<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>الساحل الفلسطيني - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/الساحل-الفلسطيني</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:42:07 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>الساحل الفلسطيني - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/الساحل-الفلسطيني</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>موسيقى البحر... عن دور الأغنية في انتشال البحر من الغرق</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20324</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فايد بدارنة]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 20 Dec 2020 12:26:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<category><![CDATA[الساحل الفلسطيني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%82%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ba%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>شكّل البحر على مرّ التّاريخ البشريّ وفي حاضره بمساحته العظيمة مادّة خصبة لنشوء الحكايات والأساطير، ليكون مركبا مركزيّا في قصص الأمم والشّعوب. كذلك، كانت المساحة البحريّة حلبة لصراعات ولنزاعات بين تلك الأمم وشعوبها، وشكّل مصدراً للعيش والرّزق، ورافداً للتّواصل. لم يكن البحر يوما حياديّا في السّياق التّاريخيّ والسّياسيّ والقومي. لم يقف عند صورته وتصوّراته الرّومانسيّة، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20324">موسيقى البحر... عن دور الأغنية في انتشال البحر من الغرق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">شكّل البحر على مرّ التّاريخ البشريّ وفي حاضره بمساحته العظيمة مادّة خصبة لنشوء الحكايات والأساطير، ليكون مركبا مركزيّا في قصص الأمم والشّعوب. كذلك، كانت المساحة البحريّة حلبة لصراعات ولنزاعات بين تلك الأمم وشعوبها، وشكّل مصدراً للعيش والرّزق، ورافداً للتّواصل. لم يكن البحر يوما حياديّا في السّياق التّاريخيّ والسّياسيّ والقومي. لم يقف عند صورته وتصوّراته الرّومانسيّة، فقد كان وسيلة لإخضاع الكثير من الشّعوب للمشاريع الكولنيالية ونشوء وقائع استعماريّة ضخمة، سخّرت المياه لخلق تغييرات وتحولات جذريّة في مسارات شعوب وتركيباتها البشريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. في كل عملية هيمنة كولنياليّة على البحر كان هناك الفقدان وتغييب الشّعوب الأصلانيّة عن بحرها، وبالتّالي كان لعمليات الهيمنة والإقصاء أيضا تأثير على شكل وجوهر الفنون المتعلّقة بالبحر. توفّرت بالبحر كلّ الظّروف لإطلاق الخيال الإنسانيّ وتبلور المواد الفنّيّة التي تعكس عوالمه. غذّى البحر مضامين وصورا لكمّ هائل من الانتاجات الثّقافيّة، فتأثير عملية التّشتيت هو أكثر اتّساعاً وعمقاً فيطال المشهد العمرانيّ والثّقافيّ، وتبرز محاولات للتّمسّك بمكانة وصورة البحر ما قبل الفقدان. تحاول هذه المقالة تناول تجربة الأغاني في تعاملها مع المشهد البحريّ الفلسطينيّ، تسليط الضّوء على دور الأغنية في استعادة البحر المُصادر، وهي محاولة للمساهمة في خلق مساحة نقديّة للحراك الفنّيّ الفلسطينيّ وعلاقاته الرّومانسيّة والجدليّة مع الحراكات الوطنيّة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">"هذا البحر لي"</span></strong></p>
<p dir="rtl">تشكّل مقولة "هذا البحر لي" للشّاعر محمود درويش تعبيرا مركزيّا في المساهمة الإبداعيّة الفلسطينيّة للحفاظ على الهويّة الوطنيّة للبحر. وهي تلخّص أيضا محاولة بعض هذه المساهمات بتكثيف مجهودات التّشبّث بالمكان والانتماء من خلال توثيق البحر في القصيدة، الرّواية، الفنّ التّشكيليّ والفوتوغرافيّ والموسيقى. كانت الأغنية المحاولة الأبرز والأوسع انتشارا من بين هذه التّجارب، وقد يكمن السّبب في سهولة رواجها وانتشارها وترديدها. لكن باعتقادي، إنّ التّغني بالبحر هو حالة شعبيّة قاعديّة متجذّرة، هو حيّز لالتقاء الناس بأوقات التّرفيه ومدعاة لإطلاق الأهازيج في هذا الحيّز. والأهم أنّه دائما كان هناك مكان لأغاني البحر الأصليّة، وأقصد أغاني الصّيّادين والبحّارة، فتلك الأغاني هي الأغاني الأولى للتّواصل مع البحر. غالبا ما يعتبرها النّاس أغان للتّسلية، إلّا أنّها من فئة أغاني العمّال، الأغاني التي تحمل الهموم اليوميّة للعامل، أغان بظاهرها "للتّسلية" أمام سطوة صاحب العمل وحالة القهر اليوميّة للعمال. فالصّيّاد، كباقي قطاعات العمل التي قد تملك أغان خاصة بها، يطلق الأغاني للتّعاطف مع حالته ولرفع معنويّاته أمام مخاطر وغموض يومه مقابل عائلة تنتظر عودته سالما غانما. لذلك، نجد أنّ أغاني الصّيّادين بمعظمها تحمل ذكرا واستدعاء وتوسّلا وتوكّلا على الله وطلب وفرة الرّزق اليومي. هنا نحن بصدد الحديث عن أغان طبقيّة ليست بالبساطة المتخيّلة لنا.</p>
<p dir="rtl">تتطرّق هذه المقالة، من خلال بعض النّماذج الغنائيّة، لطابع الأغاني التي ارتبطت بالبحر لفنّانين ولمجموعات موسيقيّة (فلسطينيّة وعربيّة) ما بعد النكبة. لا تتطرّق هذه المقالة لأغاني الصّيّادين، إلّا أنّها تأخذ بالحسبان السّياق الضّروريّ لتلك الأغاني، أي سياق غيابها واندثارها القسريّين في سياقنا الفلسطينيّ، باستثناء حالة صيّادي غزّة. هذا السّياق يحتّم علينا ذكر محدوديّة الدّراسات والأبحاث الفلسطينيّة حول فولكلور البحر، بما في ذلك أغاني الصّيّادين، ما قبل النّكبة تحديدا وعدمها ما بعد النّكبة، فغياب دراسات التّراث البحريّ هو قصور نوعي في توثيق الحالة الفلسطينيّة في كافة مستوياتها. بهذا الصّدد، لا بدّ أن أذكر كتابات لخالد جمعة وزكي العيلة حاولت التّنبه لهذا القصور وأدركت الوزن النّوعيّ لمكانة البحر السسيولوجيّة والسّياسيّة أمام ما شهده عالم البحر الفلسطينيّ من ضياع وتهديد متواصل. بعض التّجارب التّوثيقيّة لأغاني التّراث البحريّ يمكن رصدها في الخليج العربيّ وخصوصا في الكويت والبحرين، وهي أغان متطوّرة بالإيقاعات الموسيقيّة والسّرد الملحميّ مستعينة بمساهمات صوتيّة وأداء جماعيّ يستحق الالتفات إليه والاستفادة منه.</p>
<div class="embeddedContent oembed-provider- oembed-provider-youtube" data-align="center" data-oembed="https://www.youtube.com/watch?v=mrS99Bl9Zsg&list=PLJG_ffqKKHmSDenkhXaWSHIo-FnxhAwGO&index=4" data-oembed_provider="youtube" data-resizetype="noresize" style="text-align:center"><iframe allowfullscreen="true" allowscriptaccess="always" frameborder="0" height="349" scrolling="no" src="//www.youtube.com/embed/mrS99Bl9Zsg?wmode=transparent&jqoemcache=3MRQt" width="425"></iframe></div>
<p dir="rtl">
<strong><span style="color:#ff0066">الهيمنة على الفضاء </span></strong></p>
<p dir="rtl">غالبا ما يتم التّطرّق لعمليّة السّيطرة في سياق التّفتّت السّكّانيّ، الإقصاء والتّشريد وتغييب أهل البحر عن موارده المتعدّدة. لكن، إلى جانب ذلك تعمل المنظومة الاستعماريّة على تفتيت وشرذمة أكثر اتّساعا، فهي تطال المشهد العمراني والثّقافيّ للبحر. فتشمل عملية الإقصاء تبديلا ممنهجا للصّورة البحريّة لدى أهل البلاد. عموما، البيئة الاجتماعيّة التي تنشأ على ساحل البحر جراء تفاعل الدّيموغرافيا بمركّباتها الطّبقيّة مع الجّغرافيا تنتج ثقافات وأشكال حياة ستجد انعكاسا لها في مواد فنيّة وليدة هذا المناخ. هو مناخ العمّال، الطّبقات الكادحة، المقاهي الحاضنة لشرائح ناس مختلفة في المدينة، ورشات الحرفيّين وكلّ مناخ آخر مرتبط بالبحر الذي ينتج الموسيقى والغناء الخاصّ بسمات المكان. هذا هو الحال في العديد من الإنتاجات الموسيقيّة التي ولدت من رحم بيئاتها. </p>
<p dir="rtl">الحدث الكولنياليّ في حالة المدن الفلسطينية السّاحلية كان ديناميكيا ويحمل رؤية للهيمنة على تفاصيل المكان انعكست في مخطّطات سلخت سوسيولوجيا البحر الفلسطينيّ وثقافته عن أهل البحر. تمت عمليات السلخ بشكل ممنهج بالسّيطرة على فضاءات من تمّ تهجيرهم، وبواسطة عسكرة البحر وتحويله لمؤسّسة أمنية تنتشر على مساحات شاسعة من السّاحل يمنع الدخول إليها. هكذا فإنّ ما تبقى من علاقة فعليّة، جسدية وبصرية مع البحر هو مسارات وشواطئ للتّرفيه من إنتاج المدن الجديدة المخطّطة والمرسومة بالعبريّة. هذا يشمل الإبقاء على ما تبقّى من ميناء عكا ويافا كفولكلور سياحيّ محدود خاضع للدّولة بسياساتها البحريّة، الأمنيّة والتّخطيطيّة. أدّت عملية الفصل والإقصاء للقضاء على الفضاء الموسيقيّ المفترض أن ينمو ويغازل بحره وعالم مدينته البحريّ، بحالته الطّبيعيّة، كباقي المدن البحرية في العالم. هذا لا يعني عدم نشوء موسيقى "أخرى" داخل هذه المدن، وإنّما نقصد هنا تعطّل العلاقات الطّبيعية الجدليّة مع البحر والحوارات الإبداعيّة داخل هذه العلاقة. فعمليّات محو التّفاصيل والذّاكرة البحريّة بما تحمله من صور حسيّة وبصريّة تشكّل حالة فقدان للمادة الفنيّة عامة والموسيقيّة تحديدا في سياق المقالة. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">أغاني المخيال الجمعيّ والانتماء</span></strong></p>
<p dir="rtl">على الرّغم من الاستقواء الكولنياليّ على الحيّز وربما أيضا بسببه، كانت هناك محاولات مضادّة مقاومة لاستحضار البحر الفلسطينيّ من خلال الأغنية. محاولات دخلت ضمن سياقات جغرافيّة مختلفة للإبقاء على الذّاكرة وحالة الاشتباك الحسّيّة مع السّاحل. تثبت القراءة لهذه التّجارب الموسيقيّة في محاكاة البحر والسّاحل الفلسطينيّ أهمّيّة الأغنية والموسيقى عموما في لعب دور توثيقيّ، في بلورة الهويّة المشتّتة أو المهدّدة وهي مساهمة في مشروع فنيّ للإبقاء أو لاسترجاع هوية المكان. يمكن الحديث عن إمكانيات الأغنية في إحداث اختراق رمزيّ نوعيّ أمام عسكرة السّاحل، إمكانيات تكون فاعلة في إسناد الرّواية التّاريخيّة للمكان. يكتسب دور الأغنية وباقي الفنون أهمّيّة خصوصا وأنّ الهيمنة على المكان لا تتم فقط بتجييشه المتواصل وإنما بإنتاج ثقافيّ موسيقيّ وشعريّ وروائيّ عبريّ مكثّف مقابل إنتاج عربيّ محدود. قد تكون عمليّة الابتعاد والإبعاد القسريين عن البحر عاملا أساسيّا في حديثنا عن كمّ محدود من موسيقى البحر الفلسطينيّة، إلّا أن هذا العمليّة من المفترض أن تواصل بحثها في ذاكرة وحاضر البحر الفلسطينيّ وتفاصيله كجزء من التّصدي لماكنة القوّة وإثراء سرديّة النّكبة بالمنتوج الثّقافي.</p>
<p dir="rtl">قد يبدو الخطاب النّقديّ تجاه حالة الشّحّ الموسيقيّ حول البحر والسّاحل في الإنتاج الموسيقيّ كتوجيه سياسيّ أو عقائديّ حول ماهيّة الأغنية وماهيّة إنتاجها وكأنّ هناك تصنيفات وقوالب لما يجب أن تكون عليه. إلّا أنّنا في الحقيقة نحاول تسليط الضوء حول ما هو مفقود أو ما هو قليل أمام غزارة في الإنتاج الكولنياليّ، وأيضا مقابل إنتاج فلسطينيّ أكثر كثافة في التّغني بالأرض، وبالتّراب وبالقرى والمدن عامّة، وفي تقديم طروحات حول دور الموسيقى في تحفيز المخيال الوطنيّ وتعزيز الانتماء للبحر وفتح نوافذ أمام خطابات موسيقيّة جديدة. في حديثنا عن الخطابات والمؤلّفات الموسيقيّة البحريّة، هناك ضرورة لتحرير الأغنية من التزامها لقوالب معينة وجمل موسيقيّة مألوفة، فيمكن التّحرر من التّراث والصّور التّقليديّة وخلق لغة تخاطب شرائح مختلفة من الجمهور. وقد تستعين الأغنية المعاصرة بتفاصيل من التّراث البحريّ أو إعادة إنتاج أغاني الصّياّدين بقوالب جديدة. أي أنّ تحرير الأغنية من الأنماط الكلاسيكيّة شعرا أو تلحينا قد يفتح منافذ لجمهور أوسع للّتواصل والانتماء رغم من جدران الإقصاء. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">نماذج مركزيّة</span></strong></p>
<p dir="rtl">من أهم التجارب التي قدّمت مساهمة موسيقيّة نوعية، وانتشرت على المستوى العربيّ عموما، هي تجربة الرّحابنة والغناء ليافا ولميناء يافا. وربما تكون هذه التّجربة الأولى والأبرز والأكثر تأثيرا. استطاعت الأغنية اللّبنانيّة التّسلّل إلى يافا، والصيد ببحرها. أغنية حواريّة بين المؤدّي المركزيّ جوزيف عازر والكورس مستخدمة لحنا يتّسم بالفخامة والإتقان قريبا من المارش تؤديه أوركسترا متماسكة وكاريزما عازر الصّوتيّة. لم تنل هذه الأغنية ما تستحقه من دراسة في أسبقيتها لطرح الميناء والسّاحل الفلسطينيّ بهذه القوة واستحضار مكانة الصّيّاد ابن مدينة يافا من خلال "ملحمة صيد" موسيقيّة قصيرة ثاقبة، ولا تطرح الحنين الرّومانسيّ فحسب، بل تقدّم نموذجا موسيقيّا سياسيّا خطابيّا ينادي بالعودة ويردّد حتميّتها.</p>
<div class="embeddedContent oembed-provider- oembed-provider-youtube" data-align="center" data-oembed="https://www.youtube.com/watch?v=LvHeiJ2FK20" data-oembed_provider="youtube" data-resizetype="noresize" style="text-align:center"><iframe allowfullscreen="true" allowscriptaccess="always" frameborder="0" height="349" scrolling="no" src="//www.youtube.com/embed/LvHeiJ2FK20?wmode=transparent&jqoemcache=uPVs3" width="425"></iframe></div>
<p dir="rtl">
لبنانيّا أيضا، وفلسطينيّا، قدّما مارسيل خليفة وخالد الهبر، كلّ على حدة، ملحمة محمود درويش الشّعريّة "أحمد الزّعتر". حيفا وبحرها يشكّلان الملاذ الآمن لأحمد من المذبحة. في "أحمد الزّعتر" لمارسيل خليفة تلعب الموسيقى دورا في استحضار المشهد البحري. في مقطع "نازلا من نحلة الجرح القديم" وباستخدام تسجيل لصوت البحر وبمرافقة صوت أميمة الخليل يقترب أحمد من تفاصيل البلاد. في غنائيّة أحمد العربي يقدّم درويش شعريّا ومارسيل خليفة موسيقيّا بحر حيفا كهويّة أحمد المشرّدة بين الرّصاص في المخيّم. في هذا الإنتاج، وهو برأيي العمل الأضخم موسيقيّا، تُقدّم حيفا أيضا ك"عاصمة" أحمد العربيّ، وبحرها هو جداره الاستناديّ وصورته. القصيدة والموسيقى معا يقدّمان مخيالا للبحر، للمدينة وللكرمل. تحوّل الملحمة الغنائية حيفا بوصلة أحمد. نموذج عربيّ إضافي قدّمه الفنان السّوري سميح شقير في إصداره الموسيقيّ "زهر الرّمان" حيث تضمنت عملا موسيقيّا حسّيّا مرهفا مليئا بالحلم والحنين في أغنية " بحرك يافا"، ويسأل شقير في أغنيته "وين غنانينا البحريّة نغنّيها صبح ومسويّة..." تساؤلا مرتبطا بموضوع هذه المقالة.</p>
<div class="embeddedContent oembed-provider- oembed-provider-youtube" data-align="center" data-oembed="https://www.youtube.com/watch?v=taC76KnlJVo" data-oembed_provider="youtube" data-resizetype="noresize" style="text-align:center"><iframe allowfullscreen="true" allowscriptaccess="always" frameborder="0" height="349" scrolling="no" src="//www.youtube.com/embed/taC76KnlJVo?wmode=transparent&jqoemcache=lZlb1" width="425"></iframe></div>
<p dir="rtl">
كان للأغنية الوطنيّة الفلسطينيّة في الشّتات مساهمات في تقديم الأغنية الملحميّة التي شكّل فيها البحر رمزا مركزيا من رموز البلاد. من أبرز هذه المساهمات أغاني فرقة العاشقين كأغنية "مشينا الدرب" وأغاني الفنّان الرّاحل أبو عرب كأغنية "هدّي يا بحر هدّي". في هذه الأغاني يظهر جليّا التّمييز بين بحر الشّتات والتّشرد وبين بحر الوطن، بين ميناء المنفى وميناء الوطن. قدّمت الأغاني حنين العودة من البحر إلى البحر. قُدّم البحر في معظم هذه الأغاني كبوّابة العودة لبرّ البلاد. إلّا أن هذه الأغاني، بخلاف الأغاني العربيّة التي ذكرت سابقا، لم تتوسّع في تفاصيل البحر، المدينة أو الميناء وركّزت على رمزيّة البحر ضمن الفعل المقاوم.</p>
<p dir="rtl">التّجربة الفلسطينيّة الأبرز في التعامل مع البحر ومدن الساحل هي تجربة فرقة "ولّعت" العكيّة. فرقة "ولعت" التي تأسّست في مدينة عكّا من موسيقيّين أبناء المدينة قدّمت نموذجا متقدّما في الخطاب الموسيقيّ البحريّ، خطابا يتوغّل في حياة أبناء المدينة، يلامس الحياة الاجتماعيّة، حياة البؤس والفقر تحت واقع سياسيّ واضطهاد قومي. مستخدما اللهجة العكيّة المرتبطة لدى الفلسطينيين بلهجة أهل البحر (بالإضافة الى لهجة أهل يافا) يدمج هذا النموذج بين معاني الصّمود، العيش والبقاء، وتقدّم المدينة كحارسة البحر. هذه اللهجة الأصيلة والتّعابير في مبنى الأغاني توحي تلقائيّا بانتماء الموسيقيّين للميناء وللبحر ولأغاني الصّيّادين. في أغاني "كيف"، " شوه القصّة"، "عكّا على راسي" و "لو شربوا البحر" نجد وصفا صوريّا يرمز للتحولات التي فرضت على المدينة وقلبت مجرى حياتهم إلى خطاب الصّمود والمرابطة في المدينة. أغاني فرقة ولّعت بكلماتها وموسيقاها بالإضافة لرمزيّة عكّا ومكانتها حوّلت أغاني الفرقة لأغان "وطنيّة" يردّدها الكثير من الفلسطينيّين.</p>
<div class="embeddedContent oembed-provider- oembed-provider-youtube" data-align="center" data-oembed="https://www.youtube.com/watch?v=SMlfUc5V9PQ" data-oembed_provider="youtube" data-resizetype="noresize" style="text-align:center"><iframe allowfullscreen="true" allowscriptaccess="always" frameborder="0" height="349" scrolling="no" src="//www.youtube.com/embed/SMlfUc5V9PQ?wmode=transparent&jqoemcache=7fMIk" width="425"></iframe></div>
<p dir="rtl">
مما تقدم، يمكن للقارئ وللمستمع أن يلمس دور الأغنية في الحفاظ على الذّاكرة الجمعيّة من جهة وعلى بلورة الهويّة الجمعيّة من جهة أخرى. في حمايتها للذّاكرة فهي تتحوّل لمادة توثيقية، أمّا في دورها في تشكيل وبلورة هويّة حول البحر فهي تتحوّل لأغنية سياسيّة فاعلة في الحراكات الوطنيّة المعاصرة. لكن وجود بعض الأغاني وتميز بعض التجارب (كفرقة ولعت تحديدا)، لا يعني، باعتقادي، أن الحالة الفلسطينية نجحت بإنتاج مشهدا موسيقيا بحريا وباحتضان حكاية الساحل الفلسطيني موسيقيا،  فهناك شبه غياب نوعي لسواحل غزة وعسقلان وأسدود مثلا (وبهذا السياق فهناك قصورا بالكتابة عن بحيرة طبريا)، بل هناك إخفاق في كثافة الإنتاج وتنوعه مدارسه. تداعيات الكارثة الديموغرافية، الاجتماعية والثقافية التي حلت بمدن الساحل بعد النكبة، تداعيات ما زالت مستمرة، تلعب دورا مركبا وحاسما في عرقلة هذا الإنتاج. من هنا تصبح هناك ضرورة لتكثيف البحث الأكاديمي الجاد حول النكبة التي حلت بالمشهد الثقافي الفلسطيني عام 1948 كمساهمة نوعية في بناء مشروع ثقافي جمعي.<br />
 </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ننشر المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطيني»، المشترك بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة» والفنون الذي تنظّمه الجمعيّة خلال هذا شهر.</span><br />
 </p>
<div data-oembed-url="https://omny.fm/shows/safahat/6b9bc6a4-a5e0-4f40-9123-aceb00c673d8/embed">
<div style="height:180px; left:0; position:relative; width:100%"><iframe allow="encrypted-media;" allowfullscreen="" src="https://omny.fm/shows/safahat/6b9bc6a4-a5e0-4f40-9123-aceb00c673d8/embed?style=cover" style="top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; position: absolute; border: 0;" tabindex="-1"></iframe></div>
</div>
<h5 dir="rtl">للاستماع إلى المزيد من المقالات، يمكنكم الاشتراك في خدمة <a href="https://www.sowt.com/ar/ashtrakat-swt/sfhat-swt" target="_blank" rel="noopener">«صفحات صوت»</a> إما من خلال الموقع أو تطبيق<a href="https://podcasts.apple.com/us/channel/safahat-sowt-%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%B5%D9%88%D8%AA/id6442484437" target="_blank" rel="noopener"> آبل بودكاست</a>.<br />
 </h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20324">موسيقى البحر... عن دور الأغنية في انتشال البحر من الغرق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>جزيرة كريت في زمن كورونا... فلسطين وسط البحر</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20322</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[آثر البرغوثي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 16 Dec 2020 09:44:07 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[الساحل الفلسطيني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ac%d8%b2%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b2%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%88%d8%b1%d9%88%d9%86%d8%a7-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%b3%d8%b7-%d8%a7%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كنت قلقاً من كل شيء بعد انقطاع لمدة تسع شهور عن كلّيتي في الجامعة وعن أي روتين يومي، لكن لم أرد إلغاء الرحلة إلى جزيرة كريت اليونانية التي خططت لها وجمعت ما يقارب الثمانية أشخاص لقضاء أسبوع على الجزيرة. بصفتي ابن الضفة الغربية، شعرت بواجب وطني تجاه كل أبناء جيل الجدار أن أسبح في البحر [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20322">جزيرة كريت في زمن كورونا... فلسطين وسط البحر</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">كنت قلقاً من كل شيء بعد انقطاع لمدة تسع شهور عن كلّيتي في الجامعة وعن أي روتين يومي، لكن لم أرد إلغاء الرحلة إلى جزيرة كريت اليونانية التي خططت لها وجمعت ما يقارب الثمانية أشخاص لقضاء أسبوع على الجزيرة. بصفتي ابن الضفة الغربية، شعرت بواجب وطني تجاه كل أبناء جيل الجدار أن أسبح في البحر المتوسط كل ما سنحت لي الفرصة.</p>
<p dir="rtl">لطالما كنت أخاف الطائرات، لكن مع الوقت اعتدت على الشعور، حسب قدر دوران الطائرة لحظة الإقلاع. لعلّ سعر التذكرة الذي يصل أحيانا إلى ما يساوي الثلاثين "شيكل" كان يضيف إلى الخوف، أو عدم الاقتناع بأن الطيران الذي ما زلت أنظر إليه نظرة الأطفال من الممكن أو من الصحيح أن يكون بهذا الرخص. كان الإقلاع كارثياً، وبعد رهبة دامت لأول ساعة على متن طائرة الـ"ريان إير" وهي أشبه بباص طائر، ضجرتُ من القلق، وأكملت لعب الضاما على هاتفي والاستماع إلى خمسة أغاني لجورج وسوف لا توجد غيرها على ذاكرة الهاتف، اخترتها لأنها تواسي الوحدة.</p>
<p dir="rtl">بعد الخروج من المطار ولِحظّنا دون الاضطرار للخضوع لفحص مرض الكورونا، صعدنا أول باص رأيناه واتجه بنا خلال ساعة لوسط المدينة، أنا وزميل إيرانيّ نعرف بعضنا البعض صدفةً لوجودنا في السكن نفسه في حيّ سوڤييتيّ جنوب مدينة "برنو" التشيكيّة.</p>
<p dir="rtl"> أوّل ملاحظاتنا كانت طبيعة الأرض التي لم يخفى على ملامحها مناخ البحر المتوسط، لكن لم نرَ غير ذلك، فقد وصلنا في الليل وكانت الجزيرة كاحلة. قلت لزميلي بأن منطقة المتوسط، بالنسبة لي، عالم لوحده، فقد اعتبرت مؤخرا التقسيم الجغرافيّ بين أوروبا والشرق الأوسط ولا شيء آخر، تقسيما مغالطا للواقع، فكيف لهولندا واليونان أن يصنّفا معا في جهة واحدة، مقابل الشام في جهة مقابلة؟ </p>
<p dir="rtl">بعد وصولنا لوسط البلد ما بين الحادية عشرة ومنتصف الليل، اتجهنا إلى أقرب شاطئ في الجهة الشمالية لمدينة "خانيا"، ووجدناه. شاطئ "نيا خورا"  كان أسود، أسود، مظلماً، صغير نسبياً ويقبع أمام شارع سياحيّ مضاء إضاءة خليطة ما بين إضاءة الشوارع الصغيرة في حيفا وإضاءة شبيهة بالأحياء الفقيرة في الأردن حيث تسكن نصف عائلتي المهجّرة الذين لم يعد من بينهم سوى أمي للعيش في الضفة الغربية. اجتاحني القلق مجددا، لكني اعتدته منذ فترة، وأحسست بقلبي ينبض سريعا وعقلي يخفّ، وبدأت أفكر فيما أتى بي إلى هنا، وبأن الرحيل من هنا سيكون أيضا على متن طائرة مزرية أخرى؛ كان منظر البحرِ الأسود يخيفني، يبدو وكأنه نهاية العالم ولا شيء إنسانيّ بعده، حيث أن النجوم تمتد أمام المرء وليس فوقه في أفق الليل فوق البحر المسطّح. شساعة لم أعرفها من قبل؛ هل قد عشت في قريتي في الضفة طويلا إلى حد أنني انصهرت معها ولا أقدر على فراقها أبدا؟ هل رأيت المنطقة نفسها طوال عمري إلى حد أن كل شيء جديد يبعث فيّ عدم الارتياح؟ فحتى في الأردن كنت أشعر بالعدم والغثيان بعد أيام قليلة من الإقامة فيها، كأن كل ما أفهمه ليس له أي وظيفة هنا، وكل الحقائق التي أعرفها لا تنطبق على هذه البقعة. لكني أعرف جيدا أنني أتكيف في البيئات الجديدة سريعا، وقد كنت لم أفكر بالعودة إلى قريتي بعد ما يقارب السنة من الرحيل إلى عالم آخر هو أوروبا الحديثة. لماذا إذن تبعث بي هذه الجزيرة رهبة كبيرة؟ فقذ ذهبت إلى مدن عديدة لا أعرف فيها شيئا مع جمعة من الأصدقاء وشعرت بنشوة الترحال في كل لحظة، وتعرضت حياتي للخطر ولم يكن لدي أي شك بأن مكروها من الممكن أن يصيبني. لكن الشاطئ هذا، هنا، يشبه ما قد أحلم به في قريتي، وليس ما يمكن أن أراه بعينيّ يوما ما. تلتقي السماء مع الأرض في السواد، والشهاب تتزاحم في السماء، لم أرَ هذا حتى في الداخل المحتلّ، أو ربما لم أتواجد هناك أياما كافية لأرى الشاطئ على هيئة تشبه هذه. ثم إن الكيان الفيزيائي لهذه الجزيرة العتيقة غير متصل بأرض أخرى، فهي قطعة وسط البحر الذي لا تبين نهايته، فكيف يشعر المرء باستقرار في مكان كهذا؟ ماذا يفعل قرويّ مثلي عاش في أراضٍ ثابتة على أرضٍ كهذه، لا صلة بينها وبين العالم؟ </p>
<p dir="rtl">التقينا بصديقات شاركننا الرحلة إبحارا من أثينا، وقد جلسنا سويا على الرمل، هم يضحكون وأنا أدفع بالضحك إلى خارج صدري، خائفا من النظر إلى النجوم، قلقا من عودتي في طائرة أخرى لأرض مجهولة أخرى وأندب حظي على "علقة" الكورونا. أنظر بين الحين والآخر إلى فخذَي إحدى صديقاتي، فتاة مولدوفية عاشت حياتها في أثينا على حد علمي، ولا أشعر بأيّ شيء في داخلي، لا رغبة في شيء لم يعد موجودا، وما هو هذا الشيء، فإني لا أعلم، كان موجودا أيام المراهقة واختفى أو تضائل إلى حد أنني لم أعد ألحظه.</p>
<p dir="rtl">"لا أحتاج لأن أحتاج</p>
<p dir="rtl">أحتاج لأن أُحَبّ"</p>
<p dir="rtl">وفي هذه البلاد الحرة المتحررة، ممَّ؟ لا أعلم أيضا، لم أجد الحب، لا رغبة متّقدة كتلك خاصة مراهقي جيل الجدار أثناء خروجهم للصيد في رام الله. هذه الفتاة الفاتنة أمامي ذات الجسد الأنثوي والشخصية الحبّابة وبرج العذراء، الذي غالبا ما تُغرمنَ نسائه بي، هذه الفتاة هي سبب سفري... هذا وتوقي للتجربة الذي لبّيته دون تقصير في أول سنة لي في أوروبا، والتي قد تكون الأخيرة. هذه الفتاة أمامي ذات الملامح الشاميّة هي من قادتني إلى شساعة العالم التي لم أكترث لها يوما. طوال عمري اكترثت بما هو لي، جبلي، عائلتي، بلدي التي اقتصرت الآن تسميتها على الضفة، وليس حتى على كل الضفة، لكنها لي! لا يتوجب أن أقبّل يد أحد لأكون فيها، تحتوي على كل ما أريده شخصيا لو استطعت يوما &#39;جعلكتها&#39; لما أريد. هذه الفتاة قادتني إلى الشاطئ الأسود، حيث استلقينا تحت النجوم وأخذنا نغني أغنية Poso Lypamae، أغنية يونانية يعرف لحنها العرب من أغنية "يا مسافر وحدك" لعبد الوهاب. واستمرّ قلبي بالنبض سريعا، وأنا أتساءل إن كنت سأنتصر على هذه الرحلة، أم أن هذه نهايتي. </p>
<p dir="rtl">ذهبنا في اليوم التالي إلى شاطئ آخر مع عشرة يونانيين، شاطئ "إيلافونيسي" المشهور، يشبه ترويجات المشربات الغازية على التلفاز. في الطريق رأيت جبالا لم أر بحجمها في حياتي، تشبه جبال أريحا وقممها في الغيوم، وأشجار زيتون لا حصر لها، تملأ الجبال كما في فلسطين. لم يزُل قلقي على هذا الشاطئ، حتى قالت لي أمي عبر الهاتف </p>
<p dir="rtl">"تبنيش عالماضي، تعملش مقارنات"، </p>
<p dir="rtl">ولم يسترح قلبي المتسارع حتى قررت استعماله للسباحة، فأصبحت له غاية من التسارع، وكنت الآن في داخل هذا البحر الشاسع الذي يرهبني وأنا على جزيرة في منتصفه، أما وأنا في داخله فإنه حلم يصبح حقيقة، ولست معتادا أنا على الأحلام أن تتحقق، تنحدر من خيال غنيّ مقدّس إلى واقع فارغ، لا يمكن "جعلكته" إلى أي شيء، لا يشعر المرء تجاهه بالنفَس المحمّل بالشهية، النفَس الذي اعتدناه. لم يكن هنالك أي منطق من تواجد هذا الكم من الخفّة والثقل في حياة إنسان واحد.</p>
<p dir="rtl">بعد نهار من السباحة، والمحاولات القليلة والبسيطة لجسّ نبض الفتاة المولدوفية حول أية رغبات قد تكنّها، فقدت الاهتمام كعادتي، فهذا المخلوق الأنثوي لن أعتاد طباعه في أي وقت قريب في حياتي. صعدنا الباص كلنا، مع جماعة أخرى كنا التقينا بهم صدفة فزاد عددنا، وعدنا إلى المدينة حيث كان من المنتظر أن نلتقي بأحد الشخصيات التي ستغيّر مجرى قصتنا.</p>
<p dir="rtl">أتساءل الآن ما مغزى هذه الرحلة. لا مكان لهذا الرغد في روحي، فأنا أعرف نفسي وليس البحر نفسه ما أتوق إليه، بل السياق الذي يأتي فيه البحر، والآن وهو معرّىً من سياقه يضمحل أمامي إلى مجرد مياه ومياه، ومياه. هل كانت كتب كازانتزاكيس التي أحضرتني هنا، كما كانت قد أذهبتني كتب كونديرا إلى جنازة اسمها جمهورية التشيك، هل كانت كلها خيالات في داخل عقله. هل كانت تجتاحني فكرة أن فلسطين تاريخيا قد أنشأها مهاجرون من هذه الجزيرة التي تشبه شبها مهيبا بلادي؟ هل كانت شهوتي بالمتوسّط هي التي قادتني إليه بعد عشرين عام من النظر نحوه من أعلى جبال قريتي، وكيف كانت قد تكون الحياة لولا الجدار؟ تبدو لي مخيفة الآن، فالجدار مبنيّ في قلبي، هو يعطي المعنى لكل شيء. </p>
<p dir="rtl">على أي حال، إنني هنا وعقلي مشغول منذ جئت، وتعمل نفسيتي فقط على إمضاء كل يوم بيومه. لم أعد أسمع أو أرى أحدا وسط هذه الغرابة، غرابة تشبه الأردن لكن وسط المياه، جبال لا نراها بوضوح بسبب الشمس القاتلة وغبار المسافات، جبال ملئى بزيتون أكثر مما رأيت في حياتي كلها، كأنها طريق جسر الأردن من عمّان على ساحلٍ لا نهاية له. لا بدّ وأن هنالك مغزىً من كل هذه الرحلة سيتّضح في النهاية الغامضة.</p>
<p dir="rtl">بعد انتظارنا له ما يقارب الساعة في محطة الباصات، هاتفني وهو يقول بأنه منذ نصف ساعة ينتظر بي في شقتنا. تركتُ الفتيات وصعدت تاكسي عائدا للمنزل. نحن هنا منذ يوم ونصف، ونسميه منزل؛ ما الفرق بين السفر والهجرة؟ وبين الهجرة والموت؟ هذه أشياء يجهلها عقلي اليافع. أفكار مسممة تبعث فيّ عدم الارتياح.</p>
<p dir="rtl">وصلتُ المنزل ورأيته ينتظر على الدرج، شاب إيطاليّ كان قد عاش معي لنصف سنة، لي معه ذكريات وضحكات لا نهاية لها. دفعتُ للتاكسي وصعدت عبر البلكونة الطويلة المشتركة بين كل المقيمين في الطابق الأول، وبعد المزاح عن مغامرات سابقة، جلسنا نستمع لجورج وسوف ونلعب الضاما، فقد كان من هواة الشطرنج وما يماثله. تعرّفت على صديقه الذي أتى معه، مغربيّ يعيش في جبال بولونيا منذ العمر الحادي عشر، أبوه كان مهاجرا عبر البحر وبعد سنين من العيش في إيطاليا تمكن من إحضار ابنه، وهذا الأخير منذ أربع سنين لم يغادر مدينته لأنه يستفيق على الساعة الخامسة فجرا ليلحق قطار الساعة الثامنة للعمل في مصنع حديد، ويعود ليلا مجددا. قال لي بأن في أشهره الأولى في إيطاليا كان يعمل لعشرة ساعات ويتلقى أجرة خمسة.</p>
<p dir="rtl">تجادلنا حول ما سنفعل في هذه الليلة، فقد وصلوا هم إلى هنا في الساعة العاشرة، ولا يملك أحدنا أي نقود لسيارة أجرة، ولا توجد باصات في الليل على هذه الجزيرة التي لا يعرف حتى "جوجل" أي شيء عن مواصلاتها. قررنا المبيت هذه الليلة لنوفّر الطاقة لنبدأ رحلتنا غدا، لكن هذا القرار سقط بعد ثلاث ساعات، حين تحمّس الإيطاليّ في ربع ثانية وهو لا يرتدي سوى الـ"بوكسر" وأمر صديقه بالوقوف ليذهبا إلى الساحل. لم أستطع تركه يخوض مغامرة لوحده، فخرجنا كلنا على الواحدة بعد منتصف الليل نحو الشاطئ الذي يبعد ساعة سيرا. وجدنا في الطريق سيارة أجرة بالمصادفة واستقليناها نحو صراف آلي لندفع له، ثم إلى الشاطئ. كانت هذه هي اللحظة التي بدى فيها كل شيء عاديّا، أخيرا، بعد قلق لم ينقطع لفترة بدت لانهائية.</p>
<p dir="rtl">كانت الفتيات الثلاثة، وعدد من الأشخاص الجديدين، يجلسون على المقاعد البلاستيكية بجانب البحر، ولم يأخذنا الكثير من الوقت لننزل للسباحة. ذات الشاطئ الأسود الكاحل مرة أخرى والنجوم التي لا تشوّش رؤيتها أي غيوم، سماء تبدو ممتطّة مقارنة بسمائي القروية، وأمامي المولدوفية وصديقتها، والإيطاليّ والمغربيّ، ولا شيء آخر غير المياه السوداء التي تتشابك مع السماء المتلألئة بالنجوم في نقطة غير واضحة. "صفنت" في هذه اللحظة التي تشبه خيالي، وسبحنا لساعات سباحة لا يشبع منها المرء أبدا. ما زالت هذه الليلة معلّة في ذاكرتي، لم تنتهي حتى الآن.</p>
<p dir="rtl">تحت حرّ ظهيرة اليوم التالي، مشينا شارعا كان من الممكن أن يكون في أي قرية في ريف الضفّة. ذهبنا بالباص إلى وسط المدينة ومارسنا الروتين المقدّس لدى الإيطاليّ، شربنا كوبا من الإسبرسو في مقهى بينما كنا نبحث عن مكان يمكنه إيجارنا سيارة لثلاث أيام. نجح المشروع وحصلنا على سيارة "مايكرا"، والتي ينسابها اسمها، فهي مايكروسكوبية، وتركناها مركونة دون قيادة لنلتقي بالفتيات في مطعم ما للغداء. أكلنا صحنين من "ورق الدوالي" على طاولة مجاورة لطاولتهنّ، ثم قدّم لنا النادل هدية مجانية من قطعة حلوى لكل شخص وزجاجة من مشروب الراكي الشعبيّ لكل طاولة. اتفقنا بعد أن انتهينا أن نذهب إلى شاطئ مشهور يبعد ساعة عن المدينة لأن السيارة كانت بحوزتنا، وفي اليوم التالي كان علينا الذهاب إلى مسار مشهور عبر جبال كريت من الصباح حتى المساء ولن تتسنى لنا قيادة السيارة. انطلقنا قبل الفتيات في المايكرا، وكنت أقلّب بالأغاني بين العربيّة واليونانية، اللاتان لا فرق بينهما لأذن غريبة، وخلال ذلك أنظر من الشباك وأصوّر حقول الزيتون والحشائش والبلّوط التي لا نهاية مرئية لها، مثبّتا قبّعتي القشّ على رأسي لأن لا تأخذها الرياح. </p>
<p dir="rtl">بدأت الجبال التي نقود عليها بالعلوّ، وأصبحنا لا نرى سيارات أخرى على الشارع. بعد نصف ساعة من بانوراما المساحات، وصلنا إلى نهاية رأس جبل وفيه مركن للسيارات لا توجد فيه غير سيارة مزارع. أكملت المايكرا طريقها بضع أمتار، فانكشف أمامنا علوّ شاهق - ولم أعرف معنى هذه الكلمة حتى رأيت جبال كريت – وظهر تحت الجبل الذي كنا عليه جبل آخر يمتدّ تحته البحر في كلّ الجهات بلا حدود. كان البحر أكبر وأشسع من أي شيء رأيته في حياتي، وكنتُ كمن شهد لتوّه جريمة قتل وتمنى لو أنه لم يكن قد نظر إليها أبدا. كلنا أخذنا نصوّر، بينما كانت تهبط المايكرا منعطفا تلو الآخر، وأنا متمسّك بمقبض الباب بشدّة ولا أطيق النظر بعيدا عن الأرض تحتي. وصلنا نهاية الشارع المنحدر وركنّا السيارة، خرجتُ بقبعتي وأبصرت أمامي الشاطئ الذي يدعى "سيتان"، بين جبلين منفلقين تتسلقهما المعز وبينهما تراب أبيض وبضع أشجار تشبه شيئا من الزيتون والكينا بورق يشبه ورق الغار، وكان النظر من أعلى الجرف الذي نقف عليه إلى أسفل الحافة مثل النظر في عيون الـ"شيطان" فعلا. أثارت المنطقة بارتفاعاتها قلقي في البداية، ثم سبحنا في موج هائج يسحب المرء إلى الداخل كالميغناطيس، فلم يذهب أحد ممن كانوا هناك إلى أبعد من بضع أمتار، باستثناء الإيطاليّ، فقد كان في منتصف طريق الفلقة بين الجبلين إلى البحر، ولم أدر كيف تمكن من العودة حيّا دون أي مجهود. كان هذا الشاب قد تربّى في قرية جبلية في منطقة قريبة من بولونيا، عدد أفرادها 100، ويبدو أن بعد طفولة كهذه يرى المرء العالم كأنه ملعب كرة قدم. أما من منظور آخر، فقد كان هذا إنسانا حرّا سافر كل أنحاء أوروبا دون الاضطرار لإصدار جواز سفر، مثله مثل الفتيات اليونانيات اللاتي تبحرن إلى جزيرة مختلفة كل أسبوعين. لم أدر مَن كان الضحية هنا، أنا أم هم.</p>
<p dir="rtl">قبل غروب الشمس بما يقارب الساعة، بعد اختفائها تماما من شاطئ سيتان، ظهرن الفتيات من أعلى الجبل ينحدرن عن صخور الجبل ببطئ، واقترح الإيطالي مازحا أن نهرب من الجهة الأخرى أو نسبح لجزيرة أخرة لأننا مللنا الشاطئ ولم نرد البقاء لساعات أخرى. كل تفاصيل ما تبقى من النهار كانت غير مهمة، باستثناء أنني اغتنمت كل فرصة للمزاح مع المولدوفية؛ أرشقها بالماء حين تنشف، وأشدها من يدها حين تدخل المياه مجددا لنقع سويّا في هدوء الموج المتخابط.</p>
<p dir="rtl">في طريقنا عودة إلى المنزل، توقفنا بالقرب من أول مطعم وجدناه ونزلنا أربعتنا حيث أن الفتيات ذهبن طريقهن عائدات إلى المدينة. كان المطعم على زاوية شارع هادئ مليء بالبيوت، بشبه مطعم "جاسمن" في الطيرة، تحيطه أشجار الزيتون وتديره شابة بدت في أواخر العشرينات، تمزح مع الجميع وتضحك دائما مثل بقية الشعب اليوناني. بعد عشاء من أسياخ الكباب وما إلى ذلك، ركبنا المايكرا مرة أخرى، وفي اللحظات التي كانت الرياح تهبّ علينا من الشبابيك تحت أضواء الليل، زال القلق من قلبي كأنه لم يكن موجودا. كان كل ما أردته أساسا هو قضاء وقت خفيف مع هذا الشاب الذي افتقدته في الشهور الماضية الفارغة، وفي لحظات كتلك كنت أصحو من اجتياحات التفكير المهيمن وتبدو وكأنها لم تكن أصلا. ركنّا السيارة على رصيف بجانب مزرعة للدجاج والخراف، لكن وقتها كانت الليلة مظلمة ولم نكن قد رأينا أية حيوانات. خلدنا إلى النوم استعدادا لأن نستفيق في الصباح التالي في الساعة الخامسة لنذهب إلى مسار مشهور في جبال كريت.</p>
<p dir="rtl">رنّ المنبه الأول، ثم الثاني ولا أدري كم بعده ولم يستيقظ أحد إلا حين بقي لدينا عشر دقائق للوصول إلى وسط البلد لنلتحق بالباص، فهرعنا باللباس بينما كان الغثيان يصيبنا كلنا من قلة النوم، وكان المغربيّ ينطلق بسرعة في السيارة ثم يتوقف فجأة عند إشارة "قف"، ثم ينتظر الإشارة الحمراء وما إن تصبح خضراء يحاول الانطلاق لكن تنطفئ المايكرا في منتصف تقاطع الطرق الفارغة. وصلنا قبل الباص بدقائق والتقينا بالبقية، ثم ركبناه لثلاث ساعات من النعاس والشمس الصباحية والجبال التي تتعالى وبين الحين والآخر يلقي أحد نكتة من مسلسل "فريندز" الذي كنا قد حفظناه كلنا. وصلنا موقف باصات بجانبه مطعم اشترينا منه بعض المأكولات للطريق وقهوة الصباح التي شرب منها الإيطالي رشفة وألقى بها في القمامة، مع أنها كانت على حسابي، لأنها "أميريكانو" وهو لا يشرب غير الإسبرسو الإيطالي. دخلنا المسار من أعلى جبل كان الأول في سلسلة جبال مضيق "ساماريا" المشهور، كان قد انشقّ المضيق بفعل نهر جارٍ بين مجموعة من الجبال، يمتدّ حتى قرية ساحلية. كان ما رأيته أمامي مخيفا ويثير الدوار، جبلٌ رفعت رأسي ولم أرَ آخره، ونظرت إلى الوادي أسفله فكانت تفاصيل الوادي غير مرئية. أبقيت نظري على المسار والتقطت صورة بين الحين والآخر. عندما سألنا عن مسافة المسار، ندبنا حظنا على الجواب، فقد كان 15 كيلومترا من الطريق المجندلة أخذتنا في النهاية 5 ساعات لإنهائها.</p>
<p dir="rtl">سرنا وسرنا، نمزج ونضحك طوال الطريق، ننتظر هذا ونلحق ذاك، أقول نكتة فتضحك المولدوفية، ثم نخطط للرحلة القادمة إلى إيطاليا أو فلسطين، ونسأل كل مئة مترٍ عن المسافة الباقية للطريق. حين نظرت في تلك الطبيعة التي ظننت، في إجازتي الصغيرة من دولة وسط أوروبا – دولة مسطّحة وذات أجواءٍ غريبة عليّ، بأنها ستكون طبيعة تشبه دياري وتشعرني بالانتماء والأمان، وبالارتياح من هذا القلق كله – ظننت بأن فلسطينيا يزور هكذا جبال لن يكون ليفكّر بالرحيل أبدا، فعندما كنت أشاهد فيلم الـ"Godfather" وأرى المشاهد المصوّرة في جزيرة صقلية التي كانت قديما تحت سيطرة العرب، كنت أقول بأن الحياة المثالية هي أن يتوافد المرء بين مكان ولادته في فلسطين وبين مكان كهذا، يشبهه لكن يفوقه شساعة وحرية. لكني في جبال ساماريا، التي لم تفاجئ ارتفاعاتها صديقي الإيطالي لأنه من قرية جبلية أعلى من هذه بكثير كما وصف، لم أشعر برفق الطبيعة نحو الإنسان، فهذه الجبال من المستحيل تسلقها أو مصاحبتها، وطبعا إنني أجنبيّ هنا وسائح لا يبدو من الخارج بأنه يختلف عن أيّ أوروبي أو أمريكي أتى لهذه المنطقة ليقضي أسبوعا على الشاطئ ليكتسب لونا برونزيا وبضع الصور من أجل حساباته على مواقع التواصل. وربما لا أختلف عنهم فعلا، فقد أشعرتني هذه الجبال بأنني نملة، وكيف يشعر المرء بأي أهميّة شخصية بعد أن رأى عظَمة جبال ساماريا وارتفاعات إيلافونيسي؟ هل فتى القرية الذي في داخلي عاجزٌ عن الاتّساع ورؤية شيء غير المألوف عليه؟ هل كان وهما أنني في النصف الأول من السنة وأنا أسافر من بودابيست هاربا من عصابة هنغارية إلى أثينا مستقلا باصا ثم قطارا ثم طائرة مع رفيقيّ الإيطاليّ والفرنسيّ بكلّ اعتياد وضجر، كأنني شخصية "بول كيمب" من رواية أو فيلم The Rum Diary؟ كنت معجبا إعجابا شديدا بأن أكون رحّالا يجوب العالم كأنه قريته، وكنت فعلا قد أصبحت ذلك، لكن ماذا حصل؟ هل أوقفت الكورونا العالم كلّه كي تذكّرني أنا شخصيا من أنا، ومن أيّ شوارعٍ اسمنتية أتيت وفهمت من خلالها العالم كلّه، وهل أصبح ذلك الفهم الآن معدوم؟ هل كلّ الكتب التي قرأتها وأنا اتأمل فلسطيني الصغيرة كانت تعني شيئا آخَر؟ هل أنا، جوهريّا، إنسان ذو عقل طبيعيّ قادر على استيعاب العالم خارج الجدار؟ لقد تسرّب شاطئ "نيا خورا" إلى داخل قلبي وأعدم كلّ ما فيّ من ثقة في النفس، ثقةٌ وطريقة في فهم الدنيا لا أعلم إن كنت قادرا على استرجاعها مرة أخرى. كنت قد سعيت من خلال سفري إلى رؤية تلك الغرائب الغير مألوفة التي يتحدث عنها المسافرون والشعراء، لكي أتّسع كإنسان، لكني وقد خرجت من فقاعة راحتي وابتعدت عن المألوف، أشعر بشيء من الاغتصاب، كأنني متّ والآن أنظر إلى الحياة التي كانت بحوزتي من بعدٍ آخر، إلى أقربائي وكلّ من عرفتهم يعيشون في ذلك العالَم الذي كنت فيه قبل أقل من سنة، والآن أصبحتُ مجرّد ذكرى فيه، وأصبح هو بعيد...</p>
<p dir="rtl">"مَن أراك هذا الطريقَ البعيد</p>
<p dir="rtl">مَن أراك هذا الطريقَ البعيد</p>
<p dir="rtl">إلى ’ساو تومي‘</p>
<p dir="rtl">حنينٌ، حنينٌ، حنينٌ،</p>
<p dir="rtl">إلى أرضي تلك</p>
<p dir="rtl">’ساو نيكلاو‘ "</p>
<p dir="rtl">مررنا بلانهائية من الصخور والبلوط والسرو والصنوبر والمياه الجوفية والطرق المنحدرة ثم الصاعدة ثم المستقيمة ومن فوق جسور صغيرة، مررنا بأشخاص مجهولين من مجموعات أخرى وحمارا بين الحين والآخر، وحجرا كل ألف متر يشير لنا بأننا انتهينا من مرحلة وابتدأنا بأخرى، وأحادث المغربي بلهجة جزائرية مؤلّفة لنتمكن من التواصل، والإيطاليّ عن ذكريات السنة السابقة، واليونانيات عن معلومات عن اليونان والعرب والأدب لم يأبه لها أحد ولا حتى هنّ. بعد الثلث الأول من الطريق الذي كنا نمزح فيه ونرمي نكتة بين الفينة والأخرى، والثلث الثاني الذي التقطنا فيه الصّور وبدأنا بعدّ الخطوات حتى الحجر القادم، وصلنا الثلث الأخير الذي يبدو حتى اليوم بأنه لم ينتهي. بدأت أقلق من أن تضربني الشمس لسبب غير منطقي، أو أن يكون انهيار نفسيتي قد يأتي قبل أن تأتي نهاية الطريق ونرى ذلك الشاطئ الموعود، أو أن يحدث شيء ما لأحد ولا نجدة لنا حيث لم تكن تعمل الهواتف في تلك البقعة الواسعة من الجزيرة، فقد كنا ثلاثتنا قد سبقنا الآخرين مرورا بالينابيع والجسور والسيّاح والصخور التي يصعب المشي عليها، وكان المشوّق قد تحوّل إلى مملّ، وحتى مزعج. كانت آخر 5 كيلومترات جحيم، واتّفقنا على سوء القرار بأن نفعل هذا في إجازة مخصصة للراحة مع أننا لم نندم على المجيء ورؤية هكذا طبيعة، وبعد السير مثل العساكر دون حديث أو وقوف لما يقارب الساعة، وصلنا إلى بار صغير مكتوب بجانبه على لوحة خشبية: "تهانينا! لقد اجتزتم مسار شقّ سماريا!" وجلسنا بأقدامنا المتورّمة على طاولة في الخارج نشرب العصير والماء، غير قادرين على الحركة. قررنا أن نكمل طريقنا وننتظر الجميع على الشاطئ لأننا سبقناهم بوقت طويل، فأكملنا حتى وجدنا مكانا فيه بضع طاولات ينتظر فيها الركاب باصا يذهب إلى قرية "سماريا" الساحلية، وصعدنا الباص حين أتى وكان مثل الباصات العمومية في الأردن. لا أذكر اللحظة التي رأينا فيها البحر، فقد أصبح ذلك المنظر عاديا، لكن تفاجأنا بأن لا رمال على الشاطئ، بَل كان كله من الحصى الأسود الذي يحترق تحت حرّ ظهيرة شهر آب، ولم أرد حتى السباحة بل صعدت إلى مطعم مطلّ لأشرب الليموناضة التي أيضا خيّبت الأمل بأنها ليمون وماء فقط. هل في نهاية كل هذه المصاعب سيخيب أملي في كلّ مرة؟ أصنع الموسيقى التي لا يسمعها أحد، أكتب المقالات التي لا يعلّق عليها أحد وعليها بضع مئات المشاهدات والعشرات منها مشاهداتي، أرى روايات تبدأ وتنتهي أمامي ولا يدري بها غيري...</p>
<p dir="rtl">حين أتى البقية سبحنا قليلا ثم انطهينا على حصى الشاطئ جالسين على مؤخراتنا المحترقة، ننتظر السفينة التي ستأخذنا إلى ما ظننت أنها مدينة "خانيا" لكنها كانت قرية أخرى استقلّينا منها باصا آخر وصعد بنا إلى ارتفاعات أخرى أخافتني من النظر إلى خارج الشبّاك مرة أخرى. سار بنا الباص من الجهة الليبية للجزيرة إلى الشمالية، عودة إلى مدينتنا وإلى شقتنا الواقعة في حيّ لا حركة فيه، وبعد كل هذا انطلقنا إلى الشاطئ مرة أخرى في أواخر الليل وكانت عقولنا قد انطفأت من التعب. باشر الجميع بالشرب، وانضم إليهم بضع شباب تافهين قد التقوا بهم صدفة ويلعبون نفس ألعاب الشرب التي تلعبها باقي القارة، "جرأة أم حقيقة" وما شابه، وذهبت أنا أتمشى جيئة وذهابا على شاطئ "نيا خورا"، أحادث صديقاً من البلاد عبر الهاتف وأجلس على حافة خشبية، ثم تأتي لي المولدوفية لتسألني إن كنت بخير وتظهر لي القلق الأموميّ وتسأل لمَ لا أجلس معهم، ليس من فيض حبها بل من فيض سكرها، فتتحوّل رغبتي بها إلى اشمئزاز لهذا الوجه الذي يخرج من الناس بفعل السكر. الوجه الصادق الذي لو بقي ظاهرا طوال الوقت لكان العالم أبسط، لكن الجميع يحتاجون إلى بعض الكحول ليتحدّثون بصدق على ما يبدو. كان عيد ميلاد الشاب الإيرانيّ، فبقي مع البقية من السذّج ليحتفل، وذهبنا ثلاثتنا – العرب والإيطالي – إلى الشقة، وكنت أتسائل في عقلي من سينام الليلة في السرير مع المولدوفية، ولماذا هو وليس أنا، وكم مرة، وإلى متى؟</p>
<p dir="rtl">استفقت في الصباح بجانب زوجتي، الإيطاليّ. كان قد جاء اليوم الأخير له. سنختصر هذا اليوم بشاطئ جديد عاديّ وسباحة ومايكرا وأغاني وطرق سريعة، ركبنا فيه أريكة بحرية يجرها قارب بسرعة فائقة، وكانت تجربة مضحكة ومؤلمة، لم يتحقق فيها حلم الإيطاليّ بأن تطير إحدى الفتيات من الأريكة إلى البحر، ثم جاء الليل. اتفقنا كلنا على الذهاب للمطعم ذاته الذي اكتشفناه في عودتنا من "سيتان"، ذهبنا نحن بالمايكرا ثم أتت الفتيات ترتدي كل منهن أرقى ما عندها. يصرخ الإيطالي على الهاتف كالعادة، فقد قررت إيطاليا اليوم بأن كل من يعود من الخارج عليها دخول الحجر لأسبوعين، ثم أشعل سيجارة حقيقية بدل الإلكترونية وقال "أنا أدخن هذه السجائر فقط إن كنت مسرورا جدا جدا أو غاضبا جدا جدا... لكن خلَص، لن أفكر في ذلك الآن، فلنأكل العشاء"، وملأت المأكولات الطاولةَ والأنابيذُ والبيرة والراكي كلَّ الكؤوس واللحومُ بأنواعها كلَّ الصحون، وضحكنا على اكتشاف الإيطاليّ بأن جيراننا الغجر سرقوا منه مئة يورو، وكنت أقف لأتمشى إلى الخارج أو إلى الحمام لألتقط أنفاسي بعدما كانت تجتاحني نوبات فزع عند النظر إلى الليل الأسود الذي لا يفتح فاه بأي تفسير، على هذه الأرض التي تطفو وسط البحر وتبتعد عن أي جزء من العالم، كأنها في الفضاء وحدها وكل حياتي على الأرض مجرد حلم وانتهى.</p>
<p dir="rtl">لا أذكر كيف ومتى رحلا رفيقاي، لكن الإيطالي لم يرحل دون الانتقام من الغجر فسرق منهم "شبشب". وأتى اليوم الأخير الذي كنت أخافه طوال الأسبوع، حيث رحل في الصباح اثنين وسيرحل في الليل البقية، وكان يوما فائق الجمال. ابتدأنا برحلة إلى سوق البلدة القديم حيث تباع أصناف الزيتون والليف الإسفنجية والصور الإباحية والتذكارات السياحية والأسماك المحنطة. انطلقنا بعدها خلال أزقة حجرية وردية لاستكشاف مركز المدينة، وأدركت بأن الرفيقين أتيا وذهبا ولم يريا مركز المدينة، وجلسنا في مطعم نستمع إلى عزف ثنائي بزق وجيتار، وطلبت الكباب مع الحمص وخبز الـ"قماج" الذي افتقدت إليه منذ سنة، بينما طلبت المولدوفية طبق من الحلزون وتجرّأت الجميع بالأكل منه، فلم أقبل التحدي طبعا. مضى اليوم وأتى الغروب، وذهبنا إلى المرفأ حيث تضج المطاعم بالموسيقى والشوارع تفيض بالسياح وفنّاني الشوارع من رسامين وعازفين ومغنيين. وفي زاوية بعيدة من الميناء، كانت تجلس لاجئة عربية تدق الطبلة الشرقية مقابل بضع العملات وتردّ الشكر باليونانية لمن يضع شيئا في سلتها، وأبعد بقليل منها كان يونانيا يعزف على البزق ألحانا تحمل من الشجن ما لا يمكن وضعه بالكلمات، كأن إله البحر "بوسايدون" كان يطوف فوقه ويملي عليه ما في قلبه. تجولنا هناك حتى الغسق، والتقطنا الصور الأخيرة لنا مع بعضنا، غالبا الأخيرة إلى الأبد. سرنا إلى موقف الباصات وودعناهن، وذهبن، في باص يقود إلى سفينة عائدة إلى أثينا، وبقيت أنا وشاب لا أعرفه جيدا، بل ليس هنالك ما يعرف عنه، وصديقته التي تساويه بالدهاء، وباقي الليلة غير مهم، ولا بداية اليوم التالي.</p>
<p dir="rtl">لم يكن هنالك إلا "نيا خورا" لتمضية باقي اليوم، فطائرتنا في المساء ورحيلنا الأخير من الشقة كان في الصباح. التقطت بضع صور لذلك الحي الذي يطابق قريتي بالمظهر، ورحلت متأملا تفاصيله؛ حبائل الحشائش والزيتون والبلوط والصبّار والصراصير المزعّقة في حرّ الظهيرة. وصلنا الشاطئ وأمضينا اليوم في السباحة والتقاط الصور والاستماع إلى الأغاني على سماعة صغيرة. دخلت الشاطئ ونظرت، ولاحظت فقلت لرفيقي بأننا أخيرا رأينا نيا خورا في النهار! وكان يبدو عاديا جدا، والسماء قريبة، والمدينة مجردة من سحرها الليلي. و..."في هذه اللحظة كانوا قد رحلوا كلهم. في غضون يومين، لم يبق أحد على الجزيرة لأضحك معه، وأضحكه بنكاتي الحذقة. كل ما كان يقلقني ذهب، واختفى القلق كله وساد مكانه الحزن، على تجربة أخرى تمرّ على قلبي الغير متعاون، على فتاة أخرى أقترب من روحها إلى المرحلة ما قبل الأخيرة، "والحدود التي أوقفتني أوقفتني"، على وداع آخر وقد كرهت طوال عمري الوداعات والبدايات بل وغمرتُ روحي في وسط التجربة وعشقتها عشقا لا حدود له ولم أشأ أبدا انتهاء أي مرحلة بل غادرت رغما عني، والآن أسبح وحدي على شاطئ نيا خورا وأريد أن أفيض على البحر بالبكاء. إنني أفتقدهم، بكل حقّ، ولأول مرة منذ زمن أشعر بهكذا صدق في الإحساس، فعدنما أذكر ليلة كنا أربعتنا في البحر الأسود، وأذكرها تبتسم بطريقتها الساحرة التي تبتسم بها، وأذكر ذلك الإيطالي المجنون الذي يعيش في الدنيا كأنها دار أبيه،" ... وهنا انقطع النصّ من مذكراتي لأن دموعي فاضت ولم أشأ أن يلاحظا رفيقاي، فتركت المقعد ونزلت إلى الماء مديرا ظهري لهم، وأجهشت بالبكاء بينما غمرتني المياه إلى رقبتي، وجهي الساخن كوجه الطفل يلتقي بفتور البحر، وأظن أن في لحظة ما نظر إليّ الشاب بطريقة غريبة ولاحظ فيها أن احمرار عيوني لا يشبه احمرارا قد تسببه السباحة، لكنه لم يقل شيئا.</p>
<p dir="rtl">تقول آخر فقرة في مذكراتي:</p>
<p dir="rtl">"أريدُ فقط الرحيل، فهذه الجزيرة أصبحت جرحا عليه أن يندمل. سأعود إلى الشرق حيث الأرض ثابتة، بعيدا عن هذا البحر القاسي. تعود إليّ ذكريات صباحات مبكرة، وقت بزوغ السحَر على قريتي بعد رحيل الجيش وأجسادنا متعبة من ليالي المواجهات والركض في الجبال، حياتنا الساحرة التي لا يراها أحد، وتجارب دفعتنا للرحيل لنخبر العالم روايتنا، واكتشاف أن لا أحد يعرف حتى بإمكانية وجود سحر كهذا في الدنيا. إنني أمقت الحريّة، والخفة، والسعادة السطحية، واكتشفت بأنني لا أريد من العالم الخارجي شيئا إن لم يكن يأتي في سياق حياتنا كأبناء جيل الجدار، لا تعنيني تجربة إن لم أستطع إحضارها إلى الديار، فجذوري أقوى من أن تُقتلع وتُنقل إلى أرض أقل خصوبة".</p>
<p dir="rtl">أذكر منظر الجبال الكريتية ونحن في الباص إلى المطار، وكانت رؤوسها فوق الغيوم تغمرها الثلوج في منتصف شهر آب. انتهت الرحلة واتّضحت كل مخاوفي بأنها أوهام، حتى الطائرة الرخصية التي تلبّست عقلي طوال الوقت انطلقت بهدوء دون أي التواء، ولا زلت لا أدري إن كانت هذه الـ كريت التي رأيتها حقيقية أم هي في عقلي، وهل السفر، أصلاً، فعل طبيعي وعاديّ، أم لا يجب القيام به أبداً. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20322">جزيرة كريت في زمن كورونا... فلسطين وسط البحر</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حزن شجرة البرتقال (لوحات)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20316</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[إيمان حرم]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 12 Dec 2020 12:23:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<category><![CDATA[الساحل الفلسطيني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d8%b2%d9%86-%d8%b4%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%84-%d9%84%d9%88%d8%ad%d8%a7%d8%aa/</guid>

					<description><![CDATA[<p>ترجمة: عمر زكريا "حزن شجرة البرتقال" هي مجموعة من الصور المركّبة أساسها صورٌ فوتوغرافية أصلية تتفاعل في عملٍ واحد مع مواد أرشيفية. تقوم الصور بلعب دور الشاهد على الأحداث الواقعة في المواد الأرشيفية، تُعيد تمثيلها وتفتح ما أُغلق في سرديتها من جديد. لينتج في النهاية عملٌ يقوم بترسيخ الماضي في الحاضر. هذه السلسلة المُقدّمة هنا [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20316">حزن شجرة البرتقال (لوحات)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ترجمة: عمر زكريا</span></p>
<p dir="rtl">"حزن شجرة البرتقال" هي مجموعة من الصور المركّبة أساسها صورٌ فوتوغرافية أصلية تتفاعل في عملٍ واحد مع مواد أرشيفية. تقوم الصور بلعب دور الشاهد على الأحداث الواقعة في المواد الأرشيفية، تُعيد تمثيلها وتفتح ما أُغلق في سرديتها من جديد. لينتج في النهاية عملٌ يقوم بترسيخ الماضي في الحاضر. هذه السلسلة المُقدّمة هنا هي جزءٌ بسيط من عمل أكبر بدأ من عدّة سنوات تضمّن رسومات، وأشياء مختلفة معروضة، وعملًا  أدائيًّا، وموادّ بحثية، ووثائق، تدعو للتأمّل والتفكير بمدينة يافا من خلال البرتقالة المعروفة بها.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img fetchpriority="high" decoding="async" alt="" height="864" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/HaramEman_01-1.jpg" width="667"></div>
<p dir="rtl">
بالنسبة لمدينة معروفة ببياراتها حتى سقوطها عام  ١٩٤٨ فإنَّ توجيه الحواسّ نحو هذه الجزئية التي قد توصف بالترف ليس تساهلًا  بشأن القضية بأي شكل. لكنَّ قلّةً من المدن الفلسطينية تمتلك خاصيّة إعادة التقاطها وإعادة تخيّلها، ومن ثمَّ إعادة سرد قصّتها عبر خيطٍ سرديّ  واحد يمكن حياكته مع خطوطٍ أُخرى لتتكوّن منها شبكة سرديات تشير جميعها إلى جغرافيّات وتواريخ الطرد والسلب. ونحو نهاية المشروع ستتشكّل ورقة بحثية مرتبطة بهذه الأعمال، لكن حتى حينه لندع البرتقال يتكلّم.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/HaramEman_02-1.jpg" width="1200"></div>
<p dir="rtl">
لن أقدّم اعتذارًا لأولئك الذين سيعترضون على هذه الممارسة الفنيّة ياعتبارها عملًا رومانسيًّا حالمًا ومثاليًّا. فالنزع الذي حلّ في تاريخ المنطقة يعني أنَّ نمطًا معرفيًّا موروثًا تراكميًّا للحياة قد فُقِد بين ليلة وضحاها. أنماطٌ زراعية وثقافية ومجتمعية وبيئة وتجارية واقتصادية وأنماط الحياة البحرية وطبعًا القيم الجماليّة. مع سقوط يافا، سقطت معها بيئة متماسكة من المعرفة والكينونة والفعل. نعم، لقد سقطنا من جنّةٍ ما، عندما فقدنا بساتين البرتقال.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/HaramEman_03-1.jpg" width="1200"></div>
<p dir="rtl">
التهكّم المزدوج لا يمكن التغاضي عنه. فهذا سيكون تماشيًا مع آلية الاستعمار المشؤوم، التي سلبت الرموز التي تعبّر عنّا من تحت أبصارنا في ذات اللحظة التي سلبت منّا الأرض. فالبرتقالة ذاتها التي تُخبر قصّة الجنّة التي فقدها الفلسطينيون يستعملها المستعمر لسرد قصّة الجنّة التي وجدها. لعلَّ أول خطوةٍ في تفكيك الاستعمار قد تبدأ في استعادة شبكة رموزنا، ويدًا بيد في معركتنا لنعود إلى بلدنا الأم.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/HaramEman_04-1.jpg" width="1200"></div>
<p dir="rtl"> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="864" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/HaramEman_05-1.jpg" width="864"></div>
<p dir="rtl"> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="864" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/HaramEman_04-1.jpg" width="864"></div>
<p dir="rtl"> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="360" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/HaramEman-08-1.jpg" width="1076"></div>
<p dir="rtl"> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="1064" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screenshot-2020-12-12-at-14_22_09-2.png" width="1600"></div>
<p dir="rtl">
<p><span style="color:#7f8c8d">ننشر المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطيني»، المشترك بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة» والفنون الذي تنظّمه الجمعيّة خلال هذا شهر.</span></p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20316">حزن شجرة البرتقال (لوحات)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>غزة... من أرضٍ للهنود الحُمر إلى مدينة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20314</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أسماء الغول]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 10 Dec 2020 11:47:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[الساحل الفلسطيني]]></category>
		<category><![CDATA[غزة وأشياء أخرى]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a3%d8%b1%d8%b6%d9%8d-%d9%84%d9%84%d9%87%d9%86%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8f%d9%85%d8%b1-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>لم أذهب يوماً إلى مدينة بها شاطئ إلا وأحيله إلى غزة... كلّ شواطئ المتوسط وجدتُ بها شاطئ غزة؛ الإسكندرية. نابولي، بيروت. لم أفكك يوماً من امتداد الشاطئ الأكبر. فكل الشواطئ أراها صغيرة تأخذني إلى الشاطئ الأم غزة. كلّ ما صاحب الشاطئ من محرمات لم يغبش ذكرياته داخلي... فإن تقول فتاة إنّها ذاهبة إلى الشاطئ، كأنها [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20314">غزة... من أرضٍ للهنود الحُمر إلى مدينة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">لم أذهب يوماً إلى مدينة بها شاطئ إلا وأحيله إلى غزة... كلّ شواطئ المتوسط وجدتُ بها شاطئ غزة؛ الإسكندرية. نابولي، بيروت. لم أفكك يوماً من امتداد الشاطئ الأكبر. فكل الشواطئ أراها صغيرة تأخذني إلى الشاطئ الأم غزة.</p>
<p dir="rtl">كلّ ما صاحب الشاطئ من محرمات لم يغبش ذكرياته داخلي... فإن تقول فتاة إنّها ذاهبة إلى الشاطئ، كأنها تقول إنني سأذهب كي "أصيع"، فهو يرتبط في المخيلة بالحرية الفالتة، إذا صح التعبير، فمثلاً أذكر حين عدنا من الإمارات للاستقرار في جنوب قطاع غزة بالنصف الثاني من التسعينات، اتصل أقاربي بوالدي الذي بقي بالإمارات بسبب عمله، واشتكوا إليه ابنته "الصايعة" التي اصطحبت أخوتها الصغار إلى البحر وحيدة، أذكر أنّ والدي وقتها كلمني بين الضحك والجد وقال لي "هم مش متعودين يا بابا"، احتار كيف سيشرح لي الأمر، وهو الذي جعلني سكرتيرة مكتبه وأنا في الرابعة عشر من عمري لتشجيعي على الاستقلالية.</p>
<p dir="rtl">وهذا الزمن بالذات كانت غزة وقتها أقرب ما تكون إلى المدينة، إذ مر ثلاثة أعوامٍ على قدوم السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى القطاع، وتوقيع اتفاقية أوسلو، نقلوا إليها "العائدين" عادات المدينة، كما بقي أهل المخيمات يطلقون عليهم "العائدين" حتى يومنا هذا، لكن الحرب الاجتماعية الضروس كانت على أشدها وربما هذا بالضبط ما دفع أقاربي إلى الاتصال بوالدي أنّهم خافوا أنْ أحمل صفات "العائدين" واعتبار البحر شيئاً عادياً للتنزه.</p>
<p dir="rtl">وإن فكرة الحرية الخاطئة التي تقترن بالبحر وكأنّ هذا البحر سيفسد المدينة، ليست ثيمة جديدة على العقول، يقول سليم تماري في كتابه "الجبل ضد البحر": "في فلسطين، وصلت العداوة نحو البحر ذروتها خلال سنوات الانتفاضة وبخاصة الأعوام بين 1989 و1992؛ حين تضافرت القوى الوطنيّة والإسلاميّة على إبعاد المتنزّهين رجالاً ونساءً عن شواطئ غزة ورفح وخانيونس، وفي منشور تكررت فحواه لاحقاً دعت القيادة الموحّدة للانتفاضة في 25 إبريل 1990 إلى التمسك بالأخلاق والحشمة، وأدانت بكلماتٍ صارمةٍ أولئك (الذين يرومون شواطئ البحر... ويتعرّضون لقيمنا وتقاليدنا وأخلاقنا غير آبهين بدماء الشهداء) ".</p>
<p dir="rtl">ويضيف تماري أنّ ثقافة الحزن المقاوم أو المقاومة الحزينة، المعزّزة بأخلاقياتٍ دينيةٍ صارمة ليست غريبة عن سواحل المتوسط الشرقيّة، فقد وجدت عبر القرون في اليونان ويوغوسلافيا ومقدونيا والأناضول، في تجمعاتٍ مسيحيّة وإسلاميّة.</p>
<p dir="rtl">الآن في قطاع غزة اختلف الوضع، الفتيات يزرن الشاطئ كاستراحة من المدرسة أو الجامعة بالرغم من العيون الفضولية وكاميرات الصحافة المسيّسة... يبيع الأطفال البسكويت، يجمع الصيادون شباكهم لإعادة إصلاحها، أليس هذه كل علامات مخيم ينحو ليصبح مدينة؟</p>
<p dir="rtl">من المهم أن يصبح في لحظة التحول هذه الأشخاص إلى نكرات، لا يعرفون بعضهم البعض، فلا يُبلّغ سائق تاكسي ما جيرانه أنه شاهد ابنهم على الشاطئ، فإنّ هذا الارتباط الحثيث الذي يجعل غزة وكأنها قبيلةٌ واحدة يمنعها حتماً من أن تصبح مدينة، فأفراد القبيلة يخشَون أن يراهم أفراد القبيلة الآخرين، والعكس صحيح، لذلك فإنهم يبقون معروفين لدى بعضهم البعض، سلوكياتهم وعادتهم متشابهة ونسخاً عن بعضها البعض، كما للحرية قالب واحد.</p>
<p dir="rtl">"إذا كان لمدينة غزة تاريخٌ طويلٌ، فإنّ قطاع غزة هو حديث العهد"، هذا ما يقوله ريتشارد روسين في كتابه "عناصر قطاع غزة".</p>
<p dir="rtl">إنّ فكرة قطاع غزة المترابط منع دوماً المدينة أن تتشكل لتكوّن ذاتها على الرغم من تاريخها الضارب في الأصالة وتمردها كمدينة لأن تكوّن نفسها، لكن ارتباط القطاع، أي القطاع الجغرافي كيابسة أمام البحر منعها من التحرر من مجموع العادات والأفكار العامة.</p>
<p dir="rtl">إنّ فكرة المدينة كانت دوماً تُشكل رعباً للاحتلال الإسرائيلي حين استولى على القطاع عام 1967، حتى مع تأمينه شبكة الكهرباء والمياه، لذلك كان مصطلح قطاع أكثر راحة من ساحل غزة مثلاً، فالمصطلح كما يقول المؤرخ الفرنسي جون بيير فيلي كولونيالياً؛ فالبحر رآه الاحتلال أنه عاملٌ سياديّ لهذه القطعة، وحرية أيضاً وخشي على سطوته منه.</p>
<p dir="rtl">ومع كل هذا العداء الداخلي والخارجي للبحر والخوف منه إلا أنّه لا يوجد شيء منح غزة فرصة أنْ تكون مدينة كما فعل البحر على امتدادها من الشمال إلى الجنوب في مدينة رفح، إنّ فعل السباحة والتنزه والمياه الواسعة كان أقرب ما يكون لجعل هذه القطعة المحاصرة من الأرض تشبه العالم. فالغزيّ لا يشبهه أحد، إنه كهندي أحمر يتمنى أن تنطبع الأرض باسمه، وكغجري في ترحاله يبحث عن الاستقرار، وكأفريقي أسود حين يقترب أحد من وصفه.</p>
<p dir="rtl">إنّ المدينة تحتاج إلى سيكولوجيّة المدني، أي يشعر الساكن على أرضها بأنه غريب، الناس حرة ودون عين تراقبها، تستطيع النساء أن يفتحن مناجر ومحال لتصليح الهواتف ويعملن كنادلات، هناك دوماً أماكن لم يكتشفها بعد، وسيارات لا يستطيع عدها، لا يجب أن يكون على صواب دوماً ويعرف كل شيء، فالمدن ليست للخيّرين فقط أو أن الأشرار يعدون على الأصابع، بل فيها كل هؤلاء وبكثرة ولا يجب الاستغراب من وجودهم، لكن هذا نادراً في سيكولوجية الغزيّ، بداخله تعليمات القبيلة تحدثه دوماً، ولو هاجر يحتاج إلى سنوات ليسكتها داخله، ربما يبدو هذا الكلام عنصرياً إذا نظرنا إليه من نفسية الأفريقي الأسود لكن أعرف أنه يتقبله حين يقوله أسود آخر مثله!</p>
<p dir="rtl">الغزيّ هو الهندي الأحمر على أرض لم يمتلكها، فسابقاً امتلكها الاحتلال والآن امتلكتها الأيدولوجيا، وفي الوسط امتلكها حراس أمن "السلام"، جاء البحر ليداويه، ليصلح عطبه ذاك، داواه من كل تلك الهويات المحتلة من آخرين، وجعله على شاطئه يمتلك العالم.</p>
<p dir="rtl">يقول محمود درويش في خطبة الهندي الأحمر: " إلى أيْن يا سَيد البيض، تأخذُ شعبي...</p>
<p dir="rtl">وشعبك؟ إلى أيِّ هاويةٍ يأخذُ الأرضَ هذا الروبوتُ المدجَّجُ بالطَّائرات </p>
<p dir="rtl">وحاملة الطَّائراتِ إلى أيِّ هاويةٍ رحبة تصعدون؟</p>
<p dir="rtl">لكم ما تشاؤون: روما الجديدةُ، إسبارطة التكنولوجيا </p>
<p dir="rtl">و... أيديولوجيا الجنون </p>
<p dir="rtl">ونحن سنهربُ من زمن لم نهيِّئ له، بعد هاجسنا</p>
<p dir="rtl">سنمضي إلى وطن الطَّير سرباً من البشر السَّابقين نُطلُّ على أرضنا من حصى أرضنا، من ثقوبِ الغيوم".</p>
<p dir="rtl">البحر الوحيد الذي كان يُشعر الغزيّ أنه يمتلك جمالاً له وحده، ومتسعاً له وحده، ومكاناً له وحده، فلم يستطع أي من الحاكمين أن يمتلك البحر ويصنع منه شيئاً آخر، لا السلطة أو الاحتلال ولا المقاومة أيضاً.</p>
<p dir="rtl">في فترة التسعينات وعد ياسر عرفات أن تصبح غزة سنغافورة، بقي الشعب يحلم بهذه السنغافورة سنوات، لكن ما حدث أنّ الفروقات الطبقية بانت بشكل صارخ، وتحولت العبارة إلى نكتة لاذعة في أناشيد الإسلاميين وقتها "غزة يا بلدنا، يا علبة سردينا... لو مدينا ايدينا توصل حتى سينا، قالوا دولة حرة وقالوا سنغافورة، لو بدنا نخططها لو بدنا نزوقها.</p>
<p dir="rtl">سانتي (سنتمتر) بطلع إلنا، أربع بطلع إلهم، والله ما هي عيشة، عايشين جوا خيشة، غيرى عايش في أبراج... عايش أحلى عيشة".</p>
<p dir="rtl">خربت البلاد، تلت الحروب بعضها، يبست من سنوات الحصار، تغيرت شوارعها ومعالمها في قصف وراء الآخر، انهالت عليها المعونات، استمات مالكوها كي تكون قطرية أو تركية أو سعودية، لكن بقي البحر على حاله. لم يتغير.</p>
<p dir="rtl">نما المجتمع المدني كي يصبح بديلاً عن الدولة، نمت وكالة الغوث "الأونروا" كي تصبح الأخرى بديلة عن الدولة، حصل الآلاف على فرص تعليم جيدة، انطبق "ستيريوتايب" المواطن المحاصر المحتاج للغذاء على الغزيّ في فترات، وتحرر منه في فتراتٍ أخرى، تكرّرت اتفاقات المصالحة، واتفاقيات الهدنة واتفاقات الأمن... لكن أي منها لم يحرر المدينة من القطاع... وحيداً هو البحر الذي جعلها مدينة تشبهها نابولي وبيروت والإسكندرية.</p>
<p dir="rtl">ووحيداً كان وسيظل مهرب الإنسان الغزيّ من تحكّمات القبيلة.</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ننشر المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطيني»، المشترك بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة» والفنون الذي تنظّمه الجمعيّة خلال هذا شهر.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20314">غزة... من أرضٍ للهنود الحُمر إلى مدينة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>فلسطين: من البحر إلى أين؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20311</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبد الرحمن شبانة]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 08 Dec 2020 10:59:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[الساحل الفلسطيني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%86%d8%9f/</guid>

					<description><![CDATA[<p>فلسطين: من البحر إلى النهر أخذتنا الشعارات من أماكن إلى أماكن، عرّفت لنا بينها الأشياء وأطلقت عليها الأسماء، فمن البحر إلى النهر هي فلسطين، ومن المحيط إلى الخليج هو الوطن العربي، لا حدود له، ولا استعمار، ولا طوائف، ولا تخاذل.  تعددت اللاءات واندثرت الفوارق بيننا في أطلس البلدان الأخضر الذي امتلكت، كان لون الوطن العربي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20311">فلسطين: من البحر إلى أين؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">فلسطين: من البحر إلى النهر</span></strong></p>
<p dir="rtl">أخذتنا الشعارات من أماكن إلى أماكن، عرّفت لنا بينها الأشياء وأطلقت عليها الأسماء، فمن البحر إلى النهر هي فلسطين، ومن المحيط إلى الخليج هو الوطن العربي، لا حدود له، ولا استعمار، ولا طوائف، ولا تخاذل. </p>
<p dir="rtl">تعددت اللاءات واندثرت الفوارق بيننا في أطلس البلدان الأخضر الذي امتلكت، كان لون الوطن العربي الشاسع متناسقاً حتى اهترأ الأطلس وتمزقت صفحاته وضاعت، هربت خارطة فلسطين من بين صفحاته لتتعلق على حوائط  الصالونات في بيوتنا بعدها لوقت قصير، حتى ضاقت بها الخرائط المعلقة، فاستكملت الهرب وتنكرت بالفكرة دون الحدود، واختبأت بين السطور. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">فلسطين: من الغلاف إلى الغلاف</span></strong></p>
<p dir="rtl">لنتخيل الغلاف، لنتخيل حدود فلسطين.</p>
<p dir="rtl">سأتخيل حدود فلسطين الغربية في مكان ما في أفق البحر الأبيض المتوسط، وحدودها الشرقية في مكان ما في الأفق الشرقي، ورغم أن التجربة أثبتت ضيق المسافة على أرض الواقع، إلا أنّي وبكل وقاحة سأفترض صلاحية الخرائط المعلقة.</p>
<p dir="rtl">البحر في مكانه، وإلى الشرق سأقف عند أول حاجز.</p>
<p dir="rtl">سأرسم الحد الغربي في الأفق تحت مغرب الشمس، وأعود ماشياً إلى الساحل بتأني قبل الخوض في غياهب الشرق. </p>
<p dir="rtl">سأفكر حتماً بما قاله لي أبي، البحر ملوش أمان. </p>
<p dir="rtl">علينا الحذر، فقد حمل لنا ذلك البحر أعتى الغزاة كما حمل لنا أحدث الاختراعات. </p>
<p dir="rtl">حمل البحر لنا الأشياء، وحمل منّا الكثيرين.</p>
<p dir="rtl">إثر كل ضربة موج، قلّب البحر حدودنا الغربية، وأعاد تشكيل فلسطين مرات لا متناهية؛ ها قد أتى أهل بحر إيجة وها قد رحل نابليون، ها قد أتت مغازل القطن الحديثة وها قد رحلنا نحن.</p>
<p dir="rtl">من المؤكد وقبل الرحيل، شحنّا عدداً ضخماً من صناديق البرتقال في قواربنا الصغيرة، وخضنا مياه ميناء يافا الضحل نحو مراكب الشحن الكبيرة، التي انتظرت مسافة آمنه عنّا وعن هذه البلاد.</p>
<p dir="rtl">حد فلسطين الحديثة إذاً حيث وصلت قوارب صناديق البرتقال الصغيرة، حيث انتظر الغريب. </p>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="تحميل صناديق البرتقال، ميناء يافا، بدايات القرن العشرين، مجموعة خليل رعد" height="368" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/تحميل-صناديق-البرتقال،-ميناء-يافا،-بدايات-القرن-العشرين،-مجموعة-خليل-رعد-2.jpg" width="600"></div>
<p dir="rtl">
أسقطت عواصف الشتاء العديد من الصناديق عن تلك القوارب الصغيرة، ورمتها على شواطئ البحر. ففي جريدة حكومة فلسطين الصادرة في آيار 1935، نشرت حكومة الانتداب البريطاني جداول بيانات تناولت البلاد بحذافيرها، وإحدى تلك الجدول الطويلة، جدول يبين قطع الحطام المستعادة من الشواطئ. <br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="جدول الحطام المستعاد من البحر، جريدة فلسطين الحكومية، ايار 1935" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/جدول-الحطام-المستعاد-من-البحر،-جريدة-فلسطين-الحكومية،-ايار-1935-2.png" width="1284"></div>
<p> </p>
<p dir="rtl">في يوم واحد فقط، 6 كانون الثاني 1935 استعيد 1،510 صندوق برتقال من 36 علامة تجارية، أعادهم البحر إلى شاطئ منشية يافا. </p>
<p dir="rtl">بعض صناديق البرتقال آثرت خوض الموج والبقاء داخل حدود فلسطين.</p>
<p dir="rtl">عادت الصناديق، لتجمعها قلة بقيت على الشاطئ، حدقت بها ثم رفعت رأسها إلى الأفق تتحسس حد البلاد الغربي الجديد. قلة أخرى صعدت الجبال وراقبت البحر من علو، ولم تكترث للنظر شرقاً بعد. قلة أخرى تاهت في بلاد الله الضيقة وهي تبحث عن مساحة من البلاد بين البحر والشاطئ، جميعنا يعلم أن بدايتنا هناك، من الغرب، حيث البحر، تحت مغرب الشمس.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">فلسطين: من البحر إلى الشاطئ</span></strong></p>
<p dir="rtl">حتى يعرّف نسبه المسلوب ويؤكد حقه الضائع، اصطدم الفلسطيني أينما كان بمهمة استكمال البحث عن حدود البلاد، تلك البلاد التي تكبّرت على ذاتها وعليه وهربت من الخرائط.</p>
<p dir="rtl">لاحقها الفلسطيني في عالم فوق الخرائط، انصهرت فيه خطوط الحدود الصلبة وتميعت لترسم حلمه المقدس بقلم الواقع القاسي.</p>
<p dir="rtl"><a href="https://vimeo.com/12002129" target="_blank" rel="noopener">في عمله الفني</a>، لاحق الفنان عايد عرفة حدود البلاد، فتجاوز المرئي واستحضر صوت الموج المسموع ليتدبر به المشهد المعقد.</p>
<p dir="rtl">لم يرفع عرفة رأسه إلى الأفق، بل أغلق عينيه واستمع إلى صوت الموج، محاولاً الإنصات إلى فلسطين خارج حدود الخرائط. </p>
<p dir="rtl">رسم البحر في المخيلة، وتحالف مع حاسة سمع المتلقي دون أن يحذره من فتح عينيه. إن اكتفى المشاهد بالصوت، فهنيئاً له حدود البلاد اللانهائية، وإن تابع فسيرى الوهم متمثلاً بأكوام الورق. </p>
<p dir="rtl">اختبر عرفة أزمة فلسطين الفكرة والدولة، فأراد أن نختبر الواقع دون إضافة أو نقصان، دون هيام في الحلم.</p>
<p dir="rtl">كأنه يقول لنا:</p>
<p dir="rtl">من رأى ليس كمن سمع، وكلاهما ليسا كمن حدق مستمعاً.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="إلى أين، نور عابد، مهرجان مركز كنستبانكين هيدمارك للفنون، هامار  النرويج، 2011" height="1000" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/إلى-أين،-نور-عابد،-مهرجان-مركز-كنستبانكين-هيدمارك-للفنون،-هامار-النرويج،-20111-2.png" width="1600"></div>
<p dir="rtl">
وفي بحثها عن حدود البلاد المائعة، حملت الفنانة نور عابد جسدها في<a href="https://vimeo.com/41527148" target="_blank" rel="noopener"> عملها الفني الأدائي "إلى أين"</a>، إلى البحر، وبدأت منه المسيرة نحو الشاطئ. حاولت جاهدة العبور بلا طائل، حرّكت بدّالات دراجتها الهوائية دون جدوى. </p>
<p dir="rtl">الوجهة إلى لا مكان، </p>
<p dir="rtl">عالقة في البدايات رغم قدرتها الظاهرية على الحركة. تماماً كما هي البلاد فوق الخرائط، دارت عجلات دراجتها الهوائية سنتيمترات قليلة فوق سطح مياه راكدة، كمياه بحيرة طبريا التي مشى عليها المسيح عليه السلام. البعض قال إن المياه تجمدت، والبعض قال أنه مشى بقدميه المباركة على سطح الماء الراكد. </p>
<p dir="rtl">ربما انتظرت نور عابد معجزة هي الأخرى.</p>
<p dir="rtl">فلسطين لم تصل بعد، ما زالت بين البحر والشاطئ، أو كما في نبوءة عابد،</p>
<p dir="rtl">ما زالت هناك، تراها قادمة لكنها لن تصل.<br />
 </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ننشر المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطيني»، المشترك بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة» والفنون الذي تنظّمه الجمعيّة خلال هذا شهر.</span></p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20311">فلسطين: من البحر إلى أين؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>نبوءة البحر والجبل والجسد... إعادة كتابة الساحل الفلسطيني </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20309</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 06 Dec 2020 09:27:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[الساحل الفلسطيني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%86%d8%a8%d9%88%d8%a1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b3%d8%af-%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>استوقفتها لتقول لها: "ستلدين صبيًا، انتبهي له جيدًا، فالبحر يريده له!" بدأت علاقتي -المدعاة- مع البحر، حتى قبل أن أولد، حين ألقت تلك العرافة نبوءتها في وجه أمي ورحلت على عجل، رافضة أن تتلقى مقابلًا ماديًا كما قد نهجس جميعًا عند سماع تلك القصة وشبيهاتها. ألقت نبوءتها وكأنها أزاحت عن كاهلها رسالة أتتها من بعيد، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20309">نبوءة البحر والجبل والجسد... إعادة كتابة الساحل الفلسطيني </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">استوقفتها لتقول لها: "ستلدين صبيًا، انتبهي له جيدًا، فالبحر يريده له!"</p>
<p dir="rtl">بدأت علاقتي -المدعاة- مع البحر، حتى قبل أن أولد، حين ألقت تلك العرافة نبوءتها في وجه أمي ورحلت على عجل، رافضة أن تتلقى مقابلًا ماديًا كما قد نهجس جميعًا عند سماع تلك القصة وشبيهاتها. ألقت نبوءتها وكأنها أزاحت عن كاهلها رسالة أتتها من بعيد، طُلب إليها  توصيلها، كانت الرسالة هي المهمة؛ النبوءة!</p>
<p dir="rtl">في زمن آخر، في القرن التاسع عشر، انحدر زرادشت، نبي نيتشه، من كهف عزلته في أعالي جبلٍ ما، باتجاه البحر ليخبرنا أن "الإله مات، وأننا من قتله"، وأن الوقت قد حان لننزع عن الإنسان مركزيته باعتباره هو الإجابة!</p>
<p dir="rtl">في السابع والعشرين من أيار الماضي (2020)، ابتلع البحر أيمن صفية، الفنان والراقص الفلسطيني، ليُكمل حكايته هناك، في تلك الأعماق، ويتلبس مجازية البحر بجسده.</p>
<p dir="rtl">تلك ثلاث رحلات نتأملها هاهنا، يقع البحر في مركزها. ارتحالات لا تنجو من تأملات الذات  بقدر ما تبتعد عنها (زعمًا، في بعضها!). رحلات ندفع بها إلى ذاتية فلسطينية، أو مونولوج داخلي جمعي، يتردد بين الذات ومسام الجسد الخارجية، أمام الموج، لننطلق منها لذاتية معرفية إنسانيًا تتأمل البحر فلسطينيًا، بما للبحر من مركزية في التاريخ والفكر الإنساني، وتعيد موضعتنا فلسطينيًا في سياق الإنسان والإله والعالم.</p>
<p dir="rtl"> حدثت الرحلات الثلاث باتجاهات مختلفة من البحر، حتى وإن كانت كلها إليه، فكل ذهاب إلى البحر هو خروج منه. النبوءة، أولًا، كانت ارتحالًا للبحر من الرمزي  بماديته الاحتمالية/الشرطية (الولادة والجسد، والخروج من الرحم وهو الوسط المائي) المؤجلة في الغيب إلى الميتافيزيقي في البحر وألوهته، ووسطه المائي أيضًا، لتضفي النبوءة ذاتية للبحر، لها إرادتها وشهوتها وتطلبها، بل وقدراتها، كذات مهيمنة، على انتزاع ما تريد، حتى في مواجهة البر والصحراء والمدن الكبيرة التي لا بحر فيها (وقعت النبوءة في القاهرة، وأما الجسد؛ جسدي، فهو الآن في عمّان، مؤجل على الطرف الآخر من النبوءة!). وأما أيمن، ثانيًا، فكان ارتحالًا من الميتافيزيقي في الرقص والأداء بكل ثقلهما المادي/الجسدي، إلى الرمزي في الجسد الغائب ماديًا. وكحالة النبي يونس في بطن الحوت، ترسمت حدود البحر، بحدود جسد أيمن، برغم أن جسد الراقص حر، والحوت غير مدرك إلا بالمجاز(1).</p>
<p dir="rtl">هاتان الرحلتان وقعتا على محاور أفقية، بأن كانتا توجهات إلى المجهول  في الأفق و/أو ابتعادًا عنه، أما الرحلة الثالثة؛ لزرادشت، فقد كانت رحلته من ذاتيته إلى معرفتنا، ولأنها كانت حركة/حدثًا في الزمن/التاريخ الممتد، فقد كانت ارتحالًا رأسيًا محملًا بمعارف أدت إلى تشكل ذواتنا الحداثية ومابعد الحداثية أيضًا، وبل وشكل زرادشت شكلًا مغايرًا من النبوة، انتهت بقتل الإله، الخارج عن الزمن، وتجاوز الإنسان الحداثي المثقل بأناه.</p>
<p dir="rtl">هل تلك هي القراءة الوحيدة المتاحة للبحر في تلك الرحلات الثلاث، أو أنها مجرد قراءة بحرية لتلك الرحلات؟</p>
<p>اللعبة هنا تتعلق بالبؤرة، تلك الفكرة الفريدة التي اجترحها الناقد الفرنسي جيرار جينييه(2)، والتي تقول بأن كل شخصية و/أو ذات في السرد يمكنها أن تكون بؤرة له، تقدم منظورها للحدث والدراما والمعنى من بؤرتها تلك. إلا أننا في هذه المقاربة نرنو إلى اتساع البؤرة لتناسب سعة البحر، باعتباره النقطة المشتركة في كل تلك الرحلات، تمامًا كمن يضع ثلاث حكايا مختلفة في أماكن وأزمنة مختلفة (وقد تكون مختلقة)، فوق بعضها البعض، بتثبيت البحر في كل حكاية، وثبات البحر وجه من ضياع فلسطين في نفس الحكاية، حياتي/النبوءة، وأيمن، وزرادشت باعتباره مفتاح الشرط الحداثي ومابعد الحداثي للحالة الاستعمارية الإسرائيلية، غربيًا، يمكننا حينها أن ننظر إلى البؤر المختلفة لكن باتجاه مغاير لاتجاه السرد.</p>
<p dir="rtl">الأمر يتعلق بقدرتنا على تحرير استعاراتنا، دون أن نفقد ارتباطها بنا.</p>
<p dir="rtl">لا يمكن فصل النبوءة عني، حتى وأنا أبتعد عن البحر، أو تبعدني أمي عنه. والبعد عنه ارتباطٌ به، هكذا حملت النكبة الفلسطينيين والفلسطينيات، إلى استعارات بحرية، في نصف الصحراء والمنافي، من منّا ينسى جدران الخزان، التي وجب طرقها!</p>
<p dir="rtl"> ثنائيَّتا الاتجاه هنا من إلى البحر/النبوءة هي -في النهاية- شكل من أشكال الممارسة، ممارسة النبوءة بقدر الابتعاد عنها، الهرب من البحر امتلاكه لي وابتلاعه لشرط وجودي، ثمة مفارقة ذات طابع منفوي في المشهد! تمنح الأطراف والحدود القدرة على فهم أعمق للمراكز والمركزيات.</p>
<p dir="rtl">لعل أيمن بقدر ما تلبسه البحر -وفاجعتنا- بقدر ما يحضر الجسد راقصًا، لا يمكن الآن فصل البحر عن الرقص حتى في مدنٍ لا بحر فيها مر بها أيمن يومًا ما (عمّان نموذجًا)، هو مسٌ بحري، يمس كل المدن التي يطأها الفلسطيني، بين هارب من نبوءة، وهارب من موت، وهارب إليه! جدير بالذكر تأمل حضور البحر في سيسموغرافيا الهويات الفلسطينية سرديًا.</p>
<p dir="rtl">الطريق العاقر هو الطريق الذي تحتوي الثنائيات "من-إلى" فيه معناه، وأما هنا فالأمر مختلف. فالأمر في الرحلات الثلاث إلى البحر ومنه، عودة إلى الذات وانطلاق منها لآخرها فيها، معرفيًا ووجدانيًا، بكل تناقضات الاحتمال المتأرجح بين تحقق النبوءة/انتهاء الحكاية، والنجاة من البحر، وهو ما حدث لي ولأيمن.</p>
<p dir="rtl">هل كانت النبوءة والغياب و"قتل الإله"  (زرادشت) مجازات على الطريق إلى البحر؟ وإلى/من أين نعود بعد الذهاب إليهم جميعًا؟ للغة ألعابها هاهنا!</p>
<p dir="rtl">حملت الرحلة من البحر وإليه في طياتها أشكالًا مجازية واستعارية منه وعنه. وعليه فالحداثة بشرطها العقلاني الضيق، القائم على السيطرة على الزمان والمكان، وامتلاكهما، وللبحر سيادته في هذا المشهد، تارة بكولونيالية، وأخرى باسم آلهة تمتد فيه، وحداثة عالمية ذات حربين، قضمت بحار الكوكب، وهدمت أطالسه. <br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="Eman Haram" height="813" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/HaramEman2020-1.jpg" width="1514"></div>
<p dir="rtl">
ومن هنا أمكننا أن ندعي أن البحر فلسطينيًا هو شرط تحرري  استعاري على المستوى اليومي للاحتلال، وكذلك الشرط الإنساني لفهم الحداثة، والانطلاق منها إلى ما بعدها. وللاحتلال الإسرائيلي هنا مركزية مهمة باعتباره الشرط الحداثي المتأخر للنموذج الأوروبي الغربي، وبالتالي فهو جهاز ضابط لأي استعارة تتناول البحر: إسرائيل "تخنق" غزة، إسرائيل "تستحوذ" على منابع الطاقة في شرق المتوسط، دولة إسرائيل لم "تهب" لانقاذ "مواطن"دولتها حين غرق، وهي نفس الدولة التي قامت عصاباتها المؤسسة لها بإغلاق الشاطئ الفلسطيني في حيفا ويافا أمام اليهود الذين عاشوا  هناك "كما عاش المورانوس في إسبانيا"(3)، أو وضع مدن الساحل الفلسطيني، بين الاختلاط، والاختراق، أو العزل، كما هي الحال مع جسر الزرقاء.</p>
<p dir="rtl"> للبحر والجسد والحركة إذن نصيب من عداء الدولة الإسرائيلية، والحركة الصهيونية، على مستوى المادة والمجاز.</p>
<p dir="rtl">لكن، هل نثقل بذلك على أيمن والعرّافة والموت، بإسقاط مقولات ثقيلة متجاوزة لآنيتهم في مواجهة البحر (وسؤال الحياة والموت) بكل مركزيته في المشهد، متعلقة بالاحتلال والحرية؟ ممكن!</p>
<p dir="rtl">يقول نيتشه: "كيف أمكننا أن نبتلع البحر؟ من أعطانا الإسفنجة كي نمحو الأفق برمته؟"(4)، كيف يبتلع المحو من يصبو إلى محوه وابتلاعه، سؤال نوجهه من استعارة نيتشه إلى البحر والجبل، مع التأكيد أن ابتلاعنا للبحر هو فعل في أصله بحري، من حيث قدرة البحر وذاتيته ومجازيته على ابتلاع كل شيء، لكن هل ابتلاع الجسد بتلك السهولة؟!</p>
<p dir="rtl">ذهابنا ( ـي) إلى النبوءة والموت، هو ذهاب جسدي، والجسد مفتاح فهمنا لذواتنا، والتي بخلاف الذات الديكارتية الحديثة/الحداثية، فإن ذواتنا مابعد الحديثة، المتراكمة في زمن "انهيار السرديات"(5)، هي ذات يشكل جسدها جزءًا لا يتجزأ من هويتها، كيف يمكن لبحر أن يريدني بدون جسدي الذي لم يولد بعد، وكيف للبحر أن يبتلع أيمنًا دون أن نفقده؟ </p>
<p dir="rtl">الجسد هو تعميق حيوي وتمثيل مادي للسياسات الراديكالية، وهو تجسيد الشك في السرديات الكبرى. الجسد يوفر صيغة من صيغ المعرفة أشد حميمية وجوّانية قياسًا بعقلانية التنوير، المدعاة، لأننا نمسها بأجسادنا. الجسد يمثل لنا اليقين الحسي في مواجهة عالم يزداد تجريدًا. لعل هذا ما حدث مع زرادشت حين هبط من الجبل إلى البحر، وقضى بموت الإله بكل تجرده المتعالي في اللانهائي، انطلاقًا من جسد زرادشت -"عقله الأكبر"، كما وصفه- وحركته.</p>
<p dir="rtl">موت الإله، هو موت المعنى الثابت الراسخ المتجاوز، والنقي. وهنا يطل علينا فوكو مفككًا نظرية المعنى التي قدمها عصر الحداثة كمقياس مرجعي أحادي ومركزي، مطبقًا إياها على نظريات المعرفة والفهم، وأولها العلوم السياسية، وطبعًا معها حقل المعرفة التاريخية. يقول فوكو: "تحت تاريخ الحكومات والحروب والمجاعات الذي يتغير بسرعة، تنشأ تواريخ أخرى من الواضح أنها لا تتغير: تاريخ الطرق البحرية، تاريخ الذرة أو التنجيم عن الذهب، تاريخ الجفاف والري، تاريخ توزيع الحبوب، تاريخ التوازن بين الجوع والوفرة الذي حققه الجنس البشري."(6)</p>
<p dir="rtl">هل نزوعنا إلى النبوءة في البحر، هربًا من تحققها في الصحراء/المنفى، كفلسطينيين وفلسطينيات، وجسدية أيمن الميتافيزيقية في البحر، هي بمثابة إعادة كتابة للتاريخ الفلسطيني؟ وتحرير لحداثتنا كاحتمال مشروط أوروبيًا، من مركزيتها الغربية؟ هي كتابة أخرى للبحر، نستعيدها من انغلاقاته الحداثية.</p>
<p dir="rtl">لعل كل مسارات الحركة (إلى/من البحر) تلك، تتناول الأحداث الإنسانية والتاريخية بعدسة التأويل الجزئي (Micro)، كما يقترح فوكو،  بما فيها من هوامش وأطراف ومنزوعوا/منزوعات الصوت والوجود، ومن لا اعتبارية مركزية حداثية لهم/ن، وبالذات في نظر المنظومة الاستعمارية الصهيونية.</p>
<p>الفقدان الجسداني المتحقق فلسطينيًا هنا، في العلاقة مع البحر، سواءً النبوءة أو الغرق، يختلف عن الفقدان الذي تبدأ منه سردية الفلسطيني/ة هوياتيًا (كان لنا وطن وفقدناه في الـ48)، فالفقد هنا وإن كان مراكمة على نبوءة وغياب، إلا أنه تحقق على مستوى الزمان والمكان والمادة/الجسد، وامتحن مقولات الحداثة الإسرائيلية وفككها، لتصبح إسرائيل كحالة حداثية مبنية على التأويل الكلي (Macro) لحركة التاريخ والإنسانية، بينما تعريها حركة أجسادنا وترميزاتها واستعاراتها، بل وحركة أجساد يهودية أخرى خارجة عن عقلنتها الحداثية.</p>
<p dir="rtl">بالعودة إلى زرادشت؛ ونيتشه وسؤاله عن البحر، الأمر يشبه تبصرات محمود درويش في حديثه عن نرسيس، إلا أن المرآة انكسرت، وحلت محلها أمواج البحر التي راقصها أيمن، بكل تكسراتها، ننظر إليها من بعيد مفجوعين، نتأمل موتنا، وأيمن يقول "اتركي جسدك للموج"، تكسرات الموج/المرآة هي اتزان المعنى والمونولوج الذاتي فلسطينيًا، بعد تحررنا من سؤال السياسي والدولاني والحزبي، والجسد هو أداة الحوار كما اقترح أيمن.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="أيمن صفية" height="900" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/٣٠٥٩٦٨٧٦٤٥٩٠٧٨٦-٤٥٠٧-3.jpg" width="1600"></div>
<p dir="rtl">
يقول نيتشه: "الفرد... خطأ لأنه لا شيء يذكر بمفرده."(7) مع أن الرحلات إلى/من البحر كانت مفردة/فردية، إلا أنَّ الذوات فيها لم تكن مكتفية بنفسها. في النبوءة كان الذهاب إلى البحر تحقيقًا لعودة إلى الذات، ارتبطت بفقدانين (فقدان الوطن والموت بتحقق النبوءة). وثمة تأويل لوني للعودة إلى النبوءة/البحر:</p>
<p dir="rtl">"العودة هي سؤال اللحظة التي يتبخر فيها دخان النصوص المضادة (أنا – هو)، والتي كُتبت لتتحدى الآخر. هالني هذا القول، على ثقله وبداهته المتهافتة أمام زخم الألوان في يافا، أتراها عودة إلى الآخر بعد أن تعدد في اللون؟ ألم تكن نكبتنا به حادة بين نقيضين: أبيض وأسود، فأُخرجنا وهُجّرنا من كليهما إليهما معاً؟"(8)</p>
<p dir="rtl">أي أن الحركة في أي تجاه من النبوءة لا يصب إلا إليها، بقدر ما يفتح الاستعارات على تأويلها، ولا نعني هنا مقولة "أن لا استعارة في الكولونيالية"(9) بينما أيمن بغرقه كان انفتاحنا جميعًا على إرثه فينا، وهوياتنا الجسدية فيه (جنازته شاهدنا)، وأخيرًا زرادشت كانت رحلته طرحًا لسياق جديد لفهم ذواتنا الإنسانية، أو لفهم "أنا كائن"، بما يجعل "الإنسان اختراعاً راهناً زمنيًا، بل واختراعاً على وشك أن يشهد نهايته"(10) حداثيًا.</p>
<p>كل حركة جسدية امتحان لسؤال الحداثة والدولة، والمنظومة الاستعمارية الصهيونية بكل حركة لنا تقع في الامتحان.</p>
<p>لكننا أيضًا أمام هذا البحر الممتد في المكان والزمان والهوية، نبحث عن ذواتنا.</p>
<p>أم أننا "سننمحي كوجه في الرمال عند حافة البحر"(11)</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الهوامش</span></strong></p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">١-  لعل إحالات غاستون باشلار الفيلسوف الفرنسي، وإضاءاته عن الحميمية في كتابه "الأرض وأخلام يقظة الراحة" (كلمة، 2018) مستخدمًأ صورًا إدراكية مركزية كالحوت ويونس، تضيء بعضًا من مسيرة أيمن في رحلته في المعنى إلينا!</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٢- جيرار جينيت (1930 ـ 2018) . ناقد ومنظّر أدبي فرنسي، صاحب منجز نقدي ضخم وفريد من نوعه في النقد والخطاب السردي وأنساقه وجماليات الحكاية والمتخيل وشعرية النصوص واللغة الأدبية.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٣- شهادة لأحد الناجين اليهود، عام 1945، واصفًا حياة اليهود غير الصهاينة في مخيمات المهجرين التي يسيطر عليها الصهاينة، والمورانوس هم اليهود الذين أجبروا على التحول إلى المسيحية في إسبانيا أواخر القرن الخامس عشر ومارسوا معتقداتهم الدينية في السر. المصدر: دولة الإرهاب: كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب، توماس سواريز، عالم المعرفة، العدد 469، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الكويت، 2018، ص141</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٤-  F. Nietzsche, The Gay Science, with Prelude in Rhymes and an Appendis of Songs, Walter Kaufmann (trans.), (New York, NY: Vintage Books, 1974), BK.3.125</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٥- هو سقوط الأيديولوجيات الكبرى التي أسماها الفيلسوف الفرنسي ليوتار السرديات الكبرى، ومن خلالها ينتقد فكرة التنوير نفسه؛ بما أنتجت من سرديات عن التحرر والحرية والمساواة والديموقراطية لها هدف واحد هو التحرر وتحقيق سعادة الإنسان. فليوتار يرى أنها سقطت وفشلت فشلاً ذريعاً، بل أن الكثير من مآسي العالم مرت باسمها، ويدعو للخروج من هذه الحداثة التي أدت للهولوكوست، وهيروشيما وناجازاكي.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٦- M. Foucault, The Archeology of Knowledge and the Discourse on Language, A.M. Sheridan Smith (trans>), (New York: Panthon Books, 1971), p.3.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٧-  F. Nietzsche, The Twilight of Idols, How to philosophize with a Hammer, Dunkan Large (trans.), (Oxford & New York, NY: Oxford University Press, 1998), BK.33</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٨- الاقتباس من مقال للكاتب بعنوان "العودة إلى يافا لونا ومجازًا ومكانًا، نُشر في مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 121، شتاء 2020</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">٩- الفكرة مستوحاة من مقالة، Decolonization is not a Metaphor، 2012، للباحثين إيف تاك وك. واين يانغ، عن سياسات نزع الاستعمار.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">١٠-  M. Foucault, The Order of Things: An Archeology of the Human Sciences, (London & New York: Routledge Classics, 2002), p.386 -387</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">١١- المصدر نفسه، ص 422</span></h5>
<div dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ننشر المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطيني»، المشترك بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة» والفنون الذي تنظّمه الجمعيّة خلال هذا شهر.</span></p>
</div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20309">نبوءة البحر والجبل والجسد... إعادة كتابة الساحل الفلسطيني </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الإطلال على البحر من تلّة بعيدة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20306</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس العيلة]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 02 Dec 2020 15:31:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[الساحل الفلسطيني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b7%d9%84%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%aa%d9%84%d9%91%d8%a9-%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d8%af%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أرى السهل الساحليّ مثل صفحة خضراء متعرّجة من سطح بيتنا الذي لا يعلو أكثر من طابقيْن فقط. وفي الحقيقة لا أحتاج الصعود إلى سطح بناية أو شرفة لكي أطلّ عليه، فيكفي الوقوف في شارع مفتوح الأفق في مدينة قلقيلية الواقعة عند التقاء الساحل بالجبل، وعند التقاء الخط الأخضر بحدود الضفة الغربية، لأستطيع أن أرى أراضي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20306">الإطلال على البحر من تلّة بعيدة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">أرى السهل الساحليّ مثل صفحة خضراء متعرّجة من سطح بيتنا الذي لا يعلو أكثر من طابقيْن فقط. وفي الحقيقة لا أحتاج الصعود إلى سطح بناية أو شرفة لكي أطلّ عليه، فيكفي الوقوف في شارع مفتوح الأفق في مدينة قلقيلية الواقعة عند التقاء الساحل بالجبل، وعند التقاء الخط الأخضر بحدود الضفة الغربية، لأستطيع أن أرى أراضي السهل الساحليّ الخضراء الشاسعة، والتي تظهر خلفها بنايات "كفر سابا" القديمة التي أصبحت بقوّة المدفع "كفار سابا" الإسرائيليّة. وفي نهاية الأفق الذي يبدو على مرمى رصاصة فقط، يبدو هناك خطّ ضبابيّ أعرفُ أنّه يُخبّئ البحرَ خلفه كما تخبّئ امرأة على الشاطئ أعضاءها الحميمة بخيط شفّاف. وقد رأيته بوضوح حين صعدتُ في سنّ الثالثة عشر من عمري على تلّة صوفيْن في مدينة قلقيلية، أنا والصِبية الذين كانوا يرافقونني، رأيناه يتلألأ من بعيد، كبقعة من السراب، كمادة هُلاميّة، أو كسائل من الزئبق لا يمكن أن تقبض عليه بيد! ثم حاولتُ رؤيته مرّة أخرى بعد ثلاثين عاماً في بيت أخي الذي يقطن شقةً في الطابق الخامس. حين انتهينا من الغداء في يوم العيد، دعانا إلى النافذة، تكّدسنا حولها أخوتي وأبي وأنا وبدأنا نحملق في المدى جهة الغرب. لكن أخي أردف قائلا أنّ الجوّ ليس صافيا بما يكفي لرؤيته، ثم حلف بأغلظ الإيمان أنّه استطاع في أحد النهارات الصافية مشاهدته بوضوح، وأشار بأصبعه إلى نهاية الأفق الذي بدا قريبا رغم أنّه كان مثل نقطة مستحيلة لا يمكن الوصول إليها. </p>
<p dir="rtl">رغم قرب قلقيلية التي لا تبعد عنه أكثر من 14 كيلومترا فقط، فقد ظلّ البحرُ خارج علاقاتي الاجتماعيّة وأنشطة الترفيه والعطل الاسبوعيّة وحتى الرحلات المدرسيّة، وخارج أنشطتي الرياضيّة وجولات التنزّه ومشاهد التأمل ومشاوير الترويح عن النفس. ليس بيننا أيّ علاقة تُذكر! ولا تجمعنا أيّ رابطة لا شخصيّة ولا عاطفيّة ولا جغرافيّة. تجمعنا فقط ذكرى بعيدة تمرّ في بالي عبر مشاهد بالأبيض والأسود لزيارة عائليّة نادرة قبل اندلاع الانتفاضة الأولى وإغلاق الطرق والأبواب أمامنا. زرته برفقة العائلة يومها، ذهبنا إلى جهة الحرم، حرم سيدنا عليّ الذي يقع على الشاطئ تماما. تبلّلتُ بمائه وعانقتُ أمواجه وغرستُ أقدامي في رماله. وحقيقةً فإنّ ما أذكره الآن هو فقط مشهديْن من تلك الزيارة الثمينة، مشهد وأنا أقف على الشاطيء، ومشهد آخر وأنا أدخل الحَرَم وأصغي لصدى الأمواج بين الجدران. حدث هذا مرّة واحدة فقط، مرّة واحدة لا تُنسى، لأنّه ليس هناك ذكرى أخرى تُشابهها، لتزاحمها أو تطغى عليها أو تتداخل معها!</p>
<p dir="rtl">وأنا مثل بقيّة سكّان مدن الضفة الغربيّة الذين بقي البحرُ بالنسبة لهم حلما إلى حدّ الهوس، وبقي هاجسا يائسا، لا يثير إلا الإحساس العميق بالأسف والخسارة وضياع شيء من وجود مُفترَض. منذ صار كلّ واحد منا صاحب وجود مُجتَزَأ، فما تفقده من الجغرافيا تفقده من وجودك الشخصيّ، تفقده من جسدك ومن حياتك ومن برنامجك اليوميّ، تفقده من ذاكرتك التي تتأسس على غيابه، ومن مستقبلك حيث يبقى خارج دائرته، ومن حاضرك الفرديّ والمُشتَرك. مثلما تُمزّق الاتفاقات السياسيّة طبوغرافيا الأرض فهي أيضا تقصي أجزاء من حياتك وتعيد تشكيل المكان الذي تتحرّك في إطاره، وترسم لك واقعا يتشكّل من التضاريس المحيطة التي تمّ المُصادقة عليها، والخارجة من المعاهدات والاتفاقات التي لم تكن يوما فيها طرفاً حقيقيّا. </p>
<p dir="rtl">فقدتْ قلقيلية صلتها بالساحل نهائيّا منذ احتُلت أراضيها في عام 1948، أراضيها الممتدة في عمق السهل الساحليّ، بذا لم تَعُد في تماسٍ مع الساحل أو جزءاً منه، وانكفأت إلى الخلف، إلى أقدام الجبال والتلال، وفقدت ملامحها الساحليّة، بعد هذه القطيعة الجغرافيّة التي جرّدتها من أغلى ما تملك: الأراضي الخصبة ذات التراب الأحمر الناعم، تراب البحر الأبيض المتوسط الغنيّ بالمواد العضويّة، والصالح للزراعة لقدرته على الاحتفاظ بالماء والتهوية العالية. أراضٍ منبسطة لا تجد فيها حجرا أكبر من قبضة اليد، وتبدو للناظر مثل قطعة كعك شهيّة ممتدة باستواء وليونة. </p>
<p dir="rtl">لقد تقهقرَ سُكّانها وفلاحوها إلى الخلف، لتمهيد التلال الوعرة جهة الشرق، في عمق الضفّة الغربيّة، واستصلاح الأراضي البور وزراعتها بعد أن أصبحتْ مدينة جرداء، من بيوت مقطوعة عما حولها. والتجأ أهلها بإمكانيات بسيطة لاستصلاح هذه الأراضي الجبليّة الصعبة. فأصبحت بحكم الجغرافية السياسيّة الجديدة مدينة جبليّة تملكُ فقط إطلالة شاهقة ودائمة على أراضيها المنتزعة أمامها، أراضٍ شاسعة خضراء تبعثُ الأمل في النفس لمن حالفه الحظّ ولم يقرأ التاريخ!</p>
<p dir="rtl">الرطوبة العالية في شوارع وبيوت هذه المدينة تشيع حالة من اليُتم والفقدان، فهي ثقيلة ودائمة الحضور لاسيما في شهور الصيف، وتكاد تشعر بها في كلّ شهيق وزفير، تعرف تماما أنّ أحد أسبابها هو البحر الذي لا تراه، إنه الغائب الذي تلمسُ حضوره في تفاصيل الحياة اليوميّة. هواء مُشبَع بالماء كدليل ماديّ على حضور بحر غير متاح. كنتُ أقول لنفسي "هذه المدينة إن أخذت شيئا من البحر فهي لم تأخذ منه إلا سيّئاته"! فهي لا تتمتّع بما يمنحه البحر للسكّان القريبين منه، لكنها تعاني من وجوده! ربما لهذا السبب كَثُرتْ المسابح والبرك في المدينة تعويضا نفسيّا عما لا يُمكن تعويضه: هل هناك شيء على سطح هذه الأرض يستطيع أن يعوّض عن غياب البحر! في هذه المدينة المحاطة بالجدار والأسلاك الشائكة والبوّابات الكهربائيّة والمستوطنات والحواجز العسكريّة وأبراج المراقبة لكونها مدينة حدوديّة، وأقرب نقطة في الضفة الغربيّة إلى اسرائيل، أصبح أيّ مكان خارجها جزء من العالم الخارجي، والخروج منها شرقا باتجاه نابلس مهمة ثقيلة العبء على النفس، والذهاب غربا باتجاه الساحل مهمة عصيّة إلا إذا كنتَ من هواة التسلّل. فقدتْ تواصلها شرقا وغربا، كأنها لم تعد جزءا من أيّ شيء حولها! </p>
<p dir="rtl">تبدو لي بيّارة جدّي بالإضافة إلى عدد من البيارات القليلة المجاورة لها، أنها من الأراضي القليلة التي بقيت من السهل الساحليّ ولم تُضم إلى الخطّ الأخضر الذي يقع على بعد عدّة أمتار منها فقط. هذا الخطّ غير المرئيّ الذي يفصل بين المدن الواقعة تحت سيادة السلطة الاسرائيليّة وبين الأراضي التي تخضع للحكم العسكريّ الاسرائيلي بما فيها مناطق السلطة الفلسطينيّة. وقد يتبادر للذهن أنّ تسميته بالأخضر جاءت من حقيقة أنّه يبتلع أكثر المساحات خصوبة من فلسطين التاريخيّة، وهي الممتدة في السهل الساحليّ، لكنّ التسمية جاءت من لون القلم الأخضر الذي تمّ فيه رسم الخطّ على الخارطة في اتفاقية رودوس عام 1949. والوسيط رالف بانش صاحب هذا الرسم الذي فصل 75 قرية ومدينة عن أراضيها، والذي تمّ رسمه ليس بناءً على معرفة بالأرض أو مصلحة السكان بل اعتمادا على التحصينات العسكريّة لكل فريق من المتحاربين، قد حصل على جائزة نوبل للسلام! الوسيط الذي غيّر بجرّة قلم طوبوغرافيّة وجودك ونال بناءً على ذلك جائزة دوليّة.  </p>
<p dir="rtl">الأودية والأنهار الصغيرة من جبال نابلس والقدس ستواصل نقل حمولات الطميّ والأتربة إلى أراضي السهل الساحليّ وتغذّيه بالأتربة الغنيّة كما هو عليه الأمر منذ آلاف السنيين. والطيور المقيمة والمهاجرة ستواصل التنزّه بين التضاريس شديدة التنوّع والتقارب. بينما يثابر سكّان الضفة الغربيّة على صعود التلال والجبال لإطلالة سريعة في يومٍ صافٍ على مشهد ضبابيّ للبحر، ويواصلون السباحة في بانيوهات ضيّقة وفي برك صخريّة ومسابح مرتجلة وأنهار ضائعة بين الوديان. فمن ساحل يبلغ طوله 235 كم ومساحته 3220 كم2 في فلسطين التاريخيّة لم يبقَ متراً واحداً أو مدخلاً آمناً للعبور إلى الشاطئ، والقفز في عمق الماء، حتى أنّ هذا يبدو ترفا سياسيّا، مطلبا ثانويّا لا مجال لتخيّله أصلا. بينما تشير الروايات التاريخيّة أنّ الفلسطينيين الأوائل كانوا من شعوب البحار، وأوّل مرّة ذُكر فيها اسمهم كان يُشار إلى وجودهم في مدن الساحل! تغيّر الوضع الآن، صار بعضنا على مقربة منه بمحض الصدفة وحسن الحظ، وبعضنا يحلمون به يائسين وبلا أمل، ويزورونه فقط على شواطئ دول أجنبيّة. <br />
 </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ننشر المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطيني»، المشترك بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة» والفنون الذي تنظّمه الجمعيّة خلال هذا شهر.</span><br />
 </p>
<div data-oembed-url="https://omny.fm/shows/safahat/e2a96cc5-1e43-4fb3-8139-ad080088683b/embed">
<div style="height:180px; left:0; position:relative; width:100%"><iframe allow="encrypted-media;" allowfullscreen="" src="https://omny.fm/shows/safahat/e2a96cc5-1e43-4fb3-8139-ad080088683b/embed?style=cover" style="top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; position: absolute; border: 0;" tabindex="-1"></iframe></div>
</div>
<h5 dir="rtl">للاستماع إلى المزيد من المقالات، يمكنكم الاشتراك في خدمة <a href="https://www.sowt.com/ar/ashtrakat-swt/sfhat-swt" target="_blank" rel="noopener">«صفحات صوت»</a> إما من خلال الموقع أو تطبيق<a href="https://podcasts.apple.com/us/channel/safahat-sowt-%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%B5%D9%88%D8%AA/id6442484437" target="_blank" rel="noopener"> آبل بودكاست</a>.<br />
 </h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20306">الإطلال على البحر من تلّة بعيدة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>فلسطين محفوفة ببحرها... ملامح من تاريخ التوتر مع البحر </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20303</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[علي حبيب الله‎]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 01 Dec 2020 14:53:46 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الساحل الفلسطيني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%ad%d9%81%d9%88%d9%81%d8%a9-%d8%a8%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%87%d8%a7-%d9%85%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%ad-%d9%85%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"لا ينام البحر لا في الليل ولا في النهار، وقد يهجم فجأة، وتأكل أمواجه الناس على الأرض" يقول جون غيليس في كتابه الساحل البشري. كانت علاقة أي مدينة على الساحل ببحرها هي تجسيد بالضرورة لعلاقة الحضارة بالطبيعة التي لم تكن مستقرة قط، فتصالح الإنسان مع البحر هو حديث نسبياً، بينما "التوتر" معه هو الثيم الذي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20303">فلسطين محفوفة ببحرها... ملامح من تاريخ التوتر مع البحر </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">"لا ينام البحر لا في الليل ولا في النهار، وقد يهجم فجأة، وتأكل أمواجه الناس على الأرض" يقول جون غيليس في كتابه الساحل البشري. كانت علاقة أي مدينة على الساحل ببحرها هي تجسيد بالضرورة لعلاقة الحضارة بالطبيعة التي لم تكن مستقرة قط، فتصالح الإنسان مع البحر هو حديث نسبياً، بينما "التوتر" معه هو الثيم الذي كان يحكم علاقة الإنسان القديم به، ليس لطبيعة البحر، إنما لكونه تمثيلا لما وراء الطبيعة بالنسبة لشعوب سواحل المتوسط.</p>
<p dir="rtl">عَرفت شعوب المتوسط السواحل قبل الشواطئ، فالساحل مُعطى جغرافي طبيعي، بينما الشاطئ هو اختراع حديث من صُنع تاريخي – ثقافي جرى في بدايات القرن التاسع عشر. وحتى الساحل كان قديما ينتمي للبحر نفسه أكثر مما ينتمي للأرض، فكلمة ساحل مشتقة من أصلها اللاتيني costa والتي تعني جانب الشيء (side)، جانب الجسد الإنساني أو جانب أي قطعة من الأرض أو الماء. واكتسبت الكلمة معناها الحديث فقط في أواخر القرن الثامن عشر حيث أصبحت وللمرة الأولى "the coast" أو الساحل، والذي لم يعد جانباً لشيء آخر، إنما أصبح مكاناً بحد ذاته(1). إن هذا التحول من اعتبار الساحل مكاناً جانبيباً إلى مكان قائم بذاته يُعيدنا للتفكير بشكل تاريخ التوتر مع البحر، ثم السؤال: هل تجنب سكان ساحل فلسطين القدماء بحرهم؟ </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">جنة عدن بلا بحر </span></strong></p>
<p dir="rtl">كانت فلسطين جزءاً من الجغرافيا الأسطورية للشرق القديم، والتي نظرت إلى البحر نظرة قداسة وخوفٍ معا. تجسد التوتر بين الأرض والبحر عند الكنعانيين في فلسطين من خلال صراع بعل إله الأرض والزرع مع يـم أو يمـو إلهة البحر، وقد انتهى ذلك بانتصار بعل، فهزيمة يـم أمام بعل مثّلت هزيمة للبحر لصالح الأرض، فكان الكنعانيون زرّاع أكثر مما كانوا بحّارة(2).</p>
<p dir="rtl">جاءت التوراة وراكمت على هذا التوتر بين الأرض والبحر ودفعت به نحو استعداء البحر، ففي سفر التكوين يمثل الماء الفوضى بينما الأرض تمثل النظام. وأهوال فعل الطوفان في قصة النبي نوح في العهد القديم، تجعل من البحر تمثيلا للعقاب، فالطوفان الذي جعل من كل الأرض بحرا يمثل عقاب الله لخلقه. وبالتالي راصفت المسيحية على ذلك في عداءها للبحر ونظرت إليه نظرة وثنية إلى حد اعتباره مسكن الشيطان(3). وحتى في الإسلام، فإن جنة عدن الموصوفة في القرآن الكريم، فيها جبال وجداول وأنهار، لكنها بلا بحر، إن جنة عدن بلا بحر، لأن وجود البحر على الأرض هو تذكير لعِبادها بفكرة القصاص والعقاب. إن كل أشكال التوتر التي ستتشكل لاحقا لدى سكان فلسطين الساحليين مع البحر بدوافعها المادية، ستظل محمولة بهذا الإرث الأسطوري والسماوي في الموقف من البحر.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">فوق "سوافي الرمل" </span></strong></p>
<p dir="rtl">كان توطن ساحل فلسطين على مر العصور التي سبقت الفتح العربي، يتميّز باتخاذ التلال المرتفعة على سيف البحر، فعلى طول الشريط الساحلي من منطقة الداروم جنوبا عند غزة القديمة كانت "تل العجول" الشكل الاستيطاني الأقدم في تلك المنطقة(4). وعسقلان قبيل الفتح العربي – الإسلامي كانت تقوم على تل يسمى "تلعة"(5) والتي على أنقاضها أقيمت قرية المجدل الحديثة، وكذلك يافا منذ أن كانت قرية جوبيا قامت على رف صخري مرتفع. وإذا ما ذهبنا شمالا حتى الطنطورة التي أقيمت على أنقاض بلدة "دور" الرومانية كانت على تل سمّاه أهل الطنطورة حديثا بـ"تل الباب"(6)، وإلى الشمال مرورا بحيفا التي يعود التوطن القديم فيها على موقع يسمى "تل السمك"،  وصولا إلى عكا التي قامت قديما على "تل الفخار".</p>
<p dir="rtl">يسمي أهل الساحل تلك التلال المرتفعة على البحر بالـ"سوافي" إذا كانت رملية، والرفوف إذا كانت صخرية. كان ذلك التوطن المرتفع والمُطل على حافة البحر محكومٌ بمنطق الأمن من البحر على مستويات ثلاثة : جغرافي وصحي  واجتماعي كذلك.</p>
<p dir="rtl">يعود أمن التوطن الجغرافي إلى الخوف من البحر نفسه، الذي لم يأمنه سكان ساحل فلسطين، خصوصا في الشتاء حين يكبر البحر ويعلو موجه مبتلعا حوافه. بينما ارتبط الأمن الصحي بمياه الجداول والأنهر التي كانت تجري شتاء من جبال فلسطين الداخلية لتصب غربا في البحر، جزء من هذه المياه كان يركد عند شاطئ البحر مكونةً برك راكدة يسميها أهلنا في الساحل "البصاص" جمع بصة، ما نسميه اليوم بالمستنقعات(7). كان ركودها طوال الشتاء والربيع يتسبب بالأوبئة والأمراض السارية المُعدية مثل الملاريا والحُمى، مما كان يدفع أهل الساحل التوطن فوق تلال مرتفعة منها تفاديا للعدوى والمرض. </p>
<p dir="rtl">أما عن الأمن الاجتماعي من البحر، فقد ارتبط بما كان يحمله البحر نفسه لأهل ساحله، من غُزاة أو قراصنة ولصوص، وبالتالي اعتبر التوطن التِلالي بمثابة حماية ورقابة دائمة من البحر وعليه.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">سكان فلسطين بلا ساحلهم  </span></strong></p>
<p dir="rtl">مع الفتح العربي – الإسلامي للبلاد في القرن السابع للميلاد، كان يُطلق العرب على البحر المتوسط اسم "بحر الروم"، بحكم الهيمنة الرومانية على سواحل المشرق. ولما خلصه العرب من هيمنة البيزنطيين عليه، ظل الساحل بمثابة منطقة ثغورية (حدودية)، واعتبر البحر الحد الذي يفصل "ديار الإسلام عن ديار الكفر" بتعريف الجغرافية الإسلامية في حينه. </p>
<p dir="rtl">عَرفَ ساحل فلسطين نشاطا ثغوريا طوال العصر الأموي، وقد استخدم معاوية بن أبي سفيان مرفأ عكا ثكنة للبحرية الحربية الإسلامية وصناعة السفن(8)، غير أن انتقال ثقل الدولة الإسلامية من الشام إلى العراق مع بداية العصور العباسية، قد همش بلاد الشام وخصوصا سواحلها التي تحولت إلى مناطق تنشط فيها الإمارات الخارجة على الحكم العباسي.</p>
<p dir="rtl">في ظل الحملات الصليبية على المشرق في نهاية القرن الحادي عشر ميلادي، سيتحول كل ساحل فلسطين على المتوسط إلى شريط أمني – عسكري بامتياز. أقام الصليبيون ممالكهم على حافة البحر، من عسقلان جنوبا وحتى عكا شمالا، فغدا سكان فلسطين بلا ساحلهم في قطيعة معه امتدت إلى أكثر من 500 عام منذ بدء الحملات.</p>
<p dir="rtl"> إن مشروع تحرير المشرق وسواحله من الصليبيين في زمن الأيوبيين ثم المماليك، لم يكن ذلك يعني عودة سكان فلسطين العرب والتوطن على ساحلهم، إذ اتبع الأيوبيون سياسة الأرض المحروقة، فالمدينة الساحلية التي كان يتم تخليصها من الصليبيين، كان يجري تخريبها على الفور. خرّبَ صلاح الدين الأيوبي عسقلان بعد تخليصها من أيدي الصليبيين سنة 1187م(9)، وكذلك فعل في يافا، وعلى نفس السياسة سار لاحقا السلطان المملوكي بيبرس بتدميره ليافا بعد سيطرة الصليبيين عليها مجددا، ومن بعده السلطان الخليل بن قلاوون الذي قام سنة 1291 بتدمير حيفا ثم عكا التي كانت الحصن الأهم والأكبر بالنسبة للصليبيين على ساحل فلسطين(10).</p>
<p dir="rtl">لقد استسهل السلاطين تدمير مدن الساحل المحررة، لأنه لم يكن يسكنها أي من سكان البلاد العرب والمسلمين أصلا، وبالتالي كان تدميرها بمثابة تخلص من ثكنات عسكرية صليبية. كما أن الضرورة العسكرية – الأمنية اقتضت ذلك، كي لا يُمنح الصليبيين فرصة العودة إليها واستيطانها مجددا في سياق حرب الكر والفر التي استمرت لقرنين من الزمن، فغدا الساحل خراباً ويباباً.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الرباطات والمواسم البحرية </span></strong></p>
<p dir="rtl">كانت الرباطات البحرية بمثابة نقاط أو أبراج مراقبة عسكرية دائمة على البحر، وأدت دورا أمنيا منذ ما قبل الحملات الصليبية، إذ ذكرها المقدسي في رحلته أيام الفاطميين باسم "رباطات القدس"(11). تعزز تكثيف هذه الرباطات على الساحل أيا الأيوبيين في ظل حروبهم مع الصليبيين، فصار الحضور العربي على الساحل مقتصرا عليها. كان يُقام الرباط البحري على تلٍ مرتفع، ويُنار بالنار ليلا، وتدّخن بدخان النار نهارا(12).</p>
<p dir="rtl">وكثير ما أقيم الرباط البحري على أو عند مقامٍ دينيّ، في محاولة لجدل الديني بالعسكري في ظل شراسة المعارك مع الصليبيين التي أُعتبر بعضها بمثابة ملاحك بطولية. وبالتالي، لم يكن المقام عند نشأته بالضرورة قبر لرجل دين صوفي أو لولي صالح، كما سيُنظر إليه لاحقا بعد انتهاء الحروب الصليبية، إنما كانت المقامات الساحلية بغالبها قبور لمجاهدين سقطوا شهداء في الحرب، وهذا يشبه فكرة "النُصب التذكاري للجندي المجهول" بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة.</p>
<p dir="rtl">إن المواسم السنوية التي ابتكرها المماليك في ظل ديمومة الصراع الإسلامي – الصليبي، والتي كان بعضها ساحليا مثل "أربعة أيوب – موسم وادي النمل" في عسقلان، وموسم "النبي روبين" جنوب مدينة يافا، ارتبطت بشكل أو بآخر بتلك المقامات والرباطات البحرية. </p>
<p dir="rtl">كان الغرض من ابتكار هذه المواسم الشعبية التي يجري فيها حشد وتعبئة الناس في مسيرات جماعية للتبرك عند هذه المقامات هو التعبئة العامة المضادة لحشود الحجيج المسيحيين القادمين من أوروبا للبلاد عبر البحر(13). وبالتالي كانت علاقة سكان فلسطين بساحلهم ما بين القرن الثاني عشر وحتى مطلع الرابع عشر الميلاديين علاقة أمنية متوترة على الدوام بين رباط عسكري ثابت على البحر، ومواسم اجتماعية جماعية الطابع نحو البحر مرة في كل عام.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">القراصنة ولصوص البحر</span></strong></p>
<p dir="rtl">انتهت الحروب الصليبية في أواخر القرن الثالث عشر، غير أن القطيعة مع ساحل فلسطين، ظلت ليس فقط للحمولة الأمنية التي خلّفتها حروب الصليبيين من البحر، إنما للفوضى الساحلية التي ارتبطت بتلك الحروب، واستقلت عنها لتظل قائمة إلى ما بعدها حتى مطلع القرن السابع عشر، وكانت اللصوصية المنظمة هي من أبرز ملامح تلك الفوضى وذلك التوتر بين سكان فلسطين وساحلهم.</p>
<p dir="rtl">في رحلته "وصف الأراضي المقدسة في فلسطين" أشار الراهب الروسي دانيال إلى الخوف الذي ولّده القراصنة وقطاع الطرق في عسقلان(14)، ومن أشهر لصوص البحر الذي ذكرته المصادر عن تلك المرحلة كان "ابن الحشّاش" الذي كان يسيطر على حافة البحر الممتدة بين قيسارية وأرسوف(15).</p>
<p dir="rtl">نشطت حركة القراصنة بعد الحروب الصليبية على ساحل فلسطين بوتيرة أكبر وأكثر رهبة مما كانت عليه أيام الحرب، إذ استوطن بعضهم المدن الساحلية المخربة، مثل عسقلان ويافا وقيسارية وحتى عكا، مما دفع إلى تفريغ ما تبقى من توطن عربي قرب ساحل المتوسط إلى الداخل. </p>
<p dir="rtl">بقيت حركة القرصنة نشطة، وساحل البحر خالٍ من أهله حتى أواخر القرن السابع عشر ومطلع الثامن عشر مع قيام إمارات الحكم المحلي في ظل الدولة العثمانية، منها الزيادنة الذين أعادوا الأمن ودفعوا بعودة التوطن على ساحل فلسطين. مع ذلك، ظل لصوص البحر يُطلون برؤوسهم عند حافة البحر، إذ استنجد سكان "تل السمك" عند شاطئ حيفا سنة 1744 بظاهر العمر لتخليصهم من غارات القراصنة بعد أن حاولوا خطف امرأة من على الشاطئ (16).</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الفلسطيني يبتلُ بقدمٍ واحدة</span></strong></p>
<p dir="rtl">لم يعد سكان فلسطين لتوطن الساحل، إلا بعد أن بدء فرض الأمن البحري على المتوسط، في ظل العهد العثماني ونشأة إمارات الحكم المحلي خلاله في فلسطين، مثل الإمارة المعنية في الثلث الأول من القرن السابع عشر، ثم الزيادنة في مطلع القرن الثامن عشر.</p>
<p dir="rtl">كانت المقامات الساحلية هي نواة عودة التوطن الفلسطيني الحديث على ساحل المتوسط، إذ أُقيمت معظم قرى ومضارب الريف البحري عندها. حتى أن بعض القرى اقترن اسمها باسم المَقام المُقامة عنده، مثل قرية "حرم سيدنا علي" شمالي يافا، والتي نٌسبت لمقام علي بن عُليّم أحد قواد جيش صلاح الدين الذي سقط شهيدا عند موقع القرية في ظل الحرب مع الصليبيين. وكذلك قرية "الشيخ دنون" شمالي مدينة عكا، أقيمت عند مقام دنون أحد مجاهدي الجيش الأيوبي. وغيرها مثل قرى زرنوقة والمزار(17).</p>
<p dir="rtl">أما المدن الساحلية، فمنها ما ظلت خرابا مثل عتليت وقيسارية وأرسوف وعسقلان واستخدمت حجارة انقاذها لبناء القرى حولها. ومنها من كانت مرافئها القديمة سببا في إعادة بعثها، مثل عكا ويافا ثم حيفا لاحقا. لم تكن عودة التوطن على سيف البحر تعني بالضرورة التصالح معه، إذ بقي التوتر مع البحر محمول بكل ذلك الإرث الحربي – الأمني، وهذا ما يفسّر دفع الدولة العثمانية في مطلع القرن التاسع عشر بالقبائل البدوية للحط بمضاربها البدوية على حافة البحر ومراقبته(18) </p>
<p dir="rtl">لم يتقن أهل الساحل صيد السمك ولا السباحة إلا في وقت متأخر من القرن التاسع عشر، بحسب فولني الذي زار الساحل وقتئذ(19). وحتى بيوت الساحليين كانت تبنى بالغالب مُعطية ظهرها للبحر، فدخول الفلسطيني للبحر بدأ بقدمٍ واحدة، بينما ظلت الأخرى في الحقل. </p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الهوامش</span></strong> </p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">1 . غيليس، جون أر، الساحل البشري، ترجمة: ابتهال الخطيب، عالم المعرفة، الكويت 2015، العدد 430، ص 142.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">2 . فيروللو، شارل، أساطير بابل وكنعان، ترجمة : ماجد خير بك، ص 80-81.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">3 . عن موقف اليهودية والمسيحية من البحر راجع، غيليس ، الساحل البشري، ص85.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">4 . مبيض، سليم، غزة وقطاعها، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر 1987، ص25.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">5 . المهلبي، الحسن بن أحمد (965م)،المسالك والممالك، نقلا عن موسوعة رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين، وصف فلسطين أيام الفاطميين، تيسير خلف، دمشق 2008، ص18.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">6 . مقابلة شفوية مع عبد الجبار أبو الشكر، موقع فلسطين في الذاكرة، ضمن مشروع التاريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية، أجرى المقابلة : ركان محمود، في تاريخ 17-3-2007.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">7 . وأُطلق على بعض قرى الساحل حديثا اسم البصة، مثل البصة شمالي عكا، وبصة الفالق أو بركة رمضان في قضاء طولكرم الساحلي.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">8 . البلاذري، ابن العباس احمد بن يحيى (892م)، فتوح البلدان، تحقيق عبدالله أنيس الطباع، دار النشر للجامعيين، القاهرة 1957، ص 192.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">9 .  المقريزي، تقي الدين ابن عباس(1441م)، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت 1997، ج1، ص210. </span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">10. راجع، شبل، يوسف أحمد، عكا تراث وذكريات، دار الحمراء للطباعة والنشر، 1994، ص 16.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">11 . المقدسي، محمد بن أحمد البناء (999م)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مطبعة بريل ليدن، 1967، ص174.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">12 . الهروي، أبو الحسن علي (1214م)، كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات، تحقيق/ جانين سورويل، دمشق 1953، ص32.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">13. اختلفت المصادر وكذلك الباحثين المعاصرين حول زمن ابتكار هذه المواسم، فمنهم من يردها للسلطان الأيوبي صلاح الدين، بينما ينسب بعضهم الآخر ابتكارها للمماليك في زمن الظاهر بيبرس.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">14. الراهب، دانيال، وصف الأراضي المقدسة في فلسطين، ترجمة: سعيد البيشاوي، دار الشروق، عمان 2003، ص77.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">15 . راجع، محمد، إمام الشافعي، اللصوص والقراصنة في عصر الحروب الصليبية، دار الانتشار العربي، بيروت 2019، ص 70.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">16. الصباغ، ميخائيل نقولا، تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيدلني، تحقيق: أحمد حسن جودة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2019، ص 40.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">17. راجع، عرّاف، شكري، طبقات الأنبياء والأولياء الصالحين في الأراضي المقدسة، مطبعة إخوان مخول، ترشيحا 1993، ج 2، ص 255 – 265.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">18 . توطن كثير من العشائر البدوية على شاطئ البحر مباشرة بإيعاز من الدولة العثمانية مثل عرب وادي الحوارث في قضاء طولكرم الساحلي.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">19 . فولني، س.ف، ثلاثة أعوام في مصر وبر الشام، ترجمة: ادوار البستاني، دار المكشوف، بيروت 1949، ص 141.</span></h5>
<div dir="rtl">
<span style="color:#7f8c8d">ننشر المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطيني»، المشترك بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة» والفنون الذي تنظّمه الجمعيّة خلال هذا شهر.</span></div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20303">فلسطين محفوفة ببحرها... ملامح من تاريخ التوتر مع البحر </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-30 00:14:59 by W3 Total Cache
-->