<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>شعر - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%B4%D8%B9%D8%B1/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/شعر</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Tue, 08 Apr 2025 17:25:36 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>شعر - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/شعر</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>طه حسين مع أبي نواس</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35234</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 08 Apr 2025 08:25:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[شعر]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35234</guid>

					<description><![CDATA[<p>هوامش</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35234">طه حسين مع أبي نواس</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>تحتلُّ كتابات طه حسين عن الشعر العربيِّ الموقع الأكبر في اهتماماته، بل تكاد تكون محور تفكيره الذي من خلاله يُقدِّم أطروحاته الفلسفيَّة والفكريَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة. اشتُهِر طه حسين بأعماله النقديَّة التالية: "حديث الأربعاء" (ثلاثة أجزاء)، "في الشعر الجاهليّ"، "تجديد ذكرى أبي العلاء"، "مع المتنبِّي"، "مع أبي العلاء في سجنه"؛ بالإضافة إلى عشرات المقالات التي تبحث في ذلك الشعر.</p>
<p>طيلة حياته الطويلة، حافظ طه حسين على رؤيةٍ واضحةٍ بسيطة: ثورةٌ في التراث تقلب المفاهيم. الصورة التقليديَّة التي يتداولها الشعراء والنقَّاد تبدأ بالشعر الجاهليّ الذي يتربَّع على عرشه امرؤ القيس، وتنتهي بقمَّة الشعر العربيِّ ومعبود النقَّاد والشعراء والأدباء أبي الطيِّب المتنبِّي. بينهما، نجد مكانةً كبيرةً للشعراء العرب الفطاحل: النابغة وزهير بن أبي سلمى وجرير والفرزدق وبشَّار بن برد وأبي نواس وأبي تمَّام والمعرِّي. ولكنَّ المكانة الأسمى لمعنى الشعر وبُنيته وتركيبه وتصاويره تعود دوماً إلى امرؤ القيس والجاهليِّين، وتُقدِّس أعمال أبي الطيِّب.</p>
<p>رفض طه حسين هذه الصورة المتوارثة كلِّيَّاً. شكَّ في معظم الشعر الجاهليِّ واعتبره منحولاً؛ والأهمُّ أنَّه قلَّل من قيمة هذا الشعر على المستوى الأدبيّ. كذلك مع المتنبِّي، الذي يَضعُه في مصافِّ شعراء الدرجة الثانية، مقارنةً بأبي تمَّام والمعرِّي وأبي نواس. جعل طه حسين حكيمَ المعرَّة يتربَّع على قمَّة الشعر العربيّ، وحده بلا مُنازع، باعتباره المفكِّر والشاعر والناثر الأهمَّ في تاريخ اللغة العربيَّة.</p>
<p>شكَّلت دراسات طه حسين ثورةً في التراث، وفي داخل هذه الثورة، يتمتَّع أبو نواس بمكانةٍ خاصَّةٍ واستثنائيَّة. في العصر العبَّاسيِّ الأوَّل، تغيَّر لفظُ الشعر العربيِّ ومعناهُ تغيُّرًا عميقًا؛ وبحسب العميد، انقسم الشعراء المُجدِّدون ما بين مدرستين؛ ركَّزت واحدةٌ على اللفظ، والأخرى على المعنى:</p>
<p>"اختلافٌ في اللفظ نشأت عنه مدرسة مسلم بن الوليد التي أخرجت أبا تمَّام والمتنبِّي وأمثالهما من أصحاب البديع، واختلافٌ في المعنى نشأت عنه مدرسة أبي نواس التي أخرجت البحتريَّ وغيره من أولئك الشعراء الذين آثروا اللفظ القديم والمعنى الجديد، ولم يتكلَّفوا بديعًا ولا استعارةً ولا جناسًا."</p>
<p>وكان شاعرنا أبو نواس حامل لواء التغيير والثورة في المدرسة الثانية. لم يكن وحده، ولكنَّه كان الأصدق والأشجع والأعلى موهبة. هذا ما جعل طه حسين يعود إليه مراراً ويكتب عنه باستمرار.</p>
<p>نجمع في هذا الكتاب، لأوَّل مرَّة، أبحاث طه حسين عن أبي نواس في مُجلَّدٍ واحد. يتيح لنا ذلك، بطريقةٍ مباشرةٍ وسهلةٍ وواضحة، أن نفهم أبعاد عمل أبي نواس، وأبعاد رؤية العميد لموقع أبي نواس في الشعر العربيّ.</p>
<p>...</p>
<p>أكثرُ من ثلثي كتابنا نستقيه من "حديث الأربعاء-الجزء الثاني"؛ من الفصل الأوَّل إلى الفصل السابع عشر. خصَّص طه حسين بعض الفصول لأبي نواس، وبعضها للسياق العامِّ في العصر العبَّاسيّ. حذفت بعض الفصول التي لا تتعلَّق بموضوعنا، وبعض الفقرات التي تخصُّ شعراء آخرين. هكذا، أصبح لدينا بحثٌ يخصُّ أبا نواس وحده، ويشكِّل مشروعاً شبه مُكتمِلٍ لتناول شعره. يُشكِّل ذلك الفصل الأوَّل من كتابنا، <i>ثورة أبي نواس</i>.</p>
<p>ننتقلُ بعد ذلك إلى مقالاتٍ من خصام ونقد، كُتِبت بعد خمسةٍ وعشرين عاماً من حديث الأربعاء، وضمَّتْ ثلاث مقالاتٍ عن أبي نواس. كما أخذنا مقتطفاتٍ من مقال "يونانيّ فلا يُقرأ" عن الشاعر. وهذا هو الفصل الثاني من كتابنا، <i>نقَّاد أبي نواس</i>.</p>
<p>وفي النهاية مقتطفاتٌ قصيرةٌ من كتب "حافظ وشوقي"، و"تقليد وتجديد"، و"مرآة الإسلام". وهنا الفصل الثالث في كتابنا، <i>دروس أبي نواس</i>.</p>
<p>الخاتمة مع نهاية الجزء الثالث من "الأيَّام"، التي يستشهد فيها طه حسين ببيت شعرٍ لأبي نواس.</p>
<p>حذف طه حسين الألفاظ التي يراها بذيئةً من أشعار أبي نواس، وأبقيتُ على الحذف كما أراده العميد.</p>
<p>أسماء فصول الكتاب الثلاثة: <i>ثورة أبي نواس</i>، و<i>نقَّاد أبي نواس</i>، و<i>دروس أبي نواس</i>، وضعتُها أنا لا طه حسين.</p>
<p>تواريخ نشر الكتب، (معظم المقالات التي يجمعها العميد في كتبه نُشِرت قبل الكتب بسنواتٍ قليلة):</p>
<p>"حديث الأربعاء- الجزء الثاني" 1926.</p>
<p>"خصامٌ ونقد" 1955.</p>
<p>"حافظ وشوقي" 1933.</p>
<p>"تقليدٌ وتجديد" 1978.</p>
<p>"مرآة الإسلام" 1959.</p>
<p>"الأيَّام- الجزء الثالث" 1967.</p>
<p>...</p>
<p>نبدأ مع الفصل الأوَّل، <i>ثورة أبي نواس</i>. في كتابنا هذا نتطرَّقُ إلى السياق العامِّ الذي نشأ فيه أبو نواس (الفصول الأولى من "حديث الأربعاء")، أي العصر العباسيُّ الذي ساد فيه الفجور والقصف. طبيعة الحياة في العراق، خصوصاً بغداد، وانتشار الثروة، والاختلاط مع الأمم، غيَّرت بعمقٍ من رؤية الشعراء للأدب. جعل أبو نواس من الخمر محور شعره، وهذا لا يتعلَّق فقط بمجونه وإدمانه الخمر، ولكنَّه ثورةٌ سياسيَّةٌ وفكريَّةٌ على القديم وعلى ما يُمثِّله القديم. يَخرج طه حسين في تفسيره لشعر أبي نواس من ضيق الأفق الذي يطبع بعض ما قيل عن الشاعر، ليحاول الوصول إلى روحه التي انعكست في شعره، وعكست طبيعة النظام الاجتماعيِّ والسياسيِّ التي تخلخلت في بغداد. في الغزل أيضاً يُمثِّل أبو نواس موقفاً جديداً، يعكس حياة المدينة مُباشرةً. هُنا نجد القصائد التي تُجسِّد الاختلاط والحبَّ على نحوٍ مغايرٍ تماماً لما عهدناه في الشعر الجاهليِّ والأمويِّ والعبَّاسيِّ المُبكِّر. ولكنَّ شعره في المدح والهجاء قليل القيمة، بحسب العميد.</p>
<p>يختم طه حسين تأمُّلاته في شعر أبي نواس بملاحظةٍ ثاقبةٍ عظيمةٍ عن التشابه بين أبي نواس وأبي العلاء:</p>
<p>"كلاهما كان يزدري الحياة، وكلاهما كان يمقتها مقتًا شديدًا، وكلُّ ما بينهما من الفرق أنَّ أبا نواس كان يكره الحياة فيزدريها، ويستعينُ عليها باللذَّة واللهو، وأنَّ أبا العلاء كان يكره الحياة، فيستعين عليها بالزهد والحرمان، وفي الحقِّ أنَّ المُتشائمين ينقسمون إلى هذين القسمين..."</p>
<p>ننتقل إلى الفصل الثاني، <i>نقَّادُ أبي نواس</i>. بعد ربع قرنٍ، يعود طه حسين إلى أبي نواس. أوَّلاً، يريد أن يردَّ على استخدام أساليب علم النفس الحديث والتحليل النفسيّ (محمد النويهي والعقَّاد وسلامة موسى) لفهم الشاعر. يَتشكَّكُ طه حسين في هذا المشروع، وينقده بحدَّة. كانت مثل هذه المشاريع رائجةً في عصر ثورة فرويد. اليوم، أثبتت رؤية طه حسين أنَّها أعمق، وأنَّ التسرُّع في تطبيق التحليل النفسيِّ على النقد الأدبيِّ ليس مُثمراً كثيراً. أكثر من ذلك، يعود طه حسين باستمرارٍ إلى السياق الاجتماعيِّ -السياسيِّ ليفهم أبا نواس، وبعد ذلك يتفكَّر في شخصيَّته الخلاَّقة، وليس العكس.</p>
<p>في هذه المقالات، أيضاً، ينقض طه حسين الصور المتداولة لأبي نواس: صورة النرجسيِّ التي قال بها النويهي والعقَّاد، وصورة المستهتر التي قال بها النقَّاد القدامى كأبي هفان ونراها في "ألف ليلةٍ وليلة".</p>
<p>ونختم مع الفصل الأخير، <i>دروس أبي نواس</i>. المقتطفات القصيرة الأخيرة توضِّح استخدام العميد لأبي نواس في معالجته لمواضيع أدبيَّةٍ وفلسفيَّةٍ وتاريخيَّةٍ مُعاصرة. أوَّلاً، يرى العميد أنَّ أبا نواس كان واسع الثقافة منخرطاً في هموم عصره ونقاشاته ومجادلاته الغنيَّة، ويُطالب الكتَّاب المعاصرين بالشيء نفسه؛ أي أنَّ الشعر الساحر المميَّز الذي أنتجه أبو نواس يقتضي الاطلاع على الثقافتين المحلِّيَّة والعالميَّة، بل ومعرفة تفاصيلها الكثيرة. يعتقد العميد أنَّ أحمد شوقي وحافظ إبراهيم لا يُضاهيان النؤاسيَّ في دقَّته الفلسفيَّة وانخراطه في عصره. ويرى أنَّ النهضة الأدبيَّة لا تقوم إلَّا بمثل هذا الاطِّلاع والهضم للثقافات المُتعدِّدة: هكذا يصبح أبو نواس نموذجًا فكريًّا وشعريًّا وحضاريًّا، نموذجًا لنا اليوم في محاولتنا للنهوض بأنفسنا.</p>
<p>كما يعود طه حسين إلى أبي نواس في نقطةٍ فلسفيَّةٍ خطيرة: الصراع ما بين المعتزلة والتيَّار السنِّيِّ العامّ. يعتقد المعتزلة أنَّ العقل باستطاعته الإجابة على كلِّ الأسئلة، بما فيها الأسئلة الماورائيَّة واللاهوتيَّة. أمَّا الفقه السنِّيُّ فيتشكَّكُ في قدرة العقل على الإجابة على كلِّ الأسئلة، بل يرفض الحنابلة حتَّى طرح الأسئلة عن الماورائيات، في حين يميل الأشاعرة إلى تقديم إجاباتٍ محدودةٍ ومُتشكِّكةٍ تعترف بقصورنا البشريّ. وهنا نجد العميد يميل إلى التيَّار السنِّيِّ العامّ، رافضًا ادِّعاء المعتزلة بمقدرة العقل الكلِّيَّة، ولكنَّه يستشهد بأبي نواس وليس بالأشاعرة أو الحنابلة! وليتذكَّر المرء أنَّ الأستاذ الإمام محمد عبده كان يميل إلى المعتزلة، وخالفه تلامذته الأكثر علمانيَّة: طه حسين وأحمد أمين. يطول الكلام عن هذه النقطة، ولمزيدٍ من البحث حول طه حسين وحدود العقل راجع مقالي "ميتافيزيقيا طه حسين" في كتاب "البحث عن طه حسين"، وعن أبي نواس عموماً في مقالي "عسكر الحبّ" في موقع الجمهوريَّة.</p>
<p>أختلفُ مع طه حسين- قليلاً- في بعض النقاط؛ في المثليَّة الجنسيَّة وطبيعة مدارس المُجدِّدين والسياق السياسيِّ والفلسفيّ؛ ولكنَّني أتَّفقُ معه في العرض الأوسع لمكانة أبي نواس وأهميَّته. تركتُ كتابات طه حسين بدون تعديل، ولم أُضِف أيَّة هوامش توضيحيَّةٍ أو نقديَّة. على العموم، كتاباته جَليَّةٌ واضحة، وجميلة، ومُسلِّية جدَّاً، لذا لا تحتاج إلى هوامش. وبما أنَّ هذا الكتاب هو كتاب طه حسين عن أبي نواس، لم أجد حاجةً إلى إضافة رأيي الشخصيِّ فيما يقوله العميد.</p>
<p>...</p>
<p>تنطلق دراسات طه حسين النقديَّة من رؤيةٍ معاصرةٍ إلى حياتنا اليوم. يفتتح نقاشه عن أبي نواس في "حديث الأربعاء" ببحثٍ حول القديم والجديد؛ بحثٍ يتعلَّق بسؤالنا اليوم حول التراث كما يتعلَّق بسؤال أبي نواس عن تراثه هو. ثمَّ يعود العميد إلى الشاعر في بحوثه عن طبيعة الشعر العربيِّ الحديث ومستقبل الأدب العربيّ، ليتعلَّم من أبي نواس: التعبيرَ بصدقٍ عن الزمن الذي نعيش فيه، والانخراط في النقاشات الفلسفيَّة والسياسيَّة، والاطِّلاع على مُنجزات الأسبقين ومنجزات الثقافات الأخرى. هكذا، يكون أبو نواس قدوةً ومنارةً، وفي الحقيقة، قدوةً اتَّبعَها بخطوطها العريضة طه حسين نفسه طيلة حياته الأدبيَّة.</p>
<p>يختم طه حسين "الأيَّام" مع أبي نواس، مُستشهداً بأنفةٍ وكبرياء الشاعر الذي لم يخضع يومًا إلَّا لروحه الخفَّاقة الوثَّابة، رافضاً الانصياع للناس وللسلطات الدينيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة، في عالمٍ يتغيَّر باستمرارٍ ويتبدَّل بدون توقُّف. صارع القصر والوفد والأزهر، ثمَّ النظام الناصريَّ بطريقةٍ مختلفةٍ ومسالمة؛ ولم يتراجع يومًا، كما لم يتراجع أبو نواس، الذي هتف في وجه الإمبراطوريَّة مترامية الأطراف من الصين إلى الأندلس:</p>
<p>وما أنا بالمشغوفِ ضَربَةَ لازبٍ                     ولا كلُّ سلطانٍ عليَّ أمير!</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;">مقدمة الكتاب الصادر هذه الأيام:</span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-35235" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai.jpg" alt="" width="922" height="1280" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai.jpg 922w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai-216x300.jpg 216w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai-738x1024.jpg 738w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/04/Photo-from-odai-768x1066.jpg 768w" sizes="(max-width: 922px) 100vw, 922px" /></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35234">طه حسين مع أبي نواس</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>التحدي والاستجابة في «حرف» لمحمد حاج بكري</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34551</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مازن أكثم سليمان]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 06 Jan 2025 10:00:32 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[شعر]]></category>
		<category><![CDATA[مراجعة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34551</guid>

					<description><![CDATA[<p>استلهم المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي نظريته الشهيرة المعروفة بِالتحدي والاستجابة في تفسير نشوء الحضارات من علم النفس السلوكي، ولا سيما من كارل يونغ؛ إذ يرى هذا العلم أن الصدمات الفردية تُولِّد استجابة ما تأتي بعد مرحلة من فقدان التوازن النفسي والسلوكي، وهذه البؤرة كانت نقطة انطلاق توينبي في تفسير آليات نهوض الشعوب والحضارات عبر التاريخ.  [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34551">التحدي والاستجابة في «حرف» لمحمد حاج بكري</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">استلهم المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي نظريته الشهيرة المعروفة بِالتحدي والاستجابة في تفسير نشوء الحضارات من علم النفس السلوكي، ولا سيما من كارل يونغ؛ إذ يرى هذا العلم أن الصدمات الفردية تُولِّد استجابة ما تأتي بعد مرحلة من فقدان التوازن النفسي والسلوكي، وهذه البؤرة كانت نقطة انطلاق توينبي في تفسير آليات نهوض الشعوب والحضارات عبر التاريخ. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمثل ديوان محمد حاج بكري، "حرف"، تبعاً لقراءتي له، استجابة شعرية لجملةِ صدمات ذاتية، فردية وجمعية، عاشها وعايشها الشاعر بعمق وعنف؛ بمعنى وجود إمكانية أولية، وفق اعتقادي هذا، لتوظيف نظرية توينبي في التاريخ على قصائد الديوان، وذلك بوصف هذه النظرية بؤرة أساسية لمقاربة الدلالة، ثم لتخليق الفهم وتشييد التأويل فيه.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وأود، في هذا الإطار، أن أعتمد في قراءتي هذهِ إجرائياً، بعض آليات منهجي النقدي الأنطوثقافي العامة، والتي تنظر إلى النصوص الشعرية بوصفها عوالم تفتح أساليب وجود مختلفة، بما هي علامات تنطوي على جدل بين التمركز والتشتت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذا ما سأحاول أن أختبره في قصائد هذا الديوان، وذلك تبعاً لمنحى يرى أساليب الوجود فيها نتاج تحدٍّ وجودي، انبسط كيانياً في منفتح استجابة شعرية ناهضة جمالياً بين المستويين الوقائعي (أي لغة الوجود) والمتخيّل (أي وجود اللغة)، حيث أعتقد أن هذه النصوص تنطوي على أربعة مستويات جدلية تتمركز وتتشتت بين التحدي والاستجابة، هي: </span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>أولاً: جماليات التحدي الوقائعي للأنا </b></span></p>
<p><img decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-34552" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/f98f9a6e-1b16-49d0-99fc-fa5304a3a976.jpeg" alt="" width="215" height="341" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/f98f9a6e-1b16-49d0-99fc-fa5304a3a976.jpeg 215w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/f98f9a6e-1b16-49d0-99fc-fa5304a3a976-189x300.jpeg 189w" sizes="(max-width: 215px) 100vw, 215px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يفتتح الشاعر ديوانه بمجموعة شذرات شعرية، تبدو في اعتقادي منطوية على عتبات دلالية تُبنَى عليها ملامح عدة في تلقي التحدي، وقراءة الاستجابة، حيث يبدأ شذراته هذه بالقول: </span></p>
<p><span style="color: #808080;">"قبلَ أن أراكِ </span></p>
<p><span style="color: #808080;">كنتُ ميتاً فانتبهتُ".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينفي الشاعر وجود حياته قبل رؤية الحبيبة، إذ لم يكن قبلها سوى كائن ميت، وهذا الأسلوب يُؤسِّس لبناء دلالة التحدي الحياتي والوجودي الذي حاصره بمحنة ما، أو بمحن مختلفة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولعل التناص يقودنا هنا إلى استعادة مقولة منسوبة إلى الإمام علي "الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا"، لكنَّ حاج بكري يطرح المعنى من زاوية معاكسة للمعنى الميتافيزيقي في جدلية الحياة/ الموت، الذي يعد الحياة زائفة، والموت حق أصيل، بينما يريد الشاعر أن تكون الحياة موتاً زائفاً، والحب تخليقاً للحياة الأصيلة، وهذا ما يمنح فعل (أراكِ) في هذا الموضع دلالة الرؤية القلبية، أكثر من دلالة الرؤية البصرية.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يختتم حاج بكري شذراته الافتتاحية بالقول: </span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>"للزمن جيوب مهترئة..</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>..............ضاعت فيها أعمارنا". </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا المقطع يُغلِق الشاعر دائرة الإحالة الرمزية على جذور التحدي الوقائعي، فبعد أن بدأ شذراته بإعلاء أيقونة الحب -إذا صح التعبير- ينهيها بإعلاء أيقونة الخيبات، فهل ينطوي تسرب الأعمار من جيوب الزمن بما هو ضياع على سؤال وجودي كلي بحت، أم أن للشاعر سؤاله النابع من خبرته وتجربته الخاصة التي نهض على تحدياتها وصدماتها هذا السؤال الكلي؟  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول حاج بكري في قصيدة "مُغادَرة": </span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>"موتان قد صنعا لحبي دمية</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>خشباً من الصفصاف لا يتغيرُ</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>موتان من حب تعثرَ دربه</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>حتى تهاوى صخرةً تتكسرُ".</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ربما يكون من المُسوَّغ لنا، في حال اطّلعنا على حياة الشاعر المعيشة، أن نؤول هذين الموتين الوجوديين الكليين في إطار موتين واقعيين اختبرهما حاج بكري بنفسه، الأول تجربة الثورة السورية وتداعياتها الحربية الهائلة، وما نجم عن ذلك من مآسٍ وآلام وأثمان باهظة دفعها الشاعر شخصياً وحياتياً؛ والثاني تجربة الزلزال الذي ضرب سورية وتركيا، وفقد الشاعر بفعله عدداً مروعاً من عائلته، في كارثة لم يشف منها السوريون بعد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول في قصيدة "شدِّي على الرُّوح": </span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>"هل تعلمينَ بأنني</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>راودتُ قبلكِ فكرةً للموتِ</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>كانت كل يومٍ تشعل النيران في قلبي أنا</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>منذُ انتقى الزلزالُ أحلامي </b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>ليخنُقَها</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>وطردتُها لما سمعتكِ</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>.. وانتبهتُ بأن شيئاً في الوجودِ يشدني</b></span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>نحوَ البقاء".</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهكذا، انزاحت صدمات الحياة الوقائعية، ثم انبسطت في القصائد بوصفها محرضات كيانية لفتح عالم بديل وتعويضي، فتداعيات الثورة وكوارث الحرب والزلزال على نحو خاص، وأسئلة الوجود على نحو عام، أفقَدَت الشاعر التوازن الشخصي، وشعرية التحدي الوقائعي لـِ (الأنا)، ولَّدَت شرارة تخليق عالم يحتفي بِشعرية استجابة ذات أساليب عدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولعل هذا العالم المنفتح شعرياً هو الذي يمنح تلك الأنا إمكانية التعين في ذات (تنتبِهُ بأنَّ شيئاً في الوُجودِ يشدُّهُا نحوَ البقاء)، وهذا ما يُمكِّننا ربما، من تفسير دلالة إحدى قصائد الديوان أيضاً، والتي حملت عنوان "انكسار"، فهو من جانب أول عنوان يرمز إلى صدمات التحدي الوقائعية، وهو من جانب ثان يبسط نصياً أساليب وجود الحب لتكون تمركزاً تعويضياً على "ذات" رغبوية، حيث تُلحِق تلك "الذاتُ" الحبَّ وتتحكم به أو تخضعه لأولوية صراعات "أناها" المنكسرة في الحياة:    </span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>"أُحبُّها لأُحبَّني.. أتمسَّكُ بها لأَجدَني".  </b></span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ثانياً: جماليات الاستجابة الكيانية في عالم القصيدة البديل (حرف) </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عند التأمل في عتبة عنوان هذا الديوان، "حرف"، يخطر في بال المتلقي أن حاج بكري اختار عنواناً مختزلاً ومتقشفاً للوهلة الأولى، لكنَّ التحليل الدلالي لمفردة "حرف"، وربطها شعرياً بجدلية التحدي والاستجابة، يفتح المعنى على أبعاد تتعلق من حيث المبدأ بالـ "العلامة حرف" المشيرة رمزياً إلى استبدال الشاعر بعالم الصدمات الوقائعية، عالمَ الشعر والكتابة، فالحرف هو كناية عن تخليق الكلمة والعبارة واللغة الشعرية ككل، فَـ "في البدء كانَ الكلمة" حسب إنجيل يوحنا، و(الكلمة/ اللغة/ الشعر) هي "بيت الوجود" وفق هايدغر، وهي الشق الفاتح للوجود الكياني البديل تبعاً لأساليب وجود الشاعر في قصائده هنا.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قال حاج بكري في قصيدة "حرف"، وهي أول قصائد ديوانه الواردة مباشرة بعد الشذرات: </span></p>
<p><span style="color: #808080;">"لي أحرفي ولكِ الصدود عن الهوى</span></p>
<p><span style="color: #808080;">ما عابني أبداً جنون العاشق </span></p>
<p><span style="color: #808080;">سهلٌ أمامكِ مشبعٌ بتوجدي </span></p>
<p><span style="color: #808080;">وحروف اسمكِ أسهبت في منطقِي</span></p>
<p><span style="color: #808080;">كسرت عيونكِ ما تحجَّر من دمي</span></p>
<p><span style="color: #808080;">كحمامةٍ قهرتْ عناد الباشق". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن معركة الشاعر الضارية رداً على الواقع المرير وضرباته القاسية، تكمن في استجلاب أساليب وجود الحب، وفي تثبيته مركزياً تحت سطوة (الأنا) الجريحة، ولا أقدر من فضاءات العالم الشعري بأن تكون بديلاً لإخضاع الحب المُعوِّض، فالشاعر يقول بملء ثقة (الذات الشعرية)، وبملء الرد على التحدي بتحدٍّ كياني أعنف (لي أحرفي)؛ أي لي سلطة القصيدة، وعبرها تستطيع (حروفُ اسمكِ) أن (تقهرَ عنادَ الباشقِ) ظاهرياً، لكنها تُحقِّق غاية أو رغبة (أنا)، هذا الباشق النازف نفسياً ووجودياً بِـ (كسرِ ما كانَ قد تحجَّر في دمِهِ) وقائعياً.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحرف ها هنا ذا، أو (الحروف/ العبارات/ اللغة) أساليب وجود كيانية تستجيب للتحديات وصدماتها، بتخليق عالم بديل يحتفي بالكينونة المشتهاة والمفقودة وقائعياً، فَـ (الحُروفُ بعضُ رفاقٍ)، وبعض رفاق دنيا القصيدة يلتبسون ببعض رفاق دنيا الواقع. قال حاج بكري في قصيدة "شدِّي على الرُّوح": </span></p>
<p><span style="color: #808080;">"هل تعلمين بأنها كانت</span></p>
<p><span style="color: #808080;">تسامرني الحروفُ إذا خطرتِ</span></p>
<p><span style="color: #808080;">كأنها بعضُ الرفاق". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">وقال أيضاً في قصيدة "شدِّي على الرُّوح": </span></p>
<p><span style="color: #808080;">"أصبحت كل التعابيرِ التي دونتها عنا </span></p>
<p><span style="color: #808080;">تراقصني </span></p>
<p><span style="color: #808080;">وتدفعني لأكتبَ من جديد</span></p>
<p><span style="color: #808080;">وتلح في طرحِ السؤالِ تقولُ لي ماذا تريد؟".<span style="font-weight: 400;"> </span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فإذا كانت (التعابير/ اللغة) تراقص الشاعر في عالم الشعر، وتُحفِّز (استجابة الكتابة) أكثر فأكثر، فما الذي يريده هو بالمعنى الوجودي من جهة أولى؟ وبالمعنى الشعري من جهة ثانية؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يكون ما يريده حاج بكري أشبه بما يريده المتصوفة، فالتخلي والانفكاك من براثن الواقع وأحداثه القاسية وصدماته الموجعة، يمر بالاتحاد المجازي بالحبيب المُعوِّض، وهذا الاتحاد التعويضي (كياناً وكينونة) لا يكون إلا بافتتاح فجوة وجودية بديلة؛ هي فجوة أساليب وجود عالم (الشعر/ الحلم/ الشمس). قال حاج بكري في قصيدة "هلوسات":</span></p>
<p><span style="color: #808080;">"ما كان صفوك غير أحجية </span></p>
<p><span style="color: #808080;">وبحلها قد حارت الإنسُ</span></p>
<p><span style="color: #808080;">وأنا أمامك ناسك خشع</span></p>
<p><span style="color: #808080;">آياته الأشعار والهمسُ</span></p>
<p><span style="color: #808080;">يحكي لنجم الصبح أمنية </span></p>
<p><span style="color: #808080;">وتنام في أحلامه الشمسُ". </span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ثالثاً: جماليات الاستجابة الموضوعية في عالم الحُبّ التعويضي (فرح) </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يكون من المجدي أن أبدأ هذا المحور من حيث أنهيت المحور السابق، ففتح فجوة عالم القصيدة (البديل) كيانياً، يسمح للذات الشعرية أن تبسط (تعويض) الانفكاك (موضوعياً) عن تصدعات أناها؛ أي بما يمثله هذا من رد فعل (يستجيب) لأحداث (تحدٍّ) عميقة، وهو الأمر الذي يتأسس بدءاً من نسبية التخلي عن الارتباط الوقائعي، وانتهاء بالاتحاد المجازي بِـ (الحب/ الحبيبة)، فها هو ذا يقول في قصيدة "هلوسات" ذات النكهة الصوفية:  </span></p>
<p><span style="color: #808080;">"بي لوثة المشتاق.. بي مسُ</span></p>
<p><span style="color: #808080;">فهي الكنيسُ وخافقي قسُ</span></p>
<p><span style="color: #808080;">وصفاؤها طهرٌ يعمدني </span></p>
<p><span style="color: #808080;">لأعود طفلاً ما به رجسُ</span></p>
<p><span style="color: #808080;">أمضي إليَ فلا أرى نفسي </span></p>
<p><span style="color: #808080;">في نفسها قد ذابت النفسُ". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن شعرية الاستعانة بموضوعة الحب في أساليب وجود المدار الشعري البديل، لها (دور وظيفي) تعويضي، وهذا ما ينهض به رمزياً (الجناس) الذي يقيمه حاج بكري بين دلالة (حرف) التي شرحتها في الفقرات السابقة، ودلالة (فرح) الأنثى المُتخيَّلة و(الموضوعة) الحاملة لهذا الدور الوظيفي، ولنلاحظ بادئ ذي بدء إحدى عتبات (الإهداء) التي جاء فيها:</span></p>
<p><span style="color: #808080;">"... إلى فرح</span></p>
<p><span style="color: #808080;">ما دامت الحمائم تنقر الحَبّ</span></p>
<p><span style="color: #808080;">سأبقى أعيشُ على أمل الحُبّ".  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لعل تفكيك هذا الارتماء الكياني في أنثى (الفرح) بوصفها كينونة تعويضية، يقود إلى فهم أساليب حضورها كَـ (موضوع) أكثر من فهم أساليب حضورها كَـ (وجود). قال الشاعر في قصيدة "شدِّي على الرُّوح":</span></p>
<p><span style="color: #808080;">"إنني فَرِحٌ لأنكِ في الحشا فرحي </span></p>
<p><span style="color: #808080;">شدي على روحي لتُمسك بعضها</span></p>
<p><span style="color: #808080;">يا من أعدتِ صياغتي </span></p>
<p><span style="color: #808080;">ورسمتِ لي بعض الحياة". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن كينونة الفرح الأنثوي هنا هي كينونة التمركز على (الأنا) عبر مواجهة قلق الفقد وصدماته بإحضار (موضوعة الحب)، وإخضاعه لسلطة الذات الشعرية، والتحكم به لِـ (يشدَّ على رُوحِ الشَّاعرِ، فتُمسِكَ بعضَها)، فتغدو أساليب وجود الأنثى في عوالم الشعر هنا (حرف)، ناهضة بوظيفة تعويضية عن عوالم الواقع بتشييد الـ (فرح) المشتهى، ولهذا فهي أساليب وجود تنتمي في موضوعها إلى الغياب أكثر من انتمائها إلى الحضور.   </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهكذا، تتعين (الاستجابة العاطفية) عند حاج بكري ضد تحديات العالم المعيش بتثبيت (الأنا) في وحدة انبساط (الذات الشعرية) التمركزية، رداً على تشظي (الذات الشاعرة) الوقائعية وتفتتها، ولهذا يريد أن (يلهجَ باسمِ حبيبتِهِ الباري، حتَّى ينتهي منهُ خَيَالُ الأرضِ، وتنتهي الذِّكرى على هذا الوُجود)، كما قال في أحد مقاطع قصيدته "شدِّي على الرُّوح": </span></p>
<p><span style="color: #808080;">"وأظلُّ ألهجُ باسمكِ الباري على شفتّي حتى </span></p>
<p><span style="color: #808080;">ينتهي مني خيال الأرض</span></p>
<p><span style="color: #808080;"> حتى تنتهي الذكرى على هذا الوجود". </span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>رابعاً: جماليات تشتُّت منفتح الاستجابة في فجوة التحدي</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لما كانت الاستراتيجية المحورية في استجابتي الشاعر (البديلة: حرف)، و(التعويضية: فرح)، تقوم على آليات وحدة الإحضار التمركزي، بوصفها (استجابة) آمنة لحاجة حاج بكري ولرغبته في التحكم المستقر ضد صدمات (التحدي) الوقائعية، فإن السؤال الاختباري الرئيس عند مقاربة أساليب وجود عوالمه الشعرية هو عن مدى نجاعة تلك الاستراتيجية؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قال الشاعر في إحدى شذراته:</span></p>
<p><span style="color: #808080;">"السرُّ لا يلزمهُ بئر</span></p>
<p><span style="color: #808080;">.......... مدفنه قبر". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ترى ما السر المقصود هنا الذي لا يلزمه الحفظ والصون عبر الإخفاء؛ إنما يلزمه القتل والدفن ربما وأداً؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هل نجد الجواب في قوله الآتي من قصيدة "عقدة وشاح ما تزال"، أم يتعقَّد السؤال ويتركَّب أكثر؟</span></p>
<p><span style="color: #808080;">"سأبقى أدوِّنُ فيكِ القصائد</span></p>
<p><span style="color: #808080;">أرسلها كل صبح جديد </span></p>
<p><span style="color: #808080;">لتتعبَ مما أخطُ الدواة </span></p>
<p><span style="color: #808080;">وييأسَ حتى سعاة البريد".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لماذا يعلن الشاعر هنا استمراريته في تدوين القصائد لمحبوبته، وفي إرسالها كل صباح جديد حتى ييأس سعاة البريد، إذا كان قد وجد ضالته (فرح) في أساليب وجود عالم (حرف)؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أستطيع القول إن ما ظن حاج بكري أنه قد أحكم تخليقه لم يكن إلّا بمنزلة حلم مُؤقَّت سرعان ما بدت هشاشته، فبعد أن قام بطيّ تشتُّت التحدي على وحدة الاستجابة المركزية، في محاولة حثيثة كي تنبسط كينونة الـ (فرح) في كيانية الـ (حرف)، انبسط النكوص عبر طيّ الاستجابة على جذور التحدي الوقائعية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بمعنى أوضح، يبدو أن ما مثَّلَ جماليات تمركز على وحدة الذات الشعرية في عوالم القصائد، والتي رد بها الشاعر بوصفها (استجابات) على تمزُّق الذات الشاعرة في العالم الوقائعي، لم يسلم (هذا التمركز) من تسلُّلِ صدمات (التحدي) إلى وحدته المستقرة ظاهرياً، وتفتيتها من داخل أساليب وجود عوالم القصائد، وهذا ما يُمكِن التقاطه دلالياً في المقاطع الثلاثة الآتية من قصيدة "في المقهى": </span></p>
<p><span style="color: #808080;">"كل الجميلات</span></p>
<p><span style="color: #808080;">في المقهی ...</span></p>
<p><span style="color: #808080;">غريبات</span></p>
<p><span style="color: #808080;">وأنا النورس المتعب</span></p>
<p><span style="color: #808080;">علی رصيف بارد</span></p>
<p><span style="color: #808080;">يبدو أنني انكسار الحُب</span></p>
<p><span style="color: #808080;">والقلب المنهك من انتظار الأصدقاء". </span></p>
<p><span style="color: #808080;">...</span></p>
<p><span style="color: #808080;">"أنا قربة من الماء</span></p>
<p><span style="color: #808080;">بللت ثوب حاملها</span></p>
<p><span style="color: #808080;">وبقعة زيت في رداء أبيض</span></p>
<p><span style="color: #808080;">أنا لعنة العاطفة</span></p>
<p><span style="color: #808080;">التي لم تكتمل".</span></p>
<p><span style="color: #808080;">...</span></p>
<p><span style="color: #808080;">"أنا طريد الله ...</span></p>
<p><span style="color: #808080;">ولست بإبليس</span></p>
<p><span style="color: #808080;">أنا انكسار حكاية الخلق</span></p>
<p><span style="color: #808080;">انا الملاك المطرود من رحمة الحُب". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أظن أنه لا يكفي فهم (انكسارِ الحُبّ) و(لعنةِ العاطفة التي لم تكتمل) و(الملاكِ المطرود من رحمة الحُبّ) هنا في إطار إخفاق التمركز الموضوعي بما هو (استجابة) تعويضية عبر الحب (فرح)، إنما لا بد من توسيع دائرة التفسير انطلاقاً من أسلوب وجود (أنا انكسارُ حكايةِ الخَلْق)؛ إذ لم تتوقف خيبة التفتُّت عند كينونة (فرح) العاطفية المحطمة، لكنها مثَّلَت نكوصاً ارتدادياً في كامل كيانية (حرف) بما هي أساليب (استجابة) بديلة انبسطت في منفتح عالم القصائد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويبدو أن هذا هو ما تم تحديداً عبر العودة ثانية إلى (التحدي) الأصلي بوصفه تشتُّتَ العالم الوقائعي، ليس فقط على مستوى التجارب العاطفية أو الحياتية الخاصة فحسب؛ بل على مستوى أسئلة الوجود (انكسار حكاية الخَلْق) انطلاقاً من صدمات مآل الثورة والحرب، ثم الزلزال، ثم كامل المشهد الحياتي الحالي العام، حيث ارتدَّتْ أساليب وجود الذات الشعرية بما هي استجابات رغبوية لِـ (الأنا الجريحة) إلى بؤرة تشتُّتِ تلك (الأنا)، وربما تكون هذه الدلالة، هي ما تنطوي عليه صرخة الشاعر اليائسة حينما قال في قصيدة "راعي": </span></p>
<p><span style="color: #808080;">"لو كنتُ أملكُ أي ناي</span></p>
<p><span style="color: #808080;">لعزفتُ في الليلِ الطويلِ </span></p>
<p><span style="color: #808080;">حكايةَ الراعي </span></p>
<p><span style="color: #808080;">وأقنعتُ القطيعَ </span></p>
<p><span style="color: #808080;">بأن هذا الذئبَ فيهِ من البراءةِ </span></p>
<p><span style="color: #808080;">ما يحيلُ حكايةَ الجداتِ أوهاماً </span></p>
<p><span style="color: #808080;">وكذباً وافتراء ". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لعل حاج بكري قد دفع في هذا الديوان ديَّةَ الألم والقلق والخذلان شعرياً، مثلما كان قد دفعها حياتياً، وقد يكون المُشتهَى من ذلك هو أمل تطهير نفسه، وتحريرها في جدلية شعرية انبسَطتْ بين جماليات التحدي والاستجابة، وهذا ما يُحسَب له ويُثمَّن فعلياً. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن، وفي الوقت نفسه، يبدو أن ما ربحه إبداعياً على المستوى الذاتي في مواضع عدة من هذا الديوان، قد خسره، نسبياً، في مواضع أخرى بفعل ضغط الضرورة التي فرضتها المُباشَرَة الوقائعية موضوعاتٍ ولغةً وتراكيبَ وصوراً ودلالةً، وقد يكون هذا المنحى سائداً، ربما وإلى حد ما، في ديوانه الثّاني الذي أعلنَ عن جهوزيتهِ للنشر (ولم أقرأهُ بعد)، ويتناول فيه كما قال الوجع السوري، وهو بعنوان: (أعدُّ حصَى الدُّروب).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذا لا يعني، أنني بإشهار هذه الإشارة هنا، أجهر بحكم قيمة معيارية حاسم؛ إنما أدعو بحماس، وأستشرف في الآن نفسه، جمالياتِ الوعد الشعري عند محمد حاج بكري، وذلك بأن يتلوَ تسديدَ الفواتير الحاكمة انتقالٌ فني مُفترَض (ومطلوب) إلى تجارب جديدة ومُتخفِّفة مما سبق، ومنحازة أكثر إلى حرية عالمٍ شعري خلَّاق وكاشف، فما الخوض في منحنيات الإبداع سوى وعد مُغوٍ ودائم الشغف. </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34551">التحدي والاستجابة في «حرف» لمحمد حاج بكري</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«دم نازح في الممر»: كيف يكتب الفلسطيني يوميات الإبادة؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34463</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وجدي الكومي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 19 Dec 2024 22:35:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[شعر]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34463</guid>

					<description><![CDATA[<p>مصادفة قرأت كتاب فاتنة الغرة الشاعرة الفلسطينية المقيمة في بلجيكا، الذي سيصدر قريبا بعنوان "دم نازح في الممر" الذي تسرد فيه يومياتها عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها -وما زال- قطاع غزة حتى الآن، مع كتابة هذه السطور، منذ أكثر من عام، إذ كنت ممن اختارتهم فاتنة ليقرأوا المسوّدة، لإبداء ملحوظات في مرحلة المراجعة، وهي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34463">«دم نازح في الممر»: كيف يكتب الفلسطيني يوميات الإبادة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">مصادفة قرأت كتاب فاتنة الغرة الشاعرة الفلسطينية المقيمة في بلجيكا، الذي سيصدر قريبا بعنوان "دم نازح في الممر" الذي تسرد فيه يومياتها عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها -وما زال- قطاع غزة حتى الآن، مع كتابة هذه السطور، منذ أكثر من عام، إذ كنت ممن اختارتهم فاتنة ليقرأوا المسوّدة، لإبداء ملحوظات في مرحلة المراجعة، وهي الورشة الكتابية الضيقة التي نعقدها ككُتاب مع أصدقائنا المقربين قبل إرسال مسوّدات كُتبنا إلى الناشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> وكان طلب فاتنة مفاجأة سعيدة ومبهجة لي، وجدت نفسي أتعامل معها بفضول، ورغبة قوية في الاطّلاع على نص مكتوب يتعامل مع الإبادة. ووجدت في داخلي فضول كبير ككاتب: كيف يمكن لشاعر أو كاتب فلسطيني أن يروي هذه المأساة المعاصرة؟ وكان البعض منا قد اعتاد التعامل مع المأساة الفلسطينية باعتبارها حدثًا خلف ظهره مرّت عليه عقود، وتخلّده الروايات والقصائد. وكنا أيضًا قد اعتدنا على التعامل مع النكبة الفلسطينية بأنها حبيسة الدواوين والأدب الفلسطيني، كأن النكبة الفلسطينية ليست حقيقية على الأرض، أو تجري في مجرة أخرى، وكأن الاحتلال الإسرائيلي ليس أسوأ احتلال معاصر نعيشه منذ كنا صغارًا، حتى صرنا كهولًا، وبتنا نتقدم نحو سن الشيخوخة وهذا الاحتلال المعاصر القميء لا ينتهي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذن، ففاتنة هي ابنة هذه المأساة. تحمل الجنسية البلجيكية بحكم الإقامة في قارة أوروبا، تتردد باستمرار على وطنها وعلى قطاع غزة بحكم انتمائها الأسري والقدري إلى القطاع، ويسوقها القدر أن تقرر زيارة أسرتها قبل الحرب بأربعة أيام، وتجد نفسها محاصرة في مستشفى القدس هي وأسرتها، نازحة من جديد مع عائلتها، معها كتاب ليوسا، وجهاز اللابتوب، فتبدأ تحكي وتكتب وتدوّن رسائل إلى ابنة شقيقها "لمار"، فتكون ثمرة هذه الرسائل كتابًا يصل عدد رسائله إلى ٢٤ رسالة، ونكون نحن المحظوظين بكتاب فاتنة، إذ إن من رأى غير من سمع، ونحن جميعًا جلوس أمام شاشات الأخبار نسمع منذ عام وأكثر عن تزايد أعداد الضحايا في جريمة الإبادة، يومًا بعد يوم نتابع وتخفق قلوبنا وتتعطل حياتنا ونحن نتمنى أن تتوقف الإبادة، لكنها لا تتوقف، وتمضي آلة القتل الجنونية في طريقها، يسمح العالم باستمرارها، فتكتب فاتنة من قلب الإبادة شهادتها، وتمنحنا لأول مرة نصًا يوثق هذه الجرائم. لهذا أقول إننا محظوظون بهذا الكتاب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يبدأ الكتاب برسالة تقصّ فيها "فاتنة" على ابنة شقيقها وقائع سفرها أولًا إلى مصر، لكي تعبُر إلى قطاع غزة، وبيروقراطية السلطة في مصر معها حينما طالبتها فجأة أن تحصل على فيزا للولوج إلى القاهرة، خلال سفرها بالباص من دهب في جنوب سيناء، حيث استوقفها كمين شرطة، وطالبها ضابط مصري بأن تعود أدراجها إلى دهب للحصول على الفيزا المطلوبة. سبع ساعات عليها أن تعودها الفلسطينية على الرغم من جواز سفرها البلجيكي! أغضبني هذا الجزء من الكتاب، لأنه كشف عن تعسّف السلطة المصرية مع الفلسطينيين. نحن نتحدث هنا عن النظام المصري الحاكم الآن، واللافت أن غضبي من البيروقراطية المصرية كان أعلى من غضب فاتنة نفسها، إذ استقبلت طلب ضابط الشرطة بمقاومة بسيطة، وأذعنت لطلبه، وعادت أدراجها إلى دهب، مؤجلة ذهابها إلى القاهرة، ليحدث معها مصادفة سعيدة، إذ يمنحها شخص ما فجأة فيزا كان قد ابتاعها بمبلغ ٢٥ دولار، ويمضي دون أن يطالبها بدفع ثمنها. هذه المصادفات القدرية تجعل فاتنة تستبشر خيرًا بالمضيّ قدمًا في رحلتها إلى القاهرة، كي تعود منها إلى قطاع غزة عبر معبر رفح.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">معلومات مهمة أيضًا تقدمها فاتنة لقارئ كتابها في هذه الرسالة، بسرد رشيق لا يتوخى تقديم المعلومات، وإن كان القارئ يستطيع ببساطة تلقّيها، منها أن الفلسطيني محكوم عليه إذا كان في مدينة من مدن شبه جزيرة سيناء أن يغادرها إلى القاهرة، إذا رغب في أن يذهب إلى قطاع غزة عبر معبر رفح! أمر عجيب استوقفني أنا أيضًا، وإنْ تعلمت منه الكثير من الأشياء التي أجهلها عن بلدي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكتب فاتنة يوميات الإبادة عبر سلسلة من المواقف تسرد فيها موضعها هي وعائلتها، ونزوحهم من بيتهم العامر إلى مكان اعتبره الفلسطينيون آمنًا في القطاع. وكان المكان الذي وقع عليه اختيار فاتنة وأسرتها هو مستشفى القدس في حي تل الهوا. وفي المستشفى ستقضي فاتنة ٢٣ يومًا نائمة في ممر يقع بين غرف المرضى، وفي هذا الممر ستشهد مآسي كثيرة، على رأسها بالطبع الدماء التي نزفتها أبدان المصابين والشهداء، ضحايا القصف. ولأن "فاتنة" تخاطب ابنة شقيقها الصغيرة، فهي لا تكتب أبدًا بأسلوب يجعلها تجزع، أو تصاب بالصدمة، بل تبسّط المشاهد الدموية، وتجعلها مستساغة بعض الشيء على الحكي، من ذلك ما تقوله في الرسائل الأولى:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>تخيلي أنني حينما بدأت الحرب كنت اسأل أبناء عمومتك عن أصوات القذائف لأطمئن، ما نوع هذا الصاروخ أو هذه القذيفة؟ فكان الأطفال يردون عليّ بابتسامة ظاهرها الطمأنينة وباطنها سخرية من عمتهم البلجيكية التي لا تجيد التمييز بين أصوات القذائف المدفعية التي تطلقها الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية، والفارق بين كل صاروخ يسقط منهم. الصاروخ الأمريكي له صوت سقوط ألواح زينكو من الطابق العاشر مختلطًا بصوت فحيح يوقف شعر الجسم على أقدامه، في حين أن الصاروخ الإسرائيلي ينزل ضربة واحدة "بوووووووم" خبطة واحدة، ولا تقلقي إن متنا فلن نسمع للصاروخ صوتًا.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقرة كهذه يتبين القارئ منها الخطة التي اختطّتها صاحبة "ثقوب واسعة" لنفسها في الكتابة، فالكتاب لا يكتبه مراسل حربي يهتم بإحصاء عدد الرصاصات وأعداد الضحايا ومواقع الضربات. والكتابة التي تتبعها فاتنة لا تهتم بحكي ما يجري ساعة بساعة، فلدينا نشرات الأخبار، ولدينا مقاطع الفيديو للمراسلين من شتى القنوات الإخبارية في القطاع، ولدينا أيضًا صحافة المواطن التي بدأها مواطنون فلسطينيون وثّقوا فيها الدمار وجرائم الإبادة المختلفة، لكن خطة "فاتنة الغرة" كانت غير هذه الأساليب؛ كانت تسعى إلى أن يكون هذا الكتاب معايشة لعائلة فلسطينية، تصوّر بدقة كيف تحيا أسفل الصواريخ المنهمرة حياة كاملة، حياة يختلط فيها الخوف بالسخرية من أحد أفراد الأسرة المغترب، الذي عاد فجأة ليتورط في الحصار مع أسرته، ويعايش عن قرب نكبة جديدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من موقعي كمتابع للحرب، كنت أثناء القراءة أُدهش لهذه الجوانب التي لم نطّلع عليها خلال مشاهداتنا الأخبار والتقارير الصحافية التي توثق للإبادة. ومن موقعي ككاتب، كنت أُدهش لقدرة فاتنة الغرة على وصف ولعها بكوب الماء البارد، الذي بات عزيز المنال في القطاع المنكوب، بينما الحرب من حولها تمضي في طريقها حاصدة الأرواح ومدمرة الممتلكات، وهي تصف سعادتها بكوب الماء. هذه هي الكتابة التي ترصد لنا بدقة المشاعر الإنسانية المتناقضة؛ الخوف من الموت مع تجدد كل قصف، والحاجة المستميتة لشرب كوب ماء، أو استعادة الخصوصية المفقودة، أو التوق إلى لحظة سكون وسط ضجيج الجمع. وهكذا، ترصد فاتنة في كتابها هذه الحاجات الضائعة، ورغبتها في استعادتها. هنا مثلًا في هذا الموضع من رسالتها الثالثة تتحدث عن اللهجات الفلسطينية التي تسمعها من النازحين والنازحات من حولها في مستشفى القدس، أو تصف روائح الخبز في مطلع رسالتها الرابع فتقول: </span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>رائحة الخبز الطازج يا لمار تفرك أنفي كلما هبّت نسمة هواء أوصلتها إلي، يمكنني المسير وراءها وتتبعها حتى أصل إحدى غرف الطابق</b><span style="font-weight: 400;">.</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رائحة الخبز الفلسطيني الذي يخبزه النازحون في قطاع غزة تحت وطأة القصف والإبادة، أفضل عند فاتنة من المخبوزات الفرنسية كافة. وبينما تعقد الكاتبة هذه المقارنة، لا تنسى أبدًا أن تكتب لنا مأساة قصف المخابز، وهو الحدث الذي سمعناه مرارًا من الأخبار، ولكن تقدمه لنا هنا في هذا الكتاب مضفورًا بصور من قلب الواقع الرهيب. فرائحة الخبز هي ريح قوية تسري في طرقات المستشفى التي يحتمي بها النازحون، هي ريح قوية تمر فوق الرؤوس الجائعة، والأبدان الفارغة. تصور لنا فاتنة طوابير البشر التي يقف ويصطف فيها الجائعون، شاهرو الأيدي من أجل تناول الأرغفة المخصصة لهم، أو لمصارعة من يتعدى على دور غيره.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأصوات التي تخترق سمعها، وتخترق روحها، بقدر ما يزعجها بعضها، بقدر ما يجعلها تطمئن للحظات أن بقاء هذه الأصوات حية هو ما يجعل المقاومة مستمرة. تكتب فاتنة عن انزعاجها من أصوات الأطفال الكثيفة من حولها، وأمنيتها أن تصمت هذه الأصوات لبضعة دقائق من اختلاط أصوات القصف بأصوات لهو الأطفال في هذا المقطع من الرسالة السابعة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> </span><span style="font-weight: 400;">"أصوات الأطفال في المبنى تثير داخلي يا لمار مشاعر متعددة، أحياًنا أجد نفسي قد امتلأت حتى النخاع وقدرة التحمل عندي باتت في السالب، فينطلق صوتي عاليًا بالصراخ على أهلهم، كنت أصرخ فجأة فينقطع حبل الصوت في الطابق، الكل ينظر إليّ، ولم يجرؤ أحد يومًا على مجادلتي أو الصراخ عليّ، كأن هناك اتفاق جمعي بين سكّان الطابق على الصمت حينما يعلو صوتي. لم تكن حنجرتي التي تصرخ وقتها، بل شبكة الأعصاب في جسدي كله من كانت تصرخ. أصرخ فيتوقف الزمن للحظات ينظر فيها الأطفال إليّ بعيون مفتوحة كأننا في لعب "حركة صنم" ثم يعاودون نفخ البلالين وفرقعتها في شبكة أعصابي الداخلية، مرة كاد أن يصيبني الجنون من طفل بعينه".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نحن نفهم من هذا المقطع ما لن تنقله لنا أبدا نشرات الأخبار: أن تعيش وسط الجمع، أن تخترق روحك كل الأصوات، أن تتعرى شبكة أعصابك بينما أنت تنام وتصحو وتقضي يومك وسط الآخرين، غير محمي من الضوضاء. وربما يسأل قارئ لكتاب فاتنة نفسه: أحقًا تبحثين عن الهدوء والسكينة؟ بالطبع، كل إنسان يهفو إلى لحظة سكينة، وأن يطمئن وسط الحصار والدمار إلى أن صوت انفجار بالونة بجواره، ليس قذيفة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقارئ الكتاب تفاجئه الكاتبة أيضًا بقدرتها على تقديم الذوات الإنسانية في أشد لحظات حصارها من الموت، وهي تبحث عن لذة أخيرة، ومتعة كانت قد تتمتع بها في وقت السلام وابتعاد الخطر. لقد ابتسمت أكثر من مرة وأنا أقرأ سطور "فاتنة" في رسالتها الثامنة عشرة التي عنونتها "سيجارة بين موتين" التي تقرأ فيها هذه الكلمات:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>الحمام أيضًا يمكن أن يكون فسحة لتدخين سيجارة يتعذر تدخينها في ظرف يبدو التدخين فيه، خاصة للمرأة، أمر مستهجن في وسط مجتمع محافظ وحرب تستعر في الخارج.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذان السطران يأتيان ضمن فصل/ رسالة طويلة إلى لمار، تشرح فيها الكاتبة رغبة النسوة في الاختلاء بأنفسهن للتمتع بهذه المتع اللاتي كُن يتمتعن بها في الأوقات العادية، وصارت الآن صعبة المنال والظفر، بحكم أن الكل أصبح بمواجهة الكل، كل الشعب على اختلاف أطيافه صار بمواجهة بعضه بعضًا. وهكذا، بعد فقرة أو فقرتين، نقرأ أيضًا كيف ظهرت الأصوات المتشددة التي تستنكر تدخين النساء، وكأن كل ما تتحمله النساء من مشقّة النزوح والثكل غير كافٍ، فيمارس عليها الرجال أيضًا استبدادهم وتسلطهم. تقول فاتنة في موضع آخر من الرسالة نفسها:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>مرة كاد الأمر يصبح جرسة في الطابق، حيث علا صوت رجل يبدو من لباسه ولحيته أنه من المتعصبين يقول إن هناك رائحة دخان تخرج من الحمامات وإننا في حرب، وهذا سلوك مرفوض. وبدأ بإلقاء خطبة عصماء وأنا أتجاهل أن أنظر باتجاه، حتى جاء صوت طفل صغير يرد على الشيخ بأن حمام الرجال مليء بأعقاب السجائر، فسكت الشيخ كأنه بُهت حيث أُسقط في يده القيام بدور الرقيب الديني علينا.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فعلى الرغم من الإبادة الجارية، لا يتورّع بعض الرجال بممارسة التشدد والتطرف على النساء اللواتي يعانين بالفعل من كل شيء. وهذا أيضًا ملمح يميز هذا الكتاب، فهو توثيق دقيق لهذا المجتمع في تعرّضه لهذه المحنة والانتهاك والسلب الذي تعاني منه نساؤه في هذه الظروف الحالكة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وثمة قضية أخرى تناقشها المؤلفة بجسارة، وهي قضية كونها الأوروبية حاملة إحدى جنسيات دولها، التي تُترك لها تذكرة عبور ونجاة لها وحدها دون عائلتها على معبر رفح، لتخرج من المحرقة والإبادة، تاركة عائلتها خلفها. تكتب ابنة عائلة الغرة عن هذه المسألة الأخلاقية في موضعين من الكتاب، الرسالة التاسعة عشرة والعشرون، فتقول:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>الحكومة البلجيكية كانت قد وضعت اسمي على المعبر منذ بداية الحرب كي يتم إجلائي أسوة بالرعايا البلجيك الآخرين، وكنت أعرف أن هذا ليس الخيار الذي أريد اتخاذه الآن، وبالقطع ليس وحدي، لذلك كان ردي بأنني لن أخرج إلا رفقة جدك وجدتك. كيف أتركهما وهما في هذا العمر في قلب المحرقة؟ كيف أقول لهما وداعًا ولا أنظر خلفي بعدها؟ هذا خيار يحتاج قلباً ميتاً للقيام به، أو ربما قوة جبارة ولم أعتقد أني أمتلك أيهما.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذه هي لبّ القضية التي ميزت بين فلسطيني وآخر، الفلسطيني يحمل جوازًا يخصّ دول القارة التي تدعم بعض دولها الإبادة، فيشتري جوازه تذكرة النجاة من الجحيم، لكن عائلته لا تتمتع بهذه المزية، فكيف يتركهم وينجو بنفسه؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لهذا نراها تعود وتكتب في الرسالة العشرين:</span></p>
<p><span style="color: #808080;"><b>كل قرار اتخذته كان بدافع من الخوف. عندما كان يلح عليّ الجميع إن كنت سأبقى أم سأرحل، اخترت البقاء لأني كنت أخاف، أخاف من قذيفة تستهدفني وأنا في الطريق إلى المعبر، مثلما حدث مع أشخاص آخرين. أخاف من إصابة أكثر من الموت، من فقدان ذراع أو ساق أو عين، من حريق يلتهم وجهي. أخاف من رائحة البارود وصوت القذيفة وصوتها يحاذي أذني، ومن الخوف أخاف أن أدير ظهري وألتفت إلى البيت ورائي فأراه حطامًا. هذا خوف، أن أترك خلفي حكايات أمي وضحكها الذي يهتز لها جسدها كله. هذا هو الخوف كله. والخوف هو ما كان يدفعني للبقاء يا لمار.</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يدفع الخوف البشر إلى الفرار، بينما خوف فاتنة الغرة أجبرها على البقاء. ومن هنا ينبع سحر هذه السطور، وطريقة الكاتبة في الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية التي تطرحها، فهذه الإجابات غير متوقعة، ولكل من اكتسب جوازًا أوروبيًا أو أمريكيًا منحه بساطًا سحرية للنجاة من بلاده المنكوبة بالديكتاتورية والحروب الأهلية والإبادة الجماعية، تُحول فاتنة الغرة بوصلة بساطها السحري/ جواز سفرها وجنسيتها البلجيكية، لتعود إلى وطنها، قطاع غزة، ولتكتب لنا هذا الكتاب.</span></p>
<p><img decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-34464" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-الكتاب-كما-سيصدر-في-بلجيكا-باللغة-الفرنسية.jpeg" alt="" width="1018" height="755" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-الكتاب-كما-سيصدر-في-بلجيكا-باللغة-الفرنسية.jpeg 1018w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-الكتاب-كما-سيصدر-في-بلجيكا-باللغة-الفرنسية-300x222.jpeg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-الكتاب-كما-سيصدر-في-بلجيكا-باللغة-الفرنسية-768x570.jpeg 768w" sizes="(max-width: 1018px) 100vw, 1018px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #999999;"><span style="font-weight: 400;">سيصدر الكتاب باللغة العربية عن إحدى دور النشر قريبًا، بينما يصدر بعد أيام عن دار نشر في بلجيكا وهولندا.</span></span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34463">«دم نازح في الممر»: كيف يكتب الفلسطيني يوميات الإبادة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>محطات الصمم الموازي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34291</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[منى المصدر]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 12 Dec 2024 12:23:58 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<category><![CDATA[شعر]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[قصائد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34291</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات الصمم الموازي محطة (1)  أمام صمم العالم سياسياً وتحالفاً،  وضجيج الانتخابات الأمريكية بين هاريس وترامب  التي تُطعم حملاتهم الانتخابية الجمهور ملح دمنا ووعودًا بوقف الإبادة!  يا للسخف! فنحن محتوًى للساسة مع سقوط الأمم المتحدة كمزحة سمجة وعلو Arabs Got Talent  بعد أن مسرح نفسه دعماً ودعاة للمقاطعة ثم، مع أول مصروف جيب رأسماليّ، تنحى [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34291">محطات الصمم الموازي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>محطات الصمم الموازي</b></span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><b>محطة (1) </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أمام صمم العالم سياسياً وتحالفاً، </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وضجيج الانتخابات الأمريكية بين هاريس وترامب </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">التي تُطعم حملاتهم الانتخابية الجمهور ملح دمنا ووعودًا بوقف الإبادة! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يا للسخف! فنحن محتوًى للساسة مع سقوط الأمم المتحدة كمزحة سمجة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وعلو Arabs Got Talent  بعد أن مسرح نفسه دعماً ودعاة للمقاطعة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ثم، مع أول مصروف جيب رأسماليّ، تنحى فتات الضمير </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وبهتت الشعارات، ونصع الاسم بياضاً بخطاب ممنهج للاوعي الخدر بالتفاهة! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كم هو فخ أن تكون محتوًى، لا إنساناً </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في زمن إبادتنا! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">...</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><b>محطة (2) </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;"> ومع نسيان -لا تناسي- خطابات استنكار وعد بلفور بذكراه المئة والسبعين؛ لأنه تخلل الإبادة مرة أخرى، دون أن يجفل نوم أحد! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تدخل سفينة "إسرائيلية" السويس، محملة بما يقتلعنا عنوةً </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ويُسمح لها "طبيعياً" بأن تمرّ، بدعوى عدم التمييز! </span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><b>محطة (3) </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أمام صمم العالم، </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">نُؤَسْطَرُ بقهر</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ونُسأل  استنكاراً بغتةً: لا يفترض أن تخافوا وأنتم من غزة؟! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أنتم الأشجع على وجه الأرض... لا داعٍ للخوف! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ثم أجيب، في محادثة عابرة خارج غزة جغرافياً: </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">"صدقني، نخاف ونرتعش. تخيل معي لثانية أننا بشر مثلكم!" </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ويسود الصمت</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><b>محطة (4)</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في شارع رأسماليّ مبهرج</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تحاول أم أن تسكت تدلل طفلتها لوجبة خفيفة أخرى،</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بأن تقول لها: "ماما، الأطفال في غزة ليس عندهم ماء ولا طعام ولا دواء. لا بأس أن تفوّتي وجبة خفيفة! لن يحصل لك شيء. فهم ما زالوا شجعان وبخير"!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في مقعد مجاور، أبتلع قهري  ورمسنة "بخير" وأسطورة شجاعتنا التي يبدو أنها تدفع حصان طروادة إلى الترجل بعيداً عن البحر، كي لا تَصُب في أي مكان! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وأغادر</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يبدو أن هذا العالم، لن يهضم ألمنا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولن يَعْرفه ويُعَرِّفه</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><b>محطة (5)</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أمام سؤال: "كيف الحال؟" في مكالمة دولية</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تأتي إجابة: "الحمد لله بخير، يا رب تفك الحرب"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">دعوة جماعية استسقاءً للأمل </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بينما الحرب، تغرد من السماء والبر والبحر</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولا تسمع إلا نفسها وجوع العدو لقتلنا</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ومن ثم، يفوز بأكثر الجيوش أخلاقية في العالم!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">على حساب دمنا، وبجهد جبار مُبهِر  في إبادتنا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">حتى اشمأزّت الأرض منهم -بينما لم يتحرك الساسة من عبوديتهم للمال والسلطة والأبيض-، وأصيبت بطفح جلديّ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لم تقتلعه الغارات </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولم تعالجه حتى صناديق المُساعَدَةِ المُذِلّة </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">طفحٌ أنجب مدرسةً ميدانية في خانيونس </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وكثيراً من القصائد</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لتقول الحرب في كل محطاتها </span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">ألا تكتفي بخبز عظامنا تحت ردم البيوت -</span><span style="font-weight: 400;">أحباءنا الأول</span><span style="font-weight: 400;">-</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولتبتلع كل الأسئلة في عوالم موازية تستنطق حقيقتها وتُؤمن افتراضيتها </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وفرضيتها بأننا شعب الجبارين </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بينما قطة جائعة، تنهش جسد أحد شهدائنا في الشارع الممزق بفعل القصف </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">والكواد كابتر! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وتتعرف أم على جسد ابنتها من حذاءٍ ارتدته</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لربما، لو ارتدته أختها بدلاً عنها</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لفشلت الأم في التعرف على أشلاء ابنتها </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولخجلت الحرب من محطات قولها وصراخها الأبكم</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لو لمرة واحدة، على الأقل! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;"> </span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><strong>لا أحد\ شيء يعرفنا </strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أحد يعرفنا</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">نحن المجهولون</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وزن زائد على "البشرية"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وثقل مهول في ركام بيوتنا </span></p>
<p>***</p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أحد يعرفنا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">مقاصلنا كُثر</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وتجذر الندب فينا</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">حتى انتفخت التنهيدات</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ثم تعثرنا بها، أثناء اسناد خيمة النزوح </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">من منخفض جوي قادم، </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لم يعد يهمنا التهكم على اسمه</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في ساحات الجامعة التي نُسِفت! </span></p>
<p>***</p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أحد يعرفنا</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أحد يُعَرِّفنا دون أسطورة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تعدد لون كفننا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أبيض</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أزرق</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">غطاء سرير بطبعة الورد،</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تجدها في كل بيت بعد 2008!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تعدد لون كفننا</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولم يصمد بيت عزاء لنا من الكواد كابتر</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">والقذائف! </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولم يمر يوم دون أن نسجل شهيداً مجهول الهوية</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ودون أن نرى طفلا مفقودا بين خيام النزوح</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا يعرف اسم أباه، </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يعرف كنيته</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">والعالم لا يعرفنا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا اسما</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولا كنيةً</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولا حياة!</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أحد يعرفنا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الخيمة لا تكفي وليمة للأمل</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">"الريشت، النايلون، الشادر"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">مفردات لا يعرفها سوى النزوح </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولا تعرفها حملات التبرعات</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولا حتى نجاتنا المفرطة في المصادفة</span></p>
<p>***</p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الشادر الذي كان لشجرة زيتون في موسم الحصاد،</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أصبح بديلاً عن السقف في بيت متهالك،</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لكنه لدهشة القذائف المدفعية ورصاص الأباتشي </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا زال واقفاً</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">فالاعوجاج وقوفاً أيضاً!</span></p>
<p>***</p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا شيء يعرفنا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أكثر من نافذة البيت </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وبابه</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">والطريق إليه</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وسيارة الأجرة </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وصوت الباعة في المخيم </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">والمطر قبل النزوح</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">والبحر</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">والأشجار</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">والبيارة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ومراهنات ان كان الجسم اللامع في السماء طائرة حربية أم نجمة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا شيء يعرفنا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أكثر من غزة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أحد يعرفنا </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أكثر من هذه المدينة المائلة </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">من خاصرة الإبادة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ومصارعات النجاة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا شيء </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أحد </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وحدها غزة،</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">حبيبتنا المائلة </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تعرفنا </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34291">محطات الصمم الموازي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«من النهر إلى البحر» لسامر أبو هواش: شعر ضد الإبادة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34279</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عماد الدين موسى]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 12 Dec 2024 08:52:54 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[شعر]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[قصائد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34279</guid>

					<description><![CDATA[<p>قد يبدو "الشِعر" هشّاً أمام آلة الحرب القاتلة، لكنّه يبقى "الفنّ" الأكثر قدرةً على التعبير في مواجهة الخراب الهائل، سواء الروحي منه أو الماديّ أيضاً، طالما أنّه يُعدّ أحد أبرز الأسلحة الناعمة في الحياة/ حياتنا، للمقاومة والدفاع عن الوجود الإنسانيّ على هذه الأرض. في كتابهِ الشِعريّ الأحدث "من النهر إلى البحر"، الصادر مؤخراً عن منشورات [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34279">«من النهر إلى البحر» لسامر أبو هواش: شعر ضد الإبادة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">قد يبدو "الشِعر" هشّاً أمام آلة الحرب القاتلة، لكنّه يبقى "الفنّ" الأكثر قدرةً على التعبير في مواجهة الخراب الهائل، سواء الروحي منه أو الماديّ أيضاً، طالما أنّه يُعدّ أحد أبرز الأسلحة الناعمة في الحياة/ حياتنا، للمقاومة والدفاع عن الوجود الإنسانيّ على هذه الأرض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في كتابهِ الشِعريّ الأحدث "من النهر إلى البحر"، الصادر مؤخراً عن منشورات المتوسط في ميلانو 2024، يعمل الشاعر الفلسطيني سامر أبو هواش على تدوين الإبادة بحذافيرها، تحديداً في فلسطين، بدءاً من الإبادة الوحشيّة للبشر، مروراً بإبادة الماء والهواء، وصولاً إلى إبادة الشجر والحجر؛ ثمّة دمٌ كثير يسيلُ بين جنبات الكتاب وعلى طول الصفحات، حيثُ يقول: "أيُّها الآتي مِن بعيد/ يا مَنْ تقفُ على أعتابِ تلك النِّهايات/ يا مَنْ تملأُ أنفَهُ روائحُ مُرعبة/ مَجهولة/ في الهواء/ يا مَنْ تطأُ قَدَمَاه/ هذه الأرضَ الخراب/ تَمَهَّلْ قليلاً/ ثمَّةَ طفلة/ يدُها ممدودةٌ/ مِن بينِ الشُّقُوق/ وقلبُها يرتعشُ/ تحتَ التُّراب". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الجانب التصويّري في المقطع السابق، جعل من "النص" لوحةً جدارية غايةً في الإدهاش، وهو ما ينسحب على معظم قصائد الكتاب، الواقع في 96 صفحة من القطع المتوسط.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><img loading="lazy" decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-34285" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-ديوان-سامر-أبو-هواش-2.jpg" alt="" width="306" height="496" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-ديوان-سامر-أبو-هواش-2.jpg 306w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/12/غلاف-ديوان-سامر-أبو-هواش-2-185x300.jpg 185w" sizes="(max-width: 306px) 100vw, 306px" /></span></p>
<p><span style="font-size: 18pt; color: #ff0000;"><b>حب من طرف واحد</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يكتب سامر أبو هواش بمنتهى الشفافية والوضوح، يكتب عن "الأنقاض" و"نظراتُ أطفالِنا بينَ الخرائبِ" و"عن قاتلٍ لا أريدُ ذِكْرَ اسمِهِ"، يكتب دونما توقف، وما يكتبه لا يمكن تصنيفه ضمن ما يسمّى بأدب الحرب، بل هو أدب الحياة، فكتابته تنبضّ بقوّةٍ وعزيمةٍ لا مثيل لهما وحبلى بالأمل والتفاؤل، عدا عن شحنها بتلك السخرية والتهكم من معطيات الواقع المرير والذي عهدناه في معظم إصداراته السابقة، يقول: "لم يعد مهماً أن يحبّنا أحدٌ/ في هذا العالم/ "يبدو، على أي حال، أنه كان حباً من طرف واحد"/ يقول شيوخنا المتعبون من فكرة الأرض/ ويقف شاعرنا في الأفق البعيد/ ويهتف: "أنقذونا من هذا الحب القاسي"/ ثم يهمس معتذراً عن تفاؤل صبياني عابر:/ ليس على هذه الأرض/ ما يستحق الحياة".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إعادة أحياء قصيدة الشاعر الراحل محمود درويش في المقطع السابق ليس من قبيل الصدفة، إنما تأكيد لذلك التفاؤل الثوري الذي طالما دعا إليه درويش وغيره من شعراء فلسطين بُعيد كل نكسة أو حرب.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt; color: #ff0000;"><b>معجم الحرب</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لسامر أبو هواش مجموعة من المؤلفات في كل من الرواية والشعر والترجمة. نذكر منها: "سوف أقتلك أيها الموت"، "سيلفي أخيرة مع عالم يحتضر"، "السعادة أو سلسلة انفجارات هزت العاصمة"، "ليس هكذا تصنع البيتزا". تذخر قصيدته في كتابه الأخير بمفردات تخصّ الحرب وحدها؛ ثمّة معجم مُغاير يؤسس له وتتأسس عليه حساسية شِعريّة جديدة، تضيفُ إلى المنجر الشِعريّ دون أن تكون تكراراً مملاً؛ "القاتل"، "المَجزَرةُ"، "جثث صغيرة"، "الموت"، "الكوابيس"، "الإبادة"، "سنَدفِنُ كلَّ شيءٍ"، "هذهِ الأشلاءِ"، "أَوْحالُ المذابحِ"، "الجريمة الكاملة"، "الدماء المسفوكة"، "سماء ممزقة"، "رصاصة"، "دبّابة"، "هذا العالم مسلخ آخر"، "حتَّى تنتهيَ الحربُ"، "الغرق في جثّة".. وغيرها الكثير من العبارات التي تنتمي إلى هذا الاتجاه وخصوصيّة توظيفها في سياقها الجمالي المرجو. في قصيدة (جُثثٌ صغيرةٌ) يقول الشاعر: "حياةٌ حقيقيَّةٌ تحدثُ؛ في المُدُنِ، في الأسواقِ، على أرصفةٍ مُشذَّبةٍ، في جادَّاتٍ أُعِدَّتْ للسَّائحينَ. جُثثٌ صغيرةٌ تخترقُ حُشُوداً غيرَ مرئيَّة. جُثثٌ صغيرةٌ تتشبَّثُ بأيدي بعضِها لئلَّا تضيعَ. جُثثٌ صغيرةٌ لا تنامُ. تُواصِلُ الزَّحفَ في المُدُنِ، بين القارَّاتِ، عبرَ الغاباتِ، وكلَّما وُلِدَتْ جُثَّةٌ جديدةٌ، تجدُ يداً صغيرةً ممدودةً تقودُها بعينَيْن مغمضتَيْن".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ما نجده من لغةٍ سرديةٍ هادئة وسلسة في المقطع السابق، يزيدنا إصراراً وعزيمة على التمسّك بالحياة وحقنا في هذه الحياة، على الرغم من كل ذلك الألم المُحدّق بنا ومن كل الاتجاهات.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt; color: #ff0000;"><b>مشاهد الإبادة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الثأر من البلاغة، على حدّ تعبير الشاعر نوري الجراح، هو ما تصبو إليها قصيدة سامر أبو هواش، وهو ما نجده في قصيدة (جالساً أمام التلفزيون أشاهد الإبادة) على سبيل المثال لا الحصر، حيثُ التداخل اللغوي وكذلك التكثيف العشوائي للصور الشِعريّة عدا عن تلك الجُمل المبتورة حيناً والطويلة أكثر مما ينبغي حيناً آخر، ما يجعل القصيدة مؤلمة وصادمة في الآنِ معاً، حيثُ يقول: "أردتُ أن أقولَ الغرق في جثّة في فكرة جثّة والقيامة الآن على مسافة نظرة متّصلة ذاهلة جامدة والرّسل أطفال الكذبة المطلقة وها قد تيبّس كلّ شيء والنبتة لا تجد نظرة حانية وفي الفكّ شفرات معدنية تطحن الأمل تعجن الابتسامات وأردت أن أقول".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ما نجده في المقطع السابق من تجريدٍ بلاغيّ يكاد أن يكونَ عنيفاً نوعاً ما، وهو أشبه بالرد المباشر أو غير المباشر على حالة الحرب ومشاهدها القاتلة التي تسيطر على الشاشات عبر معظم القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>قصيدة المحتوى</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">من الناحية الأسلوبيّة، نجد لدى الشاعر سامر أبو هواش شغفاً جليّاً بالعناوين، كونها "مصابيح تقود القارئ إلى كنوز النص"، وكذلك "ممرات يدلف منها النص إلى العالم"، حيثُ يمنحها أولوية اهتماماته، يتجلّى ذلك منذ إصداره الأوّل "الحياة تطبع في نيويورك" (1996)، مروراً بـ"راديو جاز برلين" (2004) و"سوف أقتلك أيها الموت" (2011) و"سيلفي أخيرة مع عالم يحتضر" (2015) و"ليس هكذا تصنع البيتزا" (2017) و"أطلال" (2020)، وصولاً إلى إصداره الأخير "من النهر إلى البحر"، والذي جاء في ذات السياق الجماليّ، بالإضافة إلى القصائد نفسها، والتي تأخذ عناويناً لافتةً وغير مطروقة من قبل، حيثُ نقرأ منها- على سبيل المثال لا الحصر- : "الموتُ في كوابيسِهِ الأخيرةِ"، "شجرةُ الأقفالِ"، "الأنقاضُ"، "خُروج صامت"، "فَردة حذاء ضائعة"، "امرأة تحت مُلَاءَة"، و"حتّى تنتهي الحرب".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الملاحظ هنا أنّ كل عنوان هي قصيدة بحد ذاتها، ولعل "الفهرس" أجمل قصائد الكتاب.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>تقنيّات النثر</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">من جهةٍ أخرى، يوظّف سامر أبو هواش تقنيّات عديدة تخصّ قصيدة النثر داخل نصّه، إذ نجد تقنيّة التكرار، وتحديداً في القصائد التالية (الضباع) و(الصَّيدُ العظيمُ) و(جالساً أمام التلفزيون أشاهد الإبادة)، حيثُ تعتمد هذه التقنية على تكرار كلمة ما في بداية كل جملة، أو تكرار جزء من جملة أو جملة كاملة في بداية كل مقطع، بالإضافة إلى تقنيّات أخرى من مثل تقنيّة البتر وإن بشكل أقلّ، وهو ما يضيف المزيد من السلاسة والغنائيّة إلى أجواء الكتاب.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34279">«من النهر إلى البحر» لسامر أبو هواش: شعر ضد الإبادة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-10-12 16:39:44 by W3 Total Cache
-->