<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>قرن على أكتوبر - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/قرن-على-أكتوبر</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:41:07 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>قرن على أكتوبر - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/قرن-على-أكتوبر</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>السينما في الثورة... سيرغي آيزنشتاين وفن المونتاج</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19336</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 25 Jun 2018 14:23:36 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%85%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%ba%d9%8a-%d8%a2%d9%8a%d8%b2%d9%86%d8%b4%d8%aa%d8%a7%d9%8a%d9%86-%d9%88%d9%81%d9%86/</guid>

					<description><![CDATA[<p>نُشرت في العدد الأخير من مجلة بدايات المخصّص لمئويّة الثورة الروسية ”من بين كل الفنون، الأكثر أهمية لنا هو السينما“. هذا ما قاله قائد الثورة البلشفية في روسيا، فلاديمير لينين، وهذا تماماً ما تعكسه الأفلام السوڤييتيّة الأولى، كوسيلة ”هامة“ و”لنا“، وضمير المتكلّم هنا يعود على الاتحاد السوڤييتي الوليد، وقالها في مقابلة بالتزامن مع أفلامٍ سنتناول أمثلة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19336">السينما في الثورة... سيرغي آيزنشتاين وفن المونتاج</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">نُشرت في العدد الأخير من مجلة </span><a href="https://www.bidayatmag.com" target="_blank" rel="noopener">بدايات</a> <span style="color:#7f8c8d">المخصّص لمئويّة الثورة الروسية</span></p>
<p>”من بين كل الفنون، الأكثر أهمية لنا هو السينما“. هذا ما قاله قائد الثورة البلشفية في روسيا، فلاديمير لينين، وهذا تماماً ما تعكسه الأفلام السوڤييتيّة الأولى، كوسيلة ”هامة“ و”لنا“، وضمير المتكلّم هنا يعود على الاتحاد السوڤييتي الوليد، وقالها في مقابلة بالتزامن مع أفلامٍ سنتناول أمثلة منها هنا، إذ كانت السينما السوڤييتية تتبلوَر بما يخدم مصالح الدولة، أو المصالح الطبقية التي تأسست عليها الدولة السوڤييتية، قبل أن تتحول سريعاً إلى بيروقراطية. ومن أهم الأفلام ”الهامة“ كان آنذاك، أفلام المخرج سيرغي أيزنشتاين، والحديث هنا عن عشرينيات القرن الماضي.</p>
<p dir="rtl">لكن قبل الوصول إلى أيزنشتاين، وإلى اثنين من أفلامه، سنمرّ أولاً على أخرى يمكن أن تعطي فكرة عن الطبيعة التقنية/الفنية لهذه السينما، إضافة إلى كونها ”هامة“ بالمعنى الدعائي لها، وكلمة “الدعائي“ لا تقصد الذّم بهذه الأفلام ولا المديح، إنّما التوصيف، ففيلم كـ «المدرعة بوتمكين» لأيزنشتاين، هو دعائي تماماً إنّما، في الوقت ذاته، يُعدّ من بين أهم الأفلام في تاريخ السينما العالمية ومن بين أوّلها موضوعاً للدراسة. ليست المسألة إذن حمل الشعارات من عدمه، أي ”الدعاية“ لصالح أفكار معينة من عدمها، بل في الكيفية التي تُنقل بها هذه الأفكار، والكلام بمعناه للروائي (الشيوعي كذلك) الفلسطيني إميل حبيبي.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">موضوعات الأفلام بأربعة أمثلة</span></h3>
<p dir="rtl">من بين هذه الأفلام فيلم «سقوط سلالة رامونوڤ» (١٩٢٧) للمخرجة إسفير شوب، وهو فيلم مبني تماماً على لقطات أرشيفية، واقعية، جمّعتها المخرجة وقطّعتها وولّفتها مضيفة إليها كلاماً متخلّلاً المَشاهد، لتصنع من خلالها حكاية هي، كما يشير العنوان، حكاية سقوط القيصر الروسي الأخير، مظهرةً المأساة التي كان فقراء روسيا، الغالبية الساحقة من الشعب، يعيشونها، فكان محتوى الفيلم مقدّمة للثورة، أو ربطاً سببيّاً بينها وبين ما يحويه الفيلم من حكاية وصور. وهذا الفيلم كان طليعياً، وكان مبنياً، تماماً، على التوليف/المونتاج.</p>
<p dir="rtl">فيلم آخر نذكره هو «نهاية سانت بطرسبرغ» (١٩٢٧) للمخرج فسيفولود بودوفكين، وفيه حكاية فلّاح روسي يترك أرضه ويذهب للعمل في المدينة، في مصنع. يومها يُضرب العمّال، فيَشي العامل الجديد بصديقه الذي استضافه في بيته، بأنّه أحد قادة الإضراب. في الفيلم، كذلك، شغلٌ أساسي على المونتاج، وإن كان بممثلين وأداء، وهو كذلك يظهر العلاقة بين الرأسمالية والحرب التي تحتاجها كي تبقى.</p>
<p dir="rtl">فيلم آخر هو «موسكو في أكتوبر» (١٩٢٧) للمخرج بوريس بارنيت، ويحكي باختصار عن سيطرة السوڤييتات (البلاشفة) على السلطة باقتحام قصر الشتاء في سانت بطرسبرغ عام ١٩١٧، وهو وثائقي بنفسٍ روائي، أو هو توليف روائي لأحداث ومَشاهد واقعية.</p>
<p dir="rtl">والأمثلة عديدة هنا، وذلك لاهتمام السلطات السوڤييتية بالسينما كفن ”هام“ يخدم مصالحها، أو كأداة دعائية أخرى، لكن الشكل بدأ يتغيّر مع الزّمن، إذ زادت الأفلام الروائية على حساب الوثائقية، مثال واحد نذكره هنا هو «لينين في أكتوبر» (١٩٣٧) للمخرج ميكايل روم، وهو فيلم روائي بامتياز، يجسّد فيه ممثلٌ شخصية لينين العائد إلى سانت بطرسبرغ من فنلدنا ليبدأ بالتنظيم للثورة المسلّحة مع رفاقه. والفيلم الذي صدر بعد عشر سنين من الأفلام السابقة المذكورة، تأثّر بسطوة ستالين الذي ظهر في العديد من المشاهد التي، أخيراً بعد موت الديكتاتور، حذفها المخرج وقد أدرجها دون رغبة منه.</p>
<p dir="rtl">هذه أمثلة يمكن إيجاد العديد مثلها، أو تكرارات لها في الإنتاجات السينمائية السوڤييتية الباكرة التي تشترك مع الأفلام المذكورة هنا في الشكل والمضمون، من الكيفية التي يُصنع بها الفيلم، باعتمادٍ أساسي على المونتاج، إلى الموضوع الذي ينقله الفيلم، وهو متعلّق بالثورة البلشفية، ما قبلها إذ كان مسبّباً لها، وما بعدها إذ كان نتيجة لها، وبما لا يخالف رغبة السلطات السوڤييتية بطبيعة الحال. إنّما الأبرز من بينها جميعها كانت أعمال المنظّر السينمائي والمخرج سيرغي أيزنشتاين، صاحب أفلام نتناول منها هنا «المدرعة بوتمكين» و«أكتوبر».<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img fetchpriority="high" decoding="async" alt="October" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Eisenstein_October_01_W-1.jpg" width="1600"></div>
<h3 dir="rtl">
<span style="color:#ff0066">سيرغي أيزنشتاين</span></h3>
<p dir="rtl">قبل الحديث عن أفلامه، سنأتي على أيزنشتاين نفسه، كمخرج ومنظّر، وكما مررنا قبل أشهر بالذكرى المئة لثورة أكتوبر ١٩١٧، نمرّ هذا الشهر، في ٢٢ منه، بذكرى مرور ١٢٠ عاماً على ولادة أحد أعظم السينمائيين عبر كل الأزمنة وأكثرهم ”استقراراً“ لدى ”السينيفيليّين“، وذلك بفضل أفلامه كما بفضل نظرياته السينمائية، في المونتاج تحديداً، وهو كتب كذلك عن الصّوت والألوان وحتى أبعاد الشاشة البيضاء.</p>
<p dir="rtl">رحل أيزنشتاين باكراً، بعمر الخمسين في ١١ فبراير ١٩٤٨ (سنمرّ كذلك قريباً بالذكرى السبعين لرحيله)، فاستطاع بعمر قصير لا أن يكون سينمائياً عظيماً وحسب، بل أن يكون مؤسساً لسينما عظيمة، نظريةً وأفلاماً، وأكثر ما يمكن أن يُعرف به، نظرياً، هي طرائق المونتاج لديه، إذ يقول بأنّ المونتاج هو الفيلم بأكمله، والطرائق هي:</p>
<p dir="rtl">المونتاج المتريّ (القياسي) الذي يقوم على طول المشاهد. المونتاج الإيقاعي الذي يقوم على محتوى الصورة وحركات الصّور. المونتاج النغمي الذي يقوم على المضمون العاطفي للصور. المونتاج المافوق-نغمي، وهو المرحلة المتقدّمة من المونتاج النغمي. المونتاج الفكري والمعني بالأثر الفكري الذي يمكن أن يُترك على المُشاهد، وهو الأهم من بين الطرائق لدى أيزنشتاين.</p>
<p dir="rtl">كتب عن رؤيته الفنّية وقد كان يتحدّث عن فيلمه الطويل الأوّل «إضراب» (١٩٢٥): ”بخصوص الأساسات الفنّية لديّ، فنحن لا ننطلق من الحدس الإبداعي، إنّما من البنية العقلية للعناصر العاطفيّة، فعلى كل عاطفة أن تكون مسبقاً مادة مبنية على تحليل عميق وعلى حسابات، وهذا الشيء الأهم.“ فأيزنشتاين الذي جاء إلى السينما من الهندسة ماراً بالجيش الأحمر وبعده بالمسرح، كانت العلوم والرياضيات والعمليات العقليّة أساس إبداعه السينمائي الخاص، وكانت حامل تعريفاته وتطبيقاته لما هو الإبداع في الفنون، فيكون العمل الفنّي لديه مادة تحليلية عقلية، واجتماعية سياسية في الوقت ذاته، تعكس انتماءه للشيوعية ولانعكاس فهمه للماركسية في سينماه، فكانت أفلامه محكمة وتجريبية ونقيّة وإنسانيّة وكذلك ثوريّة وبالتالي طليعيّة، وكانت مقرونة بالنّظريّة، وذلك لا على المستوى السوڤييتي، بل العالمي في زمنه، والتاريخي إلى زمننا الحالي بعد ٧٠ عاماً على رحيله.</p>
<p dir="rtl">أيزنشتاين ابن ثورة ١٩١٧، كتب مرّة أن ”السينما هي في جانب منها صناعة، وفي جانبها الآخر فن، وعلى الأبعاد التجارية والاقتصادية لهذا الفن أن تكون خاضعة تماماً للمهام الاجتماعية والاقتصادية الموضوعة من قبل ثورة ١٩١٧… إن غاية السينما السوڤييتية قبل أي شيء هو تعليم الجماهير، منحهم الثقافة العامة والمعرفة السياسيّة، فهي تقود حملة دعاية ضخمة لصالح الدولة السوڤييتية وإيديولوجيتها… بالنسبة لنا، الفن ليس مجرّد كلمة، إذ لا نرى فيه سوى آلات تُستخدم في ساحة القتال ضمن صراع الطبقات وفي النضال من أجل بناء الاشتراكية، كما هو الحال، مثلاً، في صناعة المعادن.“</p>
<p dir="rtl">وهذا اقتباس مجتزأ من مشاركة له في عمل جماعي عن الفن في الاتحاد السوڤييتي، نلمس فيه رؤيته لدور السينما في المجتمع، في حديث باكر من القرن الماضي، في عشرينياته حين كانت الدولة السوڤييتية في طور التأسيس، وكان ذلك مزامناً لفيلمه «أكتوبر» الذي مجّد فيه الثورة البلشفية، ولفيلم «الخط العام» الذي تلاعبت به السلطات السوڤييتية. وكانت أفلامه أمينة لأفكاره، وهي ما عكسها هذا الاقتباس، فكانت، مثلاً، البطولة جماعيّة، بطولة الجماهير، وكانت أفلامٌ إرشاديّة، تحريضيّة، تنقل صراعاً طبقياً في السياق الروسيّ آنذاك، فكانت تحمل شعارات، كما ذكرنا سابقاً، ولا يضيرها ذلك، وإن كان لا بد من تساؤل فسيخصّ الكيفية التي يتم بها حمل هذه الشعارات، وهو سؤال يحيلنا إلى الأسلوب الفنّي لأيزنشتاين، أسلوب جعله أحد عظماء السينما العالمية، وهو أسلوب جعله يُهاجَم في الاتحاد السوڤييتي ذاته لاحقاً متّهَماً بـ ”الشكلانية“، بل حتي بـ ”الانحطاط“ ومعاداة الثورة. وإثر الجزء الثاني من فيلمه «إيڤان الرهيب» (١٩٥٨) سينهال عليه النقد الرّسمي السوڤييتي، ليدرك الرّجلُ لاحقاً أنّ المطلوب لا خدمة الثورة بل خدمة ستالين، وإن استلزم ذلك مغالطات تاريخية في الأفلام.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="battleship potemkin" height="1057" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/battleship-potemkin-1.jpg" width="1600"></div>
<h3 dir="rtl">
<span style="color:#ff0066">«المدرعة بوتمكين» و«أكتوبر»</span></h3>
<p dir="rtl">يُعد فيلم «المدرعة بوتمكين» (١٩٢٥) أحد أفضل الأفلام في التاريخ، وأكثرها تأثيراً، وهو مثال ممتاز لدراسة المونتاج وأهميته في السينما السوڤييتية الباكرة، خاصة وأنّ أيزنشتاين هو أحد أبرز صانعي سينما المونتاج في العالم. يروي الفيلم قصّة مأخوذة بشكل واقعي عن أحداث حقيقية، وهي تمرّد بحّارة المدرّعة بوتمكين وعصيانهم أوامر الضبّاط الذين سينفّذون مجزرة بالأهالي، في مشهد ملحميّ (ومن بين الأكثر استعادةً سينمائياً) على الدرج الطويل الذي بدا بتصويره كأنّه لا ينتهي. فالفيلم كلّه عبارة عن مقدّمة تُظهر علاقة البحّارة الفقراء بالضبّاط الأغنياء، ثمّ التمرّد عليهم والتحامهم مع تحرّك النّاس في البر. البطولة في الفيلم جماعية، فليس هنالك بطل فرد يعود إليه الفضل في كل ما يحصل، وهذه (بعد المونتاج) إحدى ميزات السينما السوڤييتية حيث تكون البطولة للجماعة. نرى ذلك في مشاهد المعارك على ظهر المدرّعة كما نراه على السلّم حيث يكون جمعُ النّاس مقابل جمع العساكر.</p>
<p dir="rtl">أما الفيلم الآخر فهو «أكتوبر» (١٩٢٧)، وله عنوان إنكليزي هو «أكتوبر: عشرة أيام هزّت العالم» (عنوان كتاب الصحافي الأميركي جون ريد)، والفيلم يصوّر الأيام الأخيرة من الثورة البلشفية، منتهياً بوصول لينين إلى سانت بطرسبرغ وخطابه، بمَشاهد حقيقية، أمام حشود من الثوّار. فكان الفيلم الوثيقة السينمائية الأبرز للثورة، تحديداً بمشاهد ملحميّة لاقتحام قصر الشتاء، وكان الفيلم لحظة تخليد فنّية، ليست ”هامة“ وحسب للشيوعيين والعالم، إنّما منجزة بفنّية عالية ساهمت في تكوين مدرسة المونتاج السوڤييتية.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">المونتاج كشكلانية</span></h3>
<p dir="rtl">كما أنّ ”الشكلانية الروسية“ في الأدب كانت محطّ النّقد الرّسمي السوڤييتي، فتطوّرت ضمن ظروف خاصة وصارت بحد ذاتها مذهباً أدبياً/نقدياً له إبداعاته، كان المونتاج في السينما الروسية كذلك، بظروفه الخاصة، وذلك للمساحة الآمنة التي يمكن أن توفّرها اللقطات الأرشيفية أولاً، وللمساحة الضيقة (جداً) التي يمكن أن يسرح ضمنها صانع الفيلم إن اختار أن يكون فيلمه روائياً، بحكاية مكتوبة وأداء وتجسيدات وما لا يمكن أن يعجب البيروقراطية السوڤييتية، نقداً ودولةً.</p>
<p dir="rtl">أتت المدرسة السوڤييتية في السينما مدرسةَ مونتاج. التضييقات عليها هو، غالباً، ما أدى إلى ذلك، إنّما، كما هو الحال في الأدب وقد برزت الشكلانية مزامنةً لصدور هذه الأفلام، أبدع المخرجون السوڤييت ضمن المتاح في سينماهم، وصارت الأخيرة تُدرّس كأحد التيارات السينمائية البارزة في التاريخ، وصار أبرز أسمائها -أيزنشتاين- أحد معلّمي السينما الأوائل، ولهذا، في الأدب كما في السينما، ترافق الإنتاج الإبداعي بالإنتاج النقدي والتنظيري.</p>
<p dir="rtl">هذه الأفلام الصامتة المتناوَلة هنا، بأسلوب صناعتها وبحكايتها وبمَشاهدها وبالالتزام السياسي فيها، هي وثيقة فنّية لمرحلة تاريخية كانت الأكثر تأثيراً من غيرها في ما لحقها من سنوات، والحديث هنا عن ثورة أكتوبر عام ١٩١٧ التي أكملت في أكتوبر ٢٠١٧ قرنها الأول، والحديث كذلك عن سينما المونتاج في العالم حيث الريادة والتنظير والصناعة فيه كانت أولاً للسوڤييت. فكانت السينما كما قال لينين ”الفن الأكثر أهمية“ للسوڤييت، وكانت هذه السينما، السوڤييتية الباكرة، من بين الأكثر أهمية للعالم في تاريخه السينمائي.<br />
 </p>
<div data-oembed-url="https://omny.fm/shows/safahat/ff952fb1-81eb-4a36-9d68-acf200907aa5/embed">
<div style="height:180px; left:0; position:relative; width:100%"><iframe allow="encrypted-media;" allowfullscreen="" src="https://omny.fm/shows/safahat/ff952fb1-81eb-4a36-9d68-acf200907aa5/embed?style=cover" style="top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; position: absolute; border: 0;" tabindex="-1"></iframe></div>
</div>
<h5 dir="rtl">للاستماع إلى المزيد من المقالات، يمكنكم الاشتراك في خدمة <a href="https://www.sowt.com/ar/ashtrakat-swt/sfhat-swt" target="_blank" rel="noopener">«صفحات صوت»</a> إما من خلال الموقع أو تطبيق<a href="https://podcasts.apple.com/us/channel/safahat-sowt-%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%B5%D9%88%D8%AA/id6442484437" target="_blank" rel="noopener"> آبل بودكاست</a>.</h5>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19336">السينما في الثورة... سيرغي آيزنشتاين وفن المونتاج</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ميراث فلاديمير لينين.. حوار مع طارق علي (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18995</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أحمد ليثي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 20 Nov 2017 08:37:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[المقابلة]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d8%ab-%d9%81%d9%84%d8%a7%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d9%84%d9%8a%d9%86%d9%8a%d9%86-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%b7%d8%a7%d8%b1%d9%82-%d8%b9%d9%84%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>مئة عام على الثورة الروسية، ولا تزال أفكار لينين عن الديمقراطية والإرهاب والثورة هامّة</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18995">ميراث فلاديمير لينين.. حوار مع طارق علي (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div><span style="color:#999999">أجرت الحوار سوزان وايزمان، ترجمناه من موقع مجلة </span><span style="color:#ff0066"><a href="https://www.jacobinmag.com/2017/05/dilemmas-vladimir-lenin-tariq-ali-russian-revolution-democracy" target="_blank" rel="noopener">«جاكوبن»</a>.</span></p>
<p><span style="color:#7f8c8d">صدر كتاب "معضلات لينين: الإرهاب، الحرب، الإمبراطورية، الحب، الثورة" للكاتب والصحفي وصانع الأفلام طارق علي في أبريل الماضي بمناسبة مئوية الثورة الروسية، وفي أبريل، وبالتحديد بعد مئة عام من «أطروحات أبريل» للينين؛ التي دعا فيها للانخراط في القتال بعد ثورة فبراير الناجحة، التي أسقطت القيصر، لكنها لم تأت بالسوفييت إلى السلطة.</p>
<p>يبرز لنا كتاب طارق علي لينين غير المعروف، لينين الذي أحب الأدب اللاتيني، والموسيقى الكلاسيكية، والذي تأثر للغاية بالاضطرابات السياسية، في الوقت التي كانت تؤثر بشكل وثيق على عائلته.</p>
<p>يرى التاريخ أن لينين مجرد ديكتاتور قاس، لذا، سيكون من المفاجئ أن نسمع عن التزام لينين بالديمقراطية. في هذا الحوار مع راديو جاكوبين؛ يكشف سوزان وايزمان وطارق علي الأساطير والافتراءات التي التصقت بدور لينين في التاريخ، ويساعدانا، في تقييم أفكار لينين وأفعاله، ويطرحان سؤال صلة لينين بما لدينا اليوم.<br />
<img decoding="async" alt="" height="512" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/The_Dilemmas_of_Lenin_front_1050-cc1d33f7f339221dc991bff70b41dc39_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="333"></span></p>
<p><span style="color:#ff0066">في كتابك، تعطينا صورة للينين الذي لم نره، حبه للأدب، وللغة اللاتينية، والشطرنج، وتأثير موت أخيه عليه.</span></p>
<p>هذه هي الأشياء التي لا يتم الحديث عنها لأسباب عديدة منها؛ ما فعلته القيادة السوفييتية بلينين بعد موته. كان المكتب السياسي قد اتخذ قرارًا بتحنيطه، وعرض جثته على العامة، ليحولوه إلى قديس بيزنطي. وهذا تقليد مشهور جدًا في الكنيسة الأرثوذكسية، وعلى الرغم من أن بعض أعضاء المكتب السياسي لم يكونوا مؤيدين لذلك، لكنهم لم يستطيعوا مواجهة الأمر، ذلك أنه قد بدا مذهبيًا.</p>
<p>دعت ناديا كروبسكايا، أرملة لينين، وأختاه القيادة وقلن: "كان لينين سيكره ذلك، لقد احتقر كل أشكال التأليه، أرجوكم أن تدفنوه تحت حائط الكرملين حيث دفن القيادات والنشطاء، لا تفعلوا به ذلك".</p>
<p>لكنهم كانوا قد فعلوا به ذلك، وقد كانت حركة ذكية، لقد استطاعوا استخدام لينين، خاصة في سنوات حكم ستالين، الذي أعيد بناؤه من جديد فلم يكن ستالين قد التقط صوراً مع لينين.</p>
<p>ستالين بالتحديد فعل هذا، بالطبع كان قد قابل لينين كثيرًا في اجتماعات المكتب السياسي، لكن لإظهار أنهم أصدقاء، زُوّرت الكثير من الصور، ورُسمت الكثير من اللوحات، لإثبات أن هناك تواصل غير محدود بين لينين، وفكره، وما بقى في الاتحاد السوفييتي في الثلاثينيات.</p>
<p>هناك مجموعتان مختلفتان من الناس يصدقون هذا أو ذاك، الأولى هي القيادة الستالينية في روسيا، والثانية كانت الغرب.<br />
فقد بات يجمعهم حلف غير مقدس في هذا الشأن. يقول الستالينيون، "ما نفعله هو استمرار لعمل الرفيق لينين"، وما يقوله الغرب وقياداته وأيديلوجياته "نعم، لقد كان لينين هو الأساس لكل ما يجري في الاتحاد السوفييتي اليوم". هاتان الدولتان العملاقتان وأجهزتهما الأيديولوجية قد اشتركتا ليجعلا الناس تنسى لينين الحقيقي. لكن أسفل هذا كله، هناك زعيم سياسي ومنظَر مختلف جدًا.</p>
<p><span style="color:#ff0066">في المرة الأولى التي زرت فيها الاتحاد السوفييتي، كنت متفاجئًا من رؤية الخطوط الطويلة في الطريق لمقبرة لينين، وفكّرت حينها في أننا سنحتاج لأجيال لنفهم لينين. هل مرّ وقت كاف حتى نستطيع إظهار لينين غير المألوف؟</span></p>
<p>بالطبع هناك قدر هائل من الخصومة ضمن التيار الرئيسي، لكن شراستها خفتت لأن الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودًا. كنت في منتهى السعادة – وأنا أتحدث بصراحة تامة – لكني كنت متفاجئًا تمامًا، حين طلبت مني نيويورك تايمز أن أكتب افتتاحية عن لينين، دافعت بفعالية عن رؤاي كما كتبت ذلك في الكتاب، ونُشر المقال دون تذمر.</p>
<p>آمل أن يشير هذا إلى أن هناك انتباه جاد سوف يوجه لفكره ولبعض كتاباته الأساسية. لقد بدّل رأيه بطريقة مثيرة في «أطروحات أبريل» لما يحتاجه الواقع، حيث قال في "الدولة والثورة": "ما نحتاجه هو نسخة من كومونة باريس".</p>
<p>واحد من الأشياء الرئيسية في كومونة باريس هي الانتخابات من أسفل لكل مستوى بشكل منفرد، لدرجة أن الرسام الفرنسي غوستاف كوربيه نظّم الفنانين في كل حي في باريس، لينتخبوا مفوضين يكونوا مسؤولين لتقرير كيف يجب أن تبدو باريس. كانت هذه عملية ديمقراطية كلية. هذا هو النموذج الذي كان يريده لينين.</p>
<p>بعض الناس قالوا بعد وفاته: "إن الحرب الأهلية كانت مروعة، لكن حتى خلال الحرب الأهلية كان لدينا بعض الحريات التي تذكرنا بكومونة باريس، حيث كان هناك إحساس بالمساواة، كان أي شخص بإمكانه أن يقول ما يريد في صفوف الحزب والجيش، كان بإمكاننا أن نتجادل مع المفوضين، إلخ".</p>
<p>تلك الخبرة الهائلة انمحت خلال ديكتاتورية ستالين، ومن هنا نشأ الرأي أن كل هذا قد بدأ مع لينين. الجدل القديم مفاده أن هناك استمرارًا بين لينين وما جاء بعده، أو لا شيء على الإطلاق، لا يمكنك أن تقول إما أو. أعتقد أن هناك عناصر من الاستمرار. لا نستطيع أن ننكر ذلك، لكن عادة ما كانت من خلال القرارات التي تتخذ خلال حالات الطوارئ. </p>
<p>الشيء المثير للعواطف هو الاطلاع على كتاباته الأخيرة، حيث كان في ثورة غضبه، أقعدته السكتة الدماغية. فألقى لينين نظرة من مسافة مناسبة، ولم يعد الأطباء يسمحون له بحضور الاجتماعات الحكومية أو اجتماعات الحزب. نظر إلى ما أنجزوه في تلك الفترة، وقال "يا إلهي، الوضع لا يسير على ما يرام".</p>
<p>كانت حجته في «الدولة والثورة»، هي أن الدولة الاشتراكية لابد أن تدمر كل بقايا القيصرية، وبيروقراطيتها، والشوفينية الروسية العظيمة، قال: "يبدو لي في بعض الأوقات، أنه على الرغم من أننا انتصرنا في الثورة، إلا أن البيروقراطية القيصرية لا تزال في السلطة، بل وأصابت بعض الرفاق البلاشفة والقيادات بما اعتادت أن تبدو عليه".</p>
<p>وهذا الحال صدمه، لذلك، عمد لينين إلى تحضير وثائق لاذعة، وحاول تغيير ذلك. بدّل بنية المكتب السياسي للحزب، وأعطى سلطة أكبر للجنة الرقابة المركزية، بل وقال أن ستالين لا بد أن يقصى من الأمانة العامة للحزب، وبيّن الأخطاء وأسبابها.</p>
<p>وهذا ما قاله الكثير منا لسنوات. الاشتراكية مجرد مقاربة، أينما حدثت ووقعت، ليس بمقدورك أن تقوول "هذه هي الاشتراكية"، أنت فقط تسعى إليها. لينين كتب هذا بسرعة.</p>
<p><span style="color:#ff0066">في كتابك، وصفت المشهد الذي عاد فيه الأناركي القديم، الأمير بيوتر كروبوتكين للاتحاد السوفييتي، فقد كان الأناركيون على وشك الحظر، لكن كروبوتكين جاء إلى موسكو وقابل لينين في مايو 1919، واشتكى من البيروقراطية. لكن لينين أجاب "نحن دائمًا ضد طبقة الموظفين في كل مكان".</span></p>
<p>كان لينين مولعًا إلى حد كبير بكروبوتكين، بل لقد كان مولعًا ببعض النشطاء والأناركيين المناضلين، وكيف بوسعه أن لا يكون مولعًا بهم، وقد هيمنوا على السياسة الروسية خلال القرن التاسع عشر كله.</p>
<p>لم تكن الماركسية هي المهيمنة، بل الأناركية. هذه هي الأيديلوجية التي أحبّها الشباب. هذه كانت أفكار كروبتكين وباكونين، التي اعتمدوها والتي قادتهم لنوع من الأناركية الإرهابية، حيث قالوا: "لم يتبق لنا شيء لنفعله".</p>
<p>في بعض مراسلات كارل ماركس مع الروسيين مثل نيكولاي جرانيفسكي، وبالتأكيد في أحاديثه مع باكونين، قال ذلك: "إنني بالطبع معارض تمامًا للإرهاب عامة، إذ يمثل نوع من الإلهاء عن بناء الأحزاب والحركات الجماهيرية، وكسب ودّ الطبقة العاملة، لكن في الحالة الروسية -يقول ماركس- جرى نقاش منذ أن سُدّت كل المنافذ. حيث قال الشباب أن الطريقة الوحيدة لفك الحظر هي نسف البغاة، أنا أفهم ذلك، ليس بوسعك أن تبني استراتيجية حول هذا، لكنني أفهم ذلك".</p>
<p>كثير من النساء اللواتي نشطن في تلك الفترة انتموا للطبقة الوسطى، حصلن على تعليم جيد، أو في حالة صوفيا بيروفسكايا -دمّرت أحد القياصرة- التي كانت في الواقع ابنة الحاكم العام لبطرسبرغ، هؤلاء البيروقراطيون العتاة كانوا يعرفون إلى أين يذهب القيصر، ومتى يذهب، وأين يسير، لذا، فقد رتبت صوفيا كل شيء. كانت المدبرة الرئيسية، وبالطبع أُعدمت جراء فعلها، وكانت أول امرأة تعدمها الأوتوقراطية القيصرية.</p>
<p>عرف لينين ذلك. ونشأ فيه. تورّط شقيقه خطأً مع مجموعة صغيرة من الأناركيين في وقت كانت الأناركية قد بدأت بالانكماش، كتب المنشورات فقط، قال له النائب العام في محاكمته: "أليكساندر أوليانوف، نحن نعلم ما فعلت"، فأجاب شقيق لينين: "نعم، تعرفون أني قد كتبت المنشورات، لكني أتحمل مسئولية الفعل كله مسئولية كاملة". هناك نبل في هذا الفعل، لم يكن يحتاج لذلك، وربما لم يكن قد زُج به في السجن لو أنه لم يقل ذلك.</p>
<p>نشأ لينين في هذه البيئة، وهضم ذلك كله، حيث كان أول الأشياء التي فعلها، هي الذهاب لرؤية الكثير من الأناركيين خاصة المناضلين منهم. كتبت كروبسكايا في كتابها «ذكريات مع لينين» بشيء من الاحتشام: "لم نكن نمرّ بقرية ما لم يوافق لينين على المرور بها، والآن بات عليّ زيارة القرى لأرى المناضلين، إذ أنهم مازالوا أحياء". دائمًا ما يوجد الكثير من المناضلين الأناركيين، لذا، لا تزال هذه العادة تذكّرني به.</p>
<p><span style="color:#ff0066">أثارت التكتيكات المبكرة، تكتيكات إثارة الذعر، التي انقلب لينين عليها لاحقًا؛ نقاشات في العالم بأسره. يوجين دبس وبيج هايوود في الولايات المتحدة وزنا الأمر، وتناقشا حول موافقتهم على التحرك المباشر، لكنهما أوصا أن يكون ذلك التحرك، تحركًا عماليًا.</span></p>
<p>صحيح.</p>
<p><span style="color:#ff0066">هذا هو الموقف الذي اعتمده لينين لاحقًا، لماذا عنت كومونة باريس الكثير له؟</span></p>
<p>نشأت كومونة باريس بشكل أساسي نتيجة الهزيمة التي عانت منها الطبقة الحاكمة الفرنسية على يد البروسيون والألمان كالعديد من الثورات الأخرى في التاريخ. كان نابليون الثالث قد ارتكب خطأ كبيراً آثار صراعاً مع الألمان، وكان بسمارك وجانج ينتظران ذلك. بعد الهزيمة التي لحقت بالجيش الفرنسي فرّ الجيش إلى باريس.</p>
<p>قال الباريسيون، خاصة العمال، والحرفيين، والمثقفين: "نحن لن نقبل ذلك الحصار، دعونا نحرر باريس، وتمسكوا بها وقاتلوا البروسيين. "لا نريد أن نُحتل، لا من نابليون ولا من البروسيين".</p>
<p>هنا ترى أصداء الموقف الذي اتخذه لينين خلال الحرب العالمية الأولي: لن ندعم أياً من الجانبين. نرى أولًا الوميض الخافت لكومونة باريس، ثم استيلائهم على السلطة. لقد هزموا الجيوش الرجعية مجتمعة في فرساي، وغدا لديك الاندلاع الأول لما يمكن أن نطلق عليه الديمقراطية الشعبية.</p>
<p>لم يكن كل المشاركين في كومونة باريس من العمال، بل كان يوجد العديد من المواطنين المتورطين الذين كانوا حرفيين يعملون في ورشهم الصغيرة، وفنانين، وكتاب. رامبو، على سبيل المثال، كتب قصيدة يصف فيها كومونة باريس، التي كانت حركة لا تصدق.</p>
<p>بعد ذلك، قررت كومونة باريس انتخاب كل الأشخاص: "سننتخب كل مفوضينا من الأسفل"، ذلك أن الديمقراطية لم تكن موجودة في ذلك الوقت، ربما كانت ألمانيا الأكثر تقدمًا، لكن هنا أيضًا، كان قد وُضع قانون طوارئ قوي موضع التنفيذ لإبقاء الديمقراطية الاجتماعية على مسافة. هذا الشكل من الديمقراطية من أسفل كان مثيراً لكل شخص، وذهب هؤلاء المفوضون للجمعية العامة، وجمعيتهم الباريسية، وجعلوا أصواتهم مسموعة.</p>
<p>إجماع فيينا 1815، لم يكن مختلفاً بشكل كبير عن إجماع واشنطن 1990، حيث قالوا: "يجب أن نتأكد أنه حيثما تقوم ثورة، وحيثما تتطور قوات معارضة، من أنها ستُسحق فورًا. ليس بوسعنا أن نتقبل تلك المخاطر".</p>
<p>بعد عام 1848 انتشرت الثورات ومطالب حق تقرير المصير في أوروبا؛ فصار لديك كومونة باريس. وهي ما كان قريبًا جدًا من قلوب وعقول الثوار في العالم كله. هذه الرسالة وصلت حتى الفليبينيين، الذين قالوا: "انظر ماذا يحدث في باريس، انظر لما يقال، أو لما يفعلونه".</p>
<p>منذ عام 1871 فصاعدًا، تبدأ في ملاحظة تطور تيار ما قبل ماركسي. ماركس دعم كومونة باريس بشكل تام، لكنه شعر أن هناك عدد ضخم من الأخطاء التكتيكية التي ارتكبت نتيجة عدم الخبرة، والتي كان يمكن تلافيها. هؤلاء الناس الذي حاولوا التمييز بين ماركس ولينين سيجدون أن ما قاله ماركس حقًا عن كومونة باريس مشابه لدرجة كبيرة لما قاله لينين لاحقًا.</p>
<p>الشيء الآخر عن لينين والدولة التي أُنشئت عام 1917، أن الحلفاء الغربيين، قوات الحلفاء، والولايات المتحدة، التي مثّلها أشخاص أداروا الاستخبارات الأمريكية لسنوات عدة بعد ذلك؛ التوأم جون فوستر دالاس، وآلان دالاس، كانا يحضران ذلك الاجتماع ليقررا كيف يقضيا على الثورة الروسية. بريطانيا أيضًا كانت متورطة. قوات أوروبية أخرى كانت متورطة. جيوش 22 دولة مدعومة من القوات العظمى للتحالف الغربي كانوا يحاولون هزيمة الروس، لقد تركوا أثرًا كبيرًا جدًا على تلك الثورة.</p>
<p>أنت تحتاج إلى فهم السياسة. لينين، وجيله، وماركس أيضًا، كانوا سياسيين. لقد أدركوا الأمر بدون السياسة، لا يمكن لشيء أن يحرز تقدمًا. لينين الذي كان به مس من العبقرية، حتى أن أعداءه اعترفوا بها، والتي كانت واضحة وضوح الشمس، لم يكن ليرسم الهزائم على أنها انتصارات، لكنه يقول أن الانتصارات كانت ممكنة لو أننا فعلنا أ أو ب أو ج.</p>
<p><span style="color:#ff0066">ثورة فبراير كانت عفوية، فقد تدفق العمال إلى الشوارع، وأطاحوا بالقيصر؛ لكن لترددهم، لم يعلنوا استيلاءهم على السلطة، وبدلًا من ذلك، وصلت إلى السلطة حكومة مؤقتة ضعيفة. كان وقت ضائع، لكن على الجهة الأخرى، لم تكن الثورة قد انتهت بعد، ماذا حدث بعدما عاد لينين من المنفى وهبط في محطة فينلاند في بطرسبرغ؟</span></p>
<p>عندما وصل لينين هناك، كان السوفييت قد احتشدوا لتوهم، كان بعضهم موجودين، لم ينتشروا عبر البلاد، إنما في المراكز الرئيسية فقط، كان هذا هو النموذج، لم يكن هناك برلمان. ولم يحظ مجلس الدوما باحترام على الإطلاق، وبسبب الخبرة المكتسبة في العام 1905 -الذي أطلق عليه لينين، بروفة الثورة- لم تكن الأحزاب مستعدة للوثوق بهم عندما انتشروا بعفوية. لكنهم كانوا حقًا عفويين وتحرريين. أدرك الكثير من الناس أن هذا يجب أن يكون نموذج الديمقراطية -ديمقراطية سوفييتية- التي اكتسبت معنى مختلفاً تمامًا عما نسب إليها لاحقًا.</p>
<p>عند وصول لينين، استقبله وفد رسمي من السوفييت، يقوده بعض الأحزاب المعتدلة والليبرالية، ثم قال الناشط اليميني التابع للمناشفة، نيكولاي تشيخايدزة: "نيابة عن مدينة بيتروغراد، نرحب بك، رفيق لينين، لكننا نترجاك أن تدرك أن هذه ثورة واسعة جدًا، وعليك أن تتحد مع الآخرين لنأخذ خطوة للأمام". حياه لينين دون اكتراث، ثم تقدم لمخاطبة العمال والجنود، والوفد ينتظر. قال لينين: "يجب أن نصنع ثورة، وهذه الثورة يجب أن تكون ثورة اشتراكية. علينا أن ننهـي الحرب، وأن تُسنح لنا فرصة السعي وراء الأرض والخبز والسلام".</p>
<p>هذا واحد من شعارات لينين القديمة والقليلة، وتحت كل شعار "أرض وخبز وسلام"، هناك ركيزة أساسية، تجعلها سياسة تكتيكية واستراتيجية بلشفية. هذا هو ما تتضمنه تلك الركائز، وهـي شعارات شعبية جدًا.</p>
<p>لكن المتذمرين فكروا، "يا إلهي. لم يتغير شيء، الرجل لا يزال كما هو، لم يتغير". وذلك لأن بعض البلاشفة قد أعطوهم انطباع أننا معًا الآن، ولن يتغير الكثير. لكن لينين كان يدرك أنهم لو فقدوا تلك اللحظة، فلن تكون هناك ثورة، لأن هؤلاء الهزليين الذين كانوا في السلطة، يرفضون أن يأخذوا روسيا بعيدًا عن الحرب، وهو ما كان مطلباً جماهيرياً كبيراً. لكنهم لم يستطيعوا أو لم يكن لديهم القوة لتحويل الوضع الاجتماعي.</p>
<p><span style="color:#ff0066">في الكتاب، يقول فيكتور سيرجي، أن لينين كان ثورياً في زمن الثورة، وهذا ما يعرّف القائد. كان يدرك اللحظة، واستطاع أن يرى ما تحمله، وقبض عليها وتقدم بها.</span></p>
<p>بالضبط، صاغ لينين «أطروحات أبريل». ولا يجب أن يربكنا هذا كثيرًا. لقد مال للكتابة في شكل أطروحات. لقد كانت مكثفة، وكانت واضحة، لم تحتو على كلمات زائدة، كان فقط يوضّح ويشير لما يجب أن يُنفذ. قال لينين أن على البروليتاريا أن تتولى السلطة.</p>
<p>لكن السلطة الأرثوذكسية قالت أن كل ما نسمح به في هذه اللحظة هي الثورة البرجوازية الديمقراطية. وهذا يعني أننا لا يجب علينا أن نشارك في تلك الثورة لأننا ضد البرجوازيين. فلندعهم يصنعون الثورة، وننتظر، وحينما ينجزونها ويطورونها، هنا سنخرج ونصنع ثورة اشتراكية مختلفة، كان لينين يقول: "هذا هراء كامل".</p>
<p>بمرور الأسابيع، بات هناك أمران واضحان، رؤية لينين كانت قد لاقت شعبية في المصانع، ليس فقط مصانع بوتيلوف، لكن بشكل أكبر في المصانع الفرعية التي تحيط يبيتروغراد. كانت أفكاره منتشرة بين النساء، خاصة نساء الطبقة العاملة، وربات البيوت. كان يتأكد أن أعضاء حزبه قد فهموا أطروحاته، وأقنع أولًا أفراد القوات المسلحة للحزب البلشفي بذلك.</p>
<p>كانت الطبقة العاملة تتقدم الحزب، وأفراد القوات المسلحة تتقدم قيادة الحزب، وأخيرًا، وقف لينين وأخبر قيادات الحزب "حسنًا، ما الذي علينا فعله؟"، في هذا الوقت، أغلب قيادات الحزب اتفقت على أن «أطروحات أبريل» يجب أن تعتمد، على الرغم من أنهم قالوا في البداية "لقد وصل لينين إلى الجنون، ما الذي يحدث؟".</p>
<p>الأهم من ذلك، أن اعتماد «أطروحات أبريل» فتح الباب لتروتسكي ومجموعته الصغيرة من المثقفين الموهوبين للغاية، الذين كانوا يتجادلون على هذا النحو مع أنفسهم لسنوات، أن يدخلوا وينضموا للحزب البلشفي، وبالتالي تعزيز الثقافة الفكرية للبلاشفة، والتي لم تكن على مستوى عال.</p>
<p><span style="color:#ff0066">دعنا نتكلم في الفترة بين أبريل وأكتوبر، فترة اهتياج الثورة.</span></p>
<p>كان هناك صعود وهبوط. وفي مرحلة ما، في يوليو 1917، قرّر العمال، أو القسم الأكثر نشاطًا بينهم، وهم غير منظمين من قبل أي حزب، لكن معظمهم متعاطف مع البلاشفة، قرروا أن: "لقد طفح الكيل، وعلينا أن نتولى السلطة الآن". لينين يعلم بالطبع أن الوضع جيد جدًا في تلك اللحظة، لكنه كان مقتنعًا أن هذا سابق لأوانه، لأنهم لا يملكون بعد معظم المفاتيح الرئيسية في البلاد، وحاول إيقاف الحركة. لكن عندما خرج العمال، خرج البلاشفة معهم. لا يوجد فرصة للجلوس في المنزل، لا يوجد فرصة للسلبية، هذا حشد هائل.</p>
<p>بعد ذلك، حدث رد فعل من الثورة المضادة. قُبض على تروتسكي. القيادات البلشفية الأخرى أعتُقلت، وأجبر الحزب البلشفي لينين على الذهاب للمنفى، لذا، تنكر في زي عامل سكك حديدية، وارتدى شعراً مستعاراً (ما جعله يبدو رائعاً جدًا بالمناسبة).</p>
<p>عبر الحدود، ومن هناك، أدار عملية ضرب القيادة، قال: "هذه انتكاسة مؤقتة، لا شيء أساسي قد تغير". بحلول سبتمبر، كانت الجبهة قد تفككت تمامًا، كان هناك تمردات، وهروب واسع النطاق من الجيش، ثم أتى الفلاحون في ملابسهم الرسمية، إذ كانوا سريعي التأثر بتحريض البلاشفة. كانت سياسة التحريض البلشفية هي ما تقنعهم.</p>
<p>غدا من الصعب على كورنيلوف والجنرالات اليمينيين، أن يعتمدوا على جنودهم لتنفيذ المذابح. عندما تقدمت قوات كورنيلوف نحو بيتروغراد لمحاولة الاستيلاء على السلطة على غرار بيونشيه، ظهر المحرضون البلاشفة وقالوا: "اسمعوا، هل تعلمون لماذا جلبتم إلى بيتروغراد، لقد جلبوكم إلى بيتروغراد لسحق رفاقكم العمال". وهنا بدأ الجيش يتنحى عن دوره.</p>
<p>في هذا الوقت، رجع لينين إلى موسكو، وعقد اجتماعات سرية مع القيادة، وقرروا ذلك: "هذا هو اليوم، السابع من نوفمبر، الذي سنتحرك فيه للاستيلاء على السلطة".</p>
<p>يقول الناس أن الثورة كانت مجرد مؤامرة، لكنها كانت هي الثورة الأكثر علانية في تاريخ العالم. لم يكن هناك أسرار. حتى عندما كان لينين ضمن الأقلية، وسأله أحدهم في بيتروغراد، "يتحدث الناس عن الاستيلاء على السلطة، هل هناك أي حزب في الجمعية العامة مستعد لتولي السلطة الآن؟". لكن هذا الرجل القصير، الأصلع، قد وقف ورفع يده، تعرفوا عليه، فقال: "البلاشفة مستعدون لتولي السلطة الآن". فبدأ الضحك وإطلاق النكات والمزاح.</p>
<p>بحلول نهاية سبتمبر، حدث شيء رئيسي. حاز البلاشفة على الأغلبية في صفوف العمال والجنود السوفييت في موسكو وبيتروغراد. وكان لينين قد تعلّم أن هذا حدث من قبل، وأن الوضع قد تغير الآن، ثم قرر، "حسنًا، الوقت مناسب"، وخطط للاستيلاء على السلطة، الذي حدث دون عنف على الإطلاق.</p>
<p>ملاحظة واحدة هنا، المؤرخ المنشفي العظيم، نيكولاي سوخانوف، الذي كتب واحداً من أفضل كتب تاريخ الثورة -والذي كان انتقادياً للينين بشكل ما لكنه كان كتاباً رائعاً- يقول أنه قد اتصل بزوجته ليعلمها أنه سوف يتأخر قليلًا، فقالت له زوجته: "من الأفضل ألا تأتي الليلة، هناك الكثير من الناس يمكثون هنا. فلتمكث في المكتب الليلة". وفي اليوم التالي اكتشف سوخانوف أن سبب إجباره على المبيت خارج البيت، هو أن اللجنة المركزية البلشفية كانت تجتمع في بيته ليبتوا في قرار إطلاق الانتفاضة.</p>
<p><span style="color:#ff0066">قال تروتسكي ذات مرة أن الثورة ليست فقط إلهاماً شديد الحماس للتاريخ، لكن الثورة أيضًا معركة من أجل الجيش، وأن الجانب الذي يقف الجيش معه ينتصر، الكثير من المعسكرات كانت تدعم البلاشفة، لكن الثورة كانت سلمية تمامًا.</span></p>
<p> بكل معنى الكلمة، كان هناك القليل جدًا من الخسائر، فيلم أيزنشتاين «أكتوبر» قد بالغ في هذه القضية. لقد شعر أنه يجب أن يصنع فيلمًا، لكن هذه المسألة كانت هادئة نسبيًا، كان هناك الكثير من المرح في الشوارع.</p>
<p><span style="color:#ff0066">ما هو ميراث الثورة؟</span></p>
<p>الاشتراكية، فضلًا عن الديمقراطية. كانت ثورة اشتراكية قد قامت قبل أوانها، معزولة في أوروبا من خلال المذابح التي قامت في ألمانيا من قبل القادة الألمان بحق الطبقة العاملة، روزا لوكسمبورغ، وكارل ليبكنخت، وغيرهم. كل البلاشفة كانوا موافقين على أنهم لو كانوا معزولون ستكون هناك مشكلة كبيرة، وبالتأكيد كانت هناك مشكلة، سواء داخليًا أو من قوة خارجية، وقيام الفاشية في ألمانيا.</p>
<p>لو كانت الثورة قد حصلت في ألمانيا، في عام 1920، لكان التاريخ الأوروبي كله قد أخذ منحى مختلفاً.</p></div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18995">ميراث فلاديمير لينين.. حوار مع طارق علي (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>العالم بعد مئة عام من ثورة أكتوبر</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18987</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سلامة كيلة]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 14 Nov 2017 14:03:11 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[في الماركسية]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d9%85%d8%a6%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a3%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8%d8%b1/</guid>

					<description><![CDATA[<p>بدأتُ هذه السلسلة بالعالم الذي تشكّل بعد ثورة أكتوبر، الآن لا بدّ من فهم العالم بعد مئة عام على الثورة، وربع قرن على انهيار الاشتراكية. وكنت أشرت إلى أن ثورة أكتوبر قامت في سنوات تشكّل النمط الرأسمالي كنمط عالمي، وذو طابع إمبريالي، حيث أفضت إلى انقسام العالم إلى "معسكرين"، ووجود نمطين اقتصاديين مختلفين ومتناقضين. الآن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18987">العالم بعد مئة عام من ثورة أكتوبر</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بدأتُ هذه السلسلة بالعالم الذي تشكّل بعد ثورة أكتوبر، الآن لا بدّ من فهم العالم بعد مئة عام على الثورة، وربع قرن على انهيار الاشتراكية. وكنت أشرت إلى أن ثورة أكتوبر قامت في سنوات تشكّل النمط الرأسمالي كنمط عالمي، وذو طابع إمبريالي، حيث أفضت إلى انقسام العالم إلى "معسكرين"، ووجود نمطين اقتصاديين مختلفين ومتناقضين. الآن نحن في ظل نمط واحد مسيطر، هو النمط الرأسمالي، وفي وضع يتسم بعودة التناقضات بين الدول الرأسمالية ذاتها، القديمة فيما بينها، ومع الجديدة.</p>
<p>ربما تشبه بداية القرن الحادي والعشرين بداية القرن العشرين، حيث كانت تهيمن كل من إنجلترا وفرنسا وأميركا، بينما تقدمت كل من ألمانيا واليابان متأخرتين فلم تجدا ما تستعمرانه إلا بالاستعداد للحرب من أجل فرض إعادة تقاسم العالم. لكن كانت الرأسمالية حينها تتحوّل إلى إمبريالية ويتشكّل نمط عالمي مهيمن، يقسم العالم إلى مراكز وأطراف (كان معظمها مستعمرات حينها). وهي الحالة التي فرضت نشوب الحرب العالمية الأولى، ومن جديد الحرب العالمية الثانية. فقد كان وضع كل من ألمانيا واليابان غير ممكن الاستمرار دون استحواذ على مستعمرات، وبالتالي فرض تقاسم جديد، تطوّر في الحرب الثانية إلى ميل ألماني هيمني، حيث أرادت السيطرة على العالم.</p>
<p>في ظل تشكّل الرأسمالية كنمط عالمي ذو طابع إمبريالي والتناقض بين إمبرياليات، حدثت ثورة أكتوبر، وتوسّع وجود الاشتراكية إلى نصف العالم تقريباً. بالطبع كان ذلك يقلّص من السوق الراسمالي، وفرض أن تتوحد الرأسماليات في تكتل واحد في مواجهة الاتحاد السوفيتي ومنظومته. وبالتالي أن تنهي تنافسها الذي كان يفضي إلى الحروب، أو على الأقل أن تجعل هذا التنافس "اقتصادياً" ولا يرتقي إلى صراع سياسي.</p>
<p>بداية القرن الجديد شهدت حالة معاكسة، حيث أن الرأسمالية دخلت في أزمة مستعصية، بعد أن فرض تطورها هيمنة المال على الرأسمال، أي فرض وجود فائض مالي لم يعد قادراً على أن يتوظف في الاقتصاد الحقيقي الذي بات مشبعاً، لهذا هرب إلى النشاط المالي، في القروض والمضاربات والمشتقات المالية. وهذا النشاط بات هو المهيمن في بنية الرأسمالية، ويستحوذ على النسبة الأعلى من حركة الرأسمال. وهو الأمر الذي يعني نشوء فقاعات ومن ثم انفجارها الذي يفضي إلى انهيارات مالية تهزّ بنية الرأسمالية كلها. لهذا باتت الرأسمالية في أزمة مستمرة، وفي ميل انهياري، ويمكن القول أنها دخلت مرحلة التعفّن، ما دام المال يذهب بشكل متصاعد إلى النشاط المالي وليس إلى الإنتاج. وهذه الحالة تطال كلية النمط الرأسمالي رغم أن تمركزها الأساسي هو في أميركا، التي اعتمدت على جذب الرأسمال من خلال الفائدة المرتفعة لتعويض اختلال الميزان التجاري لمصلحة كل من أوروبا واليابان.</p>
<p>إضافة إلى ذلك، أفضى انهيار النظم الاشتراكية، والاتحاد السوفيتي خصوصاً، وتحوّل الصين نحو الرأسمالية، إلى نشوء رأسماليات جديدة تريد حصتها في السوق العالمي. الصين تقدمت من خلال "رخص سلعها"، وقدرتها على اكتساب التكنولوجيا المتقدمة بسرعة كبيرة، فغزت سلعها العالم، وباتت تصدّر الرأسمال إلى كل أسقاع الأرض، فتشتري الشركات الكبرى والعقارات الكبرى وتستثمر في النفط، وغيرها. بينما تعاني روسيا من "ضعف" وضعها الصناعي الذي تجمّد بعد أن تم انجاز التوسع الأفقي، فلم تستطع الارتقاء تكنولوجياً رغم القدرات التي لديها. لهذا أخذت تصارع من أجل الاستحواذ على الأسواق، وتميل للتصعيد العسكري من أجل فرض ذلك. لكن النمط الرأسمالي لم يقف عند هذا الحدّ، أي بروز إمبرياليات جديدة، بل أن "الوحدة" التي ضمت الإمبرياليات القديمة آخذة في التفكك نتيجة تناقض المصالح، وكل منها يسعى إلى تجاوز أزمته على حساب الآخرين.</p>
<p>بالتالي نحن في وضع يتسم بتناقض الإمبرياليات، وتنافسها، وميل كل منها سواء للهيمنة بعدما ظهر "ضعف" أميركا، وتراجعها، وخطر الأزمة التي تعيشها، أو للحصول على مصالح تعزز من وضعها الاقتصادي. كل ذلك يجري في وضع تعيش الرأسمالية ككل فيه، يتسم بأزمة عميقة لا حلّ لها، وهي مستمرة، وتفرض انهيارات متتالية. إنه صراع في وضعية الغرق، وليس كما كان بداية القرن العشرين، حيث حالة النهوض الكبير. إن الطابع الجديد للرأسمالية الذي يتسم بهيمنة المال على الرأسمال، النشاط المالي على النشاط الإنتاجي، يفرض اختلافاً في طابع التراكم، حيث أصبح مختلفاً في السرعة. إن آفة النشاط المالي أنه يفرض تسارعاً في التراكم، وبالتالي تسارعاً في مركزة الثروة، من حيث عدد الملاّك ومن حيث تمركزها في النشاط المالي. ولهذا تسارعت عملية نهب الأطراف، وهو نهب بكل معنى الكلمة يقوم على السيطرة على الثروات الوطنية من خلال النشاط في أسواق الأسهم أو الاستثمار "قصير الأجل" أو في العقارات والخدمات.  وهنا بات الاختلاف في السرعة كذلك، حيث يتسارع النهب إلى حدّ تجريف المجتمعات. لكن ما هو جديد هو أن النهب بات يطال المراكز الرأسمالية ذاتها، لأن سرعة التراكم والتوظيف في النشاط المالي باتا يفرضان تخلي الدولة (دولة الرفاه) عن دورها، والعودة إلى استغلال العمال والطبقة الوسطى، بعد تجريد كل هؤلاء من كل "الحقوق" التي تحصّلوا عليها.</p>
<p>لهذا نشهد انهياراً كبيراً في الوضع المعيشي في الأطراف، وانهياراً متسارعاً في وضع العمال والفئات الوسطى في المراكز. نشهد ارتفاعاً في أسعار كل السلع والخدمات بينما نشهد بطئاً، أو حتى تراجعاً في الأجور، وتخلٍ عن كل الحقوق التي حصلت عليها "الطبقات الأضعف“.</p>
<p>بالتالي يمكن لمس ثلاث مسائل تحدّد الأفق القادم، المسألة الأولى، أزمة الرأسمالية التي باتت بلا حل، وتقوم على تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد مالي، يفرض تمركزاً في الثروة، لكنه يقود إلى نشوء "فقاعات" سرعان ما تنفجر لتفضي إلى انهيارات كبيرة في قطاع المال (البنوك والمؤسسات المالية) ينعكس على كلية الاقتصاد الرأسمالي. لهذا بات التفكير لدى الرأسماليين يتمثل في كيفية تأخير الأزمة وليس تجاوزها، وكيف يمكن تخفيف آثارها حين تحدث. في كل الأحوال سيفرض ذلك  انفجارات طبقية نتيجة انعكاسه على الطبقات الأضعف. والمسألة الثانية، التنافس والتناقض بين الإمبرياليات بعد أن انتهت الأحادية القطبية، وتفكك الثالوث، ونشأت إمبرياليات جديدة، حيث أن كل رأسمالية تحاول أن تتجاوز أزمتها على حساب الرأسماليات الأخرى، وأن بعضها يميل إلى التوسع من أجل الحصول على الأسواق كما تفعل روسيا. وهي صراعات تضعف الرأسمالية، وتشتتها، وربما تدفع إلى أشكالٍ من الحروب "بالوكالة"، أو استخدام "التدمير الممنهج". والمسألة الثالثة، انعكاس كل ذلك على وضع الطبقات العاملة والفلاحين الفقراء، والشعوب عموماً، حيث يتصاعد الصراع الطبقي في المراكز، وفي الأطراف، وتندفع الشعوب للتمرد بعد كل النهب الذي طالها. ولا شك في أن التراكم المتصاعد، والنشاط المالي سوف يفرضان حدوث انهيارات مالية كبيرة، وفشل في التوافق بين الإمبرياليات، ولكن الأهم أن كل ذلك ينعكس إفقاراً متصاعداً يطال الشعوب، وهو الأمر الذي يعني أننا في وضع، ربما أقول مشابه للوضع الذي حدثت فيه ثورة أكتوبر، وأظن أنه أسوأ، بالضبط نتيجة أزمة الرأسمالية.</p>
<p>في نهاية سنة 2010 حدثت ثورة في تونس سرعان ما توسعت لتشمل العديد من البلدان العربية، حيث بعد تونس كانت مصر، وبعد مصر تسابقت كل من البحرين واليمن وليبيا، ثم أتت ثورة سورية. وانتشر حراك كبير في العديد من البلدان الأخرى، في الجزائر وعُمان، والمغرب والأردن والعراق. كان ذلك على ضوء أزمة سنة 2008 التي طالت الرأسمالية الأميركية، وأثّرت في بنية النمط الرأسمالي ككل. إذن، يمكن القول بأن القرن الجديد بدأ مع ثورات في البلدان العربية كما بدأ القرن العشرين بثورة أكتوبر، مع الفارق الواضح إلى الآن، والذي يتمثّل في أن هذه الثورات فتحت على وضع ثوري لا زال مستمراً، لكن قدرة الرأسمالية على أن تلتقط أنفاسها، وتدخّل الرأسماليات الجديدة (روسيا والصين) مستغّلة الأمر لكي تفرض سيطرتها، أغرق المنطقة بالدم، بعد أن أغرقها بالسواد (الإرهاب "الجهادي"). وكان واضحاً أنه بدون السحق وارتكاب المجازر ليس من إمكانية لوقف الثورات، التي سمحت أزمة الرأسمالية بأن تمتد إلى إسبانيا واليونان، ووول ستريت، وأن تصبح أيقونة العالم.</p>
<p>لكن ما جرى ربما يكون بروفة، وهو بالفعل كذلك، إذا فهمنا عمق أزمة الرأسمالية، وميلها لنهب العالم، الذي بات سمة لا إمكانية لتجاوزها بعد أن أصبح المال هو المهيمن. فالرأسمالية عادت تدفع عمال العالم ومفقريه إلى الثورة، مضطرة لأن الطغم المالية لم تعد تستطيع تحقيق التراكم "العادي" وغرقت في نهب فظيع لشعوب العالم. لهذا يمكن القول بأننا إزاء تفاقم الصراع الطبقي العالمي، وعودة عصر الثورات، والافتكاك من سيطرة الإمبريالية. فالرأسمالية ليس أمامها سوى النهب السريع وهي تركض خلف التراكم الأعلى، ومن ثم ليس أمام الشعوب سوى الثورة وهي تُسحق وتغرق في البطالة والفقر الشديد، والتهميش.</p>
<p>الفارق بين البدايتين يتمثّل في أنه في بداية القرن العشرين كان هناك حزب ذو رؤية واضحة، يعرف ما يريد، وكان هناك قائد استطاع "أن يمسك التاريخ من قرنيه"، أن يبلور الرؤية والإستراتيجية ويحدّد التكتيك، ويبني القوة القادرة على توجيه العمال والفلاحين الفقراء، ويفرض اللحظة التي يقول فيها: الآن، ليس الأمس ولا غداً. حينها كانت الماركسية صاعدة، رغم كل التشوهات التي أحدثها "زعماء الأممية الثانية"، وكان ما تطرحه يمثّل بديلاً حقيقياً: تجاوز الرأسمالية التي تنهب وتشنّ الحروب، وتتصارع من أجل نهب العالم. بالتالي "كان هناك بديل"، وقادة يصنعونه بالفعل. ومع الأسف أن ما نتج عن ثورة أكتوبر من سلطة، أخضعت الماركسية لمصالحها، وأعادت صياغتها بما يطابق تكتيك الدولة السوفيتية، كان يجعل البديل الماركسي في مأزق، وأن يبدأ في التلاشي بعد أن بات دور الشيوعيين هو مساعدة البرجوازية، وليس قيادة الثورة واستلام السلطة لتحقيق التطور الضروري، الذي باتت البرجوازية غير معنية به. لقد تلاشى الحلم الاشتراكي كبديل في أوروبا الرأسمالية، وتلاشي كذلك في الأطراف حيث الماركسية الرائجة لا تطرحه، وأصلاً هي تلاشت كأحزاب.</p>
<p>لا نستطيع أن نقول أن الوضع الثوري الآن مشابه لثورات سنة 1848 في أوروبا، لكنها ليست في وضعية ثورة أكتوبر، بالضبط لأنها بلا حزب (كما كان الوضع في ثورات سنة 1848). ربما هي مشابهة لثورة سنة 1905 الروسية؟ ربما هذا ما يتبادر إلى الذهن نتيجة عدم وجود الأحزاب القادرة على قيادة التغيير. هو وضع جديد بكل تأكيد، حيث لا أفق، ولا حزب، والأحزاب القائمة هي جزء من الماضي، متكلسة وتعيش في منظومة أوهام، وتسير نحو التلاشي لأنها لا تستوعب أجيالاً جديدة، بالضبط لأنها باتت خارج البنى الطبقية، وخارج الصراع الطبقي.</p>
<p>العالم يعيش بلا بديل، هذه أزمة "الماركسية السوفيتية" التي هيمنت على مجمل الماركسيات، ومنعت التفكير والنقد والتحليل، وقولبت الماركسية بما يتماشى مع ما هو قائم. لهذا لم تكن تفكّر في تغييره، رغم أن هدف الماركسية هو تغييره (الأطروحة الحادية عشرة من موضوعات حول فورباخ).</p>
<p>من "يمسك التاريخ من قرنية" الآن؟ هذا هو السؤال الجوهري، وهو المهمة التي لا بد من إنجازها والصراع الطبقي يتفاقم، والرأسمالية تتعفّن، حيث يجب أن "ينجب" الصراع الطبقي مطابقه السياسي، وأن يُنتج منظور العمال والفلاحين الفقراء، وبديلهم. ثورة أكتوبر تطرح علينا هذه المهمة لكي ننجز ثورات جديدة. ولا شك في أن تفاقم الصراع الطبقي، وبدء الثورات، يفرض أن ينشأ الوعي المطابق، وأن يصبح البحث عن البديل همٌ مستمر، وأن يميل العمال والفلاحون الفقراء إلى التنظّم، فليس من خيار غير ذلك.</p>
<p>ببساطة، لقد انفتح أفق الصراع الطبقي العالمي وعلينا أن نوصله إلى نهاياته الحقيقية: الاستيلاء على السلطة وفرض البديل الذي يتجاوز الرأسمالية.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18987">العالم بعد مئة عام من ثورة أكتوبر</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المقابلة: جلبير الأشقر</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18979</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 07 Nov 2017 12:22:58 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[المقابلة]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%84%d8%a9-%d8%ac%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b4%d9%82%d8%b1/</guid>

					<description><![CDATA[<p>اليوم تحديداً تكمل الثورة الروسية عامها المئة، منذ اجتاح البلاشفة قصر الشتاء في بطرسبرغ، وعلى مدى قرن تأثر العالم بهذه الثورة سلباً وإيجاباً كما لم يتأثر بغيرها، وتحديداً في منطقتها العربية… التقيتُ جلبير الأشقر مؤخراً وأجريت معه هذه المقابلة التي تُعيد العديد من الأفكار والمواقف إلى نصابها الصحيح، إنطلاقاً من الماركسية ونقداً لتجربة الاتحاد السوفييتي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18979">المقابلة: جلبير الأشقر</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div><span style="color:#7f8c8d">اليوم تحديداً تكمل الثورة الروسية عامها المئة، منذ اجتاح البلاشفة قصر الشتاء في بطرسبرغ، وعلى مدى قرن تأثر العالم بهذه الثورة سلباً وإيجاباً كما لم يتأثر بغيرها، وتحديداً في منطقتها العربية… التقيتُ جلبير الأشقر مؤخراً وأجريت معه هذه المقابلة التي تُعيد العديد من الأفكار والمواقف إلى نصابها الصحيح، إنطلاقاً من الماركسية ونقداً لتجربة الاتحاد السوفييتي ولعموم اليسار العربي.</span></p>
<p><span style="color:#ff0066">اليوم، بعد سبع سنوات على اندلاع الثورات العربية، هناك فكرة يعبّر عنها الكثير من اليساريين، بغض النظر عن موقفهم، تقول إن ما حصل لم يكن ثورات وذلك بسبب غياب قيادة ثورية تعتمد نظرية ثورية. إلى أي درجة تعتبر هذا الكلام صحيحاً؟</span></p>
<p>لا أعتقد أن المشكلة هي في غياب ”نظرية ثورية“ معيّنة. في القرن العشرين رأينا العديد من التجارب التي اعتمدت على ”النظرية الثورية“ (بأل التعريف، أي نظرية واحدة وحيدة) وكانت نتيجتها كارثية. والحال أن اليسار التاريخي والحركة العمالية لم ينشآ بالارتباط بنظرية ثورية وحيدة. عبارة ”لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية“ وردت في كتاب «ما العمل؟» للينين وقد استعارها من بليخانوف (معظم الناس يجهلون ذلك اليوم، أما في عصر لينين فكان اليساريون الروس يدركون من هو صاحب تلك العبارة الأصلي). وهذه العبارة تتحوّل إلى مقولة دغمائية جامدة إذا تم فهمها كدفاع عن أحادية نظرية (ساهم ستالين في تحويلها إلى آية دينية في كتابه «مبادئ اللينينية»)، إذ أن الحركة الثورية لا يمكن أن تكون مقتصرة على أناس ينتمون إلى نظرية ثورية بعينها، وإلا لما حصلت أي ثورة. وليست هناك ثورة جماهيرية في التاريخ انتمى كل الذين شاركوا في صنعها إلى نظرية ثورية واحدة.</p>
<p><span style="color:#ff0066">لكن هل الثورة ممكنة بدون طليعة… بدون حزب ثوري؟</span></p>
<p>يشير تاريخ الثورات نفسه إلى أن الثورة فعل تعددي إذا كان المقصود بالثورة تغييراً تحققه الانتفاضة الجماهيرية، وليس حرب التحرير أو الحرب الثورية التي يخوضها جيشٌ تسوده مركزية عسكرية. فليس من انتفاضة شعبية في التاريخ اقتصرت على وجهة نظر واحدة، ناهيك عن نظرية واحدة. كما يمكن تماماً للحركة الثورية المنظّمة الواحدة أن تقوم على تلاقي تيارات تستند إلى نظريات ثورية مختلفة، كتلاقي الأناركية والماركسية مع سواهما في إطار الأممية الأولى التي كان لماركس وإنجلس الدور الرئيسي في تأسيسها. أما التصوّر الأحادي لثورة يقودها حزب واحد معتمداً على نظرية ثورية وحيدة، فهي مدخل إلى التسلط الأحادي على السلطة الذي يؤدي إلى الدكتاتورية والانحطاط البيروقراطي، كما حصل في التجربة الروسية. ومن المُفرح أن نرى اليوم حالات يسارية تعددية تبرز في شتى أنحاء العالم، تجمع تيارات ومشارب وآراء مختلفة.</p>
<p>إن الحركة الثورية الجماهيرية هي بالضرورة نتاج انصباب تيارات ثورية تقدمية شتى في تيار واحد جارف. والتعددية الديمقراطية لا بد منها للحركة الثورية مثلما لا بدّ من الأوكسجين للإنسان، حيث أن القضاء عليها يؤدي إلى كوارث، سواء تمّ القضاء عليها قبل الثورة أو بعدها، أي في الدولة الناجمة عن الثورة. <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="260" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/18136772-1.jpg" style="float:left" width="195"><br />
<span style="color:#ff0066">لكن ماذا تقصد بالتيارات الثورية التقدمية، في السياق العربي؟</span></p>
<p>أقصد جملة من التيارات السياسية من ماركسيين وناصريين (ناصريين ديمقراطيين وليس من يحنّون إلى الدكتاتورية العسكرية المخابراتية) وليبراليين تقدميين، بل ومؤمنين تقدميين ممن يعتبرون أن إيمانهم جزء من توجههم السياسي لكن بفهم تقدمي للدين، بما في ذلك الإقرار بالعلمانية. قد تجد مثل هؤلاء في مصر، على سبيل المثال، في أوساط الشباب المنتمين إلى حزب مصر القوية. حتى أن مصر شهدت في تجربتها الثورية في عام 2011 انفصال جزء من شباب الإخوان عن الجماعة وتجذّرهم السياسي بمنحى تقدمي، بدون أن يعني ذلك بالضرورة تخليهم عن منحهم بعداً دينياً لجزء من تفكيرهم السياسي.</p>
<p>فالتوجه التقدمي في نظري وفي ظروف منطقتنا هو نهج سياسي وطني مضاد للإمبريالية والصهيونية لكنه أيضاً ديمقراطي واجتماعي بامتياز، يلتقي مع التوق إلى ”العدالة الاجتماعية“ الذي ميّز ما سُمّي بالربيع العربي، وتجلّى في شعار الانتفاضة المصرية ”عيش (أي خبز)، حرية، عدالة اجتماعية“. في كتابي الأول عن الانتفاضة «الشعب يريد»، ذكرتُ أن هناك أيديولوجيا غير مؤطّرة، بل عمومية، يعتنقها قسم كبير من الشبان والشابات الذين بادروا إلى الانتفاضة وتحتوي على جملة من القيم اليسارية. </p>
<p>والعلمانية بالمناسبة هي إحدى هذه القيم. فإن قيادات التيارات الدينية كالإخوان المسلمين لم تكن لها المبادرة في الانتفاضة، ولا تعبّر عن طموحات الذين واللواتي كان لهم الفضل في ذلك. كانت تطلعات تلك الشبيبة مختلفة، فهي ليست دينية ولم تنادِ بتطبيق الشريعة. والكثير من أفرادها، إن لم يكن أكثرهم، علمانيون في الواقع من حيث موافقتهم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، لكنهم ظنّوا أن فكرة ”الدولة المدنية“ هي التي تعبّر عن ذلك بينما العلمانية تعني الإلحاد، وقد روّجت التيارات الدينية لهذا التضليل. </p>
<p>لقد تظاهر الإخوان بالتكيّف مع طموح الشبيبة باستخدامهم تعبير ”الدولة المدنية“ (وهو يعني في الواقع دولة لا يحكمها العسكر ولا المؤسسة الدينية) مضيفين إليه ”ذات مرجعية إسلامية“ بما يجعله تمويهاً لصيغة ”الدولة الإسلامية“ التي هي في صلب عقيدتهم. هذا ويتحمّل معظم اليسار العربي نفسه المسؤولية الكبرى في انتشار هذا الإبهام حيث رضخ لابتزاز التيارات الدينية وتخاذل عن الدفاع عن العلمانية، وأخذ يتكلم هو أيضاً عن ”الدولة المدنية“ متجنباً تعبير ”العلمانية“ الذي لم يتردّد في استعماله حتى سياسيّ محافظ ذي توجه ديني كرجب طيب أردوغان. لا يكفي أن يكون اليسار مع مدنية الدولة، بل لا بدّ من أن يقف أيضاً بكل وضوح ضد كافة أشكال إقحام الدين في الشؤون الدستورية والقانونية وشؤون السلطة السياسية وضد إكراه الناس على التقيّد بالدين في أحوالهم المدنية.</p>
<p>وثمة مجال واسع لالتقاء تيارات شتى من الإسلامي التقدمي حتى الماركسي وبعد الماركسي، بشرط الالتقاء على مجموعة أهداف وقيم. والقيم تسبق في رأيي أية نظرية أو أيديولوجية. على سبيل المثال، كماركسي قد أجد نفسي أقرب في بعض الأمور إلى بعض غير الماركسيين مما إلى بعض أدعياء الماركسية. مثلاً، لا يمكنني أن أقرّ بأن إنسان ما هو ”ماركسي“ أو حتى ”يساري“ وهو يمجّد نظام آل الأسد. </p>
<p><span style="color:#ff0066">ذكرت ذلك في مقالة لك مؤخراً، تقول فيها إن ”بعض الجماعات التي تدّعي اليسار تصوّر نظام الأسد وكأنّه حصن للمعاداة اليسارية للإمبريالية“. ما الذي يجعلك تقول بأن مثل هؤلاء ”يدّعون“ اليسار؟ لمَ لا يكونون يساريين وفي الوقت ذاته مع الأسد؟</span></p>
<p>يتناقض تأييد النظام السوري بصورة صارخة مع أبسط القيم اليسارية. فما هي قيم اليسار تاريخياً؟ مفهوم ”اليسار“ في السياسة بدأ في فرنسا مع الثورة الفرنسية، التي جمعها شعار ”حرية، مساواة، أخوة“. والمناداة بالحرية كانت قاسماً مشتركاً بين تيارات الثورة الفرنسية، بما أنها كانت ثورة على المَلَكيّة المطلقة وضد الاستبداد. وكانت المساواة قيمة مركزية أخرى في الثورة الفرنسية نادى بها اليسار بوجه خاص وببُعديها السياسي والاجتماعي. وما يحدد اليسار مذّاك فهو الجمع بين القيمتين كلبنتين أساسيتين. أما التركيز على قيمة واحدة دون الأخرى فيؤدي إلى إفسادها: الحرية بدون مساواة تفسد بالضرورة وتتحوّل إلى حرية وهمية، والمساواة بلا حرية تعيد إنتاج نظام الظلم بالضرورة. والتمسك بالقيمتين بالتساوي هو ما يحدّد اليسار المنسجم مع مبادئه. </p>
<p>أما نظام آل الأسد فمنافٍ تماماً للقيمتين معاً، الحرية والمساواة، كما يدرك كل من هو على علم بحقيقة الوضع في سورية قبل الانتفاضة، ناهيك عما حصل بعدها. لذلك فإن الذين يمدحون النظام السوري ويصدرون البيانات تمجيداً به ودعماً له، إنما يتنافون مع أبسط القيم اليسارية مهما ادّعوا. أما الذين يقرّون بأن نظام آل الأسد دكتاتورية شنيعة، لكنهم يدعمونه بوصفه ”أهون الشرّين“ بحجة تصدّيه للقوى ”الجهادية“ المستندة إلى ”مؤامرة خليجية إمبريالية“، فيمكن النقاش معهم من منطلق يساري. والحجج هنا عديدة، منها دور النظام السوري المعروف في تحفيز القوى ”الجهادية“ في بداية الانتفاضة، واستناده إلى قوى أصولية إسلامية تحركها إيران، كما واستناده إلى روسيا التي لا يقل انتماؤها إلى ”الإمبريالية“ عن انتماء الدول الغربية، ناهيك عن تاريخ نظام آل الأسد في ضرب الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية في لبنان واشتراكه في الحرب على العراق سنة 1991 تحت قيادة واشنطن وإرسائه لنظام الابتزاز والتهريب والإرهاب في لبنان حتى انسحاب قواته منه في عام 2005، إلخ.</p>
<p><span style="color:#ff0066">هل ما زال صالحاً الحديث عن تصوّر خاطئ لما يحصل في سوريا بعد كل ما حصل؟ هل يمكن أن نبرر موقف يساري مؤيد للنظام؟</span></p>
<p>هذا الفهم موجود في الحقيقة خارج الساحة السورية لدى الجماعات التي تعطي الأولوية المطلقة في عدائها لبعض القوى الرجعية، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية والنظام الخليجي. وبما أن الطرفين يبدوان وكأنهما ضد النظام السوري، فهناك من يتصوّر أن هذا الأخير نظام ”ممانعة“. ولمّا كان الموقف من الدولة الصهيونية هو أصل مفهوم ”الممانعة“، يصوّرون الأمور وكأن إسرائيل تدعم المعارضة السورية، بينما الحقيقة هي أن إسرائيل تنظر إلى الصراع السوري هي أيضاً من منطلق يعتبر أن النظام السوري ”أهون الشرّين“، مع تفضيلها لاستمرار تدمير البلاد. هذا وليس النزاع السوري نزاعاً على مسألة الصهيونية، والتدخل الأميركي والخليجي فيه ليس له علاقة بالصهيونية، بل يتعلق بدوافع أخرى منها الطائفية لدى الخليجيين والتصدّي لإيران لديهم ولدى الأميركيين معاً. والحال أن داعم النظام السوري الأكبر، ألا وهو الحكم الروسي، تربطه بالحكم الصهيوني علاقات وطيدة، بما فيها علاقات تعاون في المجال العسكري. </p>
<p>أضف إلى ذلك موضوع تراتب القيم، وهو موضوع أثرته في كتابي الأول عن الانتفاضة العربية «الشعب يريد»: هل معاداة الإمبريالية هي القيمة السامية لليسار ومحرّكه الأول بشكل مطلق؟ من يقول ذلك ليس يسارياً في الحقيقة، بل هو معاد لأميركا. وأقول أميركا تحديداً لأن فهم ”الإمبريالية“ ذاته مشوّه لدى هؤلاء، إذ يتغافلون عن كون روسيا هي أيضاً دولة إمبريالية بكل معاني الكلمة، ينطبق عليها مفهوم الإمبريالية كما صاغه لينين نفسه. حين ألّف لينين كتيّبه الشهير عن الإمبريالية، كان يشمل بهذه الصفة مجموعة دول من الولايات المتحدة حتى اليابان مروراً بأوروبا الغربية وروسيا القيصرية. ولو سلّمنا بأن روسيا لم تعد إمبريالية حين تحوّلت إلى الاتحاد السوفييتي، فقد انتهى هذا الأمر قبل أكثر من ربع قرن وعادت روسيا إلى الرأسمالية، بل تسود فيها رأسمالية احتكارية فاحشة ونظام المحاسيب، وباتت تجتمع فيها كافة سمات الإمبريالية. وإذا كانت على تنازع مع الدول الإمبريالية الغربية فهذا من باب التناقضات بين الدول الإمبريالية التي كرّس لينين كتيّبه لدراستها، دعماً لتحليله للحرب العالمية الأولى بوصفها حرباً بين دول إمبريالية ينبغي على القوى الثورية ألا تقف مع أي منها ضد الأخرى. </p>
<p>أما الأهم من كل ذلك فهو أن القيمة الأساسية المحرّكة لليسار ليست معاداة أميركا ولا حتى الإمبريالية بوجه عام، إذ يمكن أن يعادي المرء أميركا من منطلق الخميني أو الطالبان أو داعش مثلاً، وهم أبعد ما يكونون عن اليسار. فليست معاداة الإمبريالية قيمة يسارية تحررية بحد ذاتها، بل تنبع المعاداة اليسارية التحررية للإمبريالية من الدفاع عن حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها وغيرهما من قيم الديمقراطية، أي القيم اليسارية الأساسية. إن حق الشعوب سابق لمعاداة الإمبريالية في تراتب القيم اليسارية. وقد توجد حالات ناتجة عن التناقضات بين الدول الإمبريالية أو غيرها من الاعتبارات، تؤيد فيها هذه الدولة الإمبريالية أو تلك نضالاً تحررياً مثلما حصل عندما دعمت أميركا كفاح الشيوعيين الصينيين ضد اليابان خلال الحرب العالمية الثانية. </p>
<p>وفي الحالة السورية، أو قبلها الحالة الليبية في عام 2011، من الخطأ الفادح أن يُبنى الموقف اليساري على مبدأ ”عدوّ عدوّي صديقي“ وهو مبدأ بائس، لا سيما عندما تنحصر صفة العدو بأميركا أو الدول الغربية وحدها. بل لا بدّ من أن يُبنى الموقف اليساري في المقام الأول على حق الشعب السوري في الحرية والمساواة بعد أربعين عاماً من حكم عائلي استبدادي استغلالي أسوأ من المافيا! صحيح أن المعارضة السورية المسلحة أصبحت مكونة هي أيضاً من قوى غارقة في الرجعية وأن النزاع في سوريا بات صداماً بين قطبين مضادين للثورة. هذا رأي عبّرت عنه منذ أربع سنوات، لكنه حداني على معارضة الطرفين وليس على دعم أسوأهما، ألا وهو نظام التشبيح الخاضع لإيران وللإمبريالية الروسية. </p>
<p><span style="color:#ff0066">هذه القيم التي تحدثت عنها، هل كانت هي القيم الأساسية لليسار الماركسي، عربياً وعالمياً؟ هل هنالك تاريخ يساري واضح في تبني هذه القيم كقيم أساسية؟</span></p>
<p>لا، لأنّنا دخلنا مبكراً في القرن العشرين بحالة ساد فيها انحطاط تاريخي لدولة قامت باسم الماركسية وتحوّلت إلى دكتاتورية بيروقراطية تُعرف بالستالينية، وقد حوّلت معها الحركة الشيوعية في بداياتها التاريخية، بدايات الأممية الثالثة الشيوعية، من أحزاب كانت لها سيادتها في تحديد نهجها وفق حاجات الصراع الطبقي في بلدانها، وكان بعضها لا يتردد في الاختلاف مع موسكو، إلى جماعات تابعة ومتذيّلة للسياسة السوفييتية، مجرّد أدوات لموسكو. فهذا أفسد بشكل كامل فهم اليسار حيث أن قسماً طاغياً منه صار قائماً على التبعية للاتحاد السوفييتي، لا يحدد مواقفه بناء على أي قيم سوى تقليد موسكو.</p>
<p><span style="color:#ff0066">كان ذلك واضحاً جداً في منطقتنا..</span></p>
<p>طبعاً، بل وفي شتى أنحاء العالم. وقد ابتعدنا جداً عن قيم اليسار الأصلية، وصارت غالبية القوى التي تنطق باسم اليسار جماعات متذيلة لدولة عظمى هي دكتاتورية بيروقراطية قائمة على سحق الحرية، أولى قيم اليسار، وتسود فيها درجة محدودة من المساواة. لكن كما سبق وذكرنا فالمساواة بدون حريات تعيد إنتاج الظلم وقد أعيد فعلاً إنتاج الظلم الاجتماعي في الاتحاد السوفييتي، إلّا أنه لم يكن رأسمالياً بل بيروقراطياً، تتمتع فيه أقلية ميسورة في قمة الهرم البيروقراطي بامتيازات كبيرة. </p>
<p>لذلك، أنا من الذين يرون أن فكرة العودة إلى ماركس التي صعدت بقوة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فكرة يجب أن تؤخذ بالمعنى الكامل للكلمة. فالعودة إلى ماركس تعني العودة إلى الفكر الماركسي الأصلي بتخليصه من تشويهات المرحلة السوفييتية/الستالينية بصورة خاصة، لكن ليس حصراً. والحقيقة أنها تشويهات عريضة، سبق بعضها نشوء النظام الستاليني حيث أن الفكر البلشفي الأصلي كان هو أيضاً نتاج ظروف روسيا القيصرية، فيه نزعات سلطوية، ويختلف اختلافاً واضحاً عن فكر ماركس وإنجلس في فهم الثورة وفهم الحزب الثوري ودور الطليعة، أي ما أشرت إليه في البداية تحت تسمية الفهم الأحادي. إن النظرية القائلة إن حزباً واحداً بعينه يمثل الطبقة العاملة من شأنها أن تؤدي إلى تأييد انفراد الحزب في قيادة الثورة، وتصبح ”دكتاتورية البروليتاريا“ بالتالي كناية عن دكتاتورية الحزب بما أنه يحتكر تمثيل البروليتاريا.</p>
<p><span style="color:#ff0066">ودكتاتورية الحزب تصبح دكتاتورية الأمين العام…</span></p>
<p>نعم، وهي الفكرة الثاقبة البصيرة التي عبّر عنها تروتسكي في عام 1904 عندما كان شاباً ماركسياً (لم يكمل بعد الخامسة والعشرين من عمره) ينتقد تصوّر لينين للتنظيم. كتب أن ذلك التصوّر يؤدي إلى ”حلول المنظمة الحزبية محل الحزب وحلول اللجنة المركزية محل المنظمة الحزبية وأخيراً حلول الدكتاتور محل اللجنة المركزية“. بيد أن تروتسكي صار فيما بعد هو نفسه بلشفياً مزاوداً على قدامى البلاشفة في هذه الأمور إلى حدّ أن أسوأ كتبه، وعنوانه «الإرهاب والشيوعية» (صدر عام 1920)، يتضمّن تنظيراً لدكتاتورية الحزب الواحد. وقد كتبه تروتسكي عندما كان قائداً للجيش الأحمر يتنقل بين جبهات الحرب الأهلية في قطار مدرّع. </p>
<p>ثمة ضرورة ماسة لمراجعة نقدية صارمة لكل هذه التجربة التاريخية، أما القول إن الأمور كانت مثالية في زمن لينين وفسدت في عهد ستالين، فهو قول غير ماركسي إذ يتغافل عن ديالكتيك التواصل والانقطاع بين ما بدأ عام ١٩١٧ وما انتهى إليه الاتحاد السوفييتي بعد عشر سنوات. في تلك التجربة التاريخية تواصلٌ وانقطاع في الوقت ذاته، ويبدأ التواصل في ثورة أكتوبر ١٩١٧ حينما استولى البلاشفة على السلطة. إن الثورة ”السوفييتية“ الأصلية، بمعنى الكلمة الروسية ألا وهو ثورة المجالس، إنما هي ثورة فبراير ١٩١٧، أما ما حصل في أكتوبر فهو استيلاء مسلح على الحكم نفّذه البلاشفة بصورة أساسية. وقد استولوا على المباني الحكومية بدون مساهمة عمال العاصمة سان بطرسبورغ ولو بإضراب عام. وطبعاً يمكن مناقشة إن كانت الظروف تفسر أو تبرر ما فعلوا، لكن مهما كان الأمر، فإن استيلاء الحزب البلشفي على الحكم، ثم قيامه بحل الجمعية التأسيسية التي طالب هو بالذات بانتخابها وجاءت نتيجتها بما لا يروق له، وبعد ذلك انفراده بالسلطة وحظره للأحزاب الأخرى، بما فيها اليسارية والعمالية، كل ذلك أوصل إلى إرساء دكتاتورية الحزب الواحد. وما لبثت تلك الدكتاتورية ذاتها أن شهدت انحطاطاً بيروقراطياً بات محتّماً، لا سيما بعد حظر التكتلات داخل الحزب ذاته سنة 1921، بما فتح الطريق عريضاً أمام حكم ستالين. ثمة إذاً تواصل بين ثورة أكتوبر ١٩١٧ وما تلاها، وإن كان هناك فرق نوعي عظيم يميّز تجربة السنوات الثورية الأولى للحكم البلشفي عمّا تلاها من انحطاط توتاليتاري.</p>
<p><span style="color:#ff0066">في 7 نوفمبر من هذا العام، يكون قرن من الزمن قد مرّ على ثورة أكتوبر الروسية. ماذا بقي من هذه الثورة في التاريخ الإنساني؟ في حوار سابق لك قلتَ إن كومونة باريس أهم من الثورة الروسية.</span></p>
<p>هي أهم في نظري، لكن ليس كحدث تاريخي بالطبع. من حيث التأثير على التاريخ البشري، فإن كومونة باريس التي دامت أقل من شهرين وقُمعت بشكل همجي -آلاف القتلى في أسبوع دموي واحد- لا تحتمل المقارنة بالثورة الروسية. كان وقعها التاريخي محدوداً قياساً بالثورة الروسية التي غيّرت مسار التاريخ العالمي. لكن بوصفها نموذجاً للديمقراطية الاشتراكية ولحكم العمال، كما وصفها ماركس، فكومونة باريس نموذج أرقى مما صار إليه الحكم البلشفي الذي استُوحى منها لكنه سريعاً ما ابتعد عنها. وقد ابتدعت الكومونة نموذجاً يقوم على الديمقراطية الراديكالية والعدالة الاجتماعية والحرية وتعدد التيارات السياسية، وقد ضمت قيادتها يعاقبة وأناركيين وماركسيين وغيرهم. لينين نفسه -في كتابه «الدولة والثورة» الذي حرّره قبل استيلاء حزبه على السلطة- نظر إلى كومونة باريس بوصفها نموذجاً أعلى للحكم الثوري، إلا أنه تغافل عن مسألة التعددية السياسية في تجربتها ولم يتناول هذا الموضوع على الإطلاق.</p>
<p><span style="color:#ff0066">ما هي حصيلة ثورة أكتوبر اليوم؟</span></p>
<p>بحكم التاريخ، للأسف، فإن آثارها التاريخية السيئة أكبر بكثير من آثارها الإيجابية، وذلك بالنظر إلى ما نتج عنها من دولة ستالينية توتاليتارية، والدور الكارثي الذي لعبته هذه الدولة في التاريخ العالمي، بما في ذلك تسهيل وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا من خلال نهج يسراوي جنوني وصف الاشتراكيين الديمقراطيين والنازيين كتوأمين، فارضاً على الشيوعيين معارضة الاثنين معاً بدل التحالف مع الاشتراكيين ضد النازيين، الأمر الذي سهّل فوز هتلر. أضف إلى ذلك الصورة المنفّرة عن الماركسية التي عكسها الاتحاد السوفييتي والتي استفادت منها الرأسمالية العالمية في حربها الأيديولوجية استفادة عظيمة. طبعاً لعبت ثورة أكتوبر ولعب الاتحاد السوفييتي دوراً بارزاً في دعم الحركات المناهضة للاستعمار، لكن دعم موسكو لها سريعاً ما غدا مصحوباً بسعي إلى السيطرة وتعميم النموذج الدكتاتوري البيروقراطي، وتاريخ منطقتنا من أبرز الشهود على ذلك.</p>
<p>بالنظر إلى كل هذه الأمور، فإن الحصيلة التاريخية للتجربة الروسية سلبية، ولا شك في أن ضعف اليسار الماركسي اليوم، بعد قرن وثلاثة أرباع قرن من بداية تبلور الفكر الماركسي، سببه الأعظم هو الإخفاق المأساوي لتلك التجربة التي سادت على اليسار في القرن العشرين وشوّهت تشويهاً كاملاً النظرية الماركسية محوّلة إياها إلى دين دولة. لذلك أقول إنه لا بد من العودة إلى ماركس والقيام بجردة حساب نقدية صارمة لكل تجربة القرن العشرين. لا بد من العودة إلى فكر ماركس وإنجلس كفكر أساسي. إن راهنية هذا الفكر فاقعة اليوم لأن عصر العولمة النيوليبرالية الذي نحن فيه أعادنا إلى رأسمالية تشبه ما شهده زمن ماركس أكثر مما تشبه المرحلة الإصلاحية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت موازين القوى أفضل بكثير للحركة العمالية. أقول ذلك لأن بعض الناس قد يقول لك إن الماركسية قد مرّ عليها ما يناهز القرنين وباتت بالية (والمفارقة أن هؤلاء أنفسهم غالباً ما لا يترددون في التأكيد على راهنية فكر ابن خلدون بالرغم من أنه أقدم من ماركس بأكثر من أربعة قرون!). </p>
<p>طبعاً لا يعدو تراث ماركس وإنجلس كونه فكر الأساس في الماركسية، ولا بد من تكييف هذا الأساس مع ظروفنا الحالية بإغنائه بكافة المساهمات النقدية المفيدة في العلوم الاجتماعية، مهما كانت مصادرها، الماركسية منها (مساهمات المفكرين الماركسيين غير الستالينيين على غرار أنطونيو غرامشي، أو المضادين للستالينية) كما وغير الماركسية (كفكر ميشيل فوكو، على سبيل المثال). ثم هناك مسائل أساسية يواجهها الفكر الثوري المعاصر لا تقتصر على الموضوع الطبقي، بل تشمل مواضيع أخرى كالجندر أو البيئة، لدينا فيها اليوم فكر أغنى بكثير مما كان لدى ماركس وإنجلس. يجب العودة إلى ماركس إذاً بإضافة كافة المساهمات التي تراكمت منذ زمنه والتي تلتقي مع قيم اليسار. وأعود هنا إلى نقطة انطلاقنا: اليسار، كأي موقف سياسي، قبل أن يكون مسألة فكرية هو مسألة أخلاقية بمعنى أنه يقوم على قيم أخلاقية مثلما يقوم اليمين على قيم خاصة به، تصل إلى التناقض المطلق مع قيم اليسار في حالة أقصى اليمين.</p>
<p><span style="color:#ff0066">عدا العودة إلى ماركس، ألم تكن هناك تجارب إيجابية أو نقيضة للتجربة الستالينية خلال كل هذه السنين؟</span></p>
<p>حصلت تجارب هنا وهناك. وإذا كان سؤالك متعلقاً بما حصل بعد أكتوبر ١٩١٧، بصرف النظر عن ثورة فبراير ١٩١٧ وقبلها ثورة ١٩٠٥ التي مهّدت لها تاريخياً، فقد شهد التاريخ جملة من التجارب الغنية بالدروس ومن أبرزها ما حصل في إسبانيا في النصف الثاني من ثلاثينات القرن العشرين، عندما وقع صراع ضمن المعسكر الجمهوري المضاد للفاشية وشهدت مدن كبرشلونة وغيرها تجارب ثورية بقيادة الأناركيين والماركسيين/التروتسكيين وبتعارض مع الستالينيين. وبعد الحرب العالمية الثانية ساد لفترة طويلة انحصار التجارب اليسارية ضمن حركات التحرر الوطني في الجنوب العالمي، وهذه كانت عموماً تجارب وطنية وقومية، حربية المنشأ في غالب الأحيان، مما جعلها تبتعد عن القيم التي ذكرتها. ومع ذلك فثمة الكثير الذي يمكن الاستفادة منه في بعضها، وأخص بالذكر التجربة الكوبية التي قادها ثوار لم ينشؤوا في بوتقة الستالينية، أبرزهم تشي غيفارا.</p>
<p><span style="color:#ff0066">ماذا عن منطقتنا؟</span></p>
<p>بالنسبة للمنطقة العربية، فإن تجربة جنوب اليمن قبل انحطاطها واندحارها تجربة غنية ومليئة بالدروس. وهناك أيضاً تجربة الانتفاضة الفلسطينية في عام ١٩٨٧، في مرحلة اللجان الشعبية التي كان اليسار مهيمناً في قيادتها والتي كانت رائدة من حيث الصيغة الديمقراطية التعددية. وطبعاً، التجربة التي عاشها الجيل الجديد في ما سُمّي ”الربيع العربي“ في عام ٢٠١١، وفي سوريا خصوصاً حيث شكّلت التنسيقيات والمجالس المحلية لبنات نموذج سياسي ديمقراطي راديكالي.</p>
<p><span style="color:#ff0066">إلى جانب القيم الأساسية التي طرحتها كالحرية والمساواة، ما هي الأسس الماركسية التي تراها ضرورية لتأسيس يسار جديد ومختلف، لنقل، عن يسار القرن العشرين؟</span></p>
<p>لديك، من جهة، الثوابت، أي ما هو ثابت في الفكر الماركسي في نقد الرأسمالية والإحاطة بمواضيع الاستغلال والاضطهاد الطبقي والنضال العمالي ضد الرأسمالية، وغيرها. ونحن نعيش اليوم في مجتمع عالمي تعمل الغالبية فيه بعمل مأجور. في هذا الصدد، يجب أخذ مفهوم ”البروليتاريا“ بمعناه الواسع، وهو تعبير بشع لكنه أكثر دقة من ”طبقة عاملة“ التي غالباً ما يُفهم بها حصراً الطبقة العاملة الصناعية، بينما البروليتاريا بتعريف ماركس وإنجلس تضم كل من يضطر إلى بيع قوة عمله كي يعيش. فالبروليتاريا بهذا المعنى باتت تشكّل الغالبية الساحقة من البشر وتشمل كافة مجالات الحياة الاجتماعية. </p>
<p>هذا المجتمع الكبير يعاني من استغلال، وثمة أيضاً أشكال أخرى غير اقتصادية من الاضطهاد تعاني منها جماعات كبرى تنتمي إلى هذا الكم العريض، كاضطهاد النساء الذي التفت إليه إنجلس بصورة خاصة، لكنّ فهمنا له قد تطوّر بشكل كبير، فضلاً عن إدراكنا لخطورة الاضطهاد الجندري بكافة أنواعه. وهنا مثال آخر عن المساهمات غير الماركسية التي لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار، حيث أن قسماً كبيراً من دراسات الاضطهاد الجنسي والجندري التي يجب الاستفادة منها، ليس ماركسياً أو يقع على أطراف الماركسية. وهذا يُفهم تماماً لأن الماركسية ”الرسمية“ التي سادت في القرن الماضي كانت منفّرة، تجسّدت في أنظمة حجبت الحريات ومارست شتى أشكال الاضطهاد الجندري.</p>
<p><span style="color:#ff0066">كيف ترى اليوم التوجهات الماركسية المختلفة: اللينينية، الماوية، التروتسكية…الخ؟</span></p>
<p>أرى أن لينين صاغ تصوراً للتنظيم يصلح للنضال في ظروف قمعية بالغة، على أن ينفتح التنظيم ويتحوّل عندما تنفتح الظروف السياسية مثلما كان في ذهن لينين ورفاقه أنفسهم، وكم بالأحرى لو وصل التنظيم إلى السلطة. ومن أهم ما يبقى في مساهمة لينين في نظري توجهه الأممي ودفاعه عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. وإذا كانت التروتسكية كتيار مضاد للستالينية قد انتهى زمنها في رأيي مع انهيار الاتحاد السوفييتي، يبقى أن مساهمة تروتسكي في نقد الستالينية ركن أساسي من جردة حساب تلك التجربة التاريخية الضخمة التي لا غنى عن استيعاب دروسها في صياغة أي مشروع ثوري معاصر. ولا بدّ من الاستفادة كذلك من نظرية الثورة الدائمة التي استوحاها تروتسكي من ماركس وإنجلس وطوّرها في كتابه عن نتائج ثورة ١٩٠٥ الذي صدر عام ١٩٠٦، ومن ثم في كتابه الرائع «تاريخ الثورة الروسية» الذي صاغ فيه نظرية التطور المتفاوت والمركّب. أما الماوية فقد انتهت بصورة أساسية كتيار ثوري بعد تحوّل الصين باتجاه صارت الرأسمالية فيه محركاً أساسياً للاقتصاد الوطني. هذا ويبقى فكر ماو تسي تونغ في شبابه ومرحلتي الثورة وحرب التحرير أهم مساهمة في موضوع النضال الثوري في ظروف تفرض على الثوريين الانكفاء إلى الأرياف. </p>
<p><span style="color:#ff0066">هناك من يقول إن الصين صارت إمبريالية.</span></p>
<p>لا أذهب إلى هذا الحد، فالإمبريالية ليست تهمة سياسية بل هي مفهوم علمي، ومن يريد التأكيد على أن الصين دولة إمبريالية لا بد أن ينظر إلى طبيعة استثمارات الصين الخارجية وشروطها وهل هي خاصة أو تابعة للدولة، ناهيك عن تحديد طبيعة هذه الدولة. من نافل القول إن الصين ليست ”دولة اشتراكية“. لكن يصعب اختزالها إلى دولة قائمة على الرأسمالية الاحتكارية التي هي جزء لا يتجزأ من المفهوم الماركسي للإمبريالية. أميل شخصياً إلى اعتبار الصين دولة هجينة، تقوم على تركيب خصوصي من النمط البيروقراطي (كالذي ساد في الاتحاد السوفييتي) والنمط الرأسمالي. ثم إذا صحّ أن الصين قوة اقتصادية عظمى، فهذا بسبب حجمها السكاني وهي لا تزال دولة فقيرة من حيث نصيب الفرد فيها، ولا تزال قوتها العسكرية، وبالأخص قدرتها على تصدير تلك القوة، محدودة حتى بالمقارنة مع روسيا. </p>
<p>وتختلف حال الصين كثيراً عن حال روسيا. فالصين لا تزال تحتفظ ببعض سمات نظامها التاريخي، المسمى بالشيوعي وهو دكتاتوري بيروقراطي في الحقيقة. أما روسيا الحالية فدولة رأسمالية بكل معنى الكلمة، تشهد استفحال رأسمالية احتكارية جشعة ونظام اجتماعي رأسمالي أكثر رجعية من رديفه في الولايات المتحدة، ناهيك عن أوروبا الغربية. والنظام السياسي في روسيا نظام سلطوي، ليس ديمقراطياً ليبرالياً، يستند إلى دولة إمبريالية لها قوة عسكرية متضخمة، دخلت في صراع مع الولايات المتحدة بغية إعادة الاستيلاء على منطقة النفوذ السوفييتي السابق التي فلتت من سيطرة موسكو عند انهيار الاتحاد.</p>
<p><span style="color:#ff0066">أخيراً، هل من أمل في بناء يسار جديد، خاصة بعدما فقد اليسار العربي الكثير من مصداقيته في السنوات الأخيرة؟</span></p>
<p>الأمل هو في الجيل الجديد، الذي لدى قسم كبير منه توقٌ إلى القيم التي انطلق منها اليسار تاريخياً: الحرية والمساواة. والمساواة هنا يجب فهمها بمعناها الواسع، فبينما قصدت الثورة الفرنسية في بداياتها المساواة في الحقوق بين الأفراد (الذكور، في الواقع التاريخي)، تشمل المساواة اليوم كافة الأبعاد، السياسي والاجتماعي والاقتصادي والجندري والقومي. وقد استمر النضال في إطار الرأسمالية من أجل كافة تلك الحقوق، كحقوق المثليين والمثليات، على سبيل المثال، التي كانت من المحرمات في كل مكان قبل جيل واحد أو جيلين. إن تقدم هذه الحقوق ليس بفضل الرأسمالية، بل رغماً عنها وبفضل النضال الاجتماعي والسياسي الذي يقف يساريون في طليعته. </p>
<p>واليوم تتمثل أبرز بارقة أمل على الصعيد العالمي في أن ملايين الشباب في بلد كالولايات المتحدة، أكبر الدول الإمبريالية ومركز العداء للشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، تحمّسوا لإنسان يعرّف نفسه بالاشتراكي، هو بيرني ساندرز. وفي أحد الأقطاب الإمبريالية الأخرى، بريطانيا، نرى ملايين الشباب يتحمّسون لجيريمي كوربن، الذي يعرّف نفسه بالماركسي، وقد حاز حزب العمال تحت قيادته على شعبية متصاعدة. وفي إسبانيا رأينا كيف نشأت وتطوّرت حركة بوديموس اليسارية الراديكالية بسرعة ملفتة. هذه كلها وغيرها من التطورات تشير إلى طاقة عظيمة. لكن يبقى السؤال: كيف تستطيع الهيئات السياسية تمثيل واستقطاب تلك الطاقة وقيادتها نحو التغيير الثوري؟ إنه سؤال كبير يحيل إلى الاستراتيجية سياسية. </p>
<p>وهذا يعيدنا إلى حالتنا العربية التي انكشفت فيها طاقة لا تقلّ عظمة أثناء ”الربيع العربي“. وحالتنا أكثر تعقيداً من غيرها في العالم، لأنها واجهت وتواجه ليس قوة واحدة مضادة للثورة بل قوتين: النظام القديم والتيارات الدينية التي أرادت تجيير الانتفاضة باتجاه نظام رجعي من نوع آخر، هو نسخة دينية عن النظام الذي كان قائماً كما بيّنت التجربة القصيرة لمحمد مرسي في مصر على سبيل المثال. ولا بد بالتالي للقوى اليسارية والتقدمية أن تعمل على شق طريق ثالث مضاد لقطبي الثورة المضادة. هذا لا يمنع لقاءات مؤقتة في الميدان مع أحد القطبين ضد الآخر حسب الظروف، لكن بدون بث الأوهام ومع نقد صارم لما يمثله كلا القطبين ووعي صارم بأنهما عدوان استراتيجيان. </p>
<p>هذا لم نره تقريباً خلال الانتفاضة العربية الكبرى، بل رأينا بعض التيارات يتحالف مع الإخوان المسلمين وبعضها الآخر مع النظام القديم، بينما تأرجحت فئة ثالثة بين الطرفين. كدنا لا نرى من يقف ضد القطبين بالتساوي ويمارس نقداً صارماً لهما. أعطي دائماً مثال صديقي حمدين صباحي لأن في مساره خير تلخيص للموضوع: فقد انتقل حزبه، حزب الكرامة، من الاشتراك في الكتلة الانتخابية التي شكّلها الإخوان في عام ٢٠١١، مما أدّى إلى حصوله على عدد محدود من المقاعد النيابية، انتقل من ذلك إلى التمجيد بالسيسي وبالجيش في عام ٢٠١٣ بأوهام كبيرة حول ما يريد السيسي الوصول إليه. أما بين هذين العامين، في عام ٢٠١٢، عندما وقف حمدين على مسافة واحدة من الجيش والإخوان معارضاً الطرفين من منطلق تقدمي، حصل على شعبية مذهلة وحقق نتيجة عظيمة في الانتخابات الرئاسية، بما فيها حصوله على أغلبية الأصوات النسبية في القاهرة والإسكندرية، بالرغم من حدود الإمكانيات المادية والتنظيمية التي كانت متاحة له مقارنةً بسائر المرشحين. فتجربة حمدين تشير بكل وضوح إلى طبيعة الاستراتيجية المطلوبة.</p>
<p>في الجيل الجديد طاقة عظيمة للفكر اليساري التحرري، والغالبية الكبرى من الشباب العربي تجذبها القيم التقدّمية أكثر بكثير مما تجذبها القيم الداعشية والسلفية والأصولية الدينية المتناقضة مع الزمن بشكل صارخ. على النطاق العالمي، هناك اليوم تجاذب بين اليسار وأقصى اليمين بشتى أنواعه، لكن هذا الأخير ليس الأكثر جاذبية بصورة تلقائية، بل الأكثر جاذبية بصورة تلقائية هو اليسار لأن قيمه تصبّ في منحى التاريخ الذي شهد توسيع وتعميق الحرية والمساواة عبر القرون. وإذا تمكّن أقصى اليمين من أن يتغلّب على اليسار فالسبب يكون في معظم الأحيان تخلّف اليسار المنظّم عن متطلبات الوضع وفسحه المجال أمام الديماغوجية اليمينية لتحوّل النقمة الجماهيرية في اتجاه العداء العنصري أو الطائفي أو ما يشبههما.</p>
<p>إن الطاقة العظيمة التي أشرت إليها هي إذاً المدعاة الرئيسية للأمل، لكن هذه الطاقة تتطلب قوى سياسية منسجمة تماماً مع القيم المذكورة، وتحتاج لاستراتيجيات ملائمة. الأمل كبير، وأنا أميّز بين الأمل والتفاؤل. أتبنى كلياً حكمة الجمع بين تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة، حسب القول الذي اشتهر به غرامشي. لكنّ تفاؤل الإرادة يقتضي الأمل بالطبع، إذ أن لا مجال لتفاؤل الإرادة بدون أمل. إن تشاؤم العقل هو أن ندرك أن الأفضل ليس مرجّحاً تلقائياً وأن الأسوأ الكارثي ممكن تماماً، بل يمكنه أن يغدو مرجّحاً إن لم يجرِ التصدّي له. هكذا يصبح تشاؤم العقل بذاته حافزاً لتفاؤل الإرادة، من خلال إدراك الضرورة القصوى للعمل على تدارك الأسوأ ومنع الكارثة المحدقة.</p>
<p>
<span style="color:#7f8c8d">جلبير الأشقر، أكاديمي لبناني، عمل في البحث والتدريس الجامعيين في كل من بيروت وباريس وبرلين قبل أن يتم تعيينه في كرسي دراسات التنمية والعلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في جامعة لندن. له كتب عديدة صدرت بخمس عشرة لغة، منها باللغة العربية: "صدام الهمجيات: الإرهاب والإرهاب المضاد والفوضى العالمية" (2002)؛ "الشرق الملتهب: الشرق الأوسط في المنظور الماركسي" (2004)؛ "السلطان الخطير: السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط" (بالاشتراك مع نعوم تشومسكي، 2007)؛ "العرب والمحرقة النازية: حرب المرويات العربية-الإسرائيلية" (2010)؛ "الماركسية والدين والاستشراق" (2015)؛ وحول الانتفاضة العربية: "الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية" (2013) و"انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراضٌ مَرَضية" (2016). ويكتب جلبير الأشقر مقالاً أسبوعياً لصحيفة "القدس العربي".</span><br />
 </div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18979">المقابلة: جلبير الأشقر</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ثورة أكتوبر: خلاصة تجربة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18977</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سلامة كيلة]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 04 Nov 2017 13:10:26 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[في الماركسية]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a3%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8%d8%b1-%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d8%a9-%d8%aa%d8%ac%d8%b1%d8%a8%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p> بعد مئة عام على ثورة أكتوبر وربع قرن على انهيار التجربة التي قامت على أساسها، لا بدّ من استخلاصات حولها، غير ذلك الردح الذي تبع الانهيار، والارتداد الذي طاول الكثير ممن تربى في حضنها. لقد اعتبر ماركس تجربة قصيرة، هي تجربة كومونة باريس، أساساً لبلورة العديد من الأفكار، ومحاولة صياغة رؤية لسلطة الطبقة العاملة، ولطبيعة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18977">ثورة أكتوبر: خلاصة تجربة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p> بعد مئة عام على ثورة أكتوبر وربع قرن على انهيار التجربة التي قامت على أساسها، لا بدّ من استخلاصات حولها، غير ذلك الردح الذي تبع الانهيار، والارتداد الذي طاول الكثير ممن تربى في حضنها. لقد اعتبر ماركس تجربة قصيرة، هي تجربة كومونة باريس، أساساً لبلورة العديد من الأفكار، ومحاولة صياغة رؤية لسلطة الطبقة العاملة، ولطبيعة الدولة التي تقيمها. كانت ثلاثة وسبعون يوماً كافية لأن يستخلص ماركس نتائج منها، بينما شهدنا تجربة استمرت خمسة وسبعين سنة من حكم "البروليتاريا"، أو من سلطة الحزب الشيوعي، وفي ظل نظام اشتراكي، فهل نستطيع استخلاص نتائج منها؟</p>
<p>في الأمر مستويان، الأول يتعلق بالثورة وظروفها، والثاني يتعلق ببناء الاشتراكية.</p>
<p>في المستوى الأول، لا بدّ من ملاحظة جملة مسائل، حيث أن الثورة كانت ضرورة، لم يفتعلها حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي أو لينين، لأن وضع الريف المنهك من نهب كبار ملاّك الأرض، وطبيعة السيطرة الإقطاعية على الفلاحين، كانت تؤسس لانفجارات فلاحية مستمرة، كان أبرزها ثورة سنة 1905/1907، دون أن يتوقف الأمر عند ذلك. كما أن وضع الطبقة العاملة، رغم محدودية عددها، كان يفرض الاضرابات المستمرة. وكانت أزمة الحرية عامة في ظل نظام استبدادي بطريركي. كل هذه العناصر كانت تتفاعل منذ ثورة سنة 1905، وتتصاعد مع تصاعد نهب كبار ملاّك الأرض والرأسمالية. من ثم كان توقّع الثورة أمراً بدهياً، وهو ما استند لينين إليه في إستراتيجيته لإسقاط القيصرية. وسنجد في كتابات لينين الكثير من الأرقام والوقائع حول الصراع الطبقي المتفاقم، الذي كان يدفعه إلى أن يكون مركز السياسة التي يتبعها تتمثل في كيفية تحويل الثورة العفوية إلى ثورة منظمة، وبالتالي منتصرة.</p>
<p>هنا يأتي وضع الحزب، ولا شك في أن الخلاف مع المناشفة حول عضوية الحزب كان يرتبط بمنظور لينين هذا، حيث كان يعتقد بأن الاستيلاء على السلطة لن يتحقق إلا من خلال الثورة، وأن وضع روسيا ثوري إلى حدّ أنه يمكن البناء عليه للوصول إلى ذلك. لهذا كان يجب أن يكون الحزب منضبطاً، متماسكاً، وسرياً، واضح الرؤية، ومحدّد التكتيك. ولهذا رفض الحزب الانتخابي، أو الذي يؤسس رؤيته على الانتخابات، وبالتالي يضمّ كل مَنْ وافق على برنامجه دون أن ينضمّ بالضرورة إلى حلقة، أو يمارس مهمات تخدم سياسته. الفارق هنا أن لينين كان يرى أن التطور الرأسمالي في مأزق نتيجة تردد وجبن وعجز البرجوازية، وأن الفلاحين والعمال يتحركون من أجل التغيير نتيجة ظروفهم، وبالتالي ليس من طريق سوى أن يلعب الحزب الشيوعي دور القيادة، ومحدّد الأهداف، لكي تنتصر الثورة، أو يفشل صراع الطبقات وتبقى روسيا قيصرية.</p>
<p>الاستيلاء على السلطة كان أساس إستراتيجية البلاشفة ولينين، والانغراس في البروليتاريا والفلاحين الفقراء هي الخطوة الضرورية من أجل ذلك، في سياق تحقيق مطالب هؤلاء. وكان الوضوح النظري والسياسي، وفهم الواقع الروسي والعالمي، أساسياً من أجل نشر الوعي لدى "الطليعة" لكي تكون واثقة بهذه الإستراتيجية وقادرة على تعميمها على العمال والفلاحين الفقراء. بالتالي كان التثقيف النظري بالماركسية المؤسّسة على الديالكتيك ضرورة أولى، كما كان تأسيس البنية الصلبة للحزب ضرورة أخرى، رغم أن الحزب يجب أن يتشعّب في وجوده الواقعي لكي ينظّم الطبقة بكل الأشكال الممكنة. وأن يخوض النضال الطبقي بأشكاله المتعددة.</p>
<p>كل ذلك كان إرهاصات ثورة أكتوبر، التي تكثفت في لحظة في قرار عملي بالتقدم للاستيلاء على السلطة. ولا شك في أن التقاط اللحظة من أهم ما أوضحه منظور لينين، حيث التقط اللحظة التي يجب أن تتقدم البروليتاريا (أو الحزب الذي يمثلها) للاستيلاء على السلطة. فقد صاح لينين: الآن، ليس أمس ولا غداً. الآن، هذا هو المفصل الذي يكثّف عمق الوعي والفهم، ويفضي إلى قرار حاسم بالاستيلاء على السلطة. هنا يجب أن نعترف لعبقرية لينين، الذي تقدّم وكل قادة الحزب تنتظر، وألقي الخطابات، ليعلن الزحف من أجل الاستيلاء على السلطة. لا شك في أن الكثير من قادة البلاشفة وكادره وعناصره لعب دوراً كبيراً في الصراع الطبقي قبل ثورة سنة 1905، وخلالها وبعدئذ، وفي ثورة شباط/ فبراير سنة 1917، لكن تميّز لينين كان ظاهراً، لأنه من خلال تحليله العميق والمفصّل للواقع وللتناقضات وأدوار القوى، كان يفرض قراره، لأن الآخرين كانوا عاجزين عن الردّ، وكان "سحر" لينين يجعل الحزب يقبل. وهذا ما يفسّر سبب محاولات قادة في الحزب تغييبه، حتى في آخر لحظات حياته، بالضبط لأن منطقه كان يهزم كل الآراء الأخرى، وكان ينتصر في وضع الحزب في مسار صحيح، ويفرض التكتيكات الضرورية، ولقد فرض القرار الحاسم بالاستيلاء على السلطة.</p>
<p>كل هذه خبرات كبيرة، تتعلق بالثورة وفعل الذات في التحضير لانتصارها. بالوعي العميق الشمولي، والرؤية الثاقبة، والتحديد الدقيق للمهمات والخطوات الضرورية.</p>
<p>في المستوى الآخر، لا بدّ من فهم حقيقة أولية كرّستها ثورة أكتوبر وهي أن طريق التطور لتجاوز البنى العتيقة والدخول في "عصر الحضارة"، ليست ممكنة بالطريق الكلاسيكي الذي أنجزته البرجوازية في إنجلترا وفرنسا وأميركا وألمانيا واليابان، حيث أن تشكّلها العالمي وطابعها الإمبريالي سدّا كل طريق لتطور رأسمالي، وفرضا الانزياح نحو الأطراف لكل الأمم التي لم تصبح صناعية حينها. وأن البديل هو طريق ثورة أكتوبر، حيث أن حتمية ثورات الشعوب تفرض تأسيس الوعي المطابق والبنى السياسية المعبّرة عن العمال والفلاحين الفقراء، وتؤكد بأن التطور (حتى بمعناه البرجوازي) بات يتحقق بأدوات غير برجوازية، بل على العكس بيد الطبقة المضادة للبرجوازية: الطبقة العاملة. هذا مفصل جوهري ظهر جلياً في كل ثورات الشعوب بعد ثورة أكتوبر، التي اتسمت بطابعها العمالي، والاشتراكي، من الصين إلى الهند الصينية إلى كوبا وعديد من دول العالم. كما ظهر أن هذا الشكل للتطور هو الشكل الوحيد الذي يسمح ببناء الصناعة وتجاوز البنى المفوّتة، وتحديث الوعي، وتحقيق الاستقلال الحقيقي، وبناء الاقتصاد المتمحور على الذات. ففيما عدا النمور الآسيوية كحالة خاصة، سند أن كل الأمم التي باتت صناعية وحداثية هي تلك التي اتبعت طريق ثورة أكتوبر. إن انقسام العالم إلى مراكز وأطراف يفرض أن يكون طريق التطور هو هذا الطريق، وليس أيّ طريق آخر.</p>
<p>إذن، هذا الطريق هو "المدخل الوحيد" لنقل الأطراف إلى عصر الصناعة والدولة الحديثة، ولقد بات السؤال هو، كيف يمكن أن تنتقل الاشتراكية من مرحلتها الأولى كاشتراكية جوهر دورها هو بناء القوى المنتجة وإعادة بناء الوعي والبنى المؤسسية، وتحقيق مستوى أفضل لوضع الشعب إلى مرحلة أرقى: اشتراكية يكون العمال هم السلطة الفعلية فيها، في ظل ديمقراطية واسعة، وفاعلية شعبية حقيقية. وحيث يبدأ دور الدولة في التراجع؟</p>
<p>لقد طرحت التجربة على الصعيد النظري من الأسئلة ما يحتاج إلى بحث مستفيض، وأوضحت مشكلات في المنظورات التي طُرحت من قبل الماركسيين حول الاشتراكية، طابعها وطريق الوصول إليها، وآليات ارتقائها، لم تبحث كفاية سابقاً، وربما لأنها لم تكن من أسئلة الواقع، حيث لا يجيب الواقع إلا على الأسئلة التي يطرحها. ولقد طرحت التجربة عدداً هائلاً من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات. أشرت قبلاً إلى العديد منها، وربما هناك أسئلة عديدة في مختلف مستويات البنية، في الاقتصاد والدولة والأيديولوجية، وفي النظام السياسي. بالتالي كانت ثورة أكتوبر بروفا لاشتراكية حقة، وليست حدثاً عابراً في التاريخ، ومنْ تعامل معها على هذا الأساس هو من تملقها حين كان نتاجها قائماً، وكانت الدولة السوفيتية تقدّم امتيازات، و"شرعية". إنها حدث كبير يستحق أن يستفاد منه على الصعيد النظري بما يعيد بناء كثير من الأفكار والتصورات حول الاشتراكية، وطريق الوصول إليها. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18977">ثورة أكتوبر: خلاصة تجربة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الاشتراكية: التصوّر النظري والواقع</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18960</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سلامة كيلة]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 24 Oct 2017 06:13:46 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[في الماركسية]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%91%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كان مسار ثورة أكتوبر مختلف عن ومخالف للتصور الكلاسيكي لارتقاء المجتمعات إلى الاشتراكية، وأشرت إلى أنه أنجز ما أنجزته الرأسمالية فيما يتعلق ببناء مجتمع صناعي حداثي. ليست هذه النقلة هامشية، بل إنها نقلة نوعية في التكوين المجتمعي، حيث أن تجاوز التبعية للمراكز الرأسمالية يفرض تأسيس بنية صناعية ومجتمع حداثي. وليس من طريق بعد أن باتت [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18960">الاشتراكية: التصوّر النظري والواقع</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>كان مسار ثورة أكتوبر مختلف عن ومخالف للتصور الكلاسيكي لارتقاء المجتمعات إلى الاشتراكية، وأشرت إلى أنه أنجز ما أنجزته الرأسمالية فيما يتعلق ببناء مجتمع صناعي حداثي. ليست هذه النقلة هامشية، بل إنها نقلة نوعية في التكوين المجتمعي، حيث أن تجاوز التبعية للمراكز الرأسمالية يفرض تأسيس بنية صناعية ومجتمع حداثي. وليس من طريق بعد أن باتت الرأسمالية نمطاً عالمياً يقسم العالم إلى مراكز وأطراف، سوى ما تطرحه البروليتاريا، والماركسية، الطريق القائم على تجاوز الرأسمالية بالتحديد. وحين تصبح المجتمعات صناعية وحداثية يتخذ الصراع العالمي شكلاً آخر، ويصبح أمر تحقيق الاشتراكية الحقة مطروحاً بلا جدال.</p>
<p>أحاول هنا التمييز بين الاشتراكية التي تبدأ بإلغاء الملكية الخاصة كما حدث في الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، وبين الاشتراكية الحقة التي تحتاج إلى أكثر من ذلك. فقد تحقق التطور "الرأسمالي" في الاتحاد السوفيتي في ظل الاشتراكية، أي على ضوء إلغاء الملكية الخاصة، لكن أزمة هذا التكوين فرضت انهياره. وأعتقد بأن اشتراكية حقة ليست ممكنة إلا بعد انهيار الرأسمالية، وفي إطار عالمي. لهذا فنحن إزاء شكل أولي للاشتراكية، ربما تسمح الظروف الجديدة في نقلة أخرى في هذا المسار، لكن لا بدّ من ملاحظة أنه قبل "تصنيع العالم" وتحديثه، أي قبل أن تنتهي البنى ما قبل رأسمالية، ليس من الممكن توهّم تحقّق اشتراكية حقة. حيث أن استمرار وجود بنى تقليدية، ورأسمالية قوية، سوف يفرض صيرورة تطور معقدة، ويُنشئ مشكلات كبيرة.</p>
<p>في كل الأحوال، عادة ما يقاس وضع روسيا الاشتراكية بالتصور النظري للاشتراكية، ومنه يجري الاستنتاج بأنها ليست اشتراكية، أو دولتية، أو "رأسمالية دولة"، أو اشتراكية منحطة كما أطلق تروتسكي عليها. المشكلة في ذلك تكمن في أن التصوّر حول الاشتراكية "نظري"، ومبني على أساس صيرورة تطور الرأسمالية في الأمم الرأسمالية، بينما تحققت الاشتراكية في بلد متخلف قروسطي إقطاعي. لهذا ليس من الممكن "تطبيق" التصور النظري ذاك على هذه التجربة. لكن كل النقد كان يقوم على هذه "المقارنة" بين التصوّر النظري وواقع الاشتراكية الروسية، وباتت تقاس التجربة بالتصوّر النظري هذا، خصوصاً بعد انهيار الاشتراكية، و"تذكّر" أنها "ليست اشتراكية"، بالضبط لأنها مناقضة لـ "التصوّر النظري". ومن هنا جاءت العودة إلى كاوتسكي وبليخانوف والأممية الثانية، لأن هؤلاء انحكموا للتصوّر النظري الذي كانوا قد صاغوه كشكل كلاسيكي لتطور الاشتراكية (رغم أن ما يتعلق بالاشتراكية فيه كان عاماً وهامشياً).</p>
<p>ربما في هذا الأمر يقبع الفارق بين التصوّر والواقع ذاته، حيث ليس من الممكن أن يتضمن التصوّر النظري كل مكنونات الواقع وتفاصيله، ليبدو أنه يتضمن مؤشرات و"مبادئ عامة"، أو "خطوط عامة" مجرّدة، وبهذا التجريد تفقد جزءاً مهماً من الواقع ذاته. وفي الغالب تكون، كونها تجريد، مآل صيرورة تتحقق في الواقع وليس الصيرورة ذاتها. لهذا تبدو أحياناً مفارقة للواقع، أو منحازة عنه.</p>
<p>لهذا، ليس سهلاً أن نصدر حكماً على الاشتراكية المتحققة انطلاقاً من هذا التصوّر النظري، أو نُخضع التجربة لمقاييسه. هذا ما فعله نقّاد الاشتراكية بعد انهيارها، وهم الذين ترعرعوا في صلبها، ودافعوا عنها طويلاً. ومع الأسف فإن "التصوّر النظري" الذي يجري الانطلاق منه مبتسر، ويلتقط بعض الأفكار منتزعة من سياقها، لتكون المقياس الذي يقاس به واقع الاشتراكية في روسيا بعد ثورة أكتوبر. فإضافة إلى الإعادة إلى "الشكل الكلاسيكي" المتعلق بالتطور البشري الذي أشرت إليه قبلاً، سنجد أن مسألة الدولة، أو وضع "الملكية العامة"، أو "انهيار الاشتراكية" تصبح هي محدّدات لقياس الواقع الاشتراكي في روسيا. حيث تصبح فكرة "تلاشي الدولة" مؤشراً على عدم اشتراكية التجربة، حيث يشار إلى أن ماركس قال بتلاشي الدولة بينما كانت تتعزّز في ظل الاشتراكية. طبعاً لم يقل ماركس أن الدولة تتلاشى في المرحلة الاشتراكية بل إنه قال ذلك عن المرحلة الشيوعية التي تكون الاشتراكية مقدمة لها، وحيث تستعير البروليتاريا "الدولة البرجوازية" في هذه المرحلة. ولهذا أشار إلى "دكتاتورية البروليتاريا"، ورفض منظور الفوضوية التي تريد إلغاء الدولة فوراً (أنظر، لينين "الدولة والثورة"). بالتالي كان من الطبيعي أن تستمرّ الدولة في الاشتراكية، وأن تتعزّز كونها باتت "الوصي" على الملكية العامة.</p>
<p>إذن، ليس من نهاية للدولة في المرحلة الاشتراكية حسب التصوّر النظري الماركسي، وأعقد من ذلك أن الدولة باتت معنية ببناء الاقتصاد، حيث أنها باتت تلعب دور "رب عمل"، لأن روسيا لم تكن دولة صناعية، وكان يجب أن تُبنى صناعياً في عالم صناعي مسيطر. إضافة إلى ذلك، كانت الدولة تتشكّل من فئات فلاحية في الغالب نتيجة طبيعة المجتمع الروسي الفلاحي الإقطاعي. فقد فرض توسّع مؤسسات الدولة البيروقراطية، والجيش والشرطة والأمن، والموظفين العامين، توظيف تلك الفئات بكل وعيها القروسطي، وميلها الفلاّحي. ولم تكن العقود الثلاث الأولى كافية لتخريج فئات "مثقفة" أو "تقنية"، ولا كان المجتمع قد بات مدينياً، وأيضاً لم تكن الطبقة العاملة المتشكّلة بعد سياسة التصنيع (1931) قد امتلكت الوعي بدورها وفاعليتها، وفي الغالب كانت قد أصبحت خارج بنى النظام. كل ذلك كان يُدخل الوعي البطريركي إلى كل مؤسسات الدولة، ويشكّل سلطة بطريركية رغم أنها تتسمى بالشيوعية. فقد تشرّب الحزب الشيوعي، والدولة التي يسيطر عليها بكل وعي القرون الوسطى، ومطامح الريف (التي تميل إلى التملّك)، وهو يقوم بعملية بناء هائلة القوة، ويعيد تشكيل الوعي المجتمعي بما يتجاوز وعي القرون الوسطى. لقد طوّر الاقتصاد والبنى المجتمعية والوعي بينما كان يتخلّف، ويتشرّب "وعي المجتمع" الذي أراد تغييره.</p>
<p>ما يمكن أن يُنقد هنا، ويرفض، هو أن "دكتاتورية البروليتاريا" كانت بلا بروليتاريا، وتتسم بالطابع البطريركي، الذي تجاوزته البرجوازية منذ قرن تقريباً. بالتالي مثّلت سلطة "أبوية" مطلقة. أما الماركسية فتؤكد على دور الدولة في المرحلة الاشتراكية لضمان تحقيق التطور، وتغيير البنى والوعي المجتمعيين (وأقل لمنع عودة الرأسمالية، التي فشل فيها هذا الشكل من الدكتاتورية الذي ترعرع في الاتحاد السوفيتي). ومن ثم بدل القياس يمكن السعي لفهم مشكل الدولة في الاشتراكية، وبناء تصوّر جديد لوضعها في المرحلة الاشتراكية، حيث قدّمت تجربة أكتوبر وتجارب الصين وغيرها خبرات في هذا المجال كبيرة. بالتالي لا يمكن القول بأن التجربة هذه "منافية" للتصوّر النظري الماركسي، هذا التصوّر الذي لم يتشكّل بعد، ويحتاج إلى تجارب عديدة لكي يتشكّل بشكل متسق.</p>
<p>هذه المسألة كانت في أساس كثير من النقد من قبل "ماركسيين"، أو متحوّلين إلى اللبرالية، وشغلت الكثير من الصفحات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكانت تُعتبر في صميم أزمة الاشتراكية وسبب انهيارها، لكنها في الواقع كانت "مزحة" ساذجة لم تَفِدْ شيئاً في فهم مشكلات الاشتراكية التي كانت القائمة بالفعل.</p>
<p>وكانت مسألة "الملكية العامة" إشكالية أخرى في النقد، وربما هنا كان بعض النقد مفيداً، لأن المسألة تحتاج فعلاً إلى نقاش عميق. فقد أدى إلغاء الملكية الخاصة إلى أن تصبح الدولة هي "المشرف" على مجمل الثروة، وأن سلطتها وموظفيها هم من يقرر بشأنها، بعيداً عن البروليتاريا. لكن هل من شكل آخر لإدارة هذه "الملكية العامة"؟ ربما يجب البحث، لكن هذا الشكل لا يوصل إلى أن الأمر يتعلق بنشوء "رأسمالية دولة"، حيث أن غياب الملكية الخاص أمر حاسم هنا، وهو محدّد الانتقال إلى الاشتراكية، ولهذا لم يسمح بأن تُنهب "الملكية العامة" نتيجة السيطرة على السلطة وتحكّم فئات بيروقراطية بالدولة. ما حدث هو خلق فارق كبير في الاستهلاك بين "الطبقة المسيطرة" (أي بيروقراطية الدولة) وعامة الشعب، وهو تمايز، وربما وصل إلى مستوى كبير، لكنه لم يسمح بنشوء رأسمالية. بل قاد إلى التأثير في مسارات الاقتصاد، وخلق حالة احتقان، وفي مرحلة فرض وقف التطور، وهي المرحلة التي دخلت فيها الدولة الاشتراكية في أزمة، حيث تراجع مردود استثمارات الدولة نتيجة كل ذلك. وحيث باتت تعتمد على تصدير النفط والغاز. وهنا يمكن الإعادة إلى "الطابع الفلاحي" للفئات التي سيطرت في مؤسسات الدولة، وميلها إلى التملّك الخاص، الذي ظهر على شكل بذخ استهلاكي نتيجة غياب الملكية الخاصة.</p>
<p>المسألة هنا أنه بالضرورة ستكون الثروة العامة بيد الدولة، فهي ممثلة "الشأن العام"، لكن السؤال يتحدد في كيف تتم إدارتها؟ وكيف يتمّ توزيعها؟ وهل يمكن فصل الاقتصادي عن السياسي في بنية الدولة؟ مسائل لا زالت بحاجة إلى بحث ونقاش، ولا شك في أن التجربة الطويلة لثورة أكتوبر تسمح بتحديد نقاط الخلل والمشكلات، ومن ثم إبداع أشكال جديدة.</p>
<p>ثم، يمكن لمس كيف أن "التصور النظري" الذي حكم "الشيوعية القديمة"، والقائم على أن الانتقال إلى الاشتراكية لا يسمح بالارتداد، حيث أن الرأسمالية انتصرت ولم يعُد الإقطاع، وكذا الإقطاع، وبالتالي يكون نشوء الاشتراكية مؤشراً على دخولنا مرحلة جديدة "أكثر تطوراً"، "أرقى"، وليس من الممكن أن تجري العودة إلى الوراء، أي بعودة الرأسمالية. هذا تصوّر عام حكم قطاع كبير من أتباع "الماركسية السوفيتية"، حيث رؤوا أن التاريخ يسير في مسار خطي صاعد، ويعتمد على عملية التراكم المضطرد الذي يحقق النقلة النوعية، وهكذا، وهو خط تطوري بلا رجعة. طبعاً هنا المنظور المنهجي خاطئ، حيث أن الجدل المادي يلحظ العودة إلى الوراء، حيث ليس حتمياً التقدم، ولقد أشرت إلى نص "البيان الشيوعي" حول الأمر. لكن انطلاقاً من هذا "الفهم" جرى شطب التجربة الاشتراكية، بالضبط لأنها انهارت، حيث أن الاشتراكية لا تنهار ولا تتراجع. وأصبح ما كان في الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية ليس اشتراكية بل "رأسمالية دولة"، أو استبداد آسيوي، أو حتى رأسمالية. وهنا جرى تجاهل أهمية الملكية الخاصة في التطور التاريخي وفق ما اكتشفه ماركس، حيث اعتبر أنها مفصل الانتقال إلى المجتمع الطبقي، وبالتالي فإن إلغاءها يمثّل نقلة نوعية لتجاوز الرأسمالية.</p>
<p>إذن، هناك تصوّر نظري جرى استنتاجه من كتابات ماركس وإنجلز، بغض النظر عن دقة ذلك، بات هو المقياس الذي يتحدد الواقع به. بدا المؤشر الذي يحدّد اشتراكية هذه الدولة أو تلك، أو يلغي عنها ذلك. لكن، وإضافة إلى الخضوع لمنطق تطوري، فإنه جرى تجاهل الأمر الجوهري الذي يتمثّل في الملكية الخاصة. إن أهمية التجربة تتحدد في أن تمدنا بوقائع، وتظهر لنا مشكلات، يمكن على ضوء بحثها وتمحيصها الخروج باستنتاجات علمية عن الاشتراكية، وعما يجب أن تكون عليه الدولة والاقتصاد، والمجتمع. فقد قدّمت التجربة التي قامت على إثر ثورة أكتوبر كمية كبيرة من الوقائع التي تسمح بإعادة بناء مفهوم الاشتراكية ككل، وبتحديد السياسات الضرورية لتطور أرقى.</p>
<p>لكن الأزمة تتحدد حين يصبح هناك "تصوّر نظري" يكون أساس قياس الواقع به.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18960">الاشتراكية: التصوّر النظري والواقع</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الاشتراكية كطريق &quot;رأسمالي&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18946</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سلامة كيلة]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 14 Oct 2017 06:39:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[في الماركسية]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%b1%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>الآن، هل تحققت ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا (وفي البلدان الأخرى)؟ لا شك في أن التباساً كان يحكم النظر بعد أن طرح لينين تصوره حول دور البروليتاريا في ثورة ديمقراطية برجوازية الطابع. فكل الحزب بشقوقه (ربما فيما عدا تروتسكي الذي راوح بين الأقصيين) كان يعترف بأن الثورة في روسيا هي ثورة ديمقراطية برجوازية. لكن ظهر [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18946">الاشتراكية كطريق &quot;رأسمالي&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>الآن، هل تحققت ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا (وفي البلدان الأخرى)؟</p>
<p>لا شك في أن التباساً كان يحكم النظر بعد أن طرح لينين تصوره حول دور البروليتاريا في ثورة ديمقراطية برجوازية الطابع. فكل الحزب بشقوقه (ربما فيما عدا تروتسكي الذي راوح بين الأقصيين) كان يعترف بأن الثورة في روسيا هي ثورة ديمقراطية برجوازية. لكن ظهر الاختلاف في من يقود الثورة، فهل تقودها البرجوازية لأن الأمر يتعلق بـ "ثورتها"؟ أم أن البرجوازية عاجزة ومترددة وجبانة، ويمكن أن تخون ثورتها؟</p>
<p>بالنسبة للمناشفة كان الأمر سهلاً، حيث أن انتصار البرجوازية سيفتح الطريق نحو الاشتراكية، ومن ثم يمكن "تطبيق" كل ما قاله ماركس عن الاشتراكية: دكتاتورية البروليتاريا، ومن كل حسب قدرته ولكل حسب عمله. وتكون روسيا قد باتت دولة صناعية، فيها طبقة عاملة تمثّل أغلبية المجتمع. منظور سهل، مصاغ مسبقاً، وكما أشرت بات يمثّل الشكل "الكلاسيكي" للوصول إلى الاشتراكية. أما تصوّر لينين فكان أكثر تعقيداً، ربما لأن ليس من نصوص لماركس حوله (رغم أن ماركس أشار إلى حالة مشابهة فيما يتعلق بألمانيا)، لكن لأن لينين "ينحرف" عن "الشكل الكلاسيكي"، فيضع على عاتق البروليتاريا تحقيق المهمات الديمقراطية قبل الولوج إلى الاشتراكية. هذه العلاقة بين المهمتين ظلت غامضة، ومربكة، وتفتح إلى إما عودة إلى الشكل الكلاسيكي أو التطرف يساراً نحو تحقيق الاشتراكية. وكان انتقال لينين إلى رفع شعار ”دكتاتورية البروليتاريا“ في موضوعات نيسان مع تأكيده على أن الأمر لا يتعلق بـ "تطبيق" الاشتراكية، يزيد من الارتباك، رغم أنه بعد ثورة أكتوبر أصبح يحدّد المهمات بدقة، ويؤكد أن على سلطة السوفيت أن تحقق المهمات الديمقراطية، مثل التصنيع، تحديث الوعي، والبنى، كهربة الريف، التعاونيات، وتطوير التعليم. طبعاً بعد حل المسألة الزراعية عبر تأميم الأرض، وإصدار فرمان حقوق العمال، والمرأة وحق تقرير المصير للأمم.</p>
<p>ربما كان من الطبيعي أن تكون تحولات التاريخ الكبرى ليست واضحة بكل أبعادها، حيث  يمكن للفكر أن يتقدّم خطوة أو خطوتين لكنه لا يستطيع فهم كل ممكنات الواقع وتحولاته. ولينين فهم أن الواقع يحتاج إلى التغيير، وأن المعني بالتغيير ليس في وارد تحقيقه، والقصد هنا هو البرجوازية، وأنه بالتالي يمكن الاعتماد على الطبقة الجديدة: البروليتاريا، والفكر الذي يساعد على فهم علمي للواقع، لتحويل نقصها العددي إلى تميّز نوعي يجعلها طبقة قادرة على قيادة الثورة، محملة بكل مطالب الشعب، ومعنية بتحقيقها. أما بعد ذلك فإن صيرورة الواقع سوف تسمح بوعي الضرورة. وربما كان منظور لينين هذا يؤكد فكرة سمير أمين عن أن الانتقال إلى نمط اقتصادي اجتماعي أرقى يتحقق في الأطراف وليس في المركز، وهو ما ظهر جلياً في كل التاريخ العالمي. وما توضّح من خلال تراجع إمكانية الثورة الاشتراكية في البلدان الأكثر تطوراً من حيث الصناعة والبنى والوعي، والتي تحوي التناقض الرئيسي بين البرجوازية والبروليتاريا. في المقابل، حدوث الثورة في الأطراف، وحيث لا زالت إمكانية ذلك قائمة على هذه الشاكلة فيها، إلى الآن على الأقل.</p>
<p>إن واقع الأطراف، وروسيا كانت في ذيل السلسلة الرأسمالية، يطرح التساؤل حول طريق تطورها، وعن دور الطبقات في تحقيق هذا التطور. وبعد قرن من ثورة أكتوبر نلمس بأن خيارها كان محدّداً، حيث إما أن تسير نحو تجاوز الرأسمالية من خلال حزب يمثّل العمال والفلاحين الفقراء، وبالتالي تحقيق التطور الصناعي والمجتمعي بشكل ما ولمرحلة معينة، أو البقاء أطرافاً تُنهب من قبل الطغم الإمبريالية. لهذا حقّقت تجارب قادتْها أحزاب شيوعية نقلات نوعية في مجتمعاتها، وفشلت كل المحاولات التي قامت بها فئات وسطى كانت تطمح لأن تبقى في حدود الرأسمالية.</p>
<p>لكن الاشتراكية انهارت. هذا ما فتح على التشكيك في ثورة أكتوبر كما أشرت. وهنا يمكن أن نعود إلى الخلاف حول الثورة ودور الطبقات فيها، الذي تناولته قبلاً. فهل كان تصوّر لينين خاطئاً؟ وهل يمكن أن ينتصر التصوّر الخطأ في المسار التاريخي؟ هذا سؤال نظري، لكن يمكن القول أن ما ينتصر ما يجب أن يكون حتمياً، وليس من الممكن أن ينتصر ما لا تتوفر الظروف الواقعية لانتصاره. فالتاريخ لا يُحرف، بل ينتصر فيه ما يحمل الواقع إمكانات انتصاره. وبالتالي انتصرت ثورة أكتوبر، بالضبط، لأن الواقع الروسي يحمل إمكانات انتصارها، بالتالي كانت حتمية. أما تصوّر المناشفة والأممية الثانية فقد فشل في كل العالم، وحتى بعد أن أعاد ستالين إنتاجه وتعميمه على الحركة الشيوعية العالمية. لهذا فليس أمام الأطراف إلا خيار وحيد هو ذاك الذي بدأه لينين، مع ملاحظة كل التشوش الذي حكمه حينها.</p>
<p>هل فشل؟ يعتمد تحديد الإجابة على المنظور الذي ننطلق منه، والمبادئ التي نخضع لها. فهل أن التاريخ يسير في استقامة، دون تعرجات أو تراجع، أو انهيار؟ لم يتوضّح بتاتاً أن التاريخ يتطور بشكل مضطرد دون انهيارات، على العكس فقد ظهر أن كل حضارة تصل إلى "قمة" ومن ثم تنهار، لتظهر أخرى، وهكذا. وكما أشار "البيان الشيوعي" فإن صراع الطبقات يقود إما إلى "انقلاب ثوري يشمل المجتمع بأسره، وإما بانهيار الطبقتين المتناضلتين معاً" (البيان الشيوعي ص41). والانهيار لا يعني أن المجتمع لم يحقق تقدماً وفشل فقط لأنه انهار، بل يعني أن الصراع لم يُحسم لمصلحة طبقة ثورية. من هذا الأساس يمكن النظر إلى ما حققته التجربة لمعرفة مدى صحة ثورة أكتوبر.</p>
<p>أولاً يجب أن نلاحظ بأن روسيا كانت بلداً ينحكم لنمط إقطاعي، ولتخلف قروسطي فظيع، ولسلطة استبدادية مفرطة في استبداديتها. بمعنى أنها كانت بعيدة عن كل التطور الصناعي والثقافي والعلمي والمؤسسي الذي شهدته الأمم الرأسمالية. طبعاً كان ذلك هو حجة المناشفة والأممية الثانية ممثلة بأبرز قادتها، كاوتسكي. لكن طريق التطور الرأسمالي كان مسدوداً وإلا لما فرض نشوء أفكار كتلك التي طرحها لينين. وهذا ما ظهر واضحاً في كل بلدان الأطراف التي لم تستطع تحقيق التطور الرأسمالي بل ظلت تابعة. لهذا تصبح المسألة المطروحة هي ماذا حققت سلطة "البروليتاريا" (أو الحزب الشيوعي) لروسيا، في ظل طابعها القروسطي؟ الأمر الذي يخرجنا من تهويم نظري يقارن ما تحقق بتصورات حول الاشتراكية طُرحت لأجل بلدان رأسمالية متطورة. ويطرح علينا مسألة ما حققه الحزب الشيوعي، الذي قام على أساس أنه ممثل البروليتاريا، في تكوين روسيا الاقتصادي الاجتماعي والعلمي والثقافي؟ هل حقق نقلة نوعية في بنية الاقتصاد والمجتمع؟ بالتأكيد سيكون الجواب نعم، بالضبط لأن روسيا باتت بلداً صناعياً حداثياً. دون أن ندخل هنا في السؤال عن نمط الانتاج، وعن الاشتراكية. فلهذا مستوى آخر من النقاش. وبغض النظر عن الطابع الشمولي للسلطة (التي جرى اعتبار أنها دكتاتورية البروليتاريا)، والهيمنة على المجتمع، وكبت الحريات، والتي هي مهمة، ويجب نقدها، فقد جرى تحويل الاقتصاد تحويلاً ثورياً، حيث جرى تجاوز الزراعة القروسطية، والتخلف المريع الذي حكم الريف، وضعف الصناعة والطبقة العاملة، والأمية التي كانت منتشرة، وسيطرة الدين (الكنيسة الأورثوذكسية)، من خلال بناء الصناعة التي باتت قوة الإنتاج الأساسية، وتطوير التعليم والعلم بحيث باتت روسيا تتقدم في عدد العلماء والتطور العلمي، وانتهى دور الكنيسة (من خلال إلغاء قسري للدين)، وتطور الوعي المجتمعي. وكانت هذه خطوة أولى كان يجب أن تُلحق بخطوة أخرى تتعلق بطبيعة الدولة، حيث أن التطور المجتمعي أوصل إلى نشوء الفرد/ المواطن، لكن هذا الفرد/ المواطن كان مستلباً، ويعيش حالة اغتراب إزاء الدولة. لهذا، منذ الخمسينات، طرحت مسألة الديمقراطية من داخل الإطارات الماركسية، حيث باتت ضرورة، لكن بيروقراطية الدولة سحقتها (مرحلة بريجنيف).</p>
<p>لم يكن تطور الرأسمالية مختلفاً، حيث تطور الاقتصاد، ومن ثم الوعي عبر التعليم، وصولاً إلى العلمنة والديمقراطية بعد قرن ونصف من نشوء الصناعة وتشكّل الرأسمالية. لكن عند هذه النقطة انهارت الاشتراكية بدل أن يجري التحوّل الديمقراطي. لهذا أسباب يمكن تناولها تالياً، لكن ما وددت قوله هو أن ثورة أكتوبر فتحت على تطور كبير في تكوين المجتمع الروسي، هو ذاته الذي حققته الرأسمالية، ومنعت تحقيقه بعد أن فرضت عالميتها. ولا شك في أن تطوير الاقتصاد يفرض بالضرورة تطوّر الوعي والمؤسسات، لكن الأمر ليس ميكانيكياً، لهذا حين فشل النظام الاشتراكي في حلّ مشكلة السلطة، التي طوّرت المجتمع بشكل استبدادي شمولي، كان عليه أن يرحل، ورحل.</p>
<p>أهمية هذا الأمر تتمثل في أن انسداد أفق التطور الصناعي من قبل البرجوازية كان يفرض طريقاً آخر لمجتمعات باتت الدول الصناعية "صورة مستقبلها هي" كما أشار ماركس في مقدمة "رأس المال". هذا الطريق كان الشكل الأرقى من الرأسمالية، أي الاشتراكية. وتقوم به الطبقة المضادة للبرجوازية، أي الطبقة العاملة، لأن تحقيق كل هذا التطور القائم على بناء الصناعة يفترض حتماً تجاوز الرأسمالية. لكن ذلك أفضى إلى وضع مأزوم نتيجة أن "الحزب الثوري" الذي استولى على السلطة، ووضع أسس تطور المجتمع تشرّب تخلف المجتمع ذاته، وبهذا بات المجتمع متقدماً والحزب/ النظام متخلفاً، وكان يجب أن يرحل. هذه مسألة أخرى تتعلق بلماذا انهارت الاشتراكية، لكن المهم هنا هو أن الحزب الذي استولى على السلطة في أكتوبر سنة 1917، وبغض النظر عن التعرجات التي حكمت التطور، وطابع النظام الاستبدادي الشمولي (ولهذا نقد آخر)، فقد نقل روسيا إلى مصاف الدول الصناعية، أي حققت ما حققته البرجوازية الأوروبية، بطريق مختلف؟ نعم، لكنه حقق ما باتت تحرّمه الرأسمالية.</p>
<p>في هذا تكمن قيمة ثورة أكتوبر أكثر من أي شيء آخر. وربما من هذا المسار يمكن فهم الالتباس الذي حكم تصوّر لينين فيما يتعلق بالعلاقة بين تحقيق المهمات الديمقراطية والاشتراكية. لكن يمكن القول بأن الواقع لم يكن يحتمل أكثر مما تحقق، فبغض النظر عن أحلام الثوريين، وأوهامهم، لا يتحقق في الواقع إلا ما هو ممكن. والممكن في روسيا كان نقل النمط الاقتصادي من طابعه الإقطاعي المتخلف إلى نمط صناعي حديث، وبالتالي نقل الوعي المجتمعي من الوعي التقليدي إلى وعي حداثي، بات يفرض التصادم مع النظام الاستبدادي الشمولي. ولهذا كانت مسألة الديمقراطية في جوهر رفض النظام القائم، رغم أنها اختلطت بالليبرالية بمعناها الاقتصادي، وفرضت إعادة الرأسمالية.</p>
<p>هنا ربما يمكننا القول بأن ثورة أكتوبر هي استمرار للثورة الفرنسية، لكن في شكل جديد. حيث يبدو أن تحقيق الاشتراكية الحقة يفترض انتقال المجتمعات عموماً إلى مرحلة تكون فيها الصناعة هي أساس نمط الإنتاج، ويكون الوعي المجتمعي قد تجاوز موروث القرون الوسطى. طبعاً هنا بغض النظر عن الشعارات والإرادات والأوهام. فلا شك في أن مسار التاريخ يفترض وجود الأحلام والأوهام كذلك.</p>
<p>ليس غريباً ما توصلت إليه عما حدس به لينين، حيث كان يحلم بانتشار "الحضارة الأوروبية" في عموم روسيا، وأن الأولوية التي ركّز عليها بعد ثورة أكتوبر، حيث ظهرت له مشكلات المجتمع الروسي بشكل أوضح، هي "تحقيق المهمات الديمقراطية"، أي التصنيع والحداثة. لقد باتت روسيا صناعية وحداثية، بغض النظر عن نمط الإنتاج السائد الآن.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18946">الاشتراكية كطريق &quot;رأسمالي&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مغامرات راسل وفتجنشتين في بلاد البلاشفة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18939</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 09 Oct 2017 09:29:29 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%ba%d8%a7%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d9%84-%d9%88%d9%81%d8%aa%d8%ac%d9%86%d8%b4%d8%aa%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%b4/</guid>

					<description><![CDATA[<p>زار الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل بلاد البلاشفة في بداية العشرينيات من القرن الفارط؛ وبعد عقد تقريباً، زارها تلميذه النمساوي لودفيج فتجنشتين. كان الأستاذ ضمن وفد يساري كبير رحّب به قادة البلد الجدد بحرارة؛ في حين رتب جون مينارد كينز زيارة التلميذ، التي قيل إنها كانت محاولة للاستقرار في بلد العدل، والتفرّغ للعمل اليدوي، بدلاً من [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18939">مغامرات راسل وفتجنشتين في بلاد البلاشفة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>زار الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل بلاد البلاشفة في بداية العشرينيات من القرن الفارط؛ وبعد عقد تقريباً، زارها تلميذه النمساوي لودفيج فتجنشتين. كان الأستاذ ضمن وفد يساري كبير رحّب به قادة البلد الجدد بحرارة؛ في حين رتب جون مينارد كينز زيارة التلميذ، التي قيل إنها كانت محاولة للاستقرار في بلد العدل، والتفرّغ للعمل اليدوي، بدلاً من التفلسف الفارغ. </p>
<p>كان الفيلسوفان شديدي التفاؤل بثورة أكتوبر، تلك التي سترفع الظلم وتُقيم مجتمعاً بلا طبقات: الأستاذ أقرب إلى الفوضوية، وقارئ نهم للأدبيات اليسارية؛ التلميذ، الذي لم يقرأ بجدية الأدبيات اليسارية، صاحب مذهب صوفي يختلط فيه المنطق بتصوّف ماورائي، ويدعو إلى الصمت والانعزال بتدين محافظ زاهد كئيب. </p>
<p>لم يكن الرجلين ماركسيين، ولكنهما شكّلا طرفين نقيضين ليسار صادق حسّاس غني، سرعان ما ضاق به اليسار الذي مثّلته ثورة أكتوبر.</p>
<p>اختلف الأستاذ وتلميذه -أو تلميذه السابق، للدقة- على كل شيء، تقريباً، بعد فشل مشروعهم الفلسفي المشترك، الذرية المنطيقة: اختلفا على معنى الفلسفة وقيمتها وطريقة ممارستها، على أهمية اللغة العادية واستخداماتها، على أسلوب الكتابة ومحتواها، على التعاليم الأخلاقية والسياسية وكيفية التعبير عنها؛ واتفقا على أمر وحيد: الخيبة الكبرى من بلاد البلاشفة. </p>
<p>على أن هذا الاتفاق اختلف شكل التعبير عنه تبعاً لشخصيتيهما.</p>
<p>كان راسل ثرثاراً، سريع التأثر، واسع التأثير، يكتب باستمرار وبكثرة، في المنطق والفلسفة والسياسة، ويعبّر عن نفسه بوضوح ناصع: تدين الفلسفة في العالم الناطق بالإنكليزية إلى الرجل بمعظم ملامحها الحديثة، باستثناء انحيازه السياسي الكامل إلى اليسار، ونقده المتواصل الحاد للنظام الرأسمالي وما يصدر عنه؛ هذه الفلسفة، اليوم، تتجاهل السياسة بشكل شبه كامل تقريباً، لتدرس المنطق واللغة والعقل، فيما يبدو للوهلة الأولى كأنه أقرب إلى أسلوب فتجنشتين المحافظ: ولكن فتجنشتين، الذي نشر كتابين فقط في حياته، وتسرّب للناس بينهما كراستان، كان ملتزماً بموقف سياسي، على طريقته الخاصة. </p>
<p>صمت فتجنشتين بعد عودته من روسيا، ولم يسجّل أياً من انطباعاته الكثيرة المعقّدة، التي وصل إلينا بعضها عن طريق تلامذته: بين الإعجاب بمبادئ المساواة وبصدق الكثير ممن التقى بهم وبإخلاصهم، وبين جزعه من الطبقة الجديدة الحاكمة، وما تمثّله من طغيان متكامل الأركان، صمت الرجل، خوفاً من أن يؤخذ كلامه على أنه انحياز لليمين، وبالطبع، تماشياً مع صوفيته الصامتة الحزينة؛ ولكن إدانته لما رآه لم تكن خفية.</p>
<p>راسل، في المقابل، نشر كتيباً عن البلشفية، فكراً وممارسةً، صدم أصدقاءه اليساريين، والبلاشفة الشيوعيين. فكرياً، الدين الرسمي لدولة البلاشفة، أي الماركسية، بشقيها، المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، متهافتة: لا يوجد مذهب مادي متماسك، ولا مذهب مثالي متماسك، لأسباب علمية؛ وكلا المذهبين لا صلة له بفلسفة التاريخ المادية، وهو أمر لم يدركه لا ماركس ولا أنجلز؛ كواحد من مؤسسي المنطق الحديث، كان يسخر دوماً من الديالكتيك؛ فلسفة التاريخ القائمة على حركة الاقتصاد مخطئة ومبالغ فيها، كما هو كل مذهب تاريخاني، وإن كان صحيحاً القول بأن الاقتصاد أحد أهم محركات التاريخ.</p>
<p>في روسيا، سُئل فتجنشتين عن إمكانية أن يدرّس المذهب الرسمي الماركسي في الجامعة، ودُهش الروس حين علموا بأنه غير متحمّس لمثل هذا المذهب، وبأنه لا يقيم اعتباراً لهيغل ولفلسفته. </p>
<p>في الممارسة، رأى الرجلان أن الدولة الجديدة أعادت الطبقات بأسوأ أشكالها: طبقة المتنفّذين الجدد، أي أعضاء الحزب البلشفي، التي شكلها لينين وتروتسكي، ورسّخها سالتين، في مواجهة طبقة عامة الشعب. </p>
<p>بالرغم من كل ذلك، بقي الرجلان متعاطفين مع مشروع التغيير، ورفضا بشكل كامل الانحياز إلى نقّاد الاتحاد السوفييتي اليمينيين، لتبق صلاتهما شديدة التوتر مع اليسار الماركسي ومع اليمين الليبرالي. </p>
<p>على الصعيد الشخصي، كانت خلافات راسل وفتجنشيتن مريرة جداً، ربما بسبب تعاونهما السابق الحميم ثم طلاقهما الفكري؛ وربما، أيضاً، لأنهما كانا صادقين على الدوام، وفي كل التفاصيل: الصدق، إن ترافق مع تناقض عميق في فهم الحياة ومعناها، سيؤدي حتماً إلى افتراق لا رجعة عنه. </p>
<p>هذا الصدق سيجعل خيبتهما من بلاد البلاشفة أعمق بكثير، وأكثر تعقيداً، من خيبات آخرين، زاروا روسيا، وجمّلوا الطغيان كاذبين: كان الرأي العام اليساري، المنحاز لماركس، يفضّل الكذب على النفس وعلى الناس، ويتجاهل الآلام اليومية والقمع الشديد الذي أتت به ثورة أكتوبر، بما أن الثورة ستفضي إلى عالم أفضل في المستقبل؛ بالإضافة إلى ذلك، خشي اليساريون الكاذبون من أن يؤدي انتقاد البلاشفة إلى تجميل صورة العالم الرأسمالي.</p>
<p>هذا الكذب قابله صدق لا قاع له عند راسل وفتجنشيتن؛ صدق تجلّى في الخيبة، وفي الاعتراف بها. وهذا الصدق ذاته، الذي ترافق مع إيمان عميق بالمحبة، بمعناها الأبهى، سيجعلهما يتمسّكان بالأمل وبفكرة تغيير العالم والحلم ببناء عالم أكثر عدلاً؛ هذا الحلم الذي أطلق الثورة البلشفية وحرك ماركس وأنجلز والبلاشفة والفوضويين.</p>
<p>أشك في أن يكون تعالي فتجنشتين وأتباعه عن السياسة، وزهدهم المتصوّف، درباً لهذا التغيير. لا ينتج عن هذا الزهد إلا انتقادات ناعمة لا تطال صلب الظلم الاقتصادي إلا في قشوره، وتسليم رواقي نخبوي بعالم لا يتغير حقاً. في حين أن لفكر راسل العقلاني الرصين الواضح، ميزة التأثير الحقيقي والمباشر، في عالم تزداد فيه حدة الصراعات بفجاجة لا ترحم.</p>
<p>لم تتسع ثورة أكتوبر ليسار مختلف صادق، يحلم هو أيضاً بالتغيير: لم تتسع لأمثال راسل، لفيلسوف عقلاني منطقي فوضوي، يرفض بوضوح ودقة الماركسية؛ ولا لأمثال فتجنشتين، لفيلسوف زاهد لا يعرف بدقة كنه الماركسية، ولكنه يعرف بالقلب ماهية العدل الغائب. لذا، انتهت مغامرات راسل وفتجنشتين في بلاد البلاشفة بخيبة صادقة، وبأمل لم تنجح هذه الخيبة في جرّه إلى التماثل المميت الذي غطّى طوفانه على كل الآمال. </p>
<p>يبقى لنا اليوم أن نتفكّر فيما جمع المتناقضات في مواجهة التماثل الميت: الصدق الجارح؛ وأن نتفكّر في كيفية تفادي المزيد من الخيبات، عن طريق الاحتفاء بالاختلاف، من العقلانية الفوضوية الصارمة إلى الزهد شبه الديني الميتافيزيقي، وما بينهما من آمال لا مهرب منها. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18939">مغامرات راسل وفتجنشتين في بلاد البلاشفة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ثورة أكتوبر… الآن</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18936</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سلامة كيلة]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 04 Oct 2017 23:20:16 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[في الماركسية]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a3%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d9%86/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كل الصراعات الفكرية والمطلبية والسياسية التي جرت طيلة عقد من الزمان (1897/1917)، تكثفت في أكتوبر. حيث كان يجب اتخاذ قرار حاسم بالثورة. كان واضحاً أن المشاركة في الحرب الأولى قد زادت من مشكلات الشعب، حيث تزايد الفقر والبطالة، وأصبحت الحرب تستهلك ميزانية الدولة. لهذا ربما منذ سنة 1916 أخذت حالات الاحتجاج تتصاعد، ومع تفاقم أزمة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18936">ثورة أكتوبر… الآن</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>كل الصراعات الفكرية والمطلبية والسياسية التي جرت طيلة عقد من الزمان (1897/1917)، تكثفت في أكتوبر. حيث كان يجب اتخاذ قرار حاسم بالثورة. كان واضحاً أن المشاركة في الحرب الأولى قد زادت من مشكلات الشعب، حيث تزايد الفقر والبطالة، وأصبحت الحرب تستهلك ميزانية الدولة. لهذا ربما منذ سنة 1916 أخذت حالات الاحتجاج تتصاعد، ومع تفاقم أزمة الدولة كانت الوتيرة في تزايد. وأخذ الجنود يفرون من أتون الحرب، التي ظهر أنها عبثية بالنسبة لهم، حيث تدور بين إمبرياليات كل منها يريد النهب والسيطرة والاستعمار. وقد ركّز تكتيك البلاشفة على هذه المسألة في مواجهة أحزاب الأممية الثانية التي اتخذ كل منها سياسة "الدفاع عن الوطن"، فوقف مع برجوازيته. وهذا كان موقف المناشفة كذلك.</p>
<p>فرض كل ذلك نشوب ثورة شباط/ فبراير سنة 1917، التي كما أشرت أوصلت الأحزاب البرجوازية إلى السلطة بدعم منشفي. كان واضحاً أنها لا تحمل حلاً لمشكلات الشعب، ولا تريد وقف الحرب وتحقيق الاسلام، هذا ما حدسه (أو فهمه) لينين، الذي كان يفهم طبيعة البرجوازية جيداً، ويعرف أنها لن تحقق مطالب الفلاحين في الأرض، ولا مطالب العمال بأجر أفضل، ومن ثم لا تريد الخروج من الحرب كي لا تخذل حلفاءها: البرجوازية الإنجليزية الفرنسية. لهذا عرف بأن الأمور لن تستقرّ وأن ثورة أخرى قادمة لا محالة، وليس في وقت بعيد، الأمر الذي دفعه لأن يعلن إستراتيجية جديدة تتعلق بهدف الثورة القادمة.</p>
<p>لقد بنى إستراتيجيته سنة 1905 انطلاقاً من موازين القوى الطبقية، ومن قدرة الحزب البلشفي الواقعية، لهذا طرح شعار الدكتاتورية الثورية للعمال والفلاحين. لكن الوضع تغيّر كثيراً، فرغم بقاء وضع الفلاحين كما هو، فقد تراجع دورهم في الثورة، مقابل تصاعد دور البروليتاريا، التي باتت تمتلك حزباً قوياً متماسكاً وفاعلاً. هذا الأمر جعل لينين يطرح في نيسان/ إبريل "موضوعات" جديدة تتعلق بسياسة الحزب إزاء الثورة، فقد رفع شعار دكتاتورية البروليتاريا، حيث أصبحت البروليتاريا قادرة على قيادة الثورة والاستيلاء على السلطة كما أشار. وحين ووجه باختلاف الشعار عما كان سنة 1905، حيث ظل من البلاشفة من يتمسك بذاك الشعار القديم، أجاب لينين بكل بساطة الوضع تغيّر، وأن البروليتاريا باتت قادرة بدعم الفلاحين الاستيلاء على السلطة. فقد تغيرت موازين القوى الطبقية، حيث أصبحت البرجوازية في السلطة، وحولها رهط من الفلاحين (جناح من الاشتراكيين الثوريين) والفئات الوسطى (المناشفة)، وباتت الطبقة العاملة أقوى وأشدّ بأساً، وقادرة على اجتذاب الفلاحين خلفها. خصوصاً أن لينين لم يطرح أن الهدف هو تحقيق الاشتراكية، بل أكد في الموضوعات على أن: ليس "تطبيق" الاشتراكية بعد، فهو معني بحلّ مسألة الأرض، ووقف الحرب، والخبز.</p>
<p>إذن، لقد بات استلام السلطة على أجندة الحزب، وبات عليه التحضير الجدي لهذا الأمر. كانت النظام الجديد قد وجه ضربة للحريات وقمع الأحزاب في حزيران/ يونية، الأمر الذي فرض العودة إلى السرية. لكن تصاعد الاحتجاجات، وزيادة هرب الجنود من الجبهة مع ألمانيا كان يعطي الأمل بأن الثورة قادمة، وأن الشعب سينهض من جديد. في سبتمبر بات واضحاً أن الثورة على وشك الانفجار، وأن على الحزب تنظيم خطة الاستيلاء على السلطة. </p>
<p>"لقد كانت الظروف التي تنبأ بها لينين في "أطروحة إبريل" على أنها تبرر الانتقال إلى المرحلة الثانية من الثورة تنضج بسرعة" إذن كما كتب إدوارد هاللت كار في سفره «ثورة البلاشفة 1917 – 1923». لهذا أعلن لينين أواخر شهر سبتمبر/ أيلول بعد أن استبدّ به تردد "الرفاق" مقالة بعنوان «نضجت الأزمة». وانتقل حينها من فنلندا التي هرب إليها بعد الهجوم على الحزب، إلى قرية على حدود روسيا لكي يكون قريباً من الأحداث، ومن ثم عاد متخفياً إلى بتروجراد. وكان منظور لينين يقول: "لأني أعتقد اعتقاداً جازماً أننا لو "انتظرنا" حتى مؤتمر السوفيات وتركنا اللحظة الحاضرة تفلت من أيدينا، سندمر الثورة“. هذا ما كتبه إلى اللجنة المركزية قبل أن يصل إلى بتروجراد. لكن حال وصول انعقدت اللجة المركزية وقررت "التمرّد المسلح" الذي بات يتولاه تروتسكي العائد إلى الحزب بعد هجران طويل.</p>
<p>هذه الخطة التي أثارت انقسامات في الحزب بعد أن رفض بعض قادته (زينوفيف وكامينيف) التقدم من أجل الاستيلاء على السلطة. لكن الحزب قرّر الأمر، وليس من مناص لتحضير القوى، حيث أن الوضع على وشك الانفجار، وحيث بات يتزايد عدد الجنود الفارين من الجبهة. زينوفيف وكامينيف فضحا الخطة في مقال كتباه يشير إلى قرار الحزب بالاستيلاء على السلطة، ولا شك في أن هذا الأمر أربك الحزب حيث باتت خطته مكشوفة. ورغم مطالبة لينين بفصلهما من الحزب كخونة، إلا أن الأمور كانت تندفع بشكل متسارع. وأصبح الشعب يملأ الشوارع والجنود يتمردون. ومن الواضح أن السلطة باتت ضعيفة، عاجزة، وبلا قرار.</p>
<p>كانت انتخابات السوفيتات قد أظهرت نجاحاً كبيراً للبلاشفة في بتروجراد وموسكو خصوصاً، وكان الميل لأن تقرر مجالس السوفيت تغيير النظام. وكان الكل في انتظار اجتماعها من أجل ذلك، الاجتماع الذي كان في 20 أكتوبر وتأجل إلى 25 أكتوبر. وكانت اللجنة المركزية في الحزب البلشفي تراهن على الاجتماع، ولهذا كانت تنتظر انعقاده كذلك. أما لينين فقد كان "محتجزاً" في بيت بعيداً عن الأحداث، حيث كان واضحاً أن قيادة الحزب كانت تماطل رغم قرارها القيام بانتفاضة مسلحة، بينما كانت تروتسكي يحضّر لها. ولمعرفة لينين ببنية القيادة "هرب" من مخبئه متجهاً إلى القاعة التي كان يحتشد فيها الآلاف، وتلقى فيها الخطابات، ليصعد إلى المنصة ويقول بكل وضوح: بالأمس كان قرار الثورة خاطئاً، وغداً سيكون متأخراً، الآن. هذه هي ثورة أكتوبر. </p>
<p>منْ يتابع مسار لينين ومجمل كتاباته يلمس أنه يمسك بقرون التاريخ، أو يعي كل حركة يتقدم فيها الواقع، ويعرف ماذا يفعل لكي يطوّرها وفق المنظور الذي يوصل إلى ما اعتبر أنه ضرورة، ليس نتيجة إرادوية بل نتيجة تحليل عميق للواقع ذلك، وتلمّس ما يؤدي إلى تغييره، سواء في سياق الصراع المجتمعي الذي كان يتلمس أنه يتطور لدى العمال والفلاحين، أو في دور الذات/ الحزب الذي يجب أن يرتبط بهذه الطبقات، ويهم في تطور وعيها وقدراتها وتنظيمها. ويلمس بالتالي كيف أنه يربط الذاتي بالموضوعي، ويجدلهما جدلاً لكي يقودا إلى الانتصار. فهو يعرف أن العمال والفلاحين مستمرون في الثورة لحين تحقيق مطالبهما، وأن البرجوازية ليس لديها مصالح في تحقيق هذه المطالب، وبالتالي أن ثورية هاتين الطبقتين مستمرة. ويعرف أن على الماركسي، بالتالي أن يحقق هذه المطالب وهو يسعى إلى الوصول إلى الاشتراكية، وبالتالي عليه أن يؤسس كتلة طبقية موحدة، رغم اختلاف مصالح العمال والفلاحين، وأن يصبح الحزب هو المعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء، لكي يستطيع الاستيلاء على السلطة. ولا شك في أن العمق النظري الذي امتلكه، وتشرّب الجدل المادي (الجدل الذي كان يعتبر أنه مقياس الماركسي من غيره)، كان يسمحان له بكل ذلك.</p>
<p>لكن، كل ذلك تحقق في مسار عشرين سنة، ويمكن القول أنه تكثّف في أكتوبر سنة 1917، حيث ظهر واضحاً فهمه لمسار الواقع الذي لم يكن ناضجاً في أغسطس/ آب نتيجة ضعف تغلغل الحزب في السوفيتات، لكنه أخذ ينضج منذ سبتمبر/ أيلول، وبات حتمياً التقدم للقيام بالثورة، فقد نضج الوضع، بات للحزب قوة في السوفيتات، وأصبحت الأحداث تصبّ في صالحه نتيجة دقة تحليلاته ومواقفه (التي كان لينين هو الضابط لها). رغم أن نضج قادة الحزب لم يكن على مستوى نضج لينين، وكان متأثراً بميول منشفية بشكل ما، أو مراهناً على التراكم الكمي الذي يمكن أن يحدث في وضع السوفيتات لمصلحة الحزب فتحسم الأمور "سلماً". بينما كان لينين يلمس منذ انقلاب كورنيلوف الفاشل أن الانتقال السلمي من الحكومة المؤقتة التي شكلتها البرجوازية، وضمت اشتراكيين، إلى "كل السلطة للسوفيات"، لم يعد وارداً. وأنه إما تجري المراهنة على السوفيتات وتضعف همة الشعب الثائر دون أن تحقق شيئاً، أو التمرد المسلح الداعم لتظاهرات واحتجاجات الشعب.</p>
<p>التقاط اللحظة الثورية هو ما صنع ثورة أكتوبر، وهي اللحظة التي تلمسها لينين، ودفع الحزب بكل قوة لكي يتقدم ويزحف على "قصر الشتاء". وهو الأمر الذي يوصل إلى نتيجة أنه لا يجب المراهنة على ما هو ممكن حينما يكون ما هو حتمي باليد. حيث يمكن أن يهرب الممكن ويتلاشي بينما الحتمي حتمي. لهذا، مع ضعف النظام وتوسع الاحتجاجات والتمرد في الجيش، والانتفاضات في الريف، وتنظم السوفيت في المدن الرئيسية (بتروجراد وموسكو)، وانتظام الطبقة العاملة تحت راية الحزب، كان التقدم إلى السلطة هو الخيار الوحيد الصحيح، حيث أن كل الظروف مهيئة، ولم تعدْ بحاجة سوى إلى "دفشة"، وهذا ما قام به لينين حين قال: بالأمس خطأ وغداً متأخر، الآن.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18936">ثورة أكتوبر… الآن</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«فتيان الزنك» لسفيتلانا أليكسييفيتش.. ليس للحرب سوى وجه واحد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18919</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 25 Sep 2017 11:09:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[قرن على أكتوبر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%86%d9%83-%d9%84%d8%b3%d9%81%d9%8a%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%a7-%d8%a3%d9%84%d9%8a%d9%83%d8%b3%d9%8a%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%aa%d8%b4/</guid>

					<description><![CDATA[<p>توثق البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش (نوبل 2015) في كتابها «فتيان الزنك» واحدة من أهم الحقب التي عاشها الاتحاد السوفيتي قبيل انهياره عام 1991، إبان حرب أفغانستان (1979 – 1989)، بنقلها تفاصيل غير مرئية على لسان جنود تحولوا معها إلى شهود أفرغوا ما في صدورهم من معاناة عاشوها أثناء تواجدهم في الحرب، وعادوا حاملين معهم أمراضهم المزمنة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18919">«فتيان الزنك» لسفيتلانا أليكسييفيتش.. ليس للحرب سوى وجه واحد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>توثق البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش (نوبل 2015) في كتابها «فتيان الزنك» واحدة من أهم الحقب التي عاشها الاتحاد السوفيتي قبيل انهياره عام 1991، إبان حرب أفغانستان (1979 – 1989)، بنقلها تفاصيل غير مرئية على لسان جنود تحولوا معها إلى شهود أفرغوا ما في صدورهم من معاناة عاشوها أثناء تواجدهم في الحرب، وعادوا حاملين معهم أمراضهم المزمنة فأصبحوا أشخاصاً مختلفين عن السابق بهلوساتهم، واضطراباتهم النفسية.</p>
<p>وأرادت أليكسييفيتش بعنوانها «فتيان الزنك» أن تدل على أولئك الجنود الذي عادوا من أفغانستان جثثاً محمولة داخل توابيت مصنوعة من الزنك، وشارك الاتحاد السوفيتي في حرب أفغانستان بأكثر من نصف مليون مقاتل، خسر فيها ما يزيد عن 15 ألف مقاتل، لكن الأحياء من بقوا على قيد الحياة حملوا منها جروحاً لن تندمل مع مرور السنين.</p>
<p>تروي شخصيات أليكسييفيتش الواقعية ما انتظرها من مجهول عندما سارت أقدامهم إلى الحرب، جمعتها ضمن فصول قصيرة في كتاب لا يمكن تصنيفه بالعمل الروائي، إنما تقرير سردي، أو مقصوصات حكائية عن أهوال الحرب، اختصرت دورها بطرح الأسئلة تاركة لشخوصها فضاء الحديث عن تجربتهم المليئة بجثث الأصدقاء المتناثرة على الجبهات، إصابات خلفت عاهات دائمة لأصحابها، حالات ذعر دمرتهم، والكثير مما يمكن أن يتخيله المرء عن حياة الجنود الذين ذهبوا إلى جبهات الحرب الأفغانية.</p>
<p>المقابلات التي أجرتها صاحبة «ليس للحرب وجه أنثوي» مع الجنود تكشف جانباً مهماً من تخبط في نفسيتهم، وتعكس ما أرخى عليهم الأمر من تبدل لحيواتهم السابقة عجّل في تنميتها ما رأوه بأم أعينهم: "أنا اعتدت على موت الآخرين، بينما كنتُ أخشى أن أموت"، وأحلامهم الصغيرة التي كانوا ينتظرون انتهاء الحرب لتنفيذها: "ثمّة ثلاثة أحلام للجندي: شراء وشاح رأس لأمه، وطقم أدوات تجميل لصديقته، وله شخصياً سروال سباحة، فلم تكن هذه السراويل متوفرة في الاتحاد السوفياتي آنذاك. تلكم هي الحرب“.</p>
<p>الشهادات المدونة في «فتيان الزنك» -نقلها للعربية عبدالله حبه (دار ممدوح عدوان 2016)- جمعت مقابلات متعددة لجنود أوكلوا بمهام مختلفة لكنها اتفقت في منحى خوفهم من مخالفة الأوامر العسكرية التي كانت من أهم العوامل المؤثرة على الاضطرابات النفسية، تقول إحدى الممرضات اللواتي كنّ في أفغانستان: "كان في وسعنا إنقاذ البشر، لكننا لم نستطع حتى كتابة الحقيقة في تبليغات الوفيات“.</p>
<p>وكتاب «فتيان الزنك» واحد من بين عدة كتب ابتكرت فيها أليكسييفيتش نوعاً جديداً للأدب الروائي يعتمد على أصوات متعددة كما هو الحال في كتابها «آخر الشهود» الذي يتحدث شخوصه عما عاصروه إبان الحرب العالمية الثانية، وهو السبب الذي دفع الأكاديمية السويدية منحها جائزة نوبل للآداب 2015 لأنها "ابتكرت نوعاً أدبياً جديداً"، وأنتجت أعمالاً "متعددة الأصوات تفند معاناة عصرنا وشجاعته"، كما منحتها إدارة معرض فرانكفورت للكتاب جائزة السلام عام 2013.</p>
<p>أمهاتٌ فقدن أولادهنّ الوحيدين في الحرب الأفغانية مع غياب تام للقانون، تصرخ أم تلقت رسالة حديثة من ولدها الوحيد الذي أُوفد إلى كابل قبل أن يعود جثةً هامدة، "حتى في زمن القيصر كان المعيل الوحيد لا يؤخذ للجيش“. ربما هي قدرة الآخرين على النطق بالكلام الحرام، بعد عشرات السنين على انهيار روسيا القيصرية يتذكر أهلها عدل القيصر في بعض القوانين، وكانت مع هذه الصرخات يسير الاتحاد السوفياتي للانهيار أيضاً.</p>
<p>لوحات مليئة بالألم على لسان الطبيبات والجنود والفنيين تنقلها أليكسييفيتش بأمانة للقراء حتى يكونون على إلمام بصورة واضحة عن الحرب التي لم يعرف الجنود الروس أنفسهم لماذا يقاتلون فيها! كان عليهم الالتزام بالقوانين العسكرية دون معارضتها، كان عليهم أن يفعلوا كل شيء يطلب منهم بدون اعتراض، "سيرسلوننا إلى أفغانستان، لماذا أنا؟ أنت أعزب" هكذا وجد أحد الضباط نفسه مرمياً في الحرب الأفغانية.</p>
<p>تخبر إحدى الموظفات القادمات من أفغانستان الكاتبة ما كانت تقول لها الممرضات في قسم الأطراف المبتورة: "هناك لا يحب أي أحد الحديث عن المستقبل، كما لا يتحدثون عن الحب. يبدو أن من الرعب أن يموت أحدهم سعيداً". وهناك أيضاً كانت الروايات عن أشخاص أصابوا أنفسهم بأمراض وطلقات مجانية حتى يتجنبوا ويلات هذه الحرب، وهناك كان كل شيء مسموحاً إلا الفرار من ساحة المعركة لأنها تعتبر خيانة للرفيق الأكبر، وما كان مجهولاً عن هوامش السياسة السوفياتية صار متاحاً معرفته في أفغانستان.</p>
<p>في حرب تجنب إعلام السوفييت الحديث عنها تنقل أليكسييفيتش مع شخوصها أحداثها بشفافية دون أن تهتم بأي رقيب، ومثلها يروي الناجون شهاداتهم عن أحداث لم يعرفوا لها تفسيراً "كانت الصحف تلتزم الصمت أو تكذب، والتلفزيون أيضاً. الآن يكتبون أننا محتلون. لو كنّا محتلين فلماذا أطعمناهم، وقدمنا لهم الأدوية؟ ندخل إلى قرية ما، فيفرحون بقدومنا.. نخرج، فيفرحون أيضاً.. وهكذا لم أفهم، لماذا كانوا يفرحون دائماً؟“.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="400" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/29748222-266x400-1.jpg" style="float:left" width="266"><br />
"أصبحت أرملة في عمر 24 عاماً (...) لقد أحببته طوال خمسة أعوام، بينما أحبه ميتاً طوال ثمانية أعوام. ربما أنا مجنونة.. أنا أحبه"، صرخة أخرى لزوجة جندي عاد بتابوت من الزنك إلى موسكو تكشفها أليكسييفيتش، حقيقة جديدة عن حرب لم ينج منها الأحياء قبل الأموات، شخوص فتحت الطريق لألسنتها حتى تبوح بما كان مسكوتاً عنه، صمتاً كان يفرضه العسكر في دول الاتحاد السوفياتي على أسر الضحايا حتى يتجنبوا شكوكهم بالهزيمة.</p>
<p>وربما هذا السبب الذي أوصل بكاتبة «فتيان الزنك» للمحاكم بعد أن رفعت ضدها "أمهات المقاتلين الأمميين" دعوى قضائية لأنها قدمت "أولادهنّ كرجال آليين، قتلة بلا روح ونهابين ومدمني مخدرات ومغتصبين"، لم يكنّ يعلمنّ أن سفيتلانا أليكسييفيتش ستوصل أصواتهنّ مع من تحدث من الجنود إليها إلى كامل الأراضي السوفياتية قبل العالم، منحت فيها الآخرين فرصة لمعرفة الوجه الآخر للحرب.. فرصة لمعرفة روايتين لا بد من تناقضهما.. واحدة على لسان السوفييت.. والثانية يرويها الضحايا الناجون من إرسال جثثهم إلى معرض الجثث قبل عودتهم للوطن. </p></div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18919">«فتيان الزنك» لسفيتلانا أليكسييفيتش.. ليس للحرب سوى وجه واحد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-30 00:12:11 by W3 Total Cache
-->