<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>إدوارد سعيد - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%A5%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AF-%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/إدوارد-سعيد</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 14 Apr 2026 08:45:05 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>إدوارد سعيد - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/إدوارد-سعيد</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ما هي السينما الفلسطينية؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34490</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 26 Dec 2024 12:49:01 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<category><![CDATA[إيليا سليمان]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[سينما فلسطينية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34490</guid>

					<description><![CDATA[<p>رمانة</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34490">ما هي السينما الفلسطينية؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السؤال، من أوّله، إشكاليات تستوجب البحث، لكنها، لا الإشكاليات والسؤال ذاته، في طرحها هنا، أتت لغاية إجابة محدّدة ومحدودة، كما يمكن تحديد هوية أيّ فيلم، الفرنسي مثلاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لنترك السؤال جانباً، فما أحاوله هنا هو توضيح معالمَ لما يمكن أن نسمّيه فيلماً فلسطينياً، في رأي قابل لنقاش مفتوح، لطبيعة الهوية المفتوحة الممكن توصيفها بالفلسطينية. لكن قبل ذلك، سأمر على الإشكاليات في تحديد هذه الصفة، قبل الخوض في إسقاطاتها السينمائية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قبل الحديث عن «متى تكون السينما فلسطينية؟» سأناقش في سؤال «ما هو -وليس من هو- الفلسطيني؟» ما يهوّن على أحدنا في محاولته للإجابة عن هذا السؤال أو مقاربته، هو غياب الدولة الفلسطينية، أو غياب حالة «دولة الشعب» أو الدولة الوطنية/القومية لدى الفلسطينيين، فلا وجود لكيان سياسي وسيادي يمكن إحالة كل ما هو ومَن هو فلسطيني إليه. هذا الغياب يأتي بالتوافق مع تشكّل الهوية الفلسطينية المعاصرة، منذ ما بعد النكبة، بعد قطعها مع هوية أولى حديثة في النصف الأول من القرن العشرين، وهي هوية أمكن لها، لو تخطى الفلسطينيون عام النكبة أو لو لم توجد إسرائيل، أن تتطوّر إلى دولة مثيلة -رغم خراب الأمثلة- بشقيقاتها المجاورات في لبنان وسوريا والأردن ومصر، وفي كل منها دولة لشعب في وطنه. منذ العام ١٩٤٨، انقسم الشعب الفلسطيني إلى لاجئين وباقين، وانقسم الوطن إلى ما احتلته إسرائيل عام النكبة ثم ما أكملت احتلاله عام الهزيمة (١٩٦٧)، وهي الحالة الممتدة إلى يومنا هذا، في سيادة تامة لدولة الاحتلال على كل فلسطين وكل سكّانها الأصليين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الهوية الوطنية المعاصرة للفلسطينيين تشكلت ضمن الحالة الاجتماعية الجديدة التي وجد الفلسطينيون أنفسهم فيها بعد النكبة، وهذه الحالة بدأت بسنوات التروما في الخمسينيات، وانقلبت في النصف الثاني من الستينيات بإطلاق الثورة الفلسطينية ثم إعلانها ثم توسعها. مع هذه الثورة تأسست الهوية الفلسطينية الجديدة واتخذت لنفسها لامحدودية الانتماء، فتخطّت الثورةُ الفلسطينيين لتكون ثورةً فلسطينية تستوعب المشرقي والعربي والأجنبي، من أقصى الأرض إلى أقصاها، كما تستوعب الفلسطيني، ما انعكس على سينما ذلك الزمان، وهو ما عبّر عنه المخرج الفلسطيني مصطفى أبو علي في أكثر من موقع بأن الانتماء إلى السينما الفلسطينية هو انتماء فكري ونضالي، فالأفلام الفلسطينية هي التي تعبّر عن الثورة الفلسطينية بغض النظر عن هوية صانعها. وكانت أفلام الثورة منذ العام ١٩٦٩ حتى الخروج من بيروت وأفول الثورة من بعده، عام ١٩٨٢، بصناعة وتمويل جماعي عربي بقدر ما هو فلسطيني أو أكثر. فكان فيلما كريستيان غازي من لبنان «لماذا المقاومة؟» (١٩٧٠) و«مئة وجه ليوم واحد» (١٩٧١)، وفيلما مواطنه رفيق حجّار «البنادق متحدة» (١٩٧٣) و«أيار… الفلسطينيين» (١٩٧٤)، كانا سينما ثورة فلسطينية تامّة، كذلك الحال مع فيلم العراقي قاسم حول «غسان كنفاني… الكلمة البندقية» (١٩٧٣)، وكذلك، في السينما الروائية، فيلم المصري توفيق صالح «المخدوعون» (١٩٧٢) وفيلم اللبناني برهان علوية «كفر قاسم» (١٩٧٤)، عدا عن أفلام لمتضامنين أجانب كانت أفلامهم فلسطينية بقدر ما هي إيطالية وألمانية ويابانية، أبرزها فيلم الفرنسي جان لوك غودار «هنا وهنالك» (١٩٧٦).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليست الغاية هنا سرد الأفلام التي صنعها غير فلسطينيين ضمن سينما الثورة الفلسطينية، فهذه، وحسب، أمثلة أبرز من غيرها، لكن الأساس في هذه الأسطر هو محاولة النقاش في أن السينما الفلسطينية تتخطى الفلسطينيين لأن الانتماء إليها لا يكون بجواز سفر ولا بانتماءات جغرافية لصاحبه، وتوجد إشكالية أصيلة في طبيعة هذه الحدود أساساً. فإن كانت الثورة الفلسطينية هي مكمن الانتماء الفلسطيني قبل خمسين وستين عاماً، فإنّ طبيعة هذا الانتماء امتدت بتحوّل الثورة إلى قضية، بصفتها قضية سياسية بالدرجة الأولى، خرجت من أزمنة الثورة الأممية والكفاح المسلح لتدخل في زمن العولمة حتى العام ٢٠٠٠، ولم تتأسس الدولة الوريثة للثورة كما كان الحال في الجزائر وكوبا، فأسس البلدان السينما الوطنية ومؤسساتها في كل منهما، وبقي الانتماء إلى فلسطين اختياراً لانتماء إلى قضية غير قومية هي اليوم مسألة الاستعمار الكلاسيكي الأوروبي الأوحد الباقي في العالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما بعد زمن الثورة، بدايات الثمانينيات، تغيّر شكل السينما الفلسطينية ومضمونها، فصارت آتية من الداخل الفلسطيني، مع ميشيل خليفي في «عرس الجليل» (١٩٨٧) ثم رشيد مشهراوي في «حتى إشعار آخر» (١٩٩٤) وإيليا سليمان في «سجل اختفاء» (١٩٩٦) في التسعينيات، وهي أفلام روائية طويلة أولى لأصحابها الفلسطينيين، وبتمويلات تراوحت ما بين بلجيكا وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها. بدأ يُقال هنا إن الفلسطينيين صاروا يصنعون أفلامهم، في فهم خاطئ لما تعنيه السينما الفلسطينية التي لا يمكن إحالتها إلى بطاقة هوية مخرج الفيلم ولا إلى هويته المعنوية، بل إلى انتماء الفيلم إلى ما هو أعلى من ذلك، هو ما كان يُسمى ثورة وصار يُسمى قضية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما بعد العام ٢٠٠٠، كثرت الأفلام بشكل ملحوظ، وقد صارت الضفة الغربية تحديداً، ما بعد الانتفاضة الثانية، مكانَ التصوير المفضَّل للفلسطينيين وكذلك للأجانب والمتضامنين، لما فيه من ديكورات سياقيّة مثاليّة لذلك: الحواجز والجيبّات والجنود والجدار، انحصرت أو تركّزت الصفة الفلسطينية في ما هو ضمن الضفة، أبرز الأمثلة في ذلك كانت في «يد إلهية» (٢٠٠٢) لإيليا سليمان و«الجنة الآن» (٢٠٠٥) لهاني أبو أسعد، لحقتهما أفلام «ملح هذا البحر» (٢٠٠٨) لآن ماري جاسر و«المر والرمان» (٢٠٠٨) لنجوى نجار، وإن خرج كل من سليمان في فيلمه إلى الناصرة وجاسر في فيلمها إلى يافا، وعادت مدن من الداخل الفلسطيني، الناصرة تحديداً، بصفتها مكاناً محليّاً ثابتاً في أفلام فلسطينية كما في «الزمن الباقي» (٢٠٠٩) لإيليا سليمان و«زنديق» (٢٠٠٩) لميشيل خليفي، وجميعها بتمويلات أوروبية وأجنبية متعددة، وكذلك حال فريقها التقني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا كله منح الصفة الفلسطينية لأفلام فلسطينيين ما بعد العام ٢٠٠٠ حيث زادت الأفلام كما زادت التمويلات وتنوعت، صورةً محدّدة لها حكاياتها وشخصياتها المتماثلة، ولها أمكنتها المتكررة، فزادت نسبة الاعتقاد بأن السينما الفلسطينية هي ما يصنعها فلسطينيون، وتضيّق هذا الاعتقاد بحصره بما هو داخل فلسطين، في الأراضي المحتلة عامَي ٤٨ و ٦٧. وإن لم يشمل هذا القولُ أفلام إيليا سليمان التي تميزت بكسر الحدود الجغرافية لتنقلات شخصيتها الرئيسية الدائمة داخل البلاد وخارجها، إذ لم يستقر المكان المحدود في محدوديته، في أفلامه، وإن كان أساسُه مدينة الناصرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خلال هذه الأعوام، والحديث عن العقد الأول من القرن الحالي، خرج فيلم أعاد الصفة الفلسطينية للسينما إلى معناها الأول، مذكراً بضرورة الحالة العربية لهذه السينما، هو فيلم «باب الشمس» (٢٠٠٤) للمصري يسري نصرالله، المأخوذة حكايته عن رواية بالعنوان ذاته للبناني إلياس خوري، وبصناعة وتمويل وتمثيل عربي شامل. هو فيلم فلسطيني تام، استعاد المعنى غير المحدود للصفة الفلسطينية، هو المعنى السائد لهذه الصفة في زمن الثورة وأفلامها. الفيلم هو المثال الأبرز في الحديث حول سؤال «ما هي السينما الفلسطينية؟» لشمولية الإجابة -أو محاولة الإجابة- الكامنة فيه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في العقد الثاني من القرن، حتى اليوم، تضاعف عدد الأفلام التي يصنعها فلسطينيون، وتعددت أكثر التمويلاتُ وجهاتُ الإنتاج، برزت منها العربية، وبقي الداخل الفلسطيني مكاناً مفضّلاً للحكاية، تحديداً رام الله والقدس والناصرة وحيفا، كمدنٍ رئيسية، مع غياب شبه تام لفلسطينيي الشتات عن الأفلام الروائية، ومالت الصفة الفلسطينية للأفلام إلى الاستقرار على ذلك، مع استثناء دائم ووحيد هو إيليا سليمان، في فيلمه «إن شئت كما في السماء» (٢٠١٩) الذي منح لكل من باريس ونيويورك، وحالةَ الفلسطيني المنفي، مساحةً تعادل ما منحه للناصرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بموازاة هذه السينما الروائية، حضرت السينما الوثائقية، إنما بتنوع أكبر من حيث مواضيعها وأمكنتها وسياقاتها، لم تنحصر بما هو داخل فلسطين زماناً ومكاناً، ولم تنحصر بالفلسطينيين صنّاعاً لها. كانت المخيمات في لبنان وسوريا والأردن مثلاً، حاضرة فيها، وكانت متفاوتة المواضيع بشكل لم تطله السينما الروائية، وكان لغير فلسطينيين وعرب حضورٌ ملفتٌ فيها. فيلم واحد يمكن أن يلخّص هذه الجوانب هو «شباب اليرموك» (٢٠١٣) للإيطالي أكسيل سلفاتوري. هو فيلم فلسطيني كما هو أي من الأفلام المذكورة أعلاه، أنجزه إيطالي عن مخيم في دمشق، وفيه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">محاولة الإجابة عن سؤال «ما هي السينما الفلسطينية؟» تستوجب الانفتاح على تعريف ما هو فلسطيني، وهذا التعريف يستوجب الانفتاح على ما كانت تسعه الثورة الفلسطينية وما تسعه اليوم القضية الفلسطينية. فلسطينية أي أفلام هي انتماؤها إلى الفكرة الفلسطينية (بحسب إدوارد سعيد)، وهو انتماء نضالي في زمن الثورة (بحسب مصطفى أبو علي)، وتضامني في زمن القضية اليوم، وذلك كله في امتدادٍ لأسس السينما الفلسطينية في السبعينيات، وقد بُنيت على انتماءات ببعدٍ إنساني وكوني يختارها أصحابها. الهوية الفلسطينية تُكتسَب، وهي سياسية وثقافية، وضمن ذلك يمكن البدء في مقاربة معنى الهوية إزاء محاولة توصيف الفيلم، أي فيلم، بالفلسطيني. وهو ما أحاول مقاربته من زوايا مختلفة، في باقي صفحات الكتاب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نشرت في كتاب «</span><a href="https://saleemalbeik.wordpress.com/reflections/"><span style="font-weight: 400;">تأملات في الفيلم الفلسطيني</span></a><span style="font-weight: 400;">»،</span> <a href="https://acc.film/blogs/what-is-palestinian-cinema.php"><span style="font-weight: 400;">كما نشرت بترجمة انكليزية هنا</span><span style="font-weight: 400;">.</span></a></p>
<h1 class="inner_blog_title">?What Is Palestinian Cinema</h1>
<div class="inner_blog_date">31/8/2022</div>
<div class="inner_blog_bodytext">
<h3>By Saleem Albiek</h3>
<p>Defining what constitutes “Palestinian Cinema” is even more problematic than usual. In the case of French cinema, say, the national filmmaking identity is loosely determined by whether the film is made within France, was made by French production companies abroad or contains French dialogue. Defining Palestinian Cinema, however, requires rather more forensic research, for the answer is both limiting and limited.</p>
<p>But even before we begin to clarify the elements of what we might call Palestinian film, an opinion that is up for discussion, we need to look at the “open” nature of Palestinian identity itself and all the problems associated with determining that. In doing so, I will ask “what” rather than “who” is Palestinian? The complication here, of course, is the absence of a universally recognized Palestinian State or a Palestinian “Nation state” or any sense of national sovereignty. There is no political reference point any more for what is and who’s Palestinian, just as there is no international consensus concerning the borders of the territories known as the West Bank and the Gaza Strip.</p>
<p>This absence is concurrent with the formation of the contemporary Palestinian identity after the <em>Nakba</em> (the Arabic word for “catastrophe” that is used to describe the destruction of Palestinian society and homeland in 1948, and the permanent displacement of a majority of Palestinians). From that moment on, Palestinians were cut off from a modern first identity that was present in the first half of the Twentieth Century. Had the Palestinians overcome the <em>Nakba</em>, and Israel not existed, chances are Palestine would have evolved along similar lines to its immediate neighbors - Lebanon, Syria, Jordan, and Egypt - for each of them is a nation state and homeland.</p>
<p>Instead, since 1948, Palestinians have been divided into refugees and survivors. The homeland was divided by initial Israel’s occupation in the <em>Nakba</em> and then completely occupied in 1967. The situation has lasted to this day, with Israel’s total sovereignty over all of Palestine and its indigenous people.</p>
<p>Today’s contemporary national Palestinian identity was forged under the new social state in which the Palestinian found themselves after the <em>Nakba</em>. This state began with the trauma years of the 1950s and then took a different turn in late 1960s with the proclamation of the Palestinian Revolution with its goal of liberating Palestinian territory and returning refugees to their homes. A new Palestinian identity emerged with an unlimited sense of belonging that surpassed the original Palestinian Revolution to encompass a pan-Arab identity that accommodates all Palestinians who live across the globe.</p>
<p>This expansionist view was reflected in the cinema of that time. That is what Palestinian director, Mustafa Abu Ali, expressed several times: that belonging to Palestinian Cinema is an intellectual concept that is centred on a sense of struggling for the Palestinian cause. Palestinian films are therefore those that express the goals of the Palestinian Revolution regardless of the national identity of their respective filmmakers.</p>
<p>This border-less identity was reflected in the financing of those films. Revolution films made from 1969 until the dissolution of the Revolution in 1982 were as supported by Arab crowd-funding initiatives as they were by Palestinian ones. The films by Lebanese director Christian Ghazi, RESISTANCE, WHY (1970) and HUNDRED FACES FOR A SINGLE DAY (1971), and those by compatriot Rafik Hajjar REFILES UNITED (1973) and MAY… THE PALESTINIANS (1974), were absolutely examples of Palestinian Revolution cinema despite the nationalities of the filmmakers. This is also true of the film by Iraqi director Kaseem Hawal, GHASSAN KANAFANI.. THE WORD REFILE (1973) and the fiction films THE DUPES (1972) film by Egypt’s Twafik Saleh and KAFR KASEM by Lebanon’s Borhane Alaouié (1974).</p>
<p>International films that were made in solidarity with the Palestinian cause could also be included in this context. There have been Italian, German and Japanese examples but the most notable here is HERE AND ELSEWHERE by French icon Jean-Luc Godard (1976). Their inclusion here is to list these films made by non-Palestinians as belonging to the cinema of the Palestinian Revolution, but to make the argument that “Palestinian Cinema” transcends Palestinian nationality since it is neither defined by a filmmaker’s passport nor bounded by their geographical origins. If the Palestinian Revolution was at the core of Palestinian belonging 65 years ago, the nature of this belonging has now extended to be a political cause with international dimensions that has carried over into the new Millennium on the back of armed crises and the forces of globalization.</p>
<p>Unlike other countries striving for independent statehood, a post-revolution Palestinian state has never been manifested. This separates Palestinian cinema from that of countries like Algeria and Cuba, where we have seen the establishment of national cinema and cinema institutions. As a result, belonging to Palestine is still today a choice to belong to a non-national cause that reflects the only western classical era example of colonialism remaining in the world.</p>
<p>The form and content of Palestinian cinema changed from within Palestine in the early 1980s post the revolution. A new generation of Palestinian filmmakers have emerged, among them Michel Khleifi, with WEDDING IN GALILEE (1987), Rashid Masharawi with CURFEW (1994) and Elia Suleiman with CHRONICLE OF A DISAPPERANCE (1996). Their films have received funding from a wide range of international sources including backers from Belgium, France, the U.S. and the U.K, and others. While it has been said here that Palestinians are finally making their own films now, this is a misconception of what Palestinian Cinema means; as explained above, being Palestinian is neither a function of the director’s national passport nor his moral identity. A Palestinian film, it can be argued, is one that belongs to a higher cause, a cause that used to be a revolution.</p>
<p>Post 2000, the number of Palestine-originated films have increased significantly. After the second <em>intifada </em>uprising, the West Bank specifically became the preferred initial shooting location for Palestinians, as well as for foreigners and people in solidarity, with ideal contextual setting: barricades, jeeps, soldiers and the wall, all of which confined or centered the essence of what we think of as Palestinian Cinema. The most prominent examples were: DIVINE INTERVENTION (2002) by Elia Suleiman; PARADISE NOW (2005) by Hany Abu-Assad; SALT OF THIS SEA (2008) by Annemarie Jacir and POMEGRANATES AND MYRRH by (2008) by Najwa Najjar. Not all were shot in the West Bank. Both Suleiman headed to Nazareth and Jacir headed to Jaffa in their films. And cities across Palestine were a constant presence in the THE TIME THAT REMAINS (2009) by Elia Suleiman and ZINDEEQ (2009) by Michel Khleifi, all of them made with multiple European and foreign funds, as well as the involvement of international technical teams.</p>
<p>All these contributing factors gave the Palestinian films made after 2000 their Palestinian quality. Even though the volume of films increased and the funding sources diversified, the resulting films often revolved around similar stories and characters, all against the backdrop of recurrent locations. It became a popular belief that Palestinian Cinema is what is made by Palestinians, a narrow definition made even more limiting by confining those stories to those told inside Palestine, in the occupied territories in 1948 or 1967. Such a closed view ignores the fact Elia Suleiman’s films, for example, broke those geographical boundaries through the main character’s constant mobility inside and outside the country. Even if the main location of his film IT MUST BE HEAVEN (2019) is Nazareth, equal time was granted to Paris and New York and the Palestinian exiled state. In fact, the otherwise near absence of the Palestinians diaspora remains a feature of films made during this new century.</p>
<p>In 2004, however, came along a film that brought back the original meaning of Palestinian cinema, reclaiming its roots as a Pan-Arab identity. THE GATE OF SUN (BAB EL SHAMS) a screen adaptation by Egypt's Yousry Nasrallah of the eponymous novel by Lebanon’s Elias Khoury, was made with comprehensive Arab funding, production and casting. It’s nonetheless a pure Palestinian film, one that helped regain the more expansive meaning of what it means to belong to Palestinian Cinema in the wake of the Revolution. For this reason, THE GATE OF THE SUN is central to debate about “what is Palestine cinema?”</p>
<p>Also important in this discussion is Palestinian documentary cinema. Non-fiction films have exhibited far greater diversity in terms of Palestinian themes, potential and contexts than their fiction peers fiction. Palestinian documentaries are broadly defined in terms of time and space, rather than narrowly confined to the Palestinian territories and its makers. The refugee camps in Lebanon, Syria, and Jordan are one example of this wider geographical scope. THE SHEBABS OF YARMOUK (2013), by Axel Salvatori-Sinz is as Palestinian as any of the above-mentioned fiction films despite the fact that is made by an Italian and is about a Palestinian camp in the Syrian city of Damascus.</p>
<p>All of which is why the answer “what is the Palestinian cinema?” requires a much broader view and an openness to the pan-Arab dimensions of Palestinian Revolution and the Palestinian cause today. Palestinian Cinema means films belonging to the Palestinian idea (according to Edward Said), and its struggle belongs to the Revolution (according to Mustafa Abu Ali). It involves solidarity with today’s Palestinian predicament and with the humanitarian and universal dimensions that grew out of the Palestinian Cinema in the 1970s. For this reason, Palestinian cinema identity is more than just a political or cultural signifier, as it might be with all other countries; it is an acquired concept and a choice to be identified with a cause of justice that transcends boundaries. It is border-less in more ways than one.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34490">ما هي السينما الفلسطينية؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>محمود درويش كما يروي رجا شحادة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34203</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فخري صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 01 Dec 2024 21:27:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<category><![CDATA[اتفاقيات أوسلو]]></category>
		<category><![CDATA[محمود درويش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34203</guid>

					<description><![CDATA[<p>يروي الكاتب والمحامي الفلسطيني رجا شحادة، الذي يكتب بالإنجليزية، في كتابه الأخير، "ما الذي يخيف إسرائيل من فلسطين؟" (2024)  What Does Israel Fear From Palestine، حكاية لافتة للانتباه عن الشاعر الفلسطيني الكبير، الغائب الحاضر، محمود درويش. حكاية قد تبدو عابرة، ولكنها تدلُّ على حصافة درويش، وفهمه العميق للتاريخ، وتصوره وإدراكه لدور المثقف العضوي في المجتمعات [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34203">محمود درويش كما يروي رجا شحادة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يروي الكاتب والمحامي الفلسطيني رجا شحادة، الذي يكتب بالإنجليزية، في كتابه الأخير، "ما الذي يخيف إسرائيل من فلسطين؟" (2024)  What Does Israel Fear From Palestine، حكاية لافتة للانتباه عن الشاعر الفلسطيني الكبير، الغائب الحاضر، محمود درويش. حكاية قد تبدو عابرة، ولكنها تدلُّ على حصافة درويش، وفهمه العميق للتاريخ، وتصوره وإدراكه لدور المثقف العضوي في المجتمعات والأمم التي تتعرض هوياتها للمحو والإبادة. وليس هناك مثالٌ أكثر سطوعًا من أمثولة الشعب الفلسطيني، وسرديته، التي يسعى الكيان الصهيوني، وداعموه، والمتعاونون معه، إلى استبدالها بسرديته التي تطرد الفلسطينيين من الجغرافيا، وتشطبهم من التاريخ. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يحكي رجا شحادة عن مؤتمر دعت إلى عقده منظمة اليونسكو، التابعة للأمم المتحدة، في 8 كانون أول (ديسمبر) 1993، في مدينة غرناطة الإسبانية، تحت عنوان "السلام: اليوم التالي". وقد كان شحادة أحد المدعوين الذين شاركوا في المؤتمر. وكانت الغاية من هذا المؤتمر (بعد إتمام توقيع اتفاقيات أوسلو، في وقت سابق من ذلك العام)، حسب ما يروي رجا شحادة، هي جمع المثقفين الفلسطينيين مع نظرائهم الإسرائيليين، وكذلك ممثلين عن مثقفي العالم العربي، لإعطاء شرعية ثقافية لما كان يحدث على جبهة السياسة، من توقيع على معاهدات "سلام" في المنطقة. لم يكن مطلوبًا من الحاضرين قول أي شيء، أو تقديم أية مشروعات أو اقتراحات، بل المطلوب فقط هو أن يكونوا "سهلي القياد"، منصاعين لما يقوله المنظمون، كما يقول شحادة. (ص: 37) ويروي الكاتب الفلسطيني أن شمعون بيريس، الذي كان حينها وزيرًا للخارجية الإسرائيلية، ظهر فجأة في القاعة التي يعقد فيها المؤتمر. لم يقل أي كلمة، ولم يتحدث مع أحد، وبقي بضع دقائق، ثم غادر ليلحق بموعد رحلة الطائرة التي سيستقلها. كانت الغاية من حضوره أن يقول الحاضرون إنهم التقوه في المؤتمر، كما يستنتج شحادة. مجرد رسالة للقول إن المثقفين والأكاديميين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب بدأوا يصنعون السلام، وها هو بيريز يبارك ما يفعلونه. مجرد احتفال، مجرد مشهد، وعرض مسرحي، لا أكثر.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">فما هي علاقة محمود درويش بالمؤتمر، وصلته بالحكاية التي يرويها رجا شحادة في كتابه الذي يشرح فيه، ولقرائه في الغرب، كيف أن إسرائيل، في الحقيقة لا تريد السلام، وتتخوف من وجود الفلسطينيين ذاته، وتتمنى أن يتبخروا ويختفوا؟ لقد أردت أولًا أن أوضح السياق الذي جرت فيه الأمور، والخلفية التي يتحدث عنها الكاتب. يقول شحادة إن من بين القلة التي رفضت حضور المؤتمر محمود درويش. وفي تعليق على رفضه المشاركة في المؤتمر، قالت مستشارة شمعون بيريس الثقافية، المشاركة في المؤتمر، إنها سبق أن وجهت رسالة لدرويش عندما غادر فلسطين عام 1971، والتحق بمنظمة التحرير، وإنها في الليلة السابقة للمؤتمر أعادت قراءة تلك الرسالة، ثم كتبت له رسالة ثانية، وهي تريد قراءتها للمشاركين. تقول الرسالة: "أين أنت يا مخمود درويش؟ (وقد لفظت الحاء خاء، إذ لا يتقن اليهود الغربيون الأشكناز نطق الحاء) لماذا لم تأت إلى هذا المؤتمر؟ الآن في وقت السلام، وبينما يجتمع الطرفان، أين أنت، يا مخمود درويش؟" (ص: 39) ويستنتج رجا شحادة من هذه الواقعة أن محمود درويش كان أكثر حكمة وذكاء في بقائه بعيدًا عن مثل هذه التجمعات، رغم الضغط غير العادي الذي لا بدَّ أن منظمة التحرير الفلسطينية قد</span> <span style="font-weight: 400;">مارسته عليه، في ذلك الوقت.</span></span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-34204" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/81tMlK5gOL._UF10001000_QL80_.jpg" alt="" width="623" height="1000" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/81tMlK5gOL._UF10001000_QL80_.jpg 623w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/81tMlK5gOL._UF10001000_QL80_-187x300.jpg 187w" sizes="(max-width: 623px) 100vw, 623px" /></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ما لا يذكره رجا شحادة، أو ربما لا يتذكره، أن محمود درويش كان قد استقال من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بعد توقيع اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير وإسرائيل، وقال حينها إنه لا يشعر أنه جزء من هذا المشروع الذي اختارته منظمة التحرير، ولا يستطيع المشاركة في ما قد يقود الشعب الفلسطيني إلى مستقبل مجهول. مثله مثل إدوارد سعيد، كان محمود درويش معارضًا لأوسلو. لربما كانت معارضته أقلَّ حدة من إدوارد سعيد، الذي وصف ما حصل في اتفاقيات أوسلو بأنه استسلام، وخضوع للإرادة الإسرائيلية، بل قال، بصراحة ووضوح، إنه خيانة لآمال الشعب الفلسطيني، وبحسب تعبيره فقد كان "معاهدة فرساي فلسطينية". ومع ذلك، فإن درويش، ولكونه جزءًا من هذا الإطار الواسع المسمى "منظمة التحرير"، واختلاف ظروفه عن ظروف إدوارد، الذي كان أكاديميًّا أمريكيًّا مرموقًا، وأستاذًا مرتاحًا في عمله بجامعة كولومبيا، بقي معارضًا لأوسلو، دون أن يحدث شقاقًا بينه وبين المؤسسة السياسية الفلسطينية. لقد شنَّ إدوارد سعيد حملة شرسة على المنظمة، واتهم ياسر عرفات بالاستسلام، والخضوع للضغوط، وخيانة آمال شعبه، وكتب عشرات المقالات التي تتهم رجال منظمة التحرير بالتفريط، وربما  الخيانة. أما محمود درويش فقد آثر الابتعاد عن شؤون السياسة اليومية، وتفرغ لتطوير تجربته الشعرية، وإصدار مجلة "الكرمل"، التي كان يرأس تحريرها، ويقرأ موادها، ويكلف الكتاب بالكتابة في المجلة، ويلاحقهم لكي يفوا بوعودهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كان محمود درويش، رغم كل ما يقوله أعداؤه عنه، وما يشيعه الغيارى من شهرته وموهبته (ومن قدرته على الوصول بقصيدته إلى ذرى لم يبلغها شاعر عربي آخر، منذ سبعينيات القرن الماضي)، ضميرًا ثقافيًّا للفلسطينيين. لم يكن مجرد شاعر كبير، ومبدع خلاق، فقط، بل كان رمزًا ثقافيًّا، في أوساط الشعب الفلسطيني، يعبر بعمق عن مأساة شعبه، ويحاول استشراف مستقبل فلسطين، من خلال الشعر، وكذلك من خلال النثر الفياض الذي كتبه، وعبر الحوارات التي كانت تجرى معه. ولعله لهذه الأسباب مجتمعة: الشعر المبدع الخلاق الذي يوسِّع دائرة السرديَّة الفلسطينية، ويجعلها جزءًا من وعي العالم بهذه القضية، والمواقف الشجاعة في القضايا الوطنية، وقدرته على التمييز بين الهامشي والجوهري في المواقف السياسية والوطنية، يُذكر، ويستعاد شعره، في زمن الإبادة الجماعية التي ترتكب بحق الفلسطينيين، وتُتَذكَّر مواقفه، الآن، وبعد حين.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34203">محمود درويش كما يروي رجا شحادة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الأدب العالمي ما بعد جوته: إدوارد سعيد ومطرقة العلمانية والحداثة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21446</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تيسير أبو عودة]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 29 Jan 2024 10:28:17 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%ac%d9%88%d8%aa%d9%87-%d8%a5%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d9%88/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عشرون عاما على رحيل إدوارد سعيد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21446">الأدب العالمي ما بعد جوته: إدوارد سعيد ومطرقة العلمانية والحداثة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">تمهيد</span></strong></p>
<p dir="rtl">جاء صعود نجم المفكر الجماهيري إدوارد سعيد في الغرب المركزي، خصوصًا في حقل النقد الأدبي والنقد المقارن في جامعة كولومبيا، متناقضًا وصارخًا، وضاربًا ضربة موجعة لغطرسة النظرية الفرنسية في الستينيات والسبعينيات، خصوصًا بعد هزيمة حزيران 1967، ووسط ضجة عازفي جوقة النظرية الأدبية في السياق الأميركي الأنغلو -ساكسوني، وصعود النظرية الأدبية في سياقها الأوروبي القارّي، بكل مفاعيلها اللسانية والأسلوبية والفلسفية والسوسيولوجية والأيدولوجية، وظهور مدرستي شيكاغو وكيمبردج وتغوّلهما، والبنيوية بقضها وقضيضها، وبداية تقهقر مدرسة النقد الجديد - التي تؤمن بمركزية النص الأدبي، بنيويًا وأسلوبيًا ولسانيًا - على لسان روّادها كلينث بروكس، ونورثروب فراي، و آي. أيه. ريتشاردز، وآخرهم الناقد اليهودي الموسوعي هارولد بلوم، وروّاد التفكيكية، وعلى رأسهم جاك دريدا، وما بعد البنيوية ومدرسة التلقي وما بعد الحداثة، وعلى رأسهم مارتن هايدغر وميشيل فوكو وجان فرانسوا ليوتار وغيرهم، ورواد النقد الثقافي أمثال تيري إيغلتون، وستيوارت هول. </p>
<p dir="rtl">كان كتاب سعيد "الاستشراق" المحاولة النظرية والفلسفية الأولى التي قلبت الطاولة على النظرية الأدبية، وقبلها مدرسة النقد الجديد في الوعي الغربي الأوروبي، في نسختها النصية المغرقة في اختطاف التاريخ من النص، وتحييد السياسي في الخطاب المعرفي وعلاقته بالسلطة، وتحيّزات العقل الأوروبي المركزي في ما يخصّ جُلّ ما كتب عن الشرق وتمثيلاته، بدءًا بالأدب والرواية والفن وأدب الرحلات، وحتى الخطابات السياسية والفلسفية التي مثّلت الشرق بوصفه مهنة وجوهرًا للمعاينة والتخيّل والفانتازيا والغرائبية. هو سعيد، الفلسطيني المقدسي المسكون بمدينة نيويورك، والمتصالح مع تناقضات المنفى؛ هو المرتحل بين العربية والإنجليزية كتابةً وتفكيرًا وثقافةً؛ هو المسيحي من حيث المنشأ، والعلماني فكرًا ورؤيةً؛ هو العربي تاريخيًا وثقافيًا، والأوروبي من حيث التكوين المعرفي؛ هو الكونيّ المقيم بين الحدود، والمنشقّ المقيم بين تخوم القوميات المتداخلة، والهويات والثقافات الهجينة، كما يصفه صديقه محمود درويش:</p>
<h4 dir="rtl"> يقول: أَنا من هناك. أَنا من هنا<br />
ولستُ هناك، ولستُ هنا<br />
لِيِ اسمانِ يلتقيان ويفترقان<br />
ولي لُغتان، نسيت بأيَّهما<br />
كنتُ أَحلُمُ،<br />
لي لُغَةٌ إنجليزيَّةٌ للكتابة،<br />
طيِّعةُ المفردات،<br />
ولي لغةٌ من حوار السماء مع<br />
القدس، فضيَّةُ النَّبْرِ، لكنها<br />
لا تُطيعُ مخيّلتي!</h4>
<p dir="rtl">ومن المفارقة، أن صديق إدوارد سعيد، الناقد الإنجليزي اللامع تيري إيغلتون، قد ألّف كتابًا في العام نفسه الذي توفي فيه سعيد، والموسوم بـ "ما بعد النظرية" (2003)، ويذكرنا في فصله المعنون بـ "سياسات فقدان الذاكرة"، بنبرة لا تخلو من الكوميديا السوداء، قائلًا: </p>
<p dir="rtl">"إن العصر الذهبي للنظرية الأدبية قد أصبح طيّ الماضي منذ زمن بعيد. ولا شك أن أعمال الرواد الأوائل، أمثال جاك لاكان، وليفي شتراوس، ولويس ألثوسير، ورولان بارت، وميشيل فوكو، قد صمدت عقودًا طويلة. ولا شك أن الكتابات المبكرة الأصيلة والرائدة لريموند وليامز، ولوس إريغاري، وبيير بورديو، وجاك دريدا، وهيلين سيكسوس، وهابرماس، وفريدريك جيمسون، وإدوارد سعيد، كانت لا تقل أصالة وإبداعًا عن سابقاتها. ليس هنالك كتابات هذه الأيام تضاهي أصالة وتميز هؤلاء الأمهات والآباء المؤسسين. بعضهم قد أفل نجمه، لكن القدر قد اختار رولان بارت ليقضي نحبه جراء حادث شاحنة باريسية لغسيل الملابس، وأنشب أظفاره في لحم ألتوسير ليقضي بقية عمره في مستشفى للمجانين جراء قتله زوجته، وابتلى ميشيل فوكو بالإيدز، واختار بورديو ولاكان ووليامز في صحبة ملك الموت. يبدو أن الخالق لم يكن منظرًا بنيويًا"(1). </p>
<p dir="rtl">يبدو أن سعيد قد راكم إرثًا نقديًا ومعرفيًا كونيًا لا يمكن محوه عبر العقود الطويلة، وكأنه يحاكي مقولة المتنبي قولًا وفعلًا: </p>
<p dir="rtl">إذا غامرت في شرف مروم   فلا تقنع بما دون النجوم</p>
<p dir="rtl">فطعم الموت في أمر صغير   كطعم الموت في أمر عظيم</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">النقد الأدبي المقارن: الأوروبية المركزية والعالم الثالث </span></strong></p>
<p dir="rtl">يعرف الدارسون لتاريخ الاستعمار الحديث أن عبارات مثل العالم الثالث، والشرق الأوسط، والعالم الأول، والمركز والهامش، والتقدم والنكوص، والإسلام والليبرالية، والبرابرة وصراع الحضارات، هي إحدى مخرجات الخطاب المعرفي الاستشراقي بعد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، سواء كنا نتحدث عن ثنائيات العلم وما قبل الحداثة، أو التهديد الإسلامي لقيم الغرب الليبرالية، كما يراها برنارد لويس وصامويل هنتنغتون وفرانسيس فوكوياما وسام هاريس. وبناء عليه، ظلّ سعيد متيقظًا لخطابات الاستشراق الإنجليزي والفرنسي والأميركي، لأنها تشكّل حضورًا جيو-سياسيًا وثقافيًا، وهيمنة ثقافية طاغية في تاريخ دول ما بعد الاستعمار في الشرق الأوسط والعالم العربي، وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.</p>
<p dir="rtl">لنعود مرة أخرى للنقد الأدبي في سياق الأدب الأنغلو-ساكسوني والعالمي، كما يبصره سعيد المرتحل بين ثقافة القاهرة والقدس وبيروت ونيويورك، وهو المترجم الثقافي الأدبي بين الشرق المتخيّل والغرب المركزي، فملأ الدنيا وشغل الناس بنقده الشرس والأصيل لروايات عراب الإمبريالية الجديدة ونبيّها، روديارد كيبلنغ، خصوصًا رواية "كيم"، وتشريحه النقدي العلماني لخطابات الاستعمار والإمبريالية والأيدولوجية المضمرة التي تتوارى في نصوص جين أوستن، خصوصًا رواية "مانسفيلد بارك"، كذلك راوية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، التي يقول فيها مصطفى سعيد في المحكمة على لسان الراوي: "أنا لست عطيلًا! عطيل كان أكذوبة"، وقصائد محمود درويش "أحد عشر كوكبًا"، التي قدمها سعيد في سياق النقد الموسيقي، ما اصطلح عليه بالأسلوب المتأخر. ثم وجد سعيد نفسه متشابكًا مع رواية "قلب الظلام"، وكأنه وجد في جوزيف كونراد نافذة مهمة لفهم علاقة أفريقيا الكولنيالية والثقافية بخطاب الاستعمار والهيمنة، ومركزية نهر التيمز الأوروبي ورمزيته، مقارنة بنهر الكونغو الصاخب والمظلم والمخيف صورةً لأفريقيا التي صورها كونراد، وبدت في نظر العرب صورة عنصرية واستشراقية متحيزة.</p>
<p dir="rtl">وفي ملة سعيد واعتقاده، فإن النقد الأدبي يمارَس في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم ضمن شعب أربع: 1- النقد التطبيقي، الذي نجده في معظم الأحيان في الصحافة الأدبية، وأدبيات مراجعات الكتب؛ 2- النقد الأدبي الأكاديمي، وهو تقليد نقدي عُرف أيضًا في القرن التاسع عشر بين أوساط النقاد المتخصصين، وبين أروقة ما يسمى بالدراسات الكلاسيكية وفقه اللغة المقارن (الفيلولوجيا) ودراسات علم التأويل (الهيرمونيطيقيا)، والتاريخ الثقافي والأنثروبولوجي؛ 3- ثم يحيلنا سعيد لماهية التذوّق الأدبي والتأويل ولكنه على نقيض المدرستين السابقتين، ليس حكرًا على المتخصصين والكتّاب المكرّسين؛ 4- أما النوع الرابع من النقد الأدبي كما يراه سعيد، فهو النظرية الأدبية التي ولدت في سياق الحروب الثقافية والأدبية في السياق الأمريكي والأوروبي، على يد كبار النقد الثقافي والأدبي، أمثال والتر بينجامين، وجورج لوكاش، وبول ريكور. ولا ننسى أن النظرية الأدبية الأميركية جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، في محاولة للتشابك مع النماذج الأوروبية المركزية، بما فيها البنيوية، والسيميائية، والتفكيك، وما بعد البنيوية، وما بعد الحداثة، ونظريات ما بعد الاستعمار(2).</p>
<p dir="rtl">يتبيّن لمتتبع مشروع إدوارد سعيد في النقد الأدبي والنقد المقارن، في سياق ما يسمّيه المفكر الأميركي إمانويل وولرستين "العالمية الأوروبية"، والنظام العالمي المتشظّي بين مركز أوروبي تؤّبده علاقة رأس المال بقوى الإنتاج، ومركزية النظام الأميركي والعولمة، وعلاقة آمري السياسة بإنتاج المعرفة وسياسات التدخّل في فيتنام وأفغانستان والعراق، وبين هامش لا أوروبي تتوسطه آسيا وأفريقيا، والهند والصين والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، على اختلاف تأثيرها الاقتصادي والسياسي والجيوسياسي، أن سعيد كان يخوض حربه الثقافية والنقدية من جوف بطن الحوت الأوروبي المركزي، وكان يتوسل بآلاته النقدية الفيلولوجية، وتراثه الحداثي ومشروعه الطباقي الحالم، ولكنه تراث أعمل فيه سعيد مطرقته العلمانية الإنسانوية بين نقد علماني إنسانوي مناهض لكل أشكال القهر السياسي والاجتماعي والبيداغوجي، وتفنيد نقدي صارم ومستقل لكل ما يدّعيه نقّاد مدرسة النقد الجديد والبنيوية، من مركزية النص، ومصادرة المعنى على حساب السياق، واكتفاء النص بذاته، ولا-تاريخية النص، وإقصاء السياق السياسي والتاريخي من قلب النص والتأويل، انتصارًا للجمالي على حساب التاريخي والسياسي. </p>
<p dir="rtl">مثال بسيط على تبصّر سعيد للنص الأدبي يجلي لنا منهج سعيد في التأويل للنص الأدبي المقارن، بطريقة أكثر وضوحًا من إبهام النظرية الأدبية التي تضرب بحجر النرد في خضم البحث عن معنى مفقود لا مركز له، ولا بوصلة أخلاقية في ما يسمى بالنقد ما بعد الحداثي. فيرى سعيد أن فكرة هايدن وايت عن قراءة التاريخ الواقعي بصورة مباشرة من خلال النص أمر حتمي، ولكن لا بد للناقد من فهم سياق الحدث والظرف التاريخي وتشرّبهما، بصفتهما يشكلان جوهر النص الأدبي وغرضه الاجتماعي؛ فسعيد ينظر إلى هذه الأحداث والظروف التاريخية باعتبارها جزءًا عضويًا من قراءة تأويل النص، فهي نصيّة أيضًا. ها هو سعيد يجلي موقفه النقدي العلماني بوضوح وبلاغة لا مثيل لهما:</p>
<p dir="rtl">كل حكايات جوزيف كونراد ورواياته تعرفنا على موقف ظرفي تاريخي- لنقل إن رهطًا من الأصدقاء يجلسون على ظهر السفينة، وهم يشنّفون آذانهم لحكاية سردية تشكل روح النص، وجل ما يحدث في النصوص يحال لهؤلاء، ويصير امتدادًا لحكايتهم التي ينصتون لها. وفي منظوري الخاص، فتلك النصوص هي نصوص دنيوية (تنتمي للعالم الأرضي)، وهي أحداث تاريخية إلى حد ما، وحتى عندما يتم إنكارها، فإنها جزء أصيل من العالم الاجتماعي، والحياة البشرية، والزخم التاريخي الذي يتم من خلاله تأويل هذه الأحداث وتموضعها(3).</p>
<p dir="rtl">ثمة تقاطع مذهل بين هذه القراءة للنص بوصفه حدثًا تاريخيًا وظرفًا دنيويًا، لا ينبت من أصله التاريخي والزمني، ولا يمكن فصله عن العالم الاجتماعي والحياة البشرية، وسيرة سعيد "خارج المكان"، وفيها فكرة الأوامر الأبوية الصارمة والقاسية، خصوصًا تلك التي شكّلت وعي سعيد ولا-وعيه تجاه ذاته الطفولية، التي كانت فريسة تربية توسلت بالرقابة والعقوبة تجاه جسد سعيد، ومحاولة أبيه تصحيح جسده وسلوكه بصورة هستيرية طاغية، ساهمت في تكوين سعيد النقدي المركّب والطباقي لاحقًا، وبصورة متناقضة بعض الشيء؛ إذ ظلّت عبارة والده وديع، وهو يوبّخه بقسوة ألّا يحني أكتافه وظهره مهما كلفه الأمر، ملازمة له طيلة حياته، حتى صارت جزءًا عضويًا من استقامة سعيد الأخلاقية لاحقًا تجاه القضية الفلسطينية، ودور المثقف من السلطة، وكل خطابات القهر والاستلاب والهيمنة. لكن التناقض الأكثر وضوحًا في سيرته الذاتية يكمن في العوالم التي شكّلت وعيه النقدي، ورسّخت في وجدان سعيد توترًا ولّادًا واستثنائيًا بين الذاتي والجمعي، وبين الخاص والعام، وبين السياسي والوجداني، وبين المعرفي والأيدولوجي، وبين التراثي والحداثي، وبين الأصالة والإبداع، والكتابة وفرادة النص الأدبي المرتحل عبر الزمن والأمكنة. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">خاتمة</span></strong></p>
<p dir="rtl">ثمة معضلة أساسية في فهم مشروع إدوارد سعيد النقدي والفكري والأدبي والإبداعي، وهي أنه في معظم الأحيان يُقرأ وتُؤوّل طروحاته عن الصهيونية الاستيطانية، وتاريخ الأفكار، وخطاب الاستشراق المؤسساتي والأيدولوجي والأكاديمي، وفقه اللغة المقارن (الفيلولوجيا)، والنقد الأدبي المقارن والأدب العالمي، والنقد العلماني الإنسانوي، في دوائر كتبه "الاستشراق" أو "الثقافة والإمبريالية"، أو "تغطية الإسلام". بينما قلة من النقاد تشابكوا مع تأصيل سعيد لخطاب كوني راسخ ومستقل في النقد الأدبي والأدب العالمي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما بعد الحرب الباردة. كذلك في مرحلة ما بعد الحروب الثقافية التي نشبت بين نقاد مدرسة النقد الجديد، والشكلانية الروسية، والنقد التفكيكي وما بعد التفكيكي، وانفجار سرديات مدرسة النقد ما بعد الاستعماري ودراسات التابع، وصولًا إلى تقليعات ما بعد الحداثة وما آلت إليه ماكينة الأدب العالمي التي يحكمها الآمر الرأسمالي والآمر التاريخي والآمر الأيدولوجي والمؤسساتي، والمركز الأوروبي والأميركي على وجه الخصوص.</p>
<p dir="rtl">ولكن لماذا يتجاهل كثير من نقاد الأدب العالمي والأدب المقارن التشابك مع كتب سعيد الأخرى، منها: "بدايات: القصد والمنهج" و"تنويعات موسيقية"، و"تأملات في المنفى"، و"العالم والنص والناقد"، و"ما بعد السماء الأخيرة"، و"الأسلوب المتأخر"، و"خارج المكان"؟ ليس هنالك إجابة واضحة، سوى أن كثير من النقاد قد استسهلوا قراءة مشروع سعيد النقدي من خلال كتاب "الاستشراق" الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وصار إنجيلًا لدى جُلّ كتّاب دراسات ما بعد الاستعمار والدراسات الثقافية، جنبًا إلى جنب مع كتابات دراسات ما بعد الاستعمار التأسيسية، وعلى رأسها كتابات إيمي سيزير، وريموند وليامز، وفرانز فانون، وهومي بابا، وبارثا تشاترجي، وغياتري سبيفاك، وحميد دباشي، وجوزيف مسعد، وتيموثي برينان، وعامر مفتي، وغيرهم.</p>
<p dir="rtl">هل نستطيع أن نقرأ إرث إدوراد سعيد النقدي والفكري بعيدًا عن كليشيهات التمثيلات المركزية الأوروبية التي وُصم بها سعيد عبر عقود من الكثير من النقّاد والكتّاب، محبّيه وكارهيه على السواء، أمثال إعجاز أحمد، وفريدريك جيمسون، ومهدي عامل، وجيمس كليفورد، وبرنارد لويس، وروبرت إيروين، وتيموثي برينان، التي جعلت من إدوارد سعيد إما ناقدًا أدبيًا (محاصرًا بدائرته الأدبية الأنغلو-أميركية والقارية)، فهو لا يجيد قراءة التاريخ بمنطق هيغل، حسب رأي برنارد لويس وروبرت إيروين، أو أنه المفكر العلماني الحداثي الذي تورّط في فخ الحداثة البرجوازية، ودخل حقل الألغام الاستشراقي الأوروبي، إذ اختزل نصوص نيرفال وإدوارد لين وسيلفستر دي ساسي وأنطوان غالان واللورد كرومر وبلفور، في الدائرة المفاهيمية والإبيستمولوجية نفسها، حتى جعل منهم السحرة الأيديولوجيين الذين تلتهم عصيهم المعرفية والميكافيلية، كل ما نعرفه عن ماهية الشرق المتخيّل، وجغرافية الشرق، وسحر الشرق الغرائبي، وجنوسة الشرق الأنثوي، وغواية الشرق، وتخلّفه ورجعيته، أمام آلة التنوير الغربي بكل ما تضمنته من يوتوبيا ظلّت تحاكي يوتوبيا ثوماس مور عن العالم الجديد والكومونولث الأوروبي. ولماذا لم يكن سعيد معنيًا بقراءة التاريخ الإسلامي العربي بالمقارنة مع التاريخ الغربي التنويري؟ ربما كان عثور سعيد على ضالته في كتابات المؤرخ فيكو صدى لاكتشافه المتأخر لمنهج ابن خلدون في قراءة التاريخ والعالم. <br />
 </p>
<h5 dir="rtl"><strong><span style="color:#4e5f70">الهوامش:</span></strong></h5>
<ol dir="rtl">
<li dir="ltr">
<h5 style="text-align:left"><span style="color:#4e5f70">Eagleton, Terry (2003). After Theory. New York: Basic Books. P. 1.</span></h5>
</li>
<li dir="ltr">
<h5 style="text-align:left"><span style="color:#4e5f70">Said, Edward (1983). The World, the Text, and the Critic. Cambridge: Harvard University. P. 1</span></h5>
</li>
<li dir="ltr">
<h5 style="text-align:left"><span style="color:#4e5f70">Said, Edward (1993). Culture and Imperialism. New York: Verso. P. 4. </span></h5>
</li>
</ol>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21446">الأدب العالمي ما بعد جوته: إدوارد سعيد ومطرقة العلمانية والحداثة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>هل يمكن أن نحقد أقل على إدوارد سعيد؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21325</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ياسمين قعدان]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 23 Sep 2023 07:15:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%85%d9%83%d9%86-%d8%a3%d9%86-%d9%86%d8%ad%d9%82%d8%af-%d8%a3%d9%82%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a5%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af%d8%9f/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عشرون عاما على رحيل إدوارد سعيد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21325">هل يمكن أن نحقد أقل على إدوارد سعيد؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div dir="rtl">لست بريئة من كل ما كتبته هنا، أو اقتبسته عن إدوارد سعيد، كما هو سعيد نفسه في كل نصوصه، وكما هي حالنا جميعًا، مما نكتب، ونقرأ، ونعيد، ونؤوّل، ونحلل. وهذا هو الأهم في النهاية؛ أي أننا لم نعلق بثنائية البراءة والشيطنة، بدلًا من الموقعية. ربما ما أكتبه، أو ما سأكتبه لاحقًا، سيكون ردًا على نفسي في الأساس، وليس على سعيد. وبكل الأحوال، إن الانعكاسية هي جزء أساسي من الموقعية، لذا، فلا بأس أن نسمح بشنّ حروب متعددة علينا، بما هي تمثيل – ربما - لنوع من الغضب الذي مصدره موقعية أخرى. وبالنسبة إليّ، لا أجمل من هذا العنف.</div>
<p dir="rtl">سيستغرب البعض عنوان هذا النص. ربما لأن سعيد في الكثير من الأحيان يُعدّ حالة فكريةً مثيرة للانبهار أكثر منها مثيرة للجدل، لحدٍ لا نستطيع فيه رؤية الرمادي في سرد مسيرته المعرفية أو الحياتية. هذه الورقة ليست للتبجيل، أو حتى الهدم، وإنما هي إعادة تساؤل حول موقعية سعيد المتناقضة من خلال قراءتي له، وموقعيتي باعتباري طالبةً وباحثةً "فلسطينية". إن هذا التساؤل يأتي من فكرة استخدام مقولات سعيد نفسه عمّا حاول قوله عن "المثقف" بكونه مثقفًا، التي لن يستطيع ردّها الآن، بل العكس، كان ليوّد أن تُستعاد باعتبارها مفتوحة وعامة، حتى في إحالتها إليه.</p>
<p dir="rtl">لا يمكن تجاوز أهمية المباني المعرفية التي قدّمها سعيد لنا في مجال العلوم الاجتماعية التي يُشار إليها بتعميم عبر كتابه "الاستشراق". إلا أن هذه المباني المعرفية لها سياقات متعددة تعكس موقعية سعيد في كتابته عن وإلى فلسطين، وما آلت إليه عملية التمثيل التي نحاول تفكيكها أداةً ضاغطةً على الباحثين، أكثر من كونها نوافذ مساعدة لفهم الحياة فلسطينيًا. من هنا، سيشمل هذا النص مختارات وخطوطًا واسعة من بعض أفكار سعيد، وبعض المراحل التي ألقي الضوء عليها من حياته، أو محاضراته المختلفة. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">إنسان علماني، وإنسانية علمانية</span></strong></p>
<p dir="rtl">عندما يُسأل سعيد في مقابلاته عن كتابه "الاستشراق" يركز في معظمها على أن فلسطين هي ما ولدت الموضوع، كما ذُكر في الكتاب تحت عنوان "البعد الشخصي والظروف التاريخية للاستشراق". في واحدة من المقابلات معه، يقول إن بداية اهتمامه بموضوع الاستشراق كان مع حرب أكتوبر 1973، "عندما شهدت في حياتي أول انتصار عسكري عربي"(1)، ثم يسترجع هزيمة عام 1967، ويبدأ بسرد تفاصيلها التي جعلته "موضوعًا للاستشراق" في الغرب الذي يسكنه. لنفكر قليلًا هنا في موقعية سعيد التي ارتبطت بكونه عربيًا بالدرجة الأولى، يليها كونه فلسطينيًا، ولكن من دون انفصال، وفي مرتبة أخرى، كان إدوارد سعيد أميركيًا. اختلفت هذه المراتب الثلاث بشكل غامض - أيها تأتي قبل الأخرى - في كيفية تعبير سعيد عن موقعيته في خطاباته ومحاضراته ونصوصه المختلفة. وقد يكون ضعف الهزيمة، كذلك قوة الانتصار، واحد من عناصر تغيير وإحداث هذا الترتيب. إن فكرة اختلاف الترتيب بين كونه عربيًا وفلسطينيًا وأميركيًا، في حياة سعيد، كانت الأداة الأمثل لكسر حدودٍ مادية استعمارية، وكذلك ثقافية سردية. ولكن، بشكل عام، كان هناك دومًا خط أساسي لا يتنازل عنه سعيد، بغض النظر عن طريقة تعريفه، وهو أنه "إنساني، علماني"؛ فقد دأب سعيد يبحث عن "إنسانيته"، وعن الإنسانية، فيقول: "حياة الفلسطيني العربي في الغرب، خصوصًا في أميركا، مثبّطة للعزم، إذ يشيع هنا اتفاق في الرأي، ويكاد يكون إجماعيًا، على أنه غير موجود سياسيًا، فإذا سمح البعض له بالوجود، اعتبروه إما مصدر إزعاج، أو شخصًا شرقيًا وحسب، فشبكة العنصرية والقوالب النمطية الثقافية والإمبريالية والسياسية والأيدولوجيا السالبة لإنسانية الإنسان، هي الشبكة التي يشعر الآن كل فلسطيني أنها أصبحت مصيره الذي يمثل عقابًا فريدًا"(2). </p>
<p dir="rtl">نتيجة لما سبق، نبدأ بالتخبّط حول ما إذا كانت تلك المباني المعرفية والمختلفة لسعيد تصبّ في تعريفات "الإنسانية، والعلمانية، والكونية". يظهر هذا بشكل واسع في كتبه المختلفة، مثل: "الثقافة والإمبريالية"، و"العالم والنص والناقد"، و"تغطية الإسلام"، التي ينتقد فيها القوميات، والخطاب القومي، والدولة القومية "ما بعد الاستعمار"، و"الأصوليات"، والـ "نحن"، والـ "هُم"، ورفض نظرية صدام الحضارات، وذلك عبر تقديمه منهجية "القراءة الطباقية"، وكيف أن مفهوم العلمانية الذي بُني من خلال قناعٍ لخطابٍ ديني غربي، باسم الموضوعية، في الاستشراق، بإمكانه أن يكون ممارسة مختلفة في الكونية اللا- إمبريالية، وذلك عبر الروح المرتحلة، وعالم اللا- حدود، والهجانة والتحرر من الهوية، والتخلص من أزمة "حلاوة" الوطن. </p>
<p dir="rtl">تبعًا لذلك، وعلى أهمية هذه الأدوات نظريًا ومنهجيًا في كل مباني سعيد الفكرية، إلا أنها تظهر بشكل مختلف عندما يتحدث عن "المنفى"، إذ أشار دومًا لخناق المعيارية التي مقتها، بالذات عندما يتناول منعه من دخول الحدود - أي حدود فلسطين -، بينما غيره من الأجانب يمكنه ذلك. ونتيجة لهذا المنع، بقي عالقًا في المنفى وفي الخسارة المستمرة. هذه المعيارية كما يراها، لا تتجلى في ما يخص فلسطين والاستعمار الصهيوني فحسب، بل أيضًا عندما يتناول الحروب الإمبريالية المختلفة، وبالتحديد الأميركية، مثل الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، الذي كان أحد المواضيع التي تناولها سعيد في آخر مرحلة من حياته. ولتزيد الحيرة، في إحدى محاضراته توقف فيها كثيرًا عند "إنسانيته"، وعند كونه "أميركيًا"، مضيفًا مازحًا: "بل على العكس"(3).</p>
<p dir="rtl">الغريب -والمثير في الآن نفسه- في تناول سعيد للإنسانية هو ما يبرز لديه من خوفٍ أو تردد في ما يخصّ موضوع "الإرهاب"، إذ أشار بتخوّفٍ إلى اتهام الفلسطينيين به، ولاحقًا رفض العمليات الاستشهادية الفلسطينية(4) التي رأى أن على الفلسطينيين إيقافها، لاحتمالية أن يذهب ضحيتها "مدني إسرائيلي"! إن سعيد الذي أيّد ياسر عرفات في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، وهي الفترة التي شهدت المقاومة المسلحة الفعلية لياسر عرفات، وبالرغم من أنه أسقط عن كتفه دعمه لعرفات، كما فعل الثاني في دعمه للأول، فإن تناقضه في رؤيته للمقاومة الفلسطينية يدخلنا متاهة أكبر - لا أعلم إن كانت ذنبه أم ذنبنا. بشكل عام، أرّقه سؤال فرانز فانون حول التحرر، وعدم التعلّق بمصير "آخر شرطي أبيض"، وإلغاء كل الثنائيات والانغلاقات الهوياتية، ولكنه قفز عن سؤال القهر؛ أي القهر الذي ترسب فينا زمنيًا/ تاريخيًا، والقهر المادي/ الطبقي، والقهر الجسدي/ الروحي، الذي عبرنا وخلق امتداداتنا، ليس باعتبارنا فلسطينيين فحسب، بل لكل المعذبين في الأرض. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">كونية أم حميمية؟ القليل من سعيد بين أدورنو ودرويش</span></strong></p>
<p dir="rtl">في هذا الجزء، أحاول أن أغرق قليلًا في تصوّرات سعيد عن المثقف، وأن أربطها لتكون خاتمة للجزء السابق. لا ينكر سعيد في كتابه "صور المثقف" الحِمل الحركي والتاريخي الذي يحمله المثقفون، ولكنه يقف كثيرًا عند المنفيين. هذا التوقّف المطوّل عند المنفيّ مثير للاهتمام، بما أنها حالة بينية عند سعيد، ويربطها مباشرةً بالمثقف العمومي في المنفى، وهو ما يعطيه مجددًا معنى الهجانة، إذ يقول: "إن المنفي يعيش في حالة وسطية، لا ينسجم تمامًا مع المحيط الجديد، ولا يتخلص كليًا من عبء البيئة الماضية، تضايقه أنصاف التدخلات وأنصاف الانفصالات؛ وهو نوستلجي عاطفي من ناحية، ومقلد حاذق، أو منبوذ لا يعلم به أحد، من ناحية أخرى. وتصبح مهارة البقاء الإلزامي الرئيسي، ومعها يشكل خطر التنعم كثيرًا بالرخاء والطمأنينة تهديدًا يتوجّب الاحتراس منه على الدوام... ويتعلق الجانب الأكبر من اهتمامي هنا بالمنفيين اللامستوعبين في معظمهم، مثل الفلسطينيين أو المهاجرين المسلمين الجدد في القارة الأوروبية، أو السود من جزر الهند الغربية وأفريقيا، المقيمين في إنجلترا، الذين يعقّد وجودهم التجانس التكويني المفترض للمجتمعات الجديدة حيث يعيشون. وبناءً على ذلك، فالمثقف الذي يعتبر نفسه جزءًا من وضع أكثر عمومية/ مؤثر على الجماعة القومية المشردة، سوف يكون على الأرجح مصدرًا لا للتثاقف والتوافق، بل للتقلب واللا- استقرار"(5). إذن، نقول إن المثقف العمومي عند سعيد ارتبط بهجانة تقدمها البينية(6)، إذ يصبح المنفى مولّدًا لتقاربات خارجة عن الحدود والتصنيفات عبر التشرّد بينها كلها، ليصبح "ثبات التمثيلات" لا- ممكنًا، وبالتالي حركة مستمرة للأفكار، وللتجميع بين الأرواح اللامنتمية، ويحمل قضيةً أخلاقية عمّا يتخيّله عن مستقبل العالم الإنساني، ناقدًا فيه أن يلجأ المثقف للسلطة، أو تلجأ هي له في حالة من التواطؤ وتبرير القمع على الشعوب.</p>
<p dir="rtl">من ذلك، لا يخفى تعلّق سعيد بأدورنو، سواء كان أدورنو المثقف، أم أدورنو المنفي، من دون انفصال أيضًا. هو يراه حالة تستوجب الاستعادة في الفكر والمسكن والسياسة(7). يخصص سعيد في إحدى محاضراته في كتاب "صور المثقف" شرحًا طويلًا عن أدورنو، ومن دون الدخول في تأويلاتي لأبعد من ذلك، مع وصف سعيد نفسه بالمثقف اليهودي الأخير! ولن أقف هنا، بل سأقتبس من سعيد عن أدورنو بصفته مثقفًا: "طالما أن أمل المثقف، كما يقول أدورنو في مرحلة متأخرة من حياته العملية، ليس في أن يصبح ذا تأثير على العالم، بل في أن يقرأ إنسان ما، يومًا ما، في مكانٍ ما، ما كتبه، تمامًا كما كتبه"(8)، ويضيف قولًا آخر لأدورنو المنفي: "تصبح الكتابة، لمن لم يعد له وطن، مكانًا للعيش"(9). تتعدد حالات المنفى، سواء عند سعيد أو أدورنو، وتقدم تناقضاتها دومًا في عالم اليوم، إلّا أنها مريبة أيضًا في مدى اللاموقفية التي قد تقدمها حالة تجانس ما، من أجل البقاء.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">محمود درويش وسعيد</span></strong></p>
<p dir="rtl">وقال: إذا متّ قبلَكَ، أوصيكَ بالمستحيل! </p>
<p dir="rtl">سألتُ: هل المستحيل بعيد! </p>
<p dir="rtl">فقال: على بُعْد جيلْ، سألت: وإن متُّ قبلك! </p>
<p dir="rtl">قال: أُعزِّي جبال الجليلْ</p>
<p dir="rtl">صديق يرثي صديقه من دون نصٍ هذه المرة، جعلتني أفكر بحلم سعيد بالعلمانية والإنسانية الكونية، فهل نبحث عن كونية تعني أننا في كل مكان من دون سلطة لأي مكان، وأننا كل الهويات، ولكننا لسنا أيًا منها؟ أم إننا نبحث عن الحميمية في الصداقة واللغة، بامتداد الأجساد والمعرفة والوطن عبرها، بأن يتذكرنا شخص ما، أو يرثينا صديق لنا، كما رثى درويش سعيد، ومع حشرجة دويش ودموعٍ محبوسة، تسيل دموع كل من يسمع حزنًا باستحضار صداقتهما. لا أعلم ما هي أحلام سعيد عن هذا العالم، وللحقيقة لا أريد أن أتورّط بأحلام أي أحد. بالتأكيد كل هذه النصوص لن نفهمها كما كتبها سعيد، إلّا أننا نستطيع أن نشعر بحميمة قرب الوطن بين لغةٍ وقلب.</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>إحالات وهوامش:</strong></span></p>
<ol>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">واحدة من مقابلات إدوارد سعيد حول الاستشراق، https://www.youtube.com/watch?v=OaByFNTUDB8&t=182s</span></p>
</li>
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">سعيد، ادوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، تر محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2008، ص 76.</span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">محاضرة لإدوارد سعيد بعنوان ""Imperial Continuity: Palestine, Iraq, and U.S. Policy." University of Washington, The Walker-Ames Lecture Series -- 8 May 2003.</span></h5>
</li>
</ol>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">https://www.youtube.com/watch?v=tgteoJ1LihU&t=4125s</span></h5>
<ol start="4">
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">نفهم موقف سعيد تمامًا من تخوفه من الأصوليات، ولكن حصر العمليات الاستشهادية الفلسطينية بهذا الموقف، هو جزء من الخطاب الغربي الذي يحيّد العنف الثوري للمجتمعات المستعمَرة، إذ تُشرعَن ممارسة عنف "إسرائيل" على الفلسطيني المقاوِم وتصويره بالشرِّ المطلق، ويُنتزع لفظ "الشهادة" من سياق التحرر الاستعماري، إلى اختزاله في سياق إسلامي يحرِّض على "الإرهاب". وفي هذا الإطار، شكَّلت العمليات الاستشهادية التي ألصقها المستعمِر بحركة حماس بصيغة إسلامية في فترة الانتفاضة الثانية، أداةً في حجته ضمن ربط المقاومة المسلحة بالحرب على الإسلام داخل خطاب الإرهاب الغربي. للمزيد راجع/ راجعي: Talal Asad, "On suicide Booming” “The Arab Studies Journal,” vol. 15/16 (Spring 2008(, pp. 123-130.  وكذلك، مي الجيوسي. "تشكل الذات وحالة الاستثناء: الجسد كموقع للمقاومة"، في ساري حنفي (محرر) "حالة الاستثناء والمقاومة في الوطن العربي" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربي، 2010)، ص 83-104. </span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">سعيد، ادوارد. صور المثقف: محاضرات ريث سنة 1993، تر غسان غصن، دار النهار، بيروت، 1996، ص 59-60.</span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">اجتر مفهوم البينية من الأنثروبولوجي آرنولد فان جنب في دراسة لطقوس العبور، إلى الدراسات الثقافية "المابعد كولونيالية" من خلال هومي بابا، والتي تعطي البينية حالةً تستوجب دراستها في أن تكون مرغوبة للتخلص من أزمات الحداثة والاستعمار في العالم، بينما هي حالة عنيفة ولها سياق بنيوي مختلف.</span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">نفس المرجع، ص 65-68.</span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">نفس المرجع ص 65.</span></h5>
</li>
<li dir="rtl">
<h5 dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#7f8c8d">نفس المرجع، ص 67.</span></h5>
</li>
</ol>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21325">هل يمكن أن نحقد أقل على إدوارد سعيد؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في البحثِ عن منهجية &quot;الاستشراق&quot;: تفكيك سلاسل المعرفة الاستعمارية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21324</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[محمد قعدان]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 23 Sep 2023 05:51:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%ab%d9%90-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d9%83-%d8%b3/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عشرون عاما على رحيل إدوارد سعيد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21324">في البحثِ عن منهجية &quot;الاستشراق&quot;: تفكيك سلاسل المعرفة الاستعمارية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">في نشره كتابه "الاستشراق" في عام 1978، تمكّن إدوارد سعيد من اقتناص لحظة تاريخيّة؛ فمن جهةٍ كانت أنماط الإنتاج الرأسماليّ وسلاسله متجهةً نحو إنشاء البنى النيوليبراليّة ومؤسساتها وسياساتها وتعميمها على أسس ما بعد حداثيّة، تلك البنى التي تنحو إلى عدم اليقين وتفكيك السرديّات الكبرى، والبحث عن الخلاص الفرديّ، كما نظّر لذلك ديفيد هارفي في كتابهِ "حالة ما بعد الحداثة". وتزامن ذلك مع بروز فلسفات ومنهجيّات ما بعد حداثيّة وما بعد بنيويّة، خصوصًا المدرسة الفرنسيّة، مثل أطروحات ميشيل فوكو، وجان بورديار، وبيير بورديو، كذلك جيل دولوز، وغيرهم، وإن ما ميّز هؤلاء كان نقدهم المستمر لجميع المنهجيات والفلسفات السابقة، مثل الماركسيّة والبنيويّة، وتفكيكها وإعادة ترتيبها. ومن جهةٍ أخرى، هي لحظة تصاعد مستمرّ لحركاتِ التحرّر الوطنيّ في العالم. كما تعتبر هذهِ الفترة مركزية بالنسبة إلى مسار الدولة ما بعد الاستعمارية، التي بدأت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية. تزامن ذلك أيضًا مع ازدياد الدراسات حول نظرية التبعية ونزع الكولونيالية، والمركزية الأوروبية، خصوصًا في أميركا اللاتينية وأفريقيا.  </p>
<p dir="rtl"> تلك القدرة على إدراك اللحظة وماهيتها وأهميتها، وحياكة أطروحة تعتبر اليوم ركنًا من أركان العلوم الاجتماعية والإنسانيات، جعلت من كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" المرجع الأساس في نقد الإنتاج المعرفيّ الغربيّ الكولونياليّ، وربما الأكثر تأثيرًا، باعتبارهِ حفّز ثورةً كوبارنيكية في تلكَ المعارف، من دون إهمال المنتوج المعرفي النقدي الذي سبقهُ، إنّما شكّل الكتاب نقطة اللاعودة، والانتقال من التراكم الكميّ إلى ثورةٍ في النوعِ و"الكيف".</p>
<p dir="rtl">سؤالنا في هذا المقال: ما هي المنهجية الفلسفية التي أحدثها كتاب الاستشراق، وما هو البناء التحتي الذي تأسس عليهِ هذا النقد ما بعد الاستعماري؟</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الحجّة المنهجية</span></strong></p>
<p dir="rtl">عِماد الكتاب الأساسي هو مفهمة المعرفة باعتبارها جزءًا من سيرورة إنتاج القوّة، ما يجعلها منتوجًا ليس حياديًا ولا موضوعيًا، بعيدًا عن سياقات الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الجارية في عالمنا، باعتبار أن النصّ هو مرآة لطبقاتٍ من تجاذبات القوى الاجتماعية، وانعكاسات الهيمنة وتجسيداتها عبر تحققها في المؤسسة على العموم، باختلافِ مجالاتها. لم يكن كتاب الاستشراق الكتاب الأول للراحل إدوارد سعيد، بل شكّل كتابهُ "العالم، النصّ والناقد"، عتبةً ثوريّة في تفكيك النصوص وإعادة ترتيبها وتأطيرها وتصنيفها بشكلٍ مغاير عمّا فعلهُ جاك دريدا فلسفيًا إزاء النصّ. بدورهِ رصَف الطريق نحو ثورة حقيقية في العلوم الاجتماعية والإنسانيات، تعكس نضالات "العالم الثالث"، وفي الوقتِ ذاتهِ، ترك أثره في المنتوج الفلسفي الغربي، سواء في طبيعتهِ ذات المركزية الأوروبية، أو نقدّها.</p>
<p dir="rtl">لنقول الآتي: "الاستشراق" نصٌ يقوم على كشف أحفوريات المركزية الأوروبية والاستعلائيات الأوروبية في المعرفة، على الأقل في الفترة ما بينَ القرنين الثامن عشر والعشرين، لنكتشف ذروة النشاط المعرفي الاستشراقي، في تمويلهِ وجامعاتهِ ومؤسساتهِ ورحلاتهِ الميدانية ومكتباتهِ على امتداد خرائط النشاط الاستشراقي الأوروبي ضد حضارات العالم غير الأوروبية، في أفريقيا من جنوبها حتى شمالها، انتقالًا إلى العالم العربي؛ من مصر وسورية وفلسطين، حتى الخليج، ومن بلاد فارس وإيران الحديثة، حتى سور الصين، مرورًا بشبه الجزيرة الهندية. </p>
<p dir="rtl">اهتمّ سعيد بإعادة قراءة الاستشراق بوصفهِ الأساس المعرفي، الصُوري والفني، لجلّ مراكز العالم الغربي المعنية بـ"إنتاج" الشرق، والعالم الجنوبيّ عمومًا، جاعلًا من كتابهِ تدقيقًا وصناعةً لأدواتٍ وتحليلات وأفكار ومفردات، للكشفِ عن هذا المخزون الهائل الممتد عبر قرون من الاستعمار الحديث. فهو في أساسهِ حجّة منهجيّة ضدّ أوروبا؛ بمعنى أن أهمية "الاستشراق" تتجلّى في إعطاء مساحة لباحثين وباحثات من شعوبٍ مستعمَرة (أو ناجين وناجيات من إباداتٍ عرقية ومعرفية عدة) وجميع الفئات والشرائح المضطهدة على تخوم الرأسمالية الأبوية والكولونيالية، وتقديم منهجيّة بأدواتٍ ووسائل عديدة، وإمكانات نقدية تستطيع التعبير عن بعضٍ من أهوال القرون الاستعمارية التي مرّت على البشرية.</p>
<p dir="rtl">خلصَ سعيد إلى تفكيك الاستشراق على أساس أربعة عناصر ساهمت في قيام أبنية الاستشراق الفكرية والمؤسسية، وهي: التوسّع، والمواجهة التاريخية، والتعاطف، والتصنيف. أسست تلك العناصر المسار التاريخي لتطوّر المعرفة وإنتاجها وتعميمها حول الشرق، ما جعل أهمية تلك العناصر الأربعة في كونها جزءًا من عملية "نزع السِحر" عن المعرفة الغربية، والكشف عن أنها لا تنبع من كونها بحثًا موضوعيًا ميدانيًا خالصًا إزاء الشرق، بل هي جزء من مسار تشابك لموروثات عنصرية، وهيمنة استعمارية توسعية، أدت إلى تأسيس أقسام بحثية وإنتاجات معرفية استشراقية، خاصة في فرنسا وبريطانيا، باعتبارهما الأكثر تأثيرًا وقوة ونمذجة مركزية لتطبيقات تلك التشابكات. </p>
<p dir="rtl">أقتبس عن سعيد: "وأطروحتي تقول إننا نستطيع أن نفهم الجوانب الجوهرية لنظرية المستشرق الحديث وعملهِ (والاستشراق في العصرِ الحاضر مستمدّ منها)، لا باعتبارها معرفة موضوعية أصبحت متاحة فجأة عن الشرق، بل باعتبارها مجموعة من الأبنية الموروثة من الماضي، بعد أن قامت بعض المباحث العلمية (مثل "فقه اللغة" Philology) بإكسابها صبغة علمانية، وإعادة تنظيمها وتشكيلها، وهي المباحث التي كانت بدورها بدائل عن مذهب الأسباب الخارقة المسيحي (Christian Supernaturalism)، أو بعض صوره، بعد أن اكتست ثوبًا طبيعيًا، إلى جانب تحديثها وإكسابها طابعًا علمانيًا، وقد نجح تكييف الشرق بوضعهِ في صورة نصوص وأفكار جديدة، حتى يلائم هذهِ الأبنية الجديدة"(١).</p>
<p dir="rtl">وفي هذا الصدد، يعيد سعيد أهميّة الموروث العرقي الفوقي الأوروبي تاريخيًا، من حيثُ أهميّة استعادتهِ واستخدامهِ وتصنيفهِ لأهداف مستجدّة حديثة استعمارية. وفي الوقتِ نفسهِ، من المهمّ أن نشدّد على أن سعيد لا يهتمّ بالموروث الأوروبي الروماني، إلا من حيثُ استحضارهِ الغربي الاستعماري، وليسَ كونهُ في ذاتهِ جزءًا من الاستشراق. إذ إن النصوص الموروثة تمتلك سياقات اجتماعية وسياسية مغايرة، فسعيد واعٍ لعدمِ وجود أي علاقة موضوعية ما بينَ الاستشراق الراهن الحداثي، ونصوصٍ رومانية على سبيل المثال، وهذا خطأ شاعَ عند الكثير من نقّاد إدوارد سعيد من المنظور الماركسيّ، وأذكر على سبيل المثال مهدي عامل وإعجاز أحمد.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">العنف داخل السلسلة </span></strong></p>
<p dir="rtl">بما أن الاستشراق هو سلسلة ومراحل وعناصر، وليسَ منتجًا معرفيًا موضوعيًا، إذًا ما هي غايته، وكيف تتحقّق، وخاصة في ظلّ تطوّرهِ ضمن الإمبراطورية البريطانية والجمهورية الفرنسية؟</p>
<p dir="rtl">وجدَ سعيد بدايةً أن جذور الأبنية الاستشراقية قائمة منذ أواخر القرن الثامن عشر، في الوقت الذي أصبحت فيه تلك الأبنية ممارسةً شاملة مع نهايةِ الحرب العالميّة الأولى، حينما وقعَ أكثر من 85 في المئة من العالم تحت الأسر الأوروبي. وعليه، مع اقتراح إطار زمني، وإن لم يتخلّله نقد مستشرقي القرون الاستعمارية الأولى وفحصهم في إسبانيا والبرتغال وهولندا، لعدّة أسبابٍ نشتقها من أطروحاتهِ في الكتاب، وهي: أولًا، عدم وجود مسار ومأسسة للعملية الاستشراقية؛ وثانيًا، إن نواة الاستعمار آنذاك هي الأميركيتين بوصفهما "العالم الجديد"، وأفريقيا باعتبارها "موردًا للعبيد". وأقتبس في هذا السياق عن العلاقة التي يؤسس لها سعيد:</p>
<p dir="rtl">"إعادة بناء لغة شرقية ميتة أو مفقودة، كانت تعني في النهاية إعادة بناء شرق ميت أو مُهمل، كما كانت تعني أن ما يصاحب إعادة البناء من دقّة وعلوم، بل وخيال إبداعي، يستطيع تمهيد الطريق لما سوف تحقق الجيوش والإدارات والأجهزة البيروقراطية في وقتٍ لاحق، على أرض الواقع، في الشرق"(٢).</p>
<p dir="rtl">بالتالي، إن تأطيرهُ الزمنيّ والمكانيّ لموضوعات الاستشراق والمستشرقين، مقترن بشكلٍ حيويّ بعملية بناء المؤسسات. وأشدد هنا على ذلك، لكي نستطيع فهم منهجيّة سعيد بعيدًا عن النقدِ المتسرّع للكتاب. من هنا، اعتمد سعيد أساسًا على ثيمات نقد المؤسسات والدولة الحديثة، الذي نجده يتمحور أساسًا في الكشف عن شبكات العنف وتطبيقاتهِ المتعددة، الفيزيائية والرمزية والسياسية، التي هي في ذاتها، بما هي عمليّة تصنيف ومأسسة وتحديد للقوالب والحدود، عمليّة عنيفة. لذا تأسس "الاستشراق" منهجيًا على نقدِ الأبنية. أما مؤسس الاستشراق الحديث سلفستر دي ساسي، الذي يعتبره سعيد مؤسسًا لدراسات الشرق في أوروبا، وتحديدًا فرنسا، فيشير سعيد إلى أن أعمال ساسي الأكثر تأثيرًا وبنيويّة تعتبر "كلها في جوهرها منتخبات"(٣)، ويبيّن لنا أن دوره التأسيسيّ لدراسات الشرق والتنقيح والتحقيق، ارتكز على اصطفاء "منتخبات" معرفية وأعمال عربية وشرقية قادرة على تمثيل الشرق بأكملهِ باتساع جغرافيّته، وطول زمنهِ الحضاريّ، باختزال. </p>
<p dir="rtl">ثمة الكثير من النقد بشأن هذا الأمر، ولكن أهم ما في ذلك هو التساؤل: لماذا يهتمّ بتمثيل الشرق بأكملهِ؟ أو ما هي الحاجة الراهنة إلى وضع غاية فهم الشرق بأكمله؟ إذ إن تعليقاته وأراءهِ تمحورت حول التركيز على فعل "إنقاذ" الكمّ الهائل من المعرفة عند الشرق، بحيث تصبح متاحة للأوروبيين والباحثين. ويؤكد سعيد هنا على إنشاء هذا المبحث التعليمي، كما يسمّيه، باعتباره "تقنية السلطة"، إذ يقدم هذا المبحث ما لا يستطيع أحد تقديمه أو معرفتهِ أو إيجاده، من دون رعاية "المستشرق". </p>
<p dir="rtl">وفي هذا الصدد، وقعت مسؤوليّات عدّة على ساسي، منها كما قلنا اصطفاء المنتخبات، وتصنيف المعارف إلى ثيمات وأقسام؛ فالجغرافيات، العقائد، الآداب، جميعها وقعت في تصنيفات وأبواب على أساس العقلية الأوروبية الاستعمارية. ومما يجب ألا يُنسى بشأن ساسي، هو ارتباطه بالمسار العسكري لاستعمار الجزائر ومصر في مطلع القرن التاسع عشر. وهنا نرى أن تلك التصنيفات ليست موضوعية، إذ إن التشابك بين الإنتاج المعرفيّ والممارسة العنيفة للاستعمار، هي ليست سببًا ونتيجة، بل علاقة متبادلة ديالكتيكية متواصلة، لا يمكن تفكيكها.</p>
<p dir="rtl">وفي خلاصة ذلك، أقتبس أن: "إنجاز ساسي كان يتمثّل في بنائهِ مجالًا كاملًا، ففتش ونبش المحفوظات الشرقية باعتباره أوروبيًا، وتمكن من ذلك دون أن يترك فرنسا، فقام بتنحية بعض النصوص جانبًا ثم عاد إليها، وعالجها، وكتب لها الشروح، ووضع لها القواعد ورتبها، وكتب تعليقات عليها. وبمرور الوقت أصبح الشرق في ذاتهِ أقلّ أهميّة من الصورة التي رسمها لها المستشرق"(٤)/ في هذا الصدد يوضّح سعيد كيف أصبحَ فقه اللغة متشابكًا في هذهِ العملية، وهو المختبر الأساسيّ للقيامِ في هذهِ المهمات عند إرنست رينان، الذي تحوّل إلى مصنعٍ ضخمٍ يوّرد التبريرات الكافية لجميعِ تصنيفات ساسي وإنتاجاته. ويرى سعيد أن تلك اللحظة تحديدًا هي اللحظة التي وصل فيها علم فقه اللغة إلى القمّة والشرعية العلمية، كونه علمًا علمانيًا، نزع الصفة الإلهيّة عن اللغة البشرية. وهنا، جميع إنتاجات رينان ومن بعدهِ ضمن هذهِ المختبرات اللغوية، ما هي إلّا تبريرات للبنى الأساسية التي تأسست عند ساسي.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">موجز مقولتي</span></strong></p>
<p dir="rtl">في نهايةِ النصّ، أود القول إن سعيد في عملهِ "الاستشراق"، وهو الأكثر تأثيرًا في منهجيات العلوم الاجتماعية وطرقها وتدريسها وبيداغوجيتها في القرن العشرين، ربّما استطاع لوحدهِ تقويض منهجيّات ودراسات ومفردات ممتدّة على قرون. وهذا يعود بالطبعِ لسياقِ إصدار الكتاب الذي ذكرناه، وصعود حركات التحرّر التي قوّضت القدرة السياسية للاستعمار، ثمّ صعود التيّار النقدي، والماركسية المستجدّة التي ساهمت في تقويض الفلسفة الأوروبية الليبرالية الحداثية من الداخل.</p>
<p dir="rtl">وهنا كانت النقطة الفاصلة التاريخيّة التي سمحت لكتاب "الاستشراق" أن يصبح بمثابةِ سفر منهجيّ للتخلّص من الاستعمار الثقافيّ، وبدء عهد جديد من التوطين المعرفيّ، والدراسات الأصلانيّة، والدراسات ما بعد الاستعمار، ودراسات التابع، ودراسات نزع الاستعمار، ودراسات الجندر والكويريّة. جميعها اشتقّت بشكلٍ أو بآخر مسارها البحثيّ ومنهجياتها النقديّة ومحاولةِ اجتراح بدائل معرفيّة وثقافيّة من المأساة الحداثيّة الراهنة من خلال منهجٍ شقّه سعيد في كتابهِ. وفي صلبهِ نزع صفة الموضوعية عن الإنتاج المعرفي الاستشراقي، وكشف سلاسل إنتاجهِ، المتشابكة في علاقات فرض الهيمنة والاستعمار والسلطة ضدّ الآخر. </p>
<p> </p>
<div dir="rtl"><em><span style="color:#ff0066">هوامش</span></em></div>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">١-  إدوارد، سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة محمد عناني (دار رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، 1979، ص 210.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٢-  المصدر نفسه، ص 212.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٣-  المصدر نفسه، ص 215.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٤-  المصدر نفسه، ص 218.</span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21324">في البحثِ عن منهجية &quot;الاستشراق&quot;: تفكيك سلاسل المعرفة الاستعمارية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>دفاعاً عن المعرفة المجرّدة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21323</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 17 Sep 2023 17:20:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d9%8b-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%b1%d9%91%d8%af%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عشرون عاما على رحيل إدوارد سعيد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21323">دفاعاً عن المعرفة المجرّدة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">في هامش صغير جداً من مقال "في الطبائع القومية On National Charachters"، يقول أستاذ التنوير الغربي، وأحد أشهر وأذكى الفلاسفة في التاريخ، ديفيد هيوم، إن السود غير متساوين مع البيض:  </p>
<p dir="rtl">"أنا أميل إلى أن الزنوج أدنى بشكل طبيعي من البيض. لا تكاد تجد أية حضارة عندهم، ولا حتى فرداً بارزاً في الأفعال أو في الفكر. لا يوجد صناعيون عباقرة، لا فنون، لا علوم... في جامايكا، في الحقيقة، هناك كلامٌ عن زنجي مهذّب ومتعلّم؛ ولكن على الأغلب يقدّرونه بسبب إنجازات تافهة، كالببغاء، الذي يستطيع ترديد بعض الكلمات بفصاحة." وقد اعتاد الدارسون التبرير لهيوم بالقول إنها ملاحظة متسرعة، وغير دقيقة، وغير هامة: هامشٌ صغير معزول، بين أعمال كثيرة متعددة، منفتحة، ليبرالية، إنسانوية، وتدعو إلى التسامح والمحبة.</p>
<p>في القرن العشرين، ومع أخذ مثل هذه الملاحظات بالجدية اللازمة، تبيّن أنها ليست هامشية على الإطلاق: وصلت رسائل إلى هيوم من مؤيدي العبودية، ومن تجار البشر، حول هذا الهامش، وأثنى التنويري الرائد عليهم. انتقده دعاة المساواة – من السود والبيض- في لندن، وتحدّوه في مناقشات علنية، بل أرسل له بعض السود، ومنهم من كان يدرّس في الجامعات البريطانية، ويتكلم عدة لغات (أكثر من اللغات التي يعرفها هيوم) أكثر من رسالة، وطلبوا منه أن يشرح موقفه: تجاهلهم بصلف، ورفض الحوار معهم بشكل كامل. </p>
<p dir="rtl">كان معظم فلاسفة الأنوار عنصريين وذكوريين، بشكلٍ أو بآخر. هذا كلام صحيح، وممل. السؤال الحقيقي هو: هل هناك صلة بين نظرياتهم الفلسفية وبين عنصريتهم أو ذكوريتهم؟ </p>
<p dir="rtl">إدوارد سعيد، في كتاب "الاستشراق"، يجزم بوجود رابطة ضرورية بين عنصرية الفلاسفة ونظرياتهم الفلسفية: </p>
<p dir="rtl">"نرى الفلاسفة يجرون مناقشاتهم للفيلسوف لوك، ابن القرن السابع عشر، أو ديفيد هيوم، ابن القرن الثامن عشر، وللمذهب الإمبريقي أي التجريبي دون أن يأخذوا في اعتبارهم على الإطلاق وجود رابطة سافرة في كتابات هؤلاء الكتّاب الكلاسيكيين بين مذاهبهم "الفلسفية" والنظرية العنصرية، وتبريرات ممارسة الرق، أو حجج الدفاع عن الاستغلال الاستعماري". (لاحظ أن سعيد يضع كلمة "الفلسفية" بين مزدوجين، كأنها ليست فلسفية حقاً، بل ناتجة عن العنصرية!)</p>
<p dir="rtl">تأتي هذه المقولة في مقدمة الكتاب النظرية، وفيها يتحدث سعيد عن الربط العام بين العلوم الإنسانية وبين السياسة، وعنوان المقطع بأكمله: التمييز بين المعرفة البحتة (المجردة) والمعرفة السياسية. هذا التمييز يرفضه سعيد تماماً: يؤمن سعيد بوجود رابطة عضوية ومباشرة بين المعرفة المجردة وبين التوجهات السياسية، ويعطي مثال هيوم أعلاه عن تلك العلاقة العضوية. </p>
<p dir="rtl">ولكن يبدو لي أن سعيد مخطئ في هذا المثال. ريتشارد بوبكن، الذي درس أعمال هيوم لعقود، وكان أول من أشار إلى مراسلات هيوم مع المدافعين عن الرق، يرفض وجود صلة، حتى لو كانت واهية، بين نظريات هيوم الفلسفية وبين عنصريته: على العكس تماماً، تبدو عنصرية هيوم متناقضة مع نظرياته المنفتحة والتقدمية، ومع تسامحه الأصيل العميق النابع من فلسفته، مع لا-أدريته الهادئة، ومع مطالبته بإعمال العقل وبالمساواة بين الناس: عنصريته تصطدم مع مبادئه التنويرية والتجريبية والعلمية، ولا تترابط معها. </p>
<p dir="rtl">يبدو سعيد متسرّعاً جداً، في هذه النقطة، لأنه يريد أن يخبر القارئ بوجود صلة بين المعرفة والسلطة. ويبدو لي أنه يكرر افتراضه الخاطئ في نقاشه الممتع عن ماركس وفلوبير. ولكن، في هاتين الحالتين، لا نعرف بالضبط هل يريد فقط الكشف عن عنصرية مُضمرة في أعمالهما، أم يريد القول بوجود رابطة أعمق بين مجمل توجهاتهما وكتاباتهما وبين عنصريتهما. وهذا أمران مختلفان، ولا يجوز الخلط بينهما: الكشف عن عنصرية مُضمرة تتجلى في أكثر من مكان، ووجود رابطة عضوية بين كل فكر الكاتب وبين عنصريته. وهذا الخلط، في أعمال سعيد وغيره، يجعل نقاش حالة هيوم شديد الأهمية. </p>
<p dir="rtl">يجب الفصل بين الأمرين، بشكل واضح وقاطع، لسببين. </p>
<p dir="rtl">أولاً، لم يكن هيوم الفيلسوف الوحيد الذي يحمل آراء عنصرية. يستطيع المرء أن يلتقط مثل هذه الملاحظات المتناثرة وغير الدقيقة وغير المُحكمة، في أعمال ماركس، وهيغل، وفولتير، وكنط، وتوماس هكسلي، وداروين، وتقريباً معظم فلاسفة الغرب قبل منتصف القرن العشرين. </p>
<p dir="rtl">لو أخذنا مقولة سعيد حرفياً، لكانت كل نظريات هؤلاء مرتبطة بعنصريتهم، ولرفضنا كل أعمالهم. لاحظ أن هذه الأعمال تتناقض: ماركس يساري، وتوماس هكسلي رأسمالي: أي يجب أن نرفض اليسار واليمين معاً. ماركس وهيغل يتناقضان في أولوية المادة على الفكر أو العكس. فولتير رفض فكرة التطور التي قال بها داروين. وهلم جراً. لا يمكن أن تكون للأفكار المتناقضة نفس المنبع أو النتيجة: أي العنصرية. </p>
<p dir="rtl">على العكس، المنطقي أن تكون العنصرية منفصلة عن هذه النظريات، وليست مرتبطة بها.<br />
تميل ما بعد الكولونيالية، وسعيد في مقدمة هذه الحركة، ومعها ما بعد الحداثة، إلى القول بوجود نظام فكري متكامل في عصر من العصور، وإلى ربط الأفكار المتناثرة عند الفيلسوف في نسق أو نظام متعاضد، لتترابط أفكاره في هذا النسق وتتواشج بشكل واضح ومُحكَم. بدرجات مختلفة وبطرق مختلفة، هيغل وماركس وفوكو يتبنون هذه الرؤية، وربما توماس كون. على العكس، تميل الفلسفة التحليلية، وبطريقة مقنعة برأيي، إلى رفض هذا الربط: أحياناً، تتناثر الأفكار في عصر من العصور بدون روابط واضحة، بل ويعيش بعضها بجانب بعض من عصور مضت، وتتناقض الأفكار المقبولة والمنتشرة في كل عصر؛ بل وعند الفيلسوف الواحد، نجد تناقضات متعددة، في أكثر من قضية. بحسب التحليليين، الفريق الأول محق في ربط بعض الأفكار في نسقٍ متكامل أحياناً، ولكنه مخطئ في المبالغة في هذا الربط، وفي جعله ضرورة منطقية، تنطبق على كل الأفكار السائدة في عصرٍ ما أو عند فيلسوف ما. </p>
<p dir="rtl">سأعطي أمثلة عن الربط المحق بين الفلسفة والآراء السياسية: فريدريك نيتشه انتقد عقلانية التنوير، وأكثر ما انتقده المساواة بين الناس؛ هاجم الليبراليين واليساريين بدون هوادة: نقده لهم ينبع من عبادة القوة والسوبر مان/الإنسان البربري الذي يقدسه. في هذه الحالة، الآراء الفلسفية وكراهية الديمقراطية من صُلب وأسس نظرياته الفلسفية. ماركس في دفاعه عن العمال ودعوته إلى المساواة في توزيع الثروة يربط بين نظريته في القيمة ونظرية التاريخ وبين رؤيته للعدالة والواقع السياسي وضرورة تغييره. فولتير في دفاعه عن التسامح يربط بين جهلنا البشري الضروري وبين التسامح. هيردر، داعية النسبوية الغريب، رأى في النسبوية تساوياً بين الثقافات، وبالتالي قبولاً بالآخرين. وبالطبع، ديكارت، في افتتاحية الكتاب الذي أسس الفلسفة الغربية الحديثة، أكّد أن: "العقل أكثر الأشياء مساواةً بين الناس". هذا التأكيد ينعكس في كل فكره الفلسفي والأخلاقي.  </p>
<p dir="rtl">ولكن حالة هيوم مختلفة: لا يوجد رابط بين عنصريته وبين نظرياته الفلسفية في الأخلاق والأبستمولوجيا والدين. </p>
<p dir="rtl">السبب الثاني عملي، وهو شديد الأهمية لنا: الربط الدائم بين النظريات الفلسفية والعنصرية سيؤدي إلى رفض الغرب كلياً، وإلى التقوقع الذاتي والانعزال. أي أننا سنرفض قراءة وفهم داروين، وماركس، وهيوم، وعشرات غيرهم. وسنكتفي بلوم الغرب ليل نهار، بدون أن ننخرط في فهم النظريات الفلسفية وما تحمله، وما تقدمه، وما لا تستطيع تقديمه. </p>
<p dir="rtl">يبدو لي عمل تلميذ سعيد، جوزيف مسعد، بالضبط عالقاً في هذه النقطة: ورفضه، بل وتخوينه، لطه حسين ونجيب محفوظ، لأنهما تأثرا بالغرب، ينبع من رغبته الحارقة في لوم الغربيين على كل شيء، وفي رفض كل من يتأثر بالغرب، ليجعل الانغلاق والتقوقع المخرج الوحيد: رفض الغرب كلياً هو النتيجة المنطقية لربط كل نظرياتهم الفلسفية بالسياسة والسلطة والعنصرية. </p>
<p dir="rtl">لكن سعيد نفسه لم يرفض الغرب، بل دعا إلى الحوار وتمسّكَ بالعقلانية والديمقراطية. وحقق قفزة هائلة في فهم الغرب لنفسه. فقد كشف عن ادعاء عميق في فكر الغرب، وهو الادعاء بوجود جوهر ثابت للشرق، متخلّف، ومختلف. يتجلى هذا الادعاء في أكثر من مكان: في السينما، وفي الأدب، وفي الفن التشكيلي. نجح سعيد في كشف اللثام عن هذا الافتراض العميق، وألهمَ آلاف البحّاثة للكشف عن الافتراضات العميقة الخفية فيما يُنشر ويُكتب في الغرب وفي بلدانهم: من اليابان إلى إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية. وبفضل جهده الخارق، أصبحت فلسطين على خريطة الأكاديميا الأمريكية، بشكل مدهش وعميق. </p>
<p dir="rtl">أما ديفيد هيوم، فيلسوفي المفضّل، فمن المُحزن أن نرفضه أو أن نتجاهله: قال هيوم إن قدرات الإنسان محدودة، ونحن لا نعرف أصول معارفنا العلمية ولا نستطيع تبرير نجاحاتها الهائلة؛ ولكننا يجب أن نتمسّك بهذا العلم وبإنجازاته وبالعقلانية الهشة التي تسنده. وفي الدين، كان أقرب إلى مواقف لا-أدرية. آمن بالتسامح، وبعاطفة محبة أصيلة بين كل البشر، فطرية ومباشرة وبسيطة. وفي كل ذلك، أجده الفيلسوف الأكثر إقناعاً والأقل ادّعاءً في الفلسفة الحديثة. </p>
<p dir="rtl">ولكن أفضل ما قاله -وهذا ينطبق تماماً على هيوم، كما ينطبق على سعيد- إن ما يحركنا غالباً عاطفة عميقة، ونحاول عقلنتها لاحقاً: لم يلتفت هيوم إلى محاولة جعل العقل محركا وباعثاً لأفعالنا، بل يخبرنا العقلُ بالدرب والطريقة للوصول فقط، ولكنه لا يقدّم لنا الهدف. كراهية هيوم للسود عاطفية، وغير عقلانية: تعبير تافه ومنحط عن السائد في عصره. رغبة إدوارد سعيد في تحدي العنصرية الغربية، والتزامه الكامل والدائم بالقضية الفلسطينية، ألهماه على مدى حياته الأكاديمية المثيرة والمثمرة: عاطفة صادقة حارّة، تحوّلت إلى نجاح هائل، بعقلانية منفتحة أصيلة. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21323">دفاعاً عن المعرفة المجرّدة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إدوارد سعيد: أدب محظور (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21322</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حسام موصللي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 17 Sep 2023 17:03:56 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a5%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d9%85%d8%ad%d8%b8%d9%88%d8%b1-%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عشرون عاما على رحيل إدوارد سعيد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21322">إدوارد سعيد: أدب محظور (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">نُشر النصّ الأصليّ في مجلة "ذا نيشن" في 17 سبتمبر، 1990 (أعيد نشره بتصرُّف في كتاب The Politics of Dispossession الذي ضمَّ مجموعةً من المقالات المنشورة لسعيد. وهنُا ترجمة المقالة مثلما وردَت في الكتاب).</span></p>
<p dir="ltr"> </p>
<p dir="rtl">قبل ثماني سنواتٍ من فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب لسنة 1988، تواصل معي ناشرٌ تجاريٌّ بارز في نيويورك، معروف بآرائه الليبراليَّة والمنفتحة، طالباً منِّي اقتراح لائحةٍ بروايات من العالم الثالث بغية ترجمتها وإدراجها ضمن سلسلةٍ جديدةٍ كان يُخطِّط لنشرها. كان على رأس اللائحة التي قدَّمتُها عملان أو ثلاثة أعمالٍ لمحفوظ، ولم يكن أيُّ منها مُتوفِّراً في الولايات المتَّحدة حينذاك. صحيحٌ أنَّ بعض روايات المعلِّم المصريِّ كانت متداولة في لندن، لكن ليس في الولايات المتَّحدة، وكذلك الأمر على صعيد أوروبا حيث لم تكن تلك الأعمال متداولةً في الدرجة الأولى إلَّا لدى عددٍ قليلٍ من طلَّاب اللغة العربيَّة. عقب أسابيع قليلة من تقديم اللائحة، سألتُ عن الروايات التي وقع عليها الاختيار، حينها أُبلِغت بأن ليسَت هنالك نيَّة لترجمة أيٍّ من أعمال محفوظ المقترَحة. وعند استفساري عن أسباب ذلك، تلقَّيتُ إجابةً لا تزال تؤرِّقني منذ ذلك الوقت: "المشكلة، مثلما قيل لي، "هي أنَّ العربيَّة لغةٌ مثيرةٌ للجدل".</p>
<p dir="rtl">ما زال مقصَدُ الرجل غامضاً بعض الشيء بالنسبة إليّ، لكنَّ ما كان جليَّاً تماماً في الأمس، واليوم للأسف، هو أنَّ العرب ولغتهم لا يحظون بالاحترام بشكلٍ أو آخر- فالعربيَّة تعدُّ بالنتيجة مصدراً للخطر، ومبتذلة، ومن غير الآمن الاقتراب منها. ومن بين جميع الآداب العالميَّة الرئيسيَّة، يظلُّ الأدب العربيّ مجهولاً نسبيَّاً وغير مقروءٍ في الغرب، لأسبابٍ فريدةٍ، ولافتةٍ للنظر باعتقادي، وذلك في وقتٍ أصبحَت فيه الذائقة هُنا إزاء ما هو غير غربيّ أكثر تطوُّراً من أيِّ وقتٍ مضى، فضلاً عن أنَّ الأدب العربيَّ المعاصر، والجذَّاب، يشهد مفترق طرقٍ مثيرٍ للاهتمام إلى حدٍّ استثنائيّ.</p>
<p dir="rtl">هناك مؤشِّر طريف (لكنّ محبِطٌ أيضاً) بصدد البون الشاسع ما بين الاهتمام المولى للأدب العربيِّ مقارنةً بالآداب الأخرى خارج العالم الأطلسيّ، ويتجلَّى من خلال النظر إلى ما آلَت إليه سمعة محفوظ وأعماله باللغة الإنكليزيَّة بعد حصوله على جائزة نوبل لسنة 1988: لقد حصلت دار نشر دابلدي على حقوق أعماله، قبل أن تشرع بُعيد أشهرٍ بتقديم عددٍ قليلٍ من قصصه ورواياته إلى القرَّاء، بما في ذلك المجلَّد الأوَّل من عمله الرئيسيّ، "ثلاثيَّة القاهرة"، على نحوٍ يوحي بأنَّها طبعاتٌ جديدة. لكن في الواقع، ومع استثناءٍ وحيد، كانت الترجماتُ هي نفسها بالضبط تلك المنشورة في إنكلترا، ومع العلم أنَّ بعضها كانت ذات مستوى لائق، إلَّا أنَّ معظمها اتَّسمَت بالإهمال أو الرداءة. بدا واضحاً أنَّ الغرض من وراء ذلك كان استغلال شهرة محفوظ الجديدة وتسويقها، لكن، في الوقت نفسه، خفض التكاليف من خلال عدم ترجمة تلك الأعمال.</p>
<p dir="rtl">أشيرُ أيضاً إلى مُؤشّرٍ ثان، يمكن وصفه بأنَّه أكثر هزليَّة، يتعلَّق ببضع نبذات نُشرت عن محفوظ في مجلَّات أميركيَّة على غرار فانيتي فير، وذا نيويوركر، ومجلَّة نيويورك تايمز. في الواقع، لم تكن النبذات كلُّها سوى إعادة كتابةٍ للمقالة نفسها مراراً وتكراراً. تحدَّثت كلُّها عن مقهاه المفضَّل، وتواضعه، وموقفه من إسرائيل (في الجملة الثانية من مقالتها عن جائزة نوبل، أدرَجت ذا نيويورك تايمز باهتمامٍ رأيّ القنصل الإسرائيليِّ في نيويورك)، وأسلوب حياته غير المشوِّق والرتيب إلى حدٍّ كبير. كان جميع الكتَّاب، ومن بينهم كتَّاب مقالات بارعين إلى حدٍّ معقول، سُذَّجاً تماماً عندما يتعلَّق الأمر بكلٍّ من اللغة العربيَّة والأدب العربيّ، فاعتبَروا جميعاً أنَّ محفوظ يعبِّر عن مزيجٍ من الشذوذ الثقافيِّ والرمزيَّة السياسيَّة. بيد أنَّهم لم يأتوا على سيرة إنجازاته الرسميَّة، على سبيل المثال، أو مكانته في الأدب المعاصر بوجهٍ عامّ.</p>
<p dir="rtl">ثالثاً، استُبعِد محفوظ إلى حدٍّ ما من النقاش لكن من دون أن يستفزَّ ذلك أيَّاً من الأشاوس المشتغلين في الأدب باتِّجاه محاولة اكتشاف كتَّابٍ آخرين باللغة العربيَّة قد يكونون موضع اهتمام. فمن أين أتى نجيب محفوظ على أيِّ حال؟ إنَّه من المستحيل ألَّا يعتقد المرء بأنَّ أحد العوامل وراء هذه الحالة الغريبة يكمن في التحيُّز طويل الأمد ضدَّ العرب والإسلام، والذي لا يزال قويَّ التأثير داخل الثقافة الغربيَّة عموماً، والأميركيَّة على وجه خاصّ. في هذ الصدد، يتحمَّل الخبراء في الشؤون الإسلاميَّة والعربيَّة قدراً كبيراً من المسؤوليَّة إذ لا يزال عميدهم، برنارد لويس، يهذر عبر منابر، على غرار وول ستريت جورنال ومجلَّة الباحث الأميركيّ، عن الظلاميَّة والغرابة في كلٍّ من العرب، والمسلمين، وثقافتهم، ولغتهم، وغير ذلك. يُضاف إلى ما سبق أنَّه لا يزال هناك اعتقادٌ بأنَّه من الصائب طلبُ تعليقٍ من باحثٍ إسرائيليٍّ أو يهوديٍّ في شؤون إسلاميَّة؛ في حين أنَّ العكس -أي طلب تعليقٍ من عربيٍّ في شؤون تتعلَّق بالأدب العبريِّ أو الأدب اليهوديّ- مسألةٌ لن تكون حتَّى موضع تفكير. بل إنَّ واحداً من المراكز الجامعيَّة الأميركيَّة الرائدة للدراسات العربيَّة والإسلاميَّة لا يضمُّ في هيئته التدريسيَّة أيَّ متحدِّث أصليٍّ لتعليم اللغة العربيَّة أو الأدب العربيّ. وأمَّا فيما يتعلَّق بالنقَّاد، ومراجعي الكتب، ومحرِّري المجلَّات، فتراهم يحرصون بشدَّة على تجنُّب مناقشة الكتب العربيَّة، حتَّى في أثناء محاولاتهم إنجاز ملفَّاتٍ مذهلةٍ في القراءة والترجمة في سياق الأدب التشيكيّ، أو الأرجنتينيّ، على سبيل المثال لا الحصر.</p>
<p dir="rtl">لم يعد من المقبول التذّرع بعدم توفُّر ترجمات لأعمال أدبيَّة عربيَّة. لقد جمعَت دور نشرٍ صغيرة، لكن يقوم عليها أصحاب ضمير، على غرار الساقي وكوارتِت في لندن، وسندباد في باريس، وثري كونتيننت في الولايات المتَّحدة، شريحةً متنوِّعةً من الأعمال المعاصرة من العالم العربيّ، على الرغم من أنَّها لا تزال مهملةً، أو متجاهَلةً عن عمد، من قِبل المحرِّرين ومراجعي الكتب على حدٍّ سواء. بالإضافة إلى ذلك، أصدرَت مؤخَّراً دور نشر أكبر حجماً (على غرار بنغوان، وراندوم هاوس، وعددٍ قليلٍ من المطابع الجامعيَّة) بعض الأعمال الأدبيَّة رفيعة المستوى، لكنَّها لم تحظَ أيضاً باهتمامٍ أو مراجعة؛ كما لو أنَّ اللامبالاة والتحيُّز قد استبعدَت تسليط أيِّ ضوءٍ على النصوص التي تتضمَّن تكراراً للكليشيهات المعتادة عن "الإسلام" والعنف والشهوانيَّة وما إلى ذلك. ويبدو أنَّ هناك سياسةً متعمَّدةً من شأنها الحفاظ على نمطٍ من الاختزال المتجانس عندما تتعلَّق المسألة بالعرب والإسلام؛ والحديث هُنا عن تكريس الاستشراق الذي ينأى بالثقافة الأخرى ويجرِّدها من الصفة الإنسانيَّة، ويفضي في الوقت نفسه إلى توطيد المخيال الكاره للأجانب باعتباره مكوِّناً لهويَّة "غربيَّة" خالصة.</p>
<p dir="rtl">في وسعنا القول إنَّ بعض هذه الانعكاسات ناجمٌ في جزءٍ منه عن المستوى المشين حقَّاً للتقارير المُعدَّة عن التدخُّل العسكريِّ العراقيِّ الكارثيِّ في الكويت؛ فمعظم ما صدر من تعليقاتٍ للصحفيِّين والخبراء في وسائل الإعلام الأميركيَّة لم يكن سوى مجرَّد تكرارٍ للكليشيهات المروِّعة التي تنمُّ في أغلبها عن جهلٍ، ومنافاةٍ تاريخيَّة، وأخلاقويَّة، وقوامة، ونفاق. وكلُّ ما سبق مستوحى بطريقةٍ أو أخرى من سياسة الحكومة الأميركيَّة، والتي لطالما اعتبرت أنَّ العرب إمَّا إرهابيّون أو مهرِّجون حمقى يمكن استغلال ما لديهم من أموال أو نفطٍ رخيص ووفير. لم يُفسِّر أحدٌ هذا العمل غير القانونيّ باعتباره ضمن السياق الذي استحدثته حرب العراق الطويلة على إيران، والهجمات التركيَّة ضدَّ قبرص، والاجتياح الإسرائيليّ للبنان، والاحتلال الأميركيِّ لبنما... إلخ، ولم يتضمَّن أيُّ تقريرٍ إشارةً إلى أنَّ سكَّان الكويت كانوا بدرجةٍ كبيرة -أغلبيَّتهم الساحقة في الواقع- غير كويتيِّين؛ أو أنَّ الحكومة الكويتيَّة قدَّ قدَّمت لصدَّام، بطل العرب المزعوم، خمسة عشر مليار دولار أميركيّ كمساعداتٍ من أجل قتال إيران؛ أو أنَّه ليس لدى حكومات تلك المنطقة، عدا استثناءاتٍ قليلة، من شرعيَّةٍ تاريخيَّة إلَّا القليل، في حين أنَّها تستمدُّ مكانتها من الاستعمار أو القوَّة أو شراء السلطة فحسب، وأنَّه لطالما كان هذا الوضع محَّط متاجرة للقوى العظمى لزمنٍ طويل، وبالأخصّ الولايات المتَّحدة. بيد أنَّ هذه السقطات، وغيرها، متوقَّعةٌ في ظلِّ إعلامٍ مُتشبِّع بأوهامٍ مُعزَّزة ذاتيَّاً، وابتذالٍ فاسدٍ متعذِّر الإصلاح، وافتراءاتٍ بغيضة، يجري تصويرها كلُّها على أنَّها خبرة؛ الغريب في هذه المسألة هو مدى ضآلة حجم الضغط التعويضيِّ المنبثق عن الثقافة في العموم، والتي تبدو أنَّها تفضِّل بصورةٍ تلقائيَّة إعادة كتابة محفوظ والقوالب النمطيَّة الإسلاميَّة أكثر من أيِّ شيءٍ آخر تقريباً.</p>
<p dir="rtl">المفارقة هي أنَّ الموادّ الأدبيَّة الحديثة تُعقِّد المشهد الثقافيّ العربيّ الحاليّ وتجعله أكثر إثارةً للاهتمام إلى حدٍّ كبير. فخلال فترةٍ لا تتجاوز السنة، صدرَت ثلاثة كتبٍ ذات سماتٍ أدبيَّة فريدة، بترجماتٍ جيِّدة المستوى، بيد أنَّها لم تحظ بأيِّ اهتمامٍ على الإطلاق. مع العلم أنَّ كلَّ عملٍ منها من إنتاج مؤلِّفٍ معروف ومحطّ تقدير، يطرح بأسلوبه الخاصّ مخالفةً أو معارضةً ضمن إطار التقليد العربيّ والإسلاميّ؛ وبعبارةٍ أخرى، تُعبِّر هذه الأعمال عن نمط الاغتراب والقطيعة عن الثقافة العربيَّة الذي يعدُّ عنصراً أساسيَّاً في هجمات المستشرقين الغربيِّين؛ إذ يرى كلٌّ منها أنَّه لا بدَّ من إخضاع الثقافة للجدل والخلاف، وبالتالي تعارض كلَّاً من التعصُّب، والسلطة الجائرة، والدوغمائيَّة غير النقديَّة.</p>
<p dir="rtl">ربَّما أكثر هذه العناوين الثلاثة تحفيزاً فكريَّاً هو كتاب أدونيس المعنون بـ "مقدِّمة للشعر العربيّ"، والذي ترجمَته كاثرين كوبهام إلى الإنكليزيَّة بذكاء استثنائيّ. يُنظر اليوم إلى أدونيس باعتباره الشاعر العربيَّ الأكثر جرأةً واستفزازاً؛ رمزيٌّ وسرياليّ، مزيجٌ من مونتالي وبرتون وييتس وتي. إس. إليوت في شبابه. في هذه المجموعة التي تضمُّ أربع مقالاتٍ أُلقيَت في الأصل كمحاضراتٍ في كوليج دو فرانس، يعيُد أدونيس تفسير التراث العربيِّ الهائل برمَّته، ابتداءً من الشعر الجاهليّ، ومروراً بالقرآن، والحقبة الكلاسيكيَّة، وصولاً إلى الوقت الحاضر. ومن خلال اعتباره أنَّ الأدب ينطوي بصورةٍ دائمة على ميولٍ حَرفيَّةٍ وسلطويَّة، فهو يُقدِّمُ أطروحةً مفادها أنَّ هذه الميول لطالما كانت محطَّ اعتراض الشعراء والمفكِّرين الذين تمثِّل الحداثة بالنسبة إليهم التجديد مقابل الإمَّعيَّة، والتمرُّد مقابل القوميَّة، والإبداع مقابل الأصوليَّة.</p>
<p dir="rtl">بعيداً عن كونه بياناً أكاديميَّاً، يُعتبر كتاب "مقدّمة للشعر العربيّ" تحدِّياً لا هوادة فيه للوضع الراهن الذي تحافظ الثقافة العربيَّة الرسميَّة على إبقائه مثلما هو. وبعباراتٍ لا لبس فيها، يضع أدونيس هذه الأخيرة على قدم المساواة مع كلٍّ من السلطة والمرجعيَّات والبيروقراطيَّة، الدينيَّة والعلمانيَّة، والتي وضعتنا اليوم، نحن العرب، أمام أزمةٍ ثقافيَّةٍ من جرّاء انسحابها نحو ماضٍ ذاخرٍ أو راعٍ أجنبيّ. يتعاطى أدونيس مع النصوص بإلمامٍ مذهل، شأنّه شأن العبقريَّة الصرفة في حجّته. ولأنَّه يمكن القول إنَّ عمل أدونيس لا يختلف في أهميَّته عن أيِّ مانيفستو ثقافيٍّ مكتوبٍ اليوم، فإنَّ الصمت الذي قوبِل به إنَّما ينمُّ عن جهلٍ مذهل!</p>
<p dir="rtl">العملان الآخران الذين أشرت إليهما هما روايتا "تُرابها زعفران" لإدوار خرَّاط، و"مسك الغزال" للروائيَّة النسويَّة اللبنانيَّة حنان الشيخ، وقد صدر كلاهما عن دار نشر كوارتِت. ترجمَت فرنسيس ليارت أولاهما إلى العربيَّة ترجمةً مثيرةً للإعجاب، في حين ترجمَت كوبهام العمل الثاني بطلاقتها المعتادة. خرَّاط كاتبٌ مصريٌّ قبطي، شكَّلت سنوات حياته الأولى في الإسكندريَّة موضوعَ نصِّه الأقرب إلى سيرةٍ ذاتيَّة، والذي يحمل تشابهاً شكليَّاً مع رواية "صورة الفنَّان في شبابه" لجيمس جويس. إنّ سرديَّة الطفولة في هذا العمل ستجعل القرَّاء الذين صدَّقوا بسذاجةٍ المغالطات الصحفيَّة بصدد الكراهية المتبادلة بين الأقباط والمسلمين يدركون عكس ذلك، بما تنطوي عليه من تأمُّلاتٍ عميقة، وحميميَّةٍ باحتجاب، في الوقت نفسه. لا يشعر المرء في ثنايا هذا العمل بحالةٍ من رفض الانصياع لدى الفنَّان الناشئ فحسب، بل أيضاً باستكشافٍ مُطمئنٍّ لحياة عائلةٍ قبطيَّة من الطبقة العاملة، يكتنفها تفكُّكٌ مادِّيّ، وحياةٌ جنسيَّةٌ تعيسة، وقلاقل سياسيَّة. بمقدورنا هُنا أيضاً قراءة كشف خرَّاط باعتباره إلى حدٍّ كبيرٍ جزءاً من الثقافة المصريَّة المعاصرة، لكن من دون إغفال تشكيك الرجل بما تتبنَّاه المؤسَّسة الرسميَّة من صيغٍ سطحيَّةٍ لمعنى كلٍّ من "الواقعيَّة" والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة. أمَّا فيما يتعلَّق برواية حنان الشيخ، فيمكن وصفها بأنَّها قصةٌّ مُعقَّدةٌ وتتطَّلب عنايةً فائقةٍ بالتفاصيل، عن نساء خليجيَّات؛ مضطهداتٍ ومستغَلَّاتٍ وملوَّعاتٍ وحائرات. وبعيداً عن الرومانسيَّة البسيطة، فإنِّ رواية "مسك الغزال" صريحةٌ على نحوٍ مذهلٍ وصعبةٌ من الناحية التقنيَّة في آن، وتتعاطى مع تجارب على غرار المثليَّة الجنسيَّة والأبويَّة بمقدرةٍ غير متوقَّعة. ولعلَّ مزيداً من النسويَّات الغربيَّات يبدين اهتماماً أكبر بكاتباتٍ على غرار الشيخ، بدلاً من نوال السعداوي المبالغ في انتشارها (وتقديرها).</p>
<p dir="rtl">إنَّ القصد من استدعاء الأعمال الثلاثة آنفة الذكر هي أنَّ مواضيعها المباشرة أقلُّ أهميَّةً من إنجازاتها على مستويي الشكل والتقنيَّة إلى حدٍّ كبير، وهذا مؤشِّرٌ دقيقٌ جدَّاً لمدى التطوُّر المذهل الذي بلغه الأدب العربيٌّ منذ أن كان محفوظ في ذروة عطائه قبل خمسٍ وعشرين سنة. كما أنَّ أفضل الكتَّاب والكاتبات اليوم هم شخصيَّاتٌ معارضةٌ تَعمد في كثيرٍ من الأحيان إلى توظيف براعتها الأدبيَّة كوسيلةٍ غير مباشرةٍ لانتقاد الحياة في مختلف الدول العربيَّة، حيثُ الاستبدادُ والرجعيَّة سمتان شائعتان في الحياة اليوميَّة. لكن ربَّما ينبغي إضافة أنَّ هؤلاء ليسوا وحدهم؛ إذ إنَّ هناك العديد من الآخرين الذين يستلهمون إنجازاتهم ويدعمون استمرارها. أعود هُنا لأكرِّر مرَّةً أخرى حقيقة أنَّه لم يُبدِ أحدٌ في العالم الأدبيِّ الأنجلو-أميركيّ أيَّ اهتمامٍ بهذه المجموعة الغنيَّة من الكتابات. ظهرَت ترجماتٌ ممتازةٌ أخرى: على غرار مجموعة "مدن الملح" العظيمة لعبد الرحمن منيف (ترجمها فيليب ثيروكس لصالح راندوم هاوس)، وهي العمل الجادُّ الوحيد الذي يُسلِّط الضوء على تأثير كلٍّ من النفط والأميركيِّين والأوليغارشيَّة المحليَّة في دولةٍ خليجيَّة؛ و"الزيني بركات" لجمال الغيطاني (تعتبر ترجمتُها، من قِبل فاروق عبد الوهاب لصالح فايكنغ بينغوان، الأفضل مقارنةً بجميع نظيراتها) وهي روايةٌ جيمسيَّة بديعة عن القاهرة في القرن السادس عشر، لكنَّها في الواقع قصَّةٌ رمزيَّةٌ لمرحلة حكم عبد الناصر بما تنطوي عليه من مزيجٍ من الحماس الإصلاحيِّ الصادق والبارانويا والقمع السياسيَّين؛ و"الجبل الصغير" لإلياس خوري (صدرَت بترجمةٍ غنيَّةٍ من مايا ثابت عن منشورات جامعة منيسوتا)، وهي حكايةٌ رمزيَّةٌ ما بعد حداثيَّةٍ عن الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة؛ والرواية العظيمة "المتشائل" لإميل حبيبي (صدرَت بترجمةٍ لا بأس بها لكلٍّ من تريفور لي غاسيك وسلمى الجيوسي عن ثري كونتيننت)، المدهشة بما تنطوي عليه من سخريةٍ وإبداعٍ مُظلِمين.</p>
<p dir="rtl">هناك أعمالٌ أخرى مثل ترجمة حسين حدَّاوي الجديدة والمتميِّزة لـ "ألف ليلة وليلة" لصالح منشورات نورتون؛ ورواية الطيِّب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" الصادرة عن منشورات هاينمان بترجمة أبرز مترجمٍ عن العربيَّة إلى الإنكليزيَّة في عصرنا، وأتحدَّث هنا عن دنيس جونسون ديفز، وقد أعادت منشورات مايكل كسند نشرها في الولايات المتَّحدة؛ وعمل "رجال في الشمس" لغسَّان كنفاني، الذي يروي حكايةً مُتبصِّرةً عن ثلاثة لاجئين فلسطينيِّين يحاولون التسلُّل من العراق إلى الكويت داخل صهريج ماء، وتكون نهايتهم الموت من جرَّاء الاختناق وشدَّة الحرارة عند المعبر الحدوديّ؛ ومجموعة "ضحايا الخريطة" التي تضمَّنت قصائد لكلٍّ من محمود درويش وسميح القاسم (أبرز الشعراء الفلسطينيِّين اليوم) وأدونيس، وصدرَت في طبعةٍ ثنائيَّة اللغة عن بينغوان أعدَّها باقتدارٍ عبد الله الأظهريّ. بإمكاني القول إنَّ رواية الصالح، على سبيل المثال، تمتلك من السمات التي تصلح لمقارنةٍ مفيدةٍ للغاية مع رواية "منعطف النهر" لنيبول؛ وبغضِّ النظر عن مرجعيَّتها المشتركة مع عمل كونراد "قلب الظلام"، تظلُّ رواية الصالح أقلّ تبسيطاً وسخطاً أيديولوجيَّاً بكثير، روايةٌ تنضح قوَّةً وشغفاً ما بعد كولونياليَّين أصيلين.</p>
<p dir="rtl">صدر العديد من المجموعات أيضاً لسلمى الجيوسي عن منشورات جامعة كولومبيا على مدى عدَّة سنوات. ومن حسن الحظِّ أنَّ هذا العدد الكبير نسبيَّاً من الأعمال العربيَّة المترجمة حديثاً يتوافق مع ما لها في العالم العربيِّ من أهميَّةٍ وشهرةٍ على المستوى الأدبيّ. ومع ذلك، فمن المؤسف أيضاً أنَّ الكتَّاب العرب أنفسهم (فضلاً عن ناشريهم، ووزارات الثقافة، والسفارات في العواصم الغربيَّة) لم يتَّخذوا أيَّ خطواتٍ تقريباً بصدد الترويج لكلٍّ من أعمالهم وخطاب الثقافة العربيَّة في الغرب. ومن هذا المنطلق، فإنَّ غياب التدخُّل الثقافيِّ العربيِّ في نقاش الأدب على مستوى العالم مسألةٌ مُحبِطةٌ ومأساويَّة. أكتبُ هذه السطور تزامناً مع الحملة التي تقودها أميركا ضدَّ الغزو العراقيِّ غير المقبول للكويت، الحملة التي تُصعِّد من احتماليَّة حدوث اعتداءاتٍ وأعمال عنفٍ مروِّعةٍ في المستقبل القريب. هل ثمَّة مبالغةٌ في الربط ما بين كلٍّ من هذا الاستقطاب الصارخ على المستويين السياسيِّ والعسكريّ، والهوَّة الثقافيَّة الفاصلة ما بين العرب والغرب؟ إنَّ ما يثير الدهشة هو تلك الرغبة في تجاهل العرب الذين ما زالوا يَشغلون مواقع رئيسيَّةً ضمن الثقافة الغربيَّة واختزال وجودهم، وكذلك الانهزاميَّة غير المقبولة لدى بعض العرب الذين يؤمنون بأنَّه لا حلَّ سوى العودة إلى الدين والعداء العشوائيِّ للغرب في الضفَّة الأخرى. وربَّما يبدو من الطوباويِّ إلى حدٍّ مثيرٍ للشفقة أن يُقدِّم المرء كلّاً من قراءة الأدب المعاصر وترجمتِه باعتبارها أنشطةً من شأنها إصلاح الوضع الراهن أو التخفيف من حدَّته، لكن هل هناك ما يثير الاهتمام حقّاً بشأن الحرب التي نحنُ بصددها الآن؛ تلك التي تدور رحاها ما بين بغداد، العاصمة العبَّاسيَّة السابقة، والغرب بأسره؟</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21322">إدوارد سعيد: أدب محظور (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>خارج المكان: مناورة في أفق التاريخ والفلسفة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21321</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم أبو ظاهر]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 17 Sep 2023 08:56:41 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<category><![CDATA[فضا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%86%d8%a7%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d9%81%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%81/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عشرون عاما على رحيل إدوارد سعيد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21321">خارج المكان: مناورة في أفق التاريخ والفلسفة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">تشير رائدة تفكيك المنهجيات المعرفية الاستعمارية ليندا سميث (Smith, 1999) إلى أن الرواية الاستعمارية القائمة على تهميش التاريخ الأصلاني وإقصاء الآخر أتت في سياق البحث بعيون إمبريالية وأصبحت مقبولة عالمياً كواقع وحقائق، مؤكدة على ضرورة التدقيق في الآليات الغربية لإنتاج المعرفة لما لذلك من أهمية في إنهاء الاستعمار والتحول الاجتماعي. ورغم اختلاف وجهات النظر المتعلقة بنزع الطابع الاستعماري عن المعرفة وتباينها، إلا أنه يمكن القول إن مقاربات منظري حقل دراسات ما بعد الاستعمار، والتي يشكل سعيد وهومي بابا وسبيفاك ثالوثها المقدس كما وصفهم يانج (2003)، أتت كرد فعل على تحيزات الخطاب الاستعماري الذي رسخ في الأذهان أن الغرب هو مصدر المعرفة ومنبعها، واختزل الشعوب والثقافات غير الغربية باعتبارها أنماطاً مضادة للتحديث ومعيقة للتطور، وقدم لها وصفاً يوافق مقولات الثقافة الغربية المتمركزة على ذاتها.</p>
<p dir="rtl">ويرتكز رواد مدرسة التابع ونظرية ما بعد الاستعمار إلى مجموعة من المرتكزات الفكرية والمنهجية والأكاديمية  ويطرحون مجموعة من الإشكاليات الجوهرية كتلك التي تتعرض للغيرية أو الآخرية وعلاقة الأنا بالآخر ومناقشة ثنائية الشرق والغرب والهجنة. كما ينادون بالتعددية الثقافية ويرفضون هيمنة الثقافة الواحدة ويعملون على تحليل وتفكيك المركزية والأيديولوجيا الاصطفائية للخطاب الاستعماري الفوقي، ويدافعون عن الهوية القومية ويدعون إلى إيجاد ثقافات وطنية أصيلة متداخلة ومتلاقحة، وذلك في محاولة لتقديم فهم حقيقي للتجليات المترتبة على التجربة الاستعمارية، أو ما يمكن وصفه بعلاقة الهامش بالمركز، والآثار التي تركتها على مجتمعات ما بعد الاستعمار. وقد ميز إدوارد سعيد في كتابه التأسيسي "الاستشراق" (سعيد، 1995) بين نمطين من المعرفة المتمحورة حول الآخر، حيث يجسد النمط الأول تلك المعرفة الناتجة من الفهم، في حين يعبر الثاني عن المعرفة التي تأتي في سياق حملة شاملة لتأكيد الذات والعداء المتبادل. كما قام بتحليل الخطاب الاستشراقي ودراسة علاقة الشرق بالغرب، مبيناً أن الاستشراق الغربي يمثل حالة من التأكيد على التفوق الأوروبي واتسام الحضارة الغربية بالصفات الرشيدة في حين يعرف الشرق بالصفات الذميمة كالشهوانية والبدائية والاستبدادية. ونادى، على ضوء ذلك، بضرورة تحدي السننية والسلطة، ورفض القناعة القائلة بأن كون المرء ليس غربياً تعني أن يكون بحكم وجوده سيء الحظ والطالع.</p>
<p dir="rtl">لقد شكلت مقاربات مدرسة التابع وحقل دراسات ما بعد الاستعمار نوعاً من السعي المحموم لرصد العلاقة القائمة بين السلطة والثقافة ولإبراز المحتوى التاريخي والثقافي للهيمنة الاستعمارية الغربية، ونقد النزعة الكونية للفكر التنويري الراديكالي الذي يصر على وجوب سيادة مفاهيم محددة في كل المجتمعات الانسانية بصرف النظر عن اختلافاتها الثقافية والجغرافية. ذلك من خلال قراءة وتحليل فكر عصر النهضة الأوربية والمرتكزات المعرفية والثقافية للمشروع التنويري وتفكيك ما أفرزه هذا المشروع من رؤى وتصورات ثقافية حول الشعوب والأعراق الأخرى، والكشف عن الأنظمة اللغوية والخطابية وتتبع الوسائل الثقافية التي انتهجها الاستعمار لتعزيز سيطرته، وما انبثق عن ذلك من تمايزات ثقافية ما تزال حاضرة لدى المجتمعات التي نالت استقلالها. وفي معرض معالجته للأبعاد الثقافية، انتقد سعيد (1995) العالم الثالث بتناوله لكل نتاج غربي دون أدنى تمحيص في حقيقته، ودراسة الإنجليزية كلغة مجردة وخالية من التاريخ والأدب، مؤكداً أن الثقافة الغربية تكتسب القوة ووضوح الهوية بوضع نفسها في موضع التضاد مع الشرق، حيث اعتبر أن الاستشراق يجسد شكلاً من أشكال الهيمنة والتسلط الغربي ومحاولة لإخضاع الشرق سياسياً وعسكرياً وثقافياً، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن نزع السرية والغيبية عن التركيبات الثقافية قد بات حقيقة جديدة وقائمة، فلم يعد هناك إمكانية للحديث عن التاريخ دون الحديث عن ما وراء كتاباته من تصوير ومجاز.</p>
<p dir="rtl">رحلة سعيد التي تعالج العلاقة المضطربة والمتوترة بين العالمين الغربي والعربي وترصد مساعي إثبات فرضية تفوق الغرب وقصور الشرق الذاتي والمقارن، والتي شهدنا ظهور إرهصاتها بصدور "الاستشراق" عام 1978، استمرت في ما يمكن القول إنه امتداد طبيعي تكلل بصدور قطعته الفريدة "الثقافة والإمبريالية"، الكتاب الذي أشار إليه سعيد نفسه باعتباره بمنزلة الجزء الثاني من "الاستشراق"، حيث يوضح في هذا الجزء كيف أن أركان الإمبريالية اهتزت وتم العمل على تقويضها بنفس الأداة التي دعمت استقرارها؛ الثقافة. ويشير سعيد (1997) إلى أن العديد من الأمم في الدول التي كانت واقعة تحت الاستعمار ما تزال خاضعة لقدر من السيطرة والتبعية يعادل ما خضعت له حين كانت القوى الأوروبية تحكمها حكما مباشر، ورغم أن الاستعمار المباشر يكاد يكون انتهى في زمننا الحالي، إلا أن الإمبريالية مستمرة في مناخ ثقافي عام. كما ينتقد سعيد قيام عدد من المفكرين بمعالجة الإمبريالية من منظور المسائل السياسية والاقتصادية دون إيلاء قدر كافٍ من الاهتمام بالثقافة، محاولاً تفحص الكيفية التي تجاوزت بها العملية الإمبريالية مستوى القوانين الاقتصادية والقرارات السياسية البحتة لتتجلى على مستوى الثقافة القومية، حيث يوضح مفكر حقل ما بعد الاستعمار أن دراسة العلاقة بين الغرب وآخريه المُخضَعين ثقافياً يمكنها أن تقدم لنا فهما لتفاعلات العلاقة غير المتكافئة بين الطرفين، مؤكداً على أنه لا يمكن استيعاب التجربة التاريخية من خلال القوائم والجداول والفهارس أو من خلال الاقتصاد والسياسة فقط، بل أيضا من خلال الثقافة.</p>
<p dir="rtl">وفي حين يرى يانج (2003) أن المركزية الأوروبية لا تعدو كونها مجرد أسطورة، وأن تحليل الخطاب الاستعماري يشكل نقطة هامة لمساءلة فروع المعرفة الغربية وادعاءاتها، فإن مقاربات مفكري مدرسة ما بعد الاستعمار تهدف إلى تعزيز دور الهويات الثقافية الأصلانية بوصفها السلاح الأهم في مواجهة زحف القيم والمعتقدات التي يعمد المستعمِر إلى تكريسها في الوسط المستعمَر. وتنجلى مظاهر الكتابة ما بعد الاستعمارية، كما يراها إيغلنتون (2000)، بوصفها وسيلة للكشف عن القهر الذي يقوم عليه فعل الاستعمار ورفض هيمنة الطرف المسيطر، والعمل على إبراز مقومات التراث الثقافي ما قبل الاستعماري لتحديد مسار المواجهة مع المستعمِر الذي يتخذ من سلاح الحضارة حجة ووسيلة لتبرير مسعاه المزعوم لحضرنة المجتمعات وتحديثها انسجاماً مع رؤاه ومعتقداته. كما تقوم قراءة ما بعد الاستعمار وفقاً لرؤية ميتشل (2006) على المواجهة التي ما انفكت تحضر بين البنى التقليدية التي تقوم عليها الثقافة الأصلانية والحداثة التي جاء بها المستعمِر، وتبرز حالة المواجهة في أقصاها ضمن إطار السعي إلى الخلاص من مخلفات الاستعمار وتوكيد الخصوصية واستدراك وتنقيح ما هو قائم، على صعيد الأنماط والعلاقات والرؤى والمفاهيم، بحكم ما خلفته عواقب الحضور الاستعماري والسيطرة المباشرة من قبل المستعمِر. </p>
<p dir="rtl">لقد شكل الاستشراق القناة الرئيسية التي تم من خلالها ترويج وتعزيز التصورات الغربية المحيطة بالشرق، كما ساهم في تكريس وترسيخ هيمنة الثقافة الغربية وإكسابها مزيداً من السطوة والهيمنة، فقد استجاب الاستشراق كموضوع بحثي لرؤية الثقافة التي أنتجته أكثر من استجابته لزعم دراسة الشرق. وقد ذهب إيغلنتون (2000) إلى اعتبار أنه لا يمكن حصر الثقافة الاستعمارية ضمن نطاق القوى المستعمِرة فقط، ذلك أن كثيراً من الأتباع والمنتفعين من أبناء المجتمعات الخاضعة يميلون إلى ربط مصائرهم ومصالحهم بهذه الثقافة ويدافعون عنها. بل إن البعض قد وجه أصابع النقد إلى محاولة عدد من المفكرين وسعيهم لدحض هيمنة المركزية الأوروبية واتهامهم أنهم أعادوا إنتاج المقولات نفسها وظلوا عالقين وملتصقين بالسرديات الغربية ومعالجات وأدوات مرحلة ما بعد الحداثة المنبثقة من رحم الفكر الغربي، معتبرين أن هذه المساعي لا تعدو كونها "إنتلجنسيا" الكمبرادور ووسيطاً لتجارة السلع الثقافية للرأسمالية العالمية في الدول الطرفية ولا تتيح فهم عالمنا وتغيراته (لومبا، 2007). وينتقد الفيلسوف الهندي ساركار (Sarkar, 2000) دراسات التابع في مراحلها المختلفة، مشيراً إلى أنها تقع ضمن إطار الهيمنة الغربية وليست بعيدة عنه، كما أنها تعيد إنتاج وتكرار نفسها، وليس لديها جديد. وقد ذهب ميتشيل (2006) إلى أن المؤرخين القوميين ورغم انتقادهم للمعالجات الاستشراقية للتاريخ الهندي، لكنهم لم يتمكنوا من التحرر من نموذج التاريخ الغربي. </p>
<p dir="rtl">ومن اللافت أن أستاذ الأدب المقارن الذي ولد ونشأ وترعرع في مستعمرتين بريطانيتين –فلسطين ومصر- قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي حصل على جنسيتها في وقت لاحق حتى صار يصنف باعتباره مفكراً فلسطينياً-أمريكياً، كان متيقظاً دوماً إلى حقيقة أن الاستشراق يجسد مبالغة في الاختلاف والانتماء إلى فرضية تفوق الغرب ومصدراً للتصوير الثقافي غير الدقيق للشرق المتخيل، إضافة إلى سيطرته واستحواذه على الحقل المعرفي المتعلق بالشرق حتى صار له أو لكتابه سلطة ومرجعية ملزمة تفرض سطوتها على كل من يفكر في الكتابة عن الشرق دون مساءلة. ويمكن إرجاع ذلك إلى أن كتاب التاريخ الكلاسيكيين كانوا عموماً ناقلين للأحداث وتحولاتها ضمن الأطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يغلب عليها أن تنقل تاريخ القوي والمنتصر دون اعتناء بالمشهد الثقافي أو تحليل للفعل اليومي ولممارسات وحيوات الناس الأصلانيين وذاكرتهم الجمعية والفردية التي يكرسها الفعل الحاضر في أدوات الثقافة المختلفة كالأدب والفن والإعلام والتراث. الأمر الذي قد يحيل إلى تعريف ابن خلدون المركزي للتاريخ بوصفه "من الفنون .. وهو في ظاهره لا يزيد عن أخبار .. من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل .. وعلم بكيفيات الوقائع" (ابن خلدون، 2014)، فهو ليس سرداً مبهماً ولا تسجيلاً مجرداً للأحداث والوقائع.</p>
<p dir="rtl">ويبدو أن سعيد لم يؤمن يوماً بمقولة إن "الناس على دين ملوكهم"، ولم يكن أسيراً لقانون ابن خلدون (2014) وسنته الدائمة التي تعتبر أن "المغلوب مولعٌ أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، فقدم مقاربة ثقافوية تفكيكية مستنيرة ورؤية نقدية رائدة تشاكس واقع الصراع الأزلي بين الشرق والغرب، مفسراً من جهة كيف أن الأمم الغالبة استندت إلى ادعاء يروج لحقها في احتلال الأمم المغلوبة وقهرها وإذلالها واستعملت ثقافة المركز الغربي الإمبريالية لتبرير طغيانها ولتمرير مخططاتها، ومؤكداً من جهة أخرى أن أداة الثقافة نفسها هي التي زرعت الوعي وأيقظت الحس الرافض للاستعمار ودعوات المطالبة بالاستقلال لدى الأمم المغلوبة. لقد عاش سعيد الاستشراق وعايشه وشهد سيطرة ثقافة المتروبول على حياة الشرقيين، بل ربما كان هو نفسه جزءاً من النموذج الشرقي الذي يتم فحصه واختباره في المختبر الثقافي الغربي، لكنه كان خلال ذلك كله واعياً ومدركاً لحالة المنفى ووجوده خارج مكانه الطبيعي أو الاعتيادي فانطلق في رحلة زمكانية رأسية نحو الوطن والذاكرة، أو إن شئت قل من المركز إلى الهامش، رحلة رمزية "خارج المكان" لاستعادة الأجزاء الضائعة واكتشاف الذات والبحث عن مكنونات ومضامين طفولته بين أزقة وشوارع القدس، حيث أبصر النور أول مرة، ليقدم لنا سجلاً لعالم مفقود أو منسي، على حد تعبيره (سعيد، 2000)، وليثبت حضور الصدق في مقولته إن "الأرض كلها فندق وبيتي القدس." </p>
<p dir="rtl">
<strong><span style="color:#ff0066">إحالات</span></strong></p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (2014). مقدمة ابن خلدون. القاهرة: دار نهضة مصر. </span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">إيغلنتون، تيري (2000). أوهام ما بعد الحداثة. ترجمة ثائر ديب. دمشق: دار الحوار.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">سعيد، إدوارد (1995). الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربي. الطبعة الرابعة.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">سعيد، إدوارد (1997). الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب. الطبعة الأولى.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">سعيد، إدوارد (2000). خارج المكان: مذكرات. ترجمة فواز طرابلسي. بيروت: دار الآداب. الطبعة الأولى.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لومبا، آنيا (2007). في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبية. ترجمة محمد عبد الغني غنوم. اللاذقية: دار الحور للنشر.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ميتشيل، تيموثي (2006). دراستان حول التراث والحداثة. ترجمة: بشير السباعي. القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">يانج، روبرت (2003). أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب. ترجمة أحمد محمود. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#4e5f70">Sarkar, S. (2000). The Decline of the Subaltern in Subaltern Studies. In V. Chaturvedi, Mapping Subaltern Studies and the Postcolonial (pp. 300-323). London: Verso.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#4e5f70">Smith, L. T. (1999). Decolonizing Methodology: Research and Indigenous Peoples. London: Zed Books.</span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21321">خارج المكان: مناورة في أفق التاريخ والفلسفة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>نحو استعادة جغرافية لإدوارد سعيد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21320</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 17 Sep 2023 08:49:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%86%d8%ad%d9%88-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%ac%d8%ba%d8%b1%d8%a7%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%a5%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عشرون عاما على رحيل إدوارد سعيد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21320">نحو استعادة جغرافية لإدوارد سعيد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">مدخل</span></strong></p>
<p dir="rtl">في النظرية الاجتماعية الغربية الحديثة يمكننا أن نرى سطوة المعالجات النقدية للجغرافيا، وخاصة في ما يتعلق بالدراسات المكانية، من حيث فرادة تلك المعالجات ومخرجاتها وحداثتها ونقديتها؛ فمع انحسار المنهجيات الوضعية، وبزوغ المَيل الراديكالي والإنسانوي في سبعينيات القرن الماضي، من حيث مفهوم الدراسات الاجتماعية وبنيتها، اكتسبت الدراسات المكانية والجغرافية زخمًا مختلفًا وتحوّلًا نحو ما بعد الحداثة، وذلك بالتركيز المتزايد على الأطراف والهوامش والآخر، كذلك طرائق رؤية مغايرة، فأنتجت منظّرين جغرافيين وحضريين، يصاحبهم النقاد الأدبيون والمنظرون الثقافيون، منطلقين من مقاربات العلوم الإنسانية والاجتماعية في فهم العلوم والفنون، ومنها الجغرافيا والتاريخ.</p>
<p dir="rtl">دفع هذا التحوّل باتجاه النظر إلى المكان والمجتمع باعتبارهما ظاهرتين لا يمكن الفصل بينهما، إذ ما عاد يُنظر إلى المكان باعتباره  عرضيًا أو سياقيًا فحسب، بل باعتباره الإطار الذي تتشابك فيه تلك الظواهر وتتعاضد، على تنوّعها واختلافها، وفي أساسها الظواهر الاجتماعية والمجتمعية، فتشكله وتتشكل به. هنا بدأت حساسيتنا الجغرافية في التحوّل؛ ففي الوقت الذي كانت فيه الجغرافيا تتعلق بالمكان والفضاء باعتبارهما يتبعان الظواهر، أصبحا ظاهرتين في حدّ ذاتهما، بل أبعد منذ ذلك في بعض الأحيان، إذ أمسيا منهجية بحثية. هنا يمكننا أن نقترح أن التفكير في المكان و/أو الفضاء، وبتأثر من مساهمات نقدية لجغرافيين ودارسي المكان والفضاء، ومنهم إدوارد سوجا -أو سويا-  (1989) ونيل سميث (1990) وديريك غريغوري (1994)، وهنري لوفيفر (1994)، وغيرهم، إنما مرّ من خلال مسارين أساسيين:</p>
<p dir="rtl">الأول من خلال تجديد المفاهيم القديمة والتقليدية للفضاء والجغرافيا بما هي تكوينات أو شبكات أو أطر خاملة/ساكنة، تحتوي العلاقات الاجتماعية وشبكاتها، والنظر إليها باعتبارها كيانات فاعلة وديناميكية، متحركة ومتغيرة، تؤثر في العلاقات الاجتماعية وتتأثر بها. ونتيجة للمسار الأول، يأتي الثاني الذي أدى إلى توسّع مجال الدراسات الجغرافية لتشمل ليس الأمكنة المرتبطة بالأنماط والعمليات المادية، باعتبارها بذلك تصبح موضوعية، فحسب، وإنما أُعطيت الأمكنة قدراتها المجازية والفكرية والأدائية.</p>
<p dir="rtl">تأتي مساهمات إدوارد سعيد وتنظيراته في طليعة الوعي النقدي بالأمكنة والجغرافيا في العلاقة بالفكر والنقد الأدبي، وحتى التنظير السياسي المعتمد بالأساس على مقاربات ما سيعُرف لاحقًا بالجغرافيا النقدية؛ إذ حمل مشروعه النقدي طويل الأمد معوّلات على إعادة تشكيل حساسياتنا المكانية، ليس من الناحية الجغرافية النقدية التقليدية فحسب، وإنما في مستوى فتْح إمكانيات تلك الممارسات على ممكناتها العابرة والمتداخلة الحقول والتخصصات، بما يدفع الجغرافيا التقليدية في هذا الموقع من العالم، وفي السياق الاستعماري الكولونيالي، إلى إمكانات مغايرة، والأهم كونها عابرة للحدود.</p>
<p dir="rtl">بدأ الأمر مع كتابه الرائد "الاستشراق"، وصولًا إلى كتابه "الثقافة والإمبريالية"، حين حاول سعيد تحقيق هدفين متعاضدين: الأول محاولته الربط بين الأشياء والأشخاص والظواهر، ووضعها جنبًا إلى جنب ضمن علاقات نقدية قابلة للمقارنة والتفكيك، وبالتالي بناء شبكات مغايرة من العلاقات والقوى، ما يمكّننا أن نعزو إلى مساهمات سعيد أنها أدخلت مقولات نقدية، على شاكلة المركز والأطراف، في مجال النقد الفكري والاجتماعي الفلسطيني، من أجل فهم البنية الكولونيالية والإمبريالية وسياقهما. أما الهدف الثاني، فهو تأسيسه للمارسات المنفكّة عن الكولونيالية Decolonial والمضادة للكولونيالية Anti-Colonial على صعيد المعارف (Epistemology) والفاعلية (Agency) وموقعية استقبال المعارف، أو حساسية المعرفة (Sensibility)، وبالتالي تفكيك البنية الهيراركية التي فصلت الحالة الكولونيالية عن الممارسات المعرفية المختلفة، واختزالها في الاقتصاد، لتبدأ أدبيات أخرى، مثل الاقتصاد الاجتماعي والسياسي والثقافي والفكري.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">"الجغرافيا المتخيلة"</span></strong></p>
<p dir="rtl">شجّع منعطف ما بعد الحداثة The Post Modern Turn وما صاحبه من إعادة تصوّر للفضاء في النظرية الاجتماعية العديد من الباحثين، وعلى وجه الخصوص المنظرون الثقافيون، على الحفر في مفهوم المكان والفضاء وتداعياتهما المجازية والاستعارية والرمزية. وقد كان للـ "تخيلات الجغرافية" دور أساسي ومركزي في تأسيس العلاقة التبادلية والتأثيرية بين الفضاء والمجتمع، وإدوارد سعيد كان أحد المساهمين المركزيين في هذا التوجّه - تنبّه إليه فوكو في آخر أيامه - الذي يهدف إلى إعادة تشكيل الحساسيات والخبرات المكانية، ليس من الناحية "الجغرافية" التقليدية فحسب، ولكن أيضًا بالمعنى المعرفي الأوسع والأكثر تشابكًا بين الحقول والتخصصات. يدعونا سعيد، الملتزم بتجاوز الحدود الثنائية القائمة للحداثة، إلى تخيّل طوبوغرافيات وإيكولوجيات جديدة، تصبح فيها الوحدات التي تعتبر حتى الآن منفصلة - الثقافات والمهن والتجارب والخبرات -، هجينةً ومتداخلةً بشكل لا مفر منه، والأهم أنها قادرة على توليد توليفات مختلفة ومركبة للأماكن والجغرافيات، أو ما أسماه سعيد عنوانًا للفصل الأول من كتابه "الثقافة والإمبريالية": "تواريخ متشابكة وأحياز متداخلة". </p>
<p dir="rtl">تجدر الإشارة إلى أن التاريخ بالنسبة إلى سعيد ليس "محتومًا"، كما تفترض الأرشيفات وحمّى الأرشفة الحالية، إذ إنه متأثرٌ بالأفكار، وليس بالاقتصاد السياسي وحده، كما يؤكد الماركسيون (هنري لوفيفر نموذجًا). وهو يعتقد أن جميع الأحداث والأفكار تاريخية وموضوعة في سياقها في الزمان والمكان، والأفكار العالمية هي جزء من الاستبعاد المهيمن الذي كانت فيه الجغرافيا الخيالية عاملًا رئيسًا. وهذا ما يفسر اعتباره لحيوية اللغة بناءً اجتماعيًا دراميًا نشطًا، يؤدي دورًا ماديًا في خلق التاريخ الاجتماعي للعالم. في هذا الصدد ، تُعتبر الثقافة والإمبريالية مهمة لنطاقها العالمي ومراجعها العلمية التي تمنح القارئ تاريخًا مدروسًا جيدًا، معاد إنشاؤه بشكل خيالي للقرنين الأخيرين من الإمبريالية الأوروبية، يمتد من الرومانسية إلى سيناريو ما بعد الاستعمار / ما بعد الحداثة المعاصر، مع الفترة الفاصلة للنضالات القومية للحداثة.</p>
<p dir="rtl">يطرح إدوارد سعيد مفهوم "الجغرافيا المتخيلة"، في كتابه الرائد "الاستشراق"، ومن ثم يعيد التأسيس للمفهوم في كتابه "الثقافة والإمبريالية". وما تحاول هذه المداخلة طرحه هو الربط بين أطروحات سعيد والمقاربات الجغرافية النقدية في الدراسات المكانية. ففي كتابه "الثقافة والإمبريالية"، يشير سعيد إلى أنه ما من أحد منّا تُكتب له النجاة من الصراع على الجغرافيا والأرض والفضاء والمكان، حيث عمل سعيد على ربط المتخيّل بالسياسي والسردي، لفهم إمكانية التأسيس لمخيال خاص عن الأمكنة والخوض فيه. بالنظر إلى الخرائط الاستعمارية والإمبريالية وأدوارها الكولونيالية، في ما يتعلق بإنتاج المكان والجسد والحيّز، يمكننا فهم كيفية تداخل تخيّل الأمكنة مع ماديتها وحيّزيّتها؛ إذ عمِل الخطاب الاستشراقي والاستعماري على تقديم هذه الخريطة مؤسسيًا، وجعلها تمرَّر بفعل ديناميات الحداثة، لإتمام عملية غرسها وقوننتها وتحويلها إلى مدرك مادي ورمزي معًا. </p>
<p dir="rtl">"لقد كان الشعور بالوجود بين الثقافات قويًا للغاية بالنسبة إلي. أود أن أقول إنه كان أقوى خيط ناظم يمر عبر حياتي: حقيقة أنني على الدوام داخل وخارج الأشياء في الوقت نفسه، ولست أبدًا منفصلًا عن الأشياء طيلة الوقت"1. يحتفي مفهوم سعيد للجغرافيا المتخيلة بمقبولية ما بعد الحداثة، بمعنى أنه يرفض فكرة وجود مساحة مغلقة، موضوعية ومفهومة ضمنًا. يقول سعيد: "لقد وضعت في اعتباري فكرة أن الأرض هي في الواقع عالمنا الذي لا توجد فيه مساحات فارغة وغير مأهولة تقريبًا. لا أحد منا خارج الجغرافيا أو متجاوز لها، لا أحد منا حر بشكل كامل من الصراع على الجغرافيا. هذا الصراع معقد ومحفز للانتباه لأنه لا يتعلق بالجنود والمدافع فحسب، ولكن أيضًا بالأفكار والأشكال والصور والتخيلات"2. </p>
<p dir="rtl">ومع وجود إمكانيات لا حصر لها للمعنى المقصود هنا، يكاد يكون من المؤكد أن الواقع يبدأ في الانهيار، بمنطقه الحداثي المعلقن والمادي المقاس. ومع ذلك، فإن القول بأن وجهات نظر ما بعد الحداثة للتاريخ عدمية، هو تفويت للحجة الرئيسة: لم ينكر أحد أبدًا أن التاريخ يمكن كتابته. لا تتجاهل ما بعد الحداثة الحجج المنطقية والتحقق والبحث الأرشيفي، ولكنها كذلك لا تؤكد أن جميع التفسيرات صحيحة؛ إذ لا يوجد أبدًا معنى واحد فحسب. يشكك أنصار ما بعد الحداثة في فعالية الحقيقة، لأنهم يعتقدون أن الواقع ليس إلا تلفيقًا تاريخيًا وثقافيًا، لكنهم لا يرون أن التاريخ هو مجرد خيال إبداعي، كما يفترض عادة، أو أن كل منظور للماضي صحيح مثل الآخر، وهذا "نوع من البحث والاستقصاء الجغرافي في التجربة التاريخية"3.</p>
<p dir="rtl">إن "الحقيقة" و "التمثيل" هما شاغلا ما بعد الحداثة الأساسيان اللذان ظهرا في أعمال سعيد النقدية والنظرية، فيظهر باستمرار تنصله من التمثيل الاستشراقي (الخاطئ) والمفهوم (الخاطئ) للشعوب والمناطق والثقافات الأخرى. وعليه، فقد خُلق تمييز مكاني وثقافي متخيّل من خلال خطاب استشراقي اختزل الجغرافيا البشرية في مساحة من عدم المساواة والاختلاف، بدلًا من مساحة من التهجين والشراكة المتشابكة والمتقاطعة. يقول سعيد في الاستشراق في هذا الصدد:</p>
<p dir="rtl">"هذه الممارسة العالمية المتمثلة في تعيين مساحة مألوفة في ذهن المرء "لنا"، ومساحة غير مألوفة تتجاوز "لنا" هي تلك التي "ملكهم"، هي طريقة للتمييز الجغرافي الذي يمكن أن يكون تعسفيًا تمامًا. أستخدم كلمة "تعسفي" هنا لأن الجغرافيا المتخيلة لتنوع وغنى ثنائية "أرضنا - الأرض البربرية"، لا تتطلب أن يعترف البرابرة بالتمييز. يكفي أن نضع "نحن" هذه الحدود في أذهاننا. "هم" يصبحون "هم" وفقًا لذلك، ويُصنّف كل من أرضهم وعقليتهم على أنها مختلفة عن "منطقتنا". ترافق الحدود الجغرافية الحدود الاجتماعية والعرقية والثقافية بطرق متوقعة. ومع ذلك، غالبًا ما يعتمد الشعور الذي يشعر به شخص ما بأنه ليس أجنبيًا على فكرة غير محددة بشكل محسوم ومعرّف عما هو "موجود" خارج أراضي المرء. يبدو أن جميع أنواع الافتراضات والروايات تزاحم المساحة غير المألوفة خارج مساحة المرء"4.</p>
<p dir="rtl">بالإضافة إلى ذلك، ثمة نظرية (ما) للعلاقة بين الذاتية القومية والمناطق الجغرافية المتخيلة بطريقة تجعل من الجغرافيا أدوات ومناهج تفكير، تنتج المساحات القومية بما هي نصوص جغرافية، في سياقات قومية متباينة. في الواقع، اجتذب مفهوم سعيد عددًا من منظري ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة، ممن يدرسون العلاقة بين السلطة والفضاء والمكان والجغرافيا، في خلق الهوية القومية أو عبر القومية، من خلال التركيز بشكل خاص على البعد (عبر الوطني Transnational) للجغرافيا المتخيلة، وجعله أشبه ما يكون ببؤرة متغيرة في إنتاج المعاني. يصبح هذا أكثر وضوحًا عندما نتفكر في التالي: أولًا فكرة سعيد عن إنتاج المسافة من خلال مناطق جغرافية متخيلة، ولننظر حتى لإدراكنا المتباين لفلسطين المتخيلة في جغرافيا متعددة ومتراكبة في مصطلح "البلاد"، أو بين منطقتين سلطويتين: غزة والضفة الغربية. كيف تدخل المسافة والاختلاف والتماثل في إنتاج المكان، أو كيف يصبح فضاء معيّن مرتبطًا بمفاهيم الانتماء أو عدمه. وعلى مستوى ثانٍ، يمكن النظر إليها من خلال العلاقة بين أفكار الفضاء وإنتاج الهويات، وثالثٍ بتتبع ذلك من خلال موضعة فكرة رؤية/ التحديق الجغرافي باعتباره أداءً (Performance) تبادليًا، بمنزلة شيء "يفعله" الأشخاص في الحياة اليومية. وعلينا هنا أن نفهم ونستوعب كيف أن الفضاء والذاتية يشكّلان بعضهما البعض.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الممارسة النقدية بما هي وعي جغرافي ومكاني وحيّزي</span></strong></p>
<p dir="rtl">في مقالته "النظريات المسافرة"، حيث يطرح إدوارد سعيد نقده الدقيق للنظرية الأدبية، يشير بإصبع التوجس والقلق إلى أن النظرية يمكن أن تأخذ دورًا دينيًا إلى حد ما، لتصبح "فخًا أيديولوجيًا"، "يعلق به كل من مستخدميها والغاية من استخدام النظرية"، ما يعني أن "النقد لن يكون ممكنًا بعد الآن"5. يجادل سعيد بأنه بدلًا من النظرية، يجب أن نسعى جاهدين لما يسميه "الوعي النقدي" الذي يفهمه بطريقة مكانية محددة ومعرّفة. يقول سعيد:</p>
<p dir="rtl">"لا توجد قراءة محايدة أو بريئة على الإطلاق، وعلى المنوال نفسه، فإن كل نص، وكل قارئ، هو إلى حد ما نتاج وجهة نظر نظرية (ما)، مهما كانت وجهة النظر هذه ضمنية أو غير واعية. ومع ذلك، فأنا أجادل بأننا نميّز النظرية عن الوعي النقدي بالقول إن الأخير هو نوع من الحس، الإدراك المكاني، وهو نوع من القدرة على قياس موقع النظرية ووضعها، وهذا يعني أنه يجب  فهم النظرية في المكان والزمان الذي تظهر فيه بما هي جزء من زمانها، العمل فيه، ومن أجله ، والاستجابة له؛ ثم، نتيجة لذلك، يمكن قياس هذا المركز الأول لبزوغ النظرية مقابل الأماكن اللاحقة التي ترتحل إليها النظرية، حيث تظهر النظرية للاستخدام. الوعي النقدي هو الوعي بالاختلافات بين المواقف والأماكن، وهو أيضًا الوعي بحقيقة أنه لا يوجد نظام أو نظرية تستنفد الموقف والمكان الذي ينطلق منه أو ينتقل إليه. وقبل كل شيء، الوعي النقدي هو الوعي بمقاومات النظرية، وردات الفعل تجاهها، التي تثيرها تلك التجارب أو التفسيرات الملموسة المتعارضة معها"6.</p>
<p dir="rtl">في التمييز بين الوعي النقدي والنظرية، يجادل سعيد بنهج يعتمد توجهًا مكانيًا بشكلٍ أكبر، نهج يولي اهتمامًا خاصًا للوضع أو موقع أو مواقع الصراع، وبالتالي للعلاقات المكانية بين المواقف والأماكن والظروف المختلفة. وعليه، فإن نقد سعيد لنظرية نقدية محددة الهوية، ينطوي على منعطف مكاني (Spatial Turn).</p>
<p dir="rtl">أصبحت مفاهيم الفضاء والمكان ورسم الخرائط والممارسات المتعلقة بها عناصر أساسية للدراسات الأدبية والثقافية على مدى العقود القليلة الماضية. ما يسمى بالمنعطف المكاني في النظرية النقدية الحديثة، سلّط الضوء على أهمية المكانية في الأدب المقارن والعالمي، من بين مجالات أخرى، فخضعت العلاقات بين المعرفة الجغرافية والإنتاج الثقافي لمزيد من التدقيق من الباحثين في مختلف المجالات التخصصية. أدخلت مقاربات النقد الجغرافي والجغرافيا النقدية والتصوير الأدبي، والعلوم الإنسانية المكانية بشكل عام، مناهج وتفسيرات جديدة للأدب، مع الاستفادة من التدخلات الموجهة مكانيًا للباحثين الذين لا يرتبطون بالضرورة بهذه الخطابات الناشئة.</p>
<p dir="rtl">سعيد هو قوة كبيرة في تطوير نوع من الدراسات الثقافية أو الأدبية المكانية. على سبيل المثال، كان قادرًا على ربط التمثيل السردي في رواية القرن التاسع عشر بالألغاز الأكثر تعقيدًا في السياسة المعاصرة، وتوسيع مشروع مثل مشروع الناقد الإنجليزي رايموند ويليامز "الريف والمدينة" (The Country and the City) إلى نهج متعدد الثيمات للأدب. في أعمال مثل "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية"، يُجري سعيد ما يشير إليه على أنه "تحقيق جغرافي في التجربة التاريخية".7.</p>
<p dir="rtl">ولكن حتى نصوصه الجغرافية أو السياسية الأقل صراحة، مثل كتابه الفذ والأهم "البدايات"، كذلك "عن الأسلوب المتأخر"، تثير أسئلة قيّمة تتعلق بالعلاقة بين الفضاء والجغرافيا والثقافة. في مثل هذه الكتابات، يوضّح سعيد باستمرار الحاجة البشرية (أو كما يضيف نيتشه: "البشرية للغاية") إلى نوع من رسم الخرائط التصورية، ولا سيما في شكل إنتاج جمالي، للمساحات الاجتماعية والتاريخية والثقافية التي نعيش فيها ونكافح من أجلها. من كتاباته الأولى عن جوزيف كونراد والنظرية الأدبية، إلى دراساته الضخمة للاستشراق والنقد ما بعد الاستعماري، اهتم سعيد دائمًا بالسجلات المكانية والجغرافية للفن الأدبي والتاريخ والتمثيل.<br />
ولعل هذا ما نفتقده في ممارساتنا اليومية الفكرية، والأهم مساحات النضال والإنتاج المعرفي الحالية.</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الإحالات:</span></strong></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">1. مقابلة إدوارد سعيد مع إمير سالوزنسكي في العام 1987.</span></p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">2. Edward W. Said, Culture and Imperialism, Vintage, 1993, p7. الاقتباس من ترجمة المؤلف</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">3. Edward W. Said, Culture and Imperialism, Vintage, 1993, p7.الاقتباس من ترجمة المؤلف</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70"> 4. Edward W. Said, Orientalism, Vintage, 1979, p54. الاقتباس من ترجمة المؤلف</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">5. Edward W. Said, The World, the Text, and the Critic. Harvard UP, 1983, p241. الاقتباس من ترجمة المؤلف</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">6. Edward W. Said, The World, the Text, and the Critic. Harvard UP, 1983, p241 ,242 الاقتباس من ترجمة المؤلف</span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21320">نحو استعادة جغرافية لإدوارد سعيد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الصباح التالي (نقد إدوارد سعيد الباكر لاتفاقية أوسلو - ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20601</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أمل نصر]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 08 Aug 2021 18:05:45 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[إدوارد سعيد]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d9%86%d9%82%d8%af-%d8%a5%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%83%d8%b1-%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p> نُشرت في 21 أكتوبر 1993، في London Review of Books. أصبح من الممكن البحث في اتفاق منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل ببصيرة أكثر شمولاً الآن بعد أن تبددت بعض النشوة. ما ينبثق عن هذا التدقيق والبحث هو صفقة يتخللها صدع كبير، وبالنسبة لمعظم الشعب الفلسطيني فهو اتفاق لا ترتكز موازينه على الكثير من التطلعات منذ البداية. [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20601">الصباح التالي (نقد إدوارد سعيد الباكر لاتفاقية أوسلو - ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color: #7f8c8d;"> نُشرت في 21 أكتوبر 1993، في</span> <a href="https://www.lrb.co.uk/the-paper/v15/n20/edward-said/the-morning-after" target="_blank" rel="noopener">London Review of Books</a><span style="color: #7f8c8d;">.</span></p>
<p dir="rtl">
<p><span style="font-weight: 400;">أصبح من الممكن البحث في اتفاق منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل ببصيرة أكثر شمولاً الآن بعد أن تبددت بعض النشوة. ما ينبثق عن هذا التدقيق والبحث هو صفقة يتخللها صدع كبير، وبالنسبة لمعظم الشعب الفلسطيني فهو اتفاق لا ترتكز موازينه على الكثير من التطلعات منذ البداية. وقد كانت رداءة استعراض البيت الأبيض وأزيائه، ومشهد ياسر عرفات المهين وهو يقدم امتنانه للجميع على تعليق معظم حقوق شعبه، بالإضافة إلى سخف أداء بيل كلينتون في ادعائه بعض الوقار، مثل إمبراطور روماني من القرن العشرين يلقي وصاياه على ملكين تابعين في طقوس للمصالحة والإذعان: كان ذلك كله يحجب ولو بشكل مؤقت الأبعاد الهائلة لحقيقة الاستسلام الفلسطيني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لذلك دعونا أولاً نسمي الاتفاقية باسمها الحقيقي: أداة استسلام فلسطيني، فرساي (معاهدة) فلسطينية. ما يجعل الأمر أكثر سوءًا هو عدم قدرة منظمة التحرير الفلسطينية على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية من التفاوض على تحقيق ظروف أفضل من هذه الخطة المعدلة التي تسمى "مشروع آلون"، وهي خطة لم تكن لتتطلب الكثير من التنازلات أحادية الجانب لإسرائيل. ولأسباب تدركها جيدًا القيادة الفلسطينية فإنها رفضت الكثير من المبادرات السابقة. لنأخذ على سبيل المثال، مبادرة أسردها عن تجربة شخصية: في أواخر السبعينيات، طلب مني وزير الخارجية الأمريكي سايرس فانس إقناع عرفات بقبول القرار 242 مع تحفظ (تقبله الولايات المتحدة) تضيفه منظمة التحرير الفلسطينية، تؤكد فيه على الحقوق القومية للشعب الفلسطيني وكذلك حق تقرير المصير للفلسطينيين. وقال فانس إن الولايات المتحدة ستعترف على الفور بمنظمة التحرير وستبدأ بالمفاوضات بينها وبين إسرائيل. عرفات رفض العرض بشكل قاطع كما رفض بعدها عروضًا مماثلة. ثم اندلعت حرب الخليج، وبسبب المواقف الكارثية التي اتخذتها منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، أسهم ذلك في المزيد من تراجع مصداقيتها. كما تم تبديد مكاسب الانتفاضة، واليوم يقول المدافعون عن الوثيقة الجديدة: "لم يكن لدينا بديل". لكن أعتقد أن الطريقة الصحيحة لصياغة ذلك: "لم يكن لدينا بديل لأننا إما خسرنا أو أهدرنا العديد من البدائل، وتركنا أنفسنا لهذا البديل."</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من أجل تحقيق تقدم ملموس نحو حق تقرير المصير للفلسطينيين -الذي لا معنى له إلا من خلال التمسك بمبادئ الحرية والسيادة والمساواة، بدلاً من الخضوع الدائم لإسرائيل- نحتاج إلى إدراك صادق بموقفنا كفلسطينيين، الآن تحديداً وقد اقترب البدء في عملية التفاوض على الاتفاق المرحلي. الأمر المربك بشكل خاص هو كيف يمكن للعديد من القادة الفلسطينيين ومفكريهم الاستمرار في الحديث عن الاتفاقية على أنها "انتصار". وقد وصفها نبيل شعث بأنها "تكافؤ مطلق" بين الإسرائيليين والفلسطينيين. الحقيقة هي أن إسرائيل لم تتنازل عن أي شيء، كما قال بتملق وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر في مقابلة تلفزيونية، باستثناء وجود "منظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني". أو كما أورد "الحمامة" الإسرائيلية عاموس عوز، في سياق مقابلة مع بي بي سي، أن "هذا هو ثاني أكبر انتصار في تاريخ الصهيونية".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على النقيض من ذلك، فإن اعتراف عرفات بحق قيام دولة إسرائيل يجلب معه تعاقبًا تراتبيًا من التنازلات: عن حقوق منظمة التحرير الفلسطينية فيما يتعلق بالعنف والإرهاب؛ وتنازلاً عن قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، باستثناء قراري 242 و338، وهي قرارات لا تحتوي على كلمة واحدة حول الفلسطينيين أو حقوقهم أو تطلعاتهم. ضمنيًا، وضعت منظمة التحرير الفلسطينية جانبًا العديد من قرارات الأمم المتحدة المختلفة (التي تتعهد حاليًا وظاهريًا بتعديلها أو إلغائها مع إسرائيل والولايات المتحدة) والتي منحت منذ عام 1948 حقوقًا للاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك إما حق التعويض أو حق العودة إلى الوطن. لقد أحرز الفلسطينيون إقرار العديد من المؤسسات الدولية بحقوقهم، مثل المفوضية الأوروبية، وحركة عدم الانحياز، والمؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، وكذلك الأمم المتحدة – والتي رفضت وأدانت المستوطنات الإسرائيلية وضم الأراضي، والجرائم ضد شعب يرزح تحت الاحتلال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لذلك يظهر أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت تعمل على تصفية الانتفاضة، رغم أن إسرائيل لا تزال تحتل الضفة الغربية وقطاع غزة، الانتفاضة التي لم تجسد أي شكل من أشكال الإرهاب أو العنف بل حق الفلسطينيين في المقاومة. المعيار الأساسي الذي تقوم عليه الوثيقة هو أمن إسرائيل، ولا شيء بالمقابل يضمن للفلسطينيين عدم ارتكاب إسرائيل للتوغلات العسكرية. في المؤتمر الصحفي الذي عقد في 13 أيلول (سبتمبر)، كان رابين صريحاً بشأن استمرار امتلاك إسرائيل كامل السيادة. بالإضافة إلى ذلك، قال، إسرائيل ستحتفظ بسيطرتها على نهر الأردن، والحدود مع مصر والأردن، والبحر، والأرض بين غزة وأريحا، والقدس، والمستوطنات والسيطرة على كامل الطرق. لا يوجد في الوثيقة سوى القليل مما يوحي بأن إسرائيل ستتخلى عن عنفها ضد الفلسطينيين أو، كما كان مطلوباً من العراق أن يفعل بعد انسحابه من الكويت، تعويض أولئك الذين كانوا ضحايا سياساته على مدى السنوات الـ 45 الماضية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يرَ أي من عرفات ونظرائه الفلسطينيين الذين التقوا بالوفد الإسرائيلي في أوسلو أي مستوطنة إسرائيلية من قبل. تتواجد الآن أكثر من مئتي مستوطنة تتخذ، بشكل أساسي، من التلال والمناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية وغزة مكاناً لها. من المحتمل أن يتقلص عددها، لكن أكبرها مصمم للبقاء. ويربط هذه المستوطنات نظام مستقل للطرق بإسرائيل، يخلق انفصالاً يعرقل التواصل بين المراكز الرئيسية للسكان الفلسطينيين. واقع حجم الأراضي التي احتلتها هذه المستوطنات، بالإضافة إلى الأراضي المخصصة للمصادرة، يصل -كما يُعتقد- إلى أكثر من 55 بالمئة من إجمالي مساحة الأرض في المناطق المحتلة. تحوي مدينة القدس وحدها، التي ضمتها إسرائيل، ما يقارب 25 بالمئة من الحجم الإجمالي من كامل الأراضي المسروقة. في غزة تتوزع المستوطنات؛ في الشمال (3) والوسط والجنوب (2)، وعلى طول الساحل من الحدود المصرية بعد خان يونس (12) مستوطنة، تشكل ما لا يقل عن 30 بالمئة من مساحة القطاع. قامت إسرائيل، علاوة على ذلك، بانتهاك واستغلال مخزون المياه الجوفية في المناطق الغربية، كما سخّرت ما يقارب 80 بالمئة من هذه المياه لخدمة المستوطنات والأملاك الخاصة. (تستخدم إسرائيل آليات السيطرة ذاتها على المياه في الأراضي اللبنانية التي تسيطر عليها تحت مسمى 'مناطق أمنية'). لذلك، فإن موضوع سيطرة إسرائيل على مصادر المياه والأرض (أو سرقة الأراضي جهاراً وعلانية) يتم تجاهله أو تأجيله تماماً في اتفاقية أوسلو. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما يزيد الأمور سوءًا هو أن جميع البيانات التي تتعلق بالمستوطنات والأرض والمياه ومواردها تحتفظ بها إسرائيل قسرًا، ولا تشارك معظمها مع الفلسطينيين، لكنها بالمقابل توضح جيدًا قدر الضرائب المرتفعة بشكل غير عادي التي تفرضها على السلطة على مدى 26 عامًا. قامت منظمة التحرير بإنشاء مختلف أنواع اللجان المتخصصة (التي شارك فيها فلسطينيون من خارج فلسطين) لطرح مثل هذه الأسئلة الإشكالية على طاولة النقاش في اتفاقية أوسلو التي لم يتضح لها أي محصلات حقيقية. لذلك فإن تضارب الواقع بين ما حققته إسرائيل مقابل ما تم التنازل عنه من قبل الفلسطينيين يظل حقيقة لا يمكن القبول بها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أكاد أجزم أن كل فلسطيني شهد مراسم البيت الأبيض لا بد أنه شعر بأن حقبة من عمر النضال البطولي، والتضحية، والفقدان قد انتهت إلى لا شيء. في الواقع، الأمر الأكثر إثارة للقلق كان مشهدية أن يقوم رابين بحد ذاته بمنح الفرصة للخطاب الفلسطيني بينما ينطق عرفات بكلماته التي لا تنطوي إلا على النفاق والمداهنة. كلمات لا تحمل في طياتها أي وصف لنا كضحايا للصهيونية، بل تم وصفنا كفلسطينيين أمام العالم بأننا الباغون في حالة من الندم. وكأن الآلاف الذين قُتلوا في قصف إسرائيل لمخيمات اللاجئين والمستشفيات والمدارس في لبنان، و800 ألف فلسطيني الذين طردتهم إسرائيل عام 1948 (يبلغ عدد أحفادهم الآن حوالي ثلاثة ملايين، كثير منهم فاقدون لأي جنسية)؛ والأراضي والممتلكات الفلسطينية التي تم الإستيلاء عليها؛ وتدمير أكثر من أربعمائة قرية فلسطينية، وغزو لبنان، والدمار الذي خلفه 26 عامًا من الاحتلال العسكري الوحشي، بدا الأمر كما لو أن كل هذه المعاناة قد اختُزلت في كلمتي الإرهاب والعنف، ليتم نبذها بأثر رجعي أو تجاوزها في صمت. لطالما وصفت إسرائيل المقاومة الفلسطينية بكلمات مثل الإرهاب والعنف، لذا نالت حتى في الصياغة اللغوية سمة الأخلاقية والتاريخية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">العودة إلى المفاوضات مقابل ماذا بالضبط؟ اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية! هو بالتأكيد خطوة مهمة مستقبلاً. لكن بالقبول بتأجيل المسائل المتعلقة بالأرض والسيادة إلى "مفاوضات الوضع النهائي"، يكون الفلسطينيون في الواقع قد أسقطوا وأهملوا مطالبهم المعترف بها دوليًا بالضفة الغربية وغزة؛ وبذلك تصبح هذه الأراضي "مناطق متنازعًا عليها". وهكذا، وبمساعدة الفلسطينيين، استطاعت إسرائيل أن تقدم ادعاءاتها كمعادل في الأحقية لما يزعم الجانب الفلسطيني أحقيته. وتظهر هنا دوافع إسرائيل في مباركة الموافقة على إعطاء منظمة التحرير الفلسطينية مهمة مراقبة وضبط غزة -وهي المهمة التي حاول بيغن منحها للسادات قبل خمسة عشر عامًا- وبذلك تقع منظمة التحرير الفلسطينية في قبضة التناحر الداخلي، الذي تظهر فيه حماس كمنافس وحيد. وعلى النقيض، بدلاً من أن يصبح الفلسطينيون أقوى خلال الفترة الانتقالية، يضعف موقفهم، ويصبحون تحت السيطرة الإسرائيلية بشكل أكبر، وبالتالي يكونون أقل قدرة على مواجهة الادعاءات الإسرائيلية عندما تبدأ المرحلة الأخيرة من المفاوضات. لكن الكيفية والآلية التي يتم بها دحض الاتفاقية والانتقال بها من مرحلة إلى أخرى غير معروفة. وهذا يقودنا إلى حقيقة أن المرحلة الحالية قد تكون هي المرحلة النهائية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقترح الإسرائيليون أنه في غضون ستة أشهر، ستتفاوض منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة رابين على اتفاق جديد يؤجل الانتخابات، وبالتالي السماح لمنظمة التحرير الفلسطينية بالاستمرار في تولي مهام السلطة. وتجدر الإشارة إلى أن عرفات قال مرتين على الأقل خلال الصيف الماضي إن تجربته في الحكم تشكلت خلال السنوات العشر التي "ترأس" فيها قيادة الفلسطينيين في لبنان، وهي فترة غير مستقرة بالنسبة للكثير من اللبنانيين والفلسطينيين الذين يتذكرونها بتحسر وأسف. ولا يوجد في الوقت الحاضر أي أساس متماسك لإجراء الانتخابات حتى لو تم تحديد موعد لها؛ ذلك أن فرض الحكم لا يتأتى بشكل رأسي، بالإضافة إلى الإرث الطويل للاحتلال الذي لم يسهم في نمو المؤسسات الديمقراطية الشعبية. هناك تقارير غير رسمية في الصحافة العربية تشير إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية قد عينت بالفعل وزراء من دائرتها المقربة في تونس، ونواب وزراء من بين السكان المقيمين في الضفة الغربية وغزة. هل ستكون هناك مؤسسات تمثيلية بالفعل؟ لا يمكن للمرء أن يكون متفائلاً للغاية، بالنظر إلى رفض عرفات المطلق لتقاسم السلطة أو تفويضها، ناهيك عن الأصول المالية التي يعرفها وحده ويسيطر عليها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتحالف الآن منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل في مجالات الأمن الداخلي والتنمية. يلتقي أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية ومستشاروها بمسؤولي الموساد منذ أكتوبر الماضي لمناقشة المشاكل الأمنية، بما في ذلك أمن عرفات. هذا وقد نشأ هذا التعاون خلال فترات تنفيذ أسوأ آليات القمع الإسرائيلي للفلسطينيين تحت الاحتلال العسكري. الهدف من وراء هذا التعاون هو ردع أي فلسطيني عن التظاهر ضد الاحتلال، الذي لن ينسحب من الأراضي التي تمت مصادرتها، بل سيعيد الانتشار فقط. إلى جانب ذلك، سيبقى المستوطنون الإسرائيليون يعيشون، كما هم دائمًا، في ظل نظام قضائي منفصل. وهكذا ستصبح منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة المنفذة لأمن إسرائيل، وهو الخيار الأكثر تعاسة بالنسبة للفلسطينيين. ومن المثير للاهتمام أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي كان يرفض باستمرار تزويد حكومة جنوب إفريقيا بضباط شرطة حتى بعد تقاسم السلطة، وذلك على وجه التحديد لتجنب الظهور كالمنفّذ الأمني لحكومة بيضاء. وقبل أيام قليلة أعلن 170 عضوًا من جيش التحرير الفلسطيني، الذين يتم تدريبهم الآن في الأردن للعمل الشرطي في غزة، رفضهم التعاون مع إسرائيل لذات الأسباب. مع وجود حوالي 14000 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية -وبعضهم تقول إسرائيل إنها قد تطلق سراحهم- هناك تناقض متأصل، ناهيك عن عدم الانسجام، مع الترتيبات الأمنية الجديدة في إسرائيل. هل ستتاح فرصة أكبر للتعاون الأمني بين الأمن الفلسطيني وإسرائيل؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يبدو أن التنمية هي الموضوع الوحيد الذي يتفق على أولويته معظم الفلسطينيين، وهو موضوع يتم وصفه بأكثر العبارات سذاجة. ومن المتوقع أن يقدم المجتمع الدولي للمناطق شبه المستقلة دعماً مالياً على نطاق واسع، ويتوقع من فلسطينيي الشتات تقديم الدعم المالي كذلك. ومع ذلك يجب توجيه كامل أوجه التنمية الفلسطينية من خلال لجنة التعاون الفلسطيني الإسرائيلي المشتركة، على الرغم من أنه، وفقاً للوثيقة، سيتعاون الطرفان بشكل مشترك ومن جانب واحد مع الأطراف الإقليمية والدولية لدعم هذه الأهداف. إسرائيل هي القوة الاقتصادية والسياسية المهيمنة في المنطقة وتعزز قوتها من خلال تحالفها مع الولايات المتحدة. أكثر من 80% من اقتصاد الضفة الغربية وقطاع غزة يعتمد على إسرائيل، والتي من المرجح أن تسيطر على الصادرات الفلسطينية والصناعة والقوة العمالية في المستقبل القريب، وبصرف النظر عن أصحاب المشاريع الصغيرة والطبقة الوسطى، فإن الغالبية العظمى من الفلسطينيين يتم إفقارهم ومصادرة أراضيهم بما يخضعهم لتقلبات المجتمع الصناعي والتجاري الإسرائيلي الذي يوظف الفلسطينيين كعمالة رخيصة. ومن الناحية الاقتصادية، فمن المؤكد غالباً أن معظم الفلسطينيين سيبقون على نفس الحال رغم انفتاح العمل الخاص وصناعات الخدمات التي يسيطر عليها الفلسطينيون جزئياً، بما في ذلك المنتجعات ومحطات التجمع الصغيرة والمزارع وما شابه ذلك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نقلت دراسة حديثة أجراها الصحفي الإسرائيلي آشر داود يستشهد فيها بـ دوف لاوتمان رئيس اتحاد الصناعيين الإسرائيليين: "ليس من المهم أن تكون هناك دولة فلسطينية، أو مناطق حكم ذاتي أو دولة فلسطينية أردنية، المهم أن تبقى الحدود الاقتصادية بين إسرائيل والأراضي المجاورة مفتوحة". وستدمج إسرائيل فعلياً هذه المناطق اقتصادياً من خلال مؤسساتها الحديثة وعلاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وسياسات اقتصادها العدوانية لتبقي المنطقة في حالة تبعية دائمة، بعد ذلك ستتجه إسرائيل إلى العالم العربي الأوسع، مستخدمة الامتيازات السياسية للاتفاق الفلسطيني كنقطة انطلاق لاقتحام الأسواق العربية، والتي ستستغلها أيضاً ومن المرجح أن تهيمن عليها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تقوم الولايات المتحدة (القوة العالمية الأولى)، التي تؤسس عقيدتها عن النظام العالمي الجديد على الهيمنة الاقتصادية، بتنظيم العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال تعيين عدد قليل من الشركات العملاقة لإدارة الشعوب الفقيرة حتى ضمن وجودها تحت سيادة دول كبرى، ومن المعلوم أن المساعدات الاقتصادية لفلسطين تخضع للإشراف والسيطرة من قبل الولايات المتحدة، مروراً بمنظمة الأمم المتحدة وبعض وكالاتها مثل الأونروا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي تديرها كما تريد. وبالحديث عن نيكاراغوا وفيتنام على سبيل المثال، فكلاهما عدوان سابقان للولايات المتحدة، وقد هزمت فيتنام الولايات المتحدة بالفعل ولكنها الآن بحاجة إليها اقتصادياً، وتستمر المقاطعة ضد الفيتناميين ويتم كتابة التاريخ بطريقة توضح كيف أن الفيتناميين هم الذين أخطأوا بحق الولايات المتحدة وأساؤوا معاملتها لأنها فقط احتلت وفجرت قراهم وبلداتهم. جاء قدوم السيدة تشامورو إلى السلطة بعد انتخابات 1990 وهي المرشحة التي تدعمها الولايات المتحدة، وبعد أن وعدت الولايات المتحدة بملايين الدولارات من المساعدات، لم يتحقق بالفعل سوى 30 مليوناً منها. في منتصف سبتمبر/أيلول، قطعت جميع المساعدات، والآن في نيكاراغوا مجاعة وحرب أهلية ولا يختلف مصير السلفادور عنها. إن ترمِ نفسك تحت رحمة الولايات المتحدة، كما فعل عرفات، فمؤكد سوف تعاني نفس مصير تلك الشعوب التي تنعتها بالإرهاب ولا تتعامل معها بعد وعود بترك سبل المقاومة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بجانب السيطرة الاقتصادية والاستراتيجية على دول العالم الثالث التي يصادف امتلاكها موارد نفطية تسعى الولايات المتحدة لامتلاكها، فإن السيطرة على النظام الإعلامي يتغلغل بشكل هائل في الوعي الجمعي ويسيطر عليه. على مدى عشرين عاماً على الأقل، اعتُبر ياسر عرفات من أكثر الرجال نفوراً على وجه الأرض من الناحية الأخلاقية، فقد كان يُقدَّم في وسائل الإعلام الغربية على أنه شخص لا يفكر إلا بقتل اليهود خاصة النساء والأطفال والأبرياء، ولكن في غضون أيام، أعادت "وسائل الإعلام المستقلة" الاعتبار الكامل لعرفات، فأصبح الآن شخصية مقبولة بل ومحبوبة، شخصية منحت شجاعتها وواقعيتها مع إسرائيل حقها الشرعي، لقد تاب، وأصبح صديقاً، وصار هو وشعبه إلى جانبنا. كل من عارض أو انتقد ما فعله عرفات هو إما متعصب مثل مستوطني الليكود أو إرهابي مثل أعضاء حماس. أصبح من المستحيل غالباً قول أي شيء باستثناء أن الاتفاقية الإسرائيلية الفلسطينية كانت الخطوة الأولى نحو الاستقلال الوطني، وهي في الحقيقة اتفاقية في معظمها غير مقروء ولم يتم تدقيقه فلسطينياً، فهي مبهمة على أي حال وتفتقر إلى الكثير من التفاصيل الأساسية والحاسمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبقدر ما قد يلعبه صوت الناقد والمحلل المستقل من أهمية، فإن المعضلة تكمن في قدرته على تحرير نفسه من النظام الأيديولوجي الذي يخدم هذا الاتفاق ووسائل الإعلام الحالية؛ فما نحتاجه هو توظيف الذاكرة والقدرة على التشكيك (إن لم يكن الكشف صراحة)، حتى لو كان جلياً أن الحرية فلسطينياً لم تتحقق، وهو أمر واضح على الأقل من خلال ترسيم الحدود الذي تفرضه إسرائيل والولايات المتحدة، والذي يعطي قدراً ضئيلاً جداً من الحرية للفلسطينيين. هذه المصافحة الشهيرة التي يتم بثها في جميع أنحاء العالم على أنها لحظة عظيمة من النجاح، هي في الحقيقة لحظة عظيمة في محو حقائق الماضي والحاضر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا القدر الضئيل من المصداقية يفرض على الفلسطينيين إدراك فشل منظمة التحرير الفلسطينية في خدمة الأشخاص الذين من المفترض أنها تمثلهم. صحيح أن رؤية انسحاب القوات الإسرائيلية، وتدفق مبالغ مالية كبيرة من رؤوس الأموال قد يسُرُّ سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن هناك قدراً من الاستغفال لما قد تمرره هذه الاتفاقية من توسيع للاستيطان والمزيد من السيطرة الاقتصادية والأمنية، هذا بالإضافة إلى المعضلة الكبرى التي تتجلى في اللاجئين الفلسطينيين في الأردن والآلاف منهم في لبنان وسوريا، فالدول العربية "الصديقة" لديها دائماً قانون واحد للفلسطينيين وآخر للسكان الأصليين، وقد اشتدت هذه المعايير المزدوجة بالفعل على الفلسطينيين كما تشهد بذلك مشاهد التأخير والمضايقات المروعة التي حدثت على جسر اللنبي بعد إعلان الاتفاقية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من العبث البكاء على اللبن بعد فساده، لكن ما العمل إذاً؟ أول شيء هو توضيح ليس فقط مزايا الاعتراف بنا كفلسطينيين من قبل إسرائيل والبيت الأبيض، ولكن أيضاً علينا التعرف على العقبات الحقيقية لهذا الاعتراف؛ تشاؤم العقل أولاً ثم التفاؤل بالإرادة. لا يمكن العمل على تحسين وضع سيئ ناتج عن عدم الكفاءة المهنية لدى منظمة التحرير الفلسطينية، حيث وافقت على الدخول في عملية التفاوض باللغة الإنجليزية، وهي لغة لا يتقنها عرفات ولا مبعوثه في أوسلو، وبدون مستشار قانوني، حتى على المستوى الاختصاصي على الأقل كان يتوجب إشراك أشخاص مستقلين فكرياً وليسوا مجرد أدوات لما يسمى الآن "سلطة فلسطينية واحدة". محبطة للغاية حالة التحول الفجائية بدرجة 180 لدى العديد من المفكرين العرب والفلسطينيين، الذين كانوا من قبل يئنون ويتأوهون من أساليب عرفات الديكتاتورية، وسيطرته الأحادية على المال ودائرة المتعلمين وحاشيته في تونس، وفجأة يتحول كل ذلك إلى إشادة بعبقريته التكتيكية وانتصاره الأخير.. لا يبدأ المسير نحو تقرير المصير إلا من خلال الديمقراطية في تحقيقها لتطلعات ومطامح الشعب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد كل هذه الفوضى احتفاءً بما يسمونه بـ "الخطوة الأولى نحو تحقيق الدولة الفلسطينية" يجب أن نذكِّر أنفسنا بأن الأهم بكثير من وجود دولة هو نوع الدولة التي نسعى إليها. تم تشويه تاريخ العالم ما بعد الاستعماري من قبل طغاة الحزب الواحد وجشع الأوليغارشية، والاضطراب الاجتماعي الناجم عن الاستثمارات الغربية، والفقر على نطاق واسع الناجم عن المجاعة والحرب الأهلية أو السطو المباشر للاستعمار. وإن لم تعالج الأصولية الدينية مشاكل المجتمعات العلمانية الجديدة فلن تفعل القومية المجردة من سياقها الاجتماعي ذلك. ونشهد خليطاً من سمات الفوضى اللبنانية وحكم الطاغية العراقي في ملامح الدولة الفلسطينية التي تتشكل اليوم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبأدنى تقدير لجدوى كل ذلك، فإن أولوية معالجة قضية مثل قضية الشتات الفلسطيني يتم إقصاؤها وحصرها في حالة من اللجوء والنفي الدائم. هؤلاء الفلسطينيون الذين أتوا بعرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى السلطة، لا يمكن إهمال احتياجاتهم خاصة وأنهم يشكلون ما لا يقل عن نصف إجمالي تعداد السكان الفلسطيني. المنظمات السياسية التي تستضيفها سوريا تمثل شريحة ضئيلة جداً من مجتمع المنفى الفلسطيني. بعض الأصوات المستقلة مثل شفيق الحوت ومحمود درويش استقالت احتجاجاً على مسار منظمة التحرير، لكنهم لا يزالون يلعبون دوراً مهماً من خلال تقديم بعض التعديلات، ومحاولة الخروج من تضخيم حالة الانتصار إلى تحقيق وعي أكثر التصاقاً بالواقع وحشد دعم لبناء صوت من داخل المجتمعات الفلسطينية المختلفة في جميع أنحاء العالم لمواصلة التقدم نحو تقرير المصير. لكن منذ بداية مؤتمر مدريد، همّشت المنظمة مجتمعات الشتات الفلسطينية والمخيمات وتركتها بدون أي تمثيل سياسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتمثل أولى مهام منظمة التحرير في إجراء إحصاء سكاني للفلسطينيين، والذي يجب أن ينظر إليه كحق يعطي الفرصة للفلسطينيين أينما وجدوا بالتصويت والمشاركة في عملية صنع القرار، وليس فقط كأداة بيروقراطية للسلطة. لطالما عارضت كل من إسرائيل، والولايات المتحدة، والدول العربية إجراء تعداد سكاني فلسطيني؛ لما من شأنه أن يُبرز حجم المكون الفلسطيني في مجتمعات لا تسمح بوجود يتجاوز الهامش الذي تحدده. قبل حرب الخليج كان جلياً مدى اعتماد واستغلال الحكومات الخليجية لمجتمع "ضيف" بشكل مشين. وعلى رأس ما تعترضه إسرائيل في فكرة التعداد السكاني هو منطلق أن إدراك عدد الفلسطينيين كجماعة موحدة هو خطوة نحو تشكيل أمة بدلاً من كونهم مجرد مجموعات متفرقة من الناس. الآن أكثر من أي وقت مضى يجب أن يكون التعداد السكاني الهدف الرئيسي على جدول الأعمال فلسطينياً، مدفوعاً بالإدراك الذاتي بأهميته في التاريخ السياسي أيضاً، متجاوزاً بذلك حالة غياب السيادة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وسيشكل ذلك جسراً للمشاركة الديمقراطية المفترض أنها عالمياً حق إنساني تم بتره بهذا التحالف الإسرائيلي السابق لأوانه مع منظمة التحرير.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قضية العودة بالنسبة للفلسطينيين خارج الضفة الغربية وقطاع غزة من المسائل التي لا بد أن يطرحها الإحصاء السكاني. ورغم أن هذه القضية قد تم اختزالها في صيغة "اللاجئين" وتم تأجيل التفاوض بشأنها إلى محادثات الوضع النهائي إلى وقت ما في المستقبل، فإن الحاجة إلى طرحها هي حاجة لا تقل إلحاحاً عن مختلف القضايا المحورية. فعلى سبيل المثال، قامت الحكومة اللبنانية بشكل علني وصريح بإثارة خطاب المواطنة والتجنس كتحريض لـ 400,000 فلسطيني في لبنان مع افتقارهم لأي جنسية أو عمل دائم، وهي حالة تتكرر في الأردن ومصر؛ هؤلاء الفلسطينيون لا يمكن تركهم لمواجهة مصير بهذا السوء لوحدهم، وتركهم في ظروف معيشية تتعارض مع تطلعاتهم وإرادتهم في الحياة. تقدم إسرائيل حق العودة لكل يهودي في العالم: يمكن لليهود أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين يعيشون في إسرائيل في أي وقت، لا بد من تغيير هذا الظلم الهائل وغير المحتمل، الذي يعيشه الفلسطينيون منذ قرابة  نصف قرن. ورغم صعوبة التفكير في عودة جميع لاجئي 48 إلى مكان صغير بما قد يشكل دولة فلسطين؛ فإنه بالمقابل لا يمكن إنكار أو تجاهل رغبة اللاجئين وحقهم في العودة إلى الوطن والتعويض عن حالة الشتات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لذلك فإن أحد الأشياء التي يجب على منظمة التحرير والأصوات الفلسطينية المستقلة القيام بها هو طرح المسائل التي تجاهلتها اتفاقية أوسلو لاستباق محادثات الوضع النهائي، وذلك بطلب تقديم تعويض للفلسطينيين الذين كانوا ضحايا لهذا الصراع المروع. وعلى الرغم من رغبة إسرائيل في أن تغلق منظمة التحرير ما يسمى بـ "سفاراتها" (وهي رغبة عبّر عنها رابين مجبراً في مؤتمره الصحفي في واشنطن)، يجب أن تظل هذه المكاتب مفتوحة بشكل يمكن من خلاله تفعيل العمل والضغط لتقديم التعويض بكل أشكاله.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بإيجاز، ما نحتاجه الآن هو الانتقال من حالة الذل والضعف التي تم بها التفاوض على اتفاقية أوسلو (سنقبل بأي شيء طالما أنك تعترف بنا) إلى حالة نستطيع من خلالها تحقيق التطلعات الوطنية وما يقابلها من مطامح محلية دون أن يستثني ذلك حقنا في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي المستمر. وطالما يحافظ الاحتلال على بقاء المستوطنات (شرعية أم غير شرعية) فعلى كل فلسطيني وغير فلسطيني أن يقف في وجهه. ومن القضايا التي لم تطرح على طاولة المفاوضات، سواء من خلال اتفاقية أوسلو، أو من خلال تبادل الرسائل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل أو خطابات واشنطن، قضية المقاومة السلمية وحق الشعب في العصيان المدني، وهي حقوق أساسية لأي شعب منزوع السيادة الكاملة والاستقلال ويجب تعزيزها لديه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بدأت منظمة التحرير الفلسطينية العمل بذات الديماغوجيا التي تتبعها العديد من الحكومات العربية غير المنتخبة، وغير المرغوبة شعبياً من خلال احتكار السلطة لنفسها وتسمية خصومها "بالإرهابيين والأصوليين". تعارض حماس والجهاد الإسلامي اتفاق أوسلو، لكنهما تؤكدان على رفضهما استخدام العنف ضد الفلسطينيين، إلى جانب ذلك فإن نفوذهما المشترك يصل إلى أقل من ثلث مواطني الضفة الغربية وقطاع غزة، أما بالنسبة للأحزاب الفلسطينية في دمشق فهي، كما يظهر لي، في حالة من المخاتلة والعجز السياسي، لكن هذا لا يستنزف بأي حال من الأحوال المعارضة الفلسطينية التي تضم أيضاً أصواتاً علمانية معروفة، وشخصيات تؤمن بالديمقراطية ودراسة الواقع والملتزمة بحل سلمي لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. أضم صوتي لهذه الأصوات التي أعتقد أنها أكثر بكثير من الأصوات التي تظهر حالياً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من الأمور الجوهرية في تفكير هذه المعارضة الإصرار على أهمية الإصلاح من داخل بُنية منظمة التحرير الفلسطينية، وإدراك أن استخدام مزاعم اختزالية لـ"الوحدة الوطنية" لم يعد ذريعة للاستمرار في العمل دون أدنى مهنية والإمعان في الفساد والاستبداد. لأول مرّة يشهد التاريخ الفلسطيني مثل هذه المعارضة دون أن يتم وصمها بالخيانة والخداع باستثناء القليل ممن يتبنى منطق المؤامرة واللاواقعية. نتبنى كمعارضة نقد الطائفية والولاء الأعمى للسلطة؛ نسعى إلى تطبيق مبادئ الديمقراطية والمساءلة الوطنية التي لطالما حاولت القوميات المنتصرة إلغاءها. أعتقد أن الشتات الفلسطيني سيعيد إنتاج معارضة واسعة النطاق تتخطى تاريخ منظمة التحرير المأفون، وستشمل أيضاً أفراداً وجماعات من الأراضي المحتلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ختاماً، لا تزال مسألة العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يؤمنون بحق تقرير المصير للشعبين بشكل عادل ومتبادل مسألة شائكة. وبالنسبة لهذه الاحتفالات فهي سابقة لأوانها لأنها تسهِّل الطريق للجانب الإسرائيلي في الخروج من معضلة عدم التكافؤ الهائل بين طرفي الاتفاق، وخاصة أن سيناريو الضحية والمنتصر هو الذي يحكم الواقع فعلياً. لكن يمكن أن يكون هناك تضامن في عملية النضال من أجل إنهاء الظلم وتحقيق العدل، وعلى الإسرائيليين الضغط على حكومتهم لإنهاء الاحتلال ومصادرة الملكيات ووقف إنشاء المستوطنات. مساحة النضال بالنسبة للفلسطينيين أصبحت ضيقة جداً، لكن ساحة المعركة في النضال ضد آليات الإفقار والظلم والعسكرة لا بد أن تكون مشتركة ومفتوحة للجميع؛ بحيث لا يكون فيها التعاون قائماً على طقوس من التركيز على الأمن النفسي للإسرائيليين فقط، الأمن الذي إذا لم يحصل عليه الإسرائيليون الآن، لن يستطيعوا مستقبلاً. سيكشف هذا الاتفاق أكثر من أي شيء آخر ما إذا كانت هذه المصافحة الرمزية ستكون خطوة أولى نحو المصالحة والسلام الحقيقي.</span></p>
<p dir="rtl">
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20601">الصباح التالي (نقد إدوارد سعيد الباكر لاتفاقية أوسلو - ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-30 00:00:55 by W3 Total Cache
-->