<p dir="rtl">بدأ محمود شقير نشر القصص القصيرة في الصحف التي نشأت في الجزء الشرقي من مدينة القدس بعد نكبة 1948، وكذلك في مجلة "الأفق الجديد" (صدر عددها الأول عام 1961)، لكنه لم يصدر مجموعته القصصية الأولى "خبز الآخرين" إلا عام 1975 عن دار نشر صغيرة في مدينة القدس تدعى "دار صلاح الدين" حاملةً اسم أحد شوارع المدينة المقدسة. وتضمُّ تلك المجموعة الأولى عدداً من القصص التي كتبها شقير قبل احتلال 1967، وقصصاً أخرى كتبت بعد الاحتلال، وهي تعالج صدمة الفلسطينيين بسقوط ما تبقى من فلسطين في قبضة الاحتلال الإسرائيلي، كما تصور في الوقت نفسه تكوُّن البذور الأولى للمقاومة في رحم المجتمع الفلسطيني الذي لم يكن قد صحا بعد من ضياع فلسطين قبل أقل من عشرين عاماً. لكن ما يميِّز هذه المجموعة، التي بشَّرت بموهبة قصصية فلسطينية طالعة، هو روح الدعابة والفكاهة، والقدرة على تصوير عالم القرية بمفارقاته العديدة، وصدمة القرويين الذين يسافرون إلى المدينة المقدسة فيرون عالماً مختلفاً عن قريتهم البسيطة الهادئة التي يبدو فيها الزمن جامداً متوقفاً، في مقابل صخب المدينة وازدحامها. ثمَّة فتيان ريفيون يحجّون إلى المدينة للمتعة أو العمل؛ ونساء ريفيَّات تطحنهُّن الحياة وتجبرهُّن على الذهاب إلى المدينة لبيع ما يجملن من خضروات وفواكه وبيض، لكي يطعمن الأفواه الجائعة في عائلاتهن؛ ورجال يصرون على زيارة المسجد الأقصى لكنهم يصطدمون بقوات الاحتلال الإسرائيلي التي تمنعهم من الصلاة في الحرم القدسي. ومن خلال هذا الموزاييك الذي يضع عالمَ القرية في مواجهة عالم المدينة، وأبناء القرية وبناتها في مواجهة جشع أهل المدينة وقسوتهم، والمواطن الفلسطيني في مواجهة المحتل الإسرائيلي، يسعى محمود شقير إلى تصوير عذابات الفلسطينيين في طبقاتها المتعددة، دون أن يختزل هذه التجربة الفردية والجماعيَّة الوجودية لشخصياته في تأويل محدد. إن الصراع الطبقي بين الفقراء والأغنياء، كما الاحتلال، يفسِّران معاناة الرجل والمرأة الفلسطينيين: الاحتلال يسرق الأرض فيما صاحب العمل المستغل يسرق حياة الفقراء الفلسطينيين ويتسبَّب في موتهم جوعاً، أو في العمل الذي لا يحميهم من السقوط والموت في ورش بنايات المدينة العالية. لكن التفسير الطبقي للصراع، الذي تغذيه رؤية القاص المسلَّح بالنظرية الماركسية والمنتمي إلى الحزب الشيوعي، يلوِّن عالم قصص شقير التي تبدو أكثر حيويَّةً، عامرةً بحسِّ الدعابة وخفة الظل، وأكثر قدرةً على التقاط حسِّ المفارقة، عندما تتخلَّص من هذه الرؤية النظريَّة، المدرسيَّة، الشديدة التسييس، وتنطلق لتصور شخصياتها، نساءً ورجالاً، راغبين في الحياة والحب والمتعة، والانطلاق والتفتح والانفلات من أسر العالم الضيق الذي تمثله القرية في مقابل المدينة التي تتمتع بالانفتاح والصخب والوعد بالمتع والمغريات. </p>
<p dir="rtl">في مجموعته القصصية التالية "الولد الفلسطيني" (1977)، ينتقل شقير لتصوير بذور المقاومة الفلسطينية، بشقيها السلمي والمسلح، بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، مازجاً بين التعليميَّة والشِعاريِّة التي تمجِّد المقاومة والتمسُّك بالأرض والدعوة إلى عدم الخروج والرحيل كما حدث في نكبة 1948 (وهو ما طبع أيضاً قصصه الموجهة إلى الأطفال والفتيان)، واللغة التعبيرية الرمزيَّة، ذات الطابع الشعري، التي ترفع المقاومة إلى سُدَّة الخلاص المسيحيّ والروح الرسوليَّة الممثَّلة في فداء المسيح، الفلسطينيِّ في هذه الحالة، للبشرية، والفقراء، والمعذبين في الأرض، والفلسطينيين، بدمه الذي يروي الأرض ويُطلِع منها زرعاً أخضر. ويمزج محمود شقير في قصته "رجل قام من بين الأحياء"، التي تبدو لي مركزية، وذات طابع رمزي، في مجموعة "الولد الفلسطيني"، بين هذه الرؤية الخلاصيَّة المسيحيَّة والرؤية التموزيَّة للعالم، المفعمة بالأمل والمستقبل، وانتصار الخير على الشر، والمستضعفين على من يتسلَّط عليهم ويذلهم. ويمكن أن نستقرئ في هذه الرؤية الخلاصيَّة نوعاً من الإيمان بالمقاومة السلميَّة التي يمثلها المسيح، أو الرجل الذي قام من بين الأحياء ليروي بدمه الأرض التي تخضرُّ ويزدادُ خصبها، ما يعكس بصورة من الصور غلبة المقاومة السلمية على المقاومة المسلحة، في أوج صعود المقاومة المسلحة للفلسطينيين في النصف الأول من سبعينيَّات القرن الماضي. </p>
<p dir="rtl">لكننا نلحظ انعطافة حادة في تجربة محمود شقير في تسعينيات القرن الماضي، حيث يطرح القاص جانباً الطابع التعليميَّ، الذي طبع بعض قصصه، ويفلت من أسر الرؤية الأيديولوجية الماركسية، التي قيَّدت تعبيره القصصي ومنعته من رسم شخصياته بريشة أكثرَ خفة، أكثرَ حيوية وإنسانية، ما يبُاعدُ بينها وبين الرؤية التخطيطية، المدرسيَّة، القالبيةَّ، التي تجعلها نمطيَّة تعبر عن سطوح الأشياء والعوالم، لا عن الأعماق والحقائق المركبة والمعقدة التي تستعصي على التأويل والشرح. هذا ما نعثر عليه، على سبيل المثال، في مجموعته "مرور خاطف" (2002)، التي تضم عدداً كبيراً من القصص القصيرة جداً، إذ تختزل تعبيرَها القصصي في أسطر أو صفحة أو صفحتين، دون تزيُّد، أو إضافة، أو شرح، أو تأويل، أو لجوء إلى أدلَجَة العالم، أو حشره في قالب فكري أو تأويلي وحيد محدد. ثمَّة ظواهر، وأحداث، وصور، وحوارات تدور أمام أعيننا، لكن الراوي لا يعلق عليها، بل يعرضها في سرد خاطف، مقتصد، تاركاً للقارئ أن يرى بنفسه ما يختفي وراء الظاهرة أو المشهد، أو على الأقل أن يشهد بنفسه ما شهده الراوي وعاينه من تجارب البشر ومكابداتهم في العيش. وهو ما يقترب بهذه القصص، سواءٌ في هذه المجموعة أو مجموعات أخرى اشتغل فيها شقير على تجريب هذا الشكل المختزل من الكتابة القصصية، من التعبير الشعري، أو شكل قصيدة الهايكو، أو عالم الأُمثولة allegory، أو الحكاية القصصية anecdote. لكن الأهمَّ في هذا السياق من تطور تجربة محمود شقير هو تخلُّصُه من تعليميَّة قصصه السابقة، وثقلِ الرؤية الأيديولوجية فيها، وانطلاقُه إلى أرض الإيداع الرحبة العامرة بالحيوات والشخصيات التي تواجه لغزَ العالم والوجود بالشك وعدم المعرفة. لا أدلجةَ، هنا، لا قوالبَ، لا تفسيرَ للعالم، بل خوضٌ في تجربة العيش الغامضة، المبهمة، التي يقف أمامها الإنسان عاجزاً، مكبَّلَ اليدين، في مواجهة الرحيل، أو الفناء، ربما، حيث "الموت يُقعي على عتبة الباب مثل كلب هرم لا يقوى على النباح"، كما يقول الراوي في واحدة من القصص التي تحكي عن عجوز وزوجته وقد تجمَّدا في الزمن ينتظران آتياً لا يأتي. </p>
<p dir="rtl">يعود القاص في المجموعات التالية، التي صدرت في العقد الأول من الألفية الثالثة، إلى روح الدعابة، والفكاهة، والمرح، والسخرية، ولغة المفارقة، التي طبعت  قصصه الأولى في ستينيات القرن الماضي، حيث تبدو الفانتازيا، والعجيب، والغريب، وغير المتوقَّع، سمات أساسية مُكوِّنة للأحداث والشخصيات والوقائع اليومية وحوارات الشخصيات، لا شيئاً مُسقطاً من الخارج. في "صورة شاكيرا" (2003) تحتشد المجموعة بحكايات عن قرويين فلسطينيين يلتقون، أو يقيمون علاقات، أو يدَّعون بوجود علاقات، مع شخصيات عالمية شهيرة، سياسيين، ومغنين، وممثلات؛ موراتينوس، وكوفي عنان، وشاكيرا، وبريجيت باردو، ومايكل جاكسون، في تعبيرٍ ساخر، لاذع، ومفارق، عن الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في ظل اتفاقات أوسلو التي لم تجلب لهم سوى مجيء المسؤولين الدوليين، وبعض نجوم كرة القدم، والممثلين والمغنين الذين تقاطروا على أرض السلطة الوطنية للتعبير عن تضامنهم، فيما كان الاحتلال يبني المستوطنات ويزيد عدد سكانها على الأرض الفلسطينية المحتلة، ويُرسِّخ سلطةَ احتلاله الأبدية. هكذا يبدو ادعاء أحد أبناء قبيلة الشْقيرات (عائلة القاص محمود شقير)، بأن شاكيرا هي من بنات عائلة شاكيرات، وسيلةً لاستعطاف قلب جندي إسرائيلي يعشق أغاني شاكيرا ورقصها لكي يسهِّل شؤون الحياة اليومية لابن العائلة. التأويلُ نفسه يصحُّ بخصوص قصص المجموعة الأخرى التي تخلط الحقيقة القصصية بالوهم والتخيُّلِ والكذبِ الأبيض، في محاولة لتصوير وهم التحرر من أسر الاحتلال الذي ظلَّ، بعد نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية في أثر توقيع إعلان المبادئ بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 1993، ينوء بثقله على صدور الفلسطينيين، ويجعل حياتهم أكثر صعوبة، فيما تنسحب الأرض من تحت أقدامهم، ويترسَّخ الاحتلال يوماً بعد يوم. لكن هذا الواقع الحياتي الصعب، والتجربة الوجودية المعقدة للجماعة الفلسطينية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، يجري التعبير عنهما بلغة فكهة، ساخرة، خفيفة الظل، ما يكشف عن عمق المفارقة، والواقع المرِّ، والتناقضات العميقة التي تشكل شرخاً عميقاً في حياة الفلسطينيين. وهو ما يذكِّر بكاتب فلسطيني آخر، إميل حبيبي (1921- 1996)، اتخذ من الفكاهة ولغة المفارقة والمحاكاة الساخرة Parody، خصوصاً في روايته العظيمة "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974)، أسلوباً للتعبير عن المقاومة السلبية والنضال من أجل البقاء في وجه مخطط المحو واستلاب الهوية الذي مارسته إسرائيل تجاه البقية الباقية من الفلسطينيين عام 1948. </p>
<p dir="rtl">في انعطافة أخرى لتجربة محمود شقير، يسعى القاص إلى إقامة صلات ووشائج وتقاطعات مع أعمال أدبية عالمية، مع علامات ومبدعين كبار في تاريخ القصِّ الإنساني، في نقلةٍ تشير إلى رغبةٍ في رؤية تجربة الفلسطينيين وهي تتقاطع مع تجارب البشر الخاسرين في لغات وثقافات أخرى. وهو ما نعثر عليه في مجموعة "احتمالات طفيفة" (2006) التي تتخذ من شكل القصة القصيرة جداً وسيلة للتعبير عن هذه التقاطعات السردية والوجودية، إنْ من حيث الرسالة التي تحملها القصص، أو من حيث التوازي الذي تقيمه بين الشخصية المركزية، التي يُروى عنها (وتبدو مركزاً لكل هذه المشاهد القصصية التي يتشكَّل منها هذا الكتاب القصصي) وبين شخصية دون كيخوته Don Quixote في رواية الروائي الإسباني ميغيل دي سيرفانتيس Miguel de Cervantes (1547- 1616)، أو بينها وبين شخصية "الجندي الطيب شفيك"The Fate of the Good Soldier Svejk during the World War للكاتب التشيكي ياروسلاف هاشيك Jaroslav Hasek (1883- 1923). فالشخصية التي يُسَلسِل شقير حكاياتِها هي أشبه بفارس دي لامانشا الذي يحارب طواحين الهواء، حيث يحمل الفارس الفلسطيني رمحه في مدينة معاصرة، ظنّاً منه أن الحرب ما زالت قائمة. إن هذا الفارس الموازي، لدون كيخوته، يعيش في عالم من المُثُلِ التي اختفت، ويتجوَّلُ على فرسه في مدينة خلت من المحاربين، في إشارة إلى واقع الفلسطينيين الراهن وخساراتهم المتوالية. ويفسر هذه القصص القصيرة جداً اقتباسٌ من "دون كيخوته" يُصَدِّرُ به القاصُّ القسمَ الأول من مجموعته: (بالأمس كنت ملكاً على إسبانيا/ واليوم لا أملك برجاً/ يمكنني القول إنه لي). في الوقت نفسه ثمَّة مشاهد قصصية يلتقي فيها "دون كيخوته" الفلسطيني المعاصرُ مع الجندي الطيب شفيك في حانة في براغ حيث يُسرُِّ له الأخير أنه مشغولٌ بسرقة الكلاب التي يبيعها حتى يستطيع تحصيلَ لقمة عيشه. </p>
<p dir="rtl">في سياق آخر تقيم هذه المجموعة تقاطعاً وتوازيات مع رواية "المتشائل" لإميل حبيبي في تلميح واضح إلى المصير الذي ينتظر الفلسطينيين في المناطق الفلسطينية التي احتلت بعد 1967. فلم يبقَ أمام الفارس الفلسطيني، الذي يحمل رمحه في مدينة ما عادت راغبة في الحرب، إلا الحيلةُ، والتخفّي، والسخرية، والمقاومة السلبية، للاستمرار في العيش. ولهذا تجمع واحدةٌ من هذه القصص الثلاثة معاً: دون كيخوته، الجندي الطيب شفيك، ومتشائل إميل حبيبي:</p>
<p dir="rtl">"وقفت عند أول الطريق. أتلَّفت في كل اتجاه. في تلك الأثناء... مرَّت عربات فيها جنود بأسلحة وعتاد. مرَّ "دون كيخوته" على صهوة فرس ومن خلفه تابعُه على ظهر أتان، مرَّ الجندي الطيب "شفيك"، أنفُه دقيق وعيناه صغيرتان. مرَّ رجل يتلفت مثلي في كل اتجاه، قال لي إنه كان مضطراً للمراوغة لكي يبقى في البلاد. اسمه "سعيد أبو النحس المتشائل". صافحته وقلت: أنا أيضاً اسمي سعيد! ثم مضى، وبقيت أتلفت في كل اتجاه".      </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20389">قصص محمود شقير العامرة بحس الدعابة وخفة الظل والمفارقة الساخرة </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-29 22:56:15 by W3 Total Cache
-->