نجيب محفوظ... أن تكون إنساناً عادياً

2020-07-10 01:00:00

نجيب محفوظ... أن تكون إنساناً عادياً

وطلب لقاء نجيب بعد نشر روايته "زقاق المدق" وذهب إليه نجيب وأشاد بالرواية وأسداه نصيحة بأن يحذر من كتابة الأدب الواقعي لأنه يسبب لصاحبه مشاكل جمة مثلما حدث للأدباء الواقعيين الأوروبيين ولأن مصر لم تتعود على فن الرواية.

خلال لقاء ثمانيني مُتلفز، يجلسُ وعلى قسمات وجهه الهادئة ابتسامة وقد تجمّع من حوله الصحافيون وتلاصقه بالمجلس ممثلة، كانت بطلة مسرحية اقتُبست من إحدى رواياته، تسأله وهي بكاملِ دهشتها وتقديرها لتواضعهِ بعد أن حصد نوبل للآداب أن يوجه رسالة لمن يحقق نجاحاً ثم يصيبه الغرور بأن يأخذ من تواضعه أمثولة.  ليقول لها مبتسماً هادئاً :" إن أردت أن أحث أحداً ما على التواضع لن أكون متواضعاً حينها".

رفض نجيب محفوظ كتابة سيرة ذاتية عن حياته لإيمانه بأنها حياة عادية ليس فيها ما يثير الاهتمام ولعل  ما فعله الناقد رجاء النقّاش في محاورة هذا الأديب والإنسان بكافة تحولاته وتناقضاته، فكرة يُحترم عليها، فحياة نجيب محفوظ ثرية وحافلة وأقل ما يمكن وصفها بأنها أرشيف تاريخي وإنساني قيّم وهام، وبجانب ثقله وأهميته كأديبٍ أسس الرواية المصرية، فقد كان شاهداً متزناً على أهم التحولات السياسية والاجتماعية والفنية والأدبية في تاريخ مصر بدأً من ثورة 1919م التي تشبع بروحها وبأفكار زعيمها سعد زغلول ثم  ثورة يونيو  1952، مروراً بصعود أحزاب سياسية واندثار أخرى وصولاً  لآخر ما عاصر من رؤساء مصر وهو حسني مبارك، الذي منحه قلادة النيل العظمى بعد أن أدرك أهميته كرمز فكري مصريّ بعد فوزه بنوبل للآداب وقد كشفت ابنة محفوظ بعد ثلاثين عاماً من تاريخ منحه القلادة أنها كانت قلادة مزيفة ولم تكن من الذهب الخالص حسبما يُفترض.

لم يذهب محفوظ لاستلام جائزة نوبل وأرسل ابنتيه عوضاً عنه، لأنه لم يكن من هواة الظهور أو السفر، فلم يسافر في مجمل سنوات حياته الأربعة والتسعين سوى مرات معدودة لحدة مزاجه المنطوي كان يمتعض من أي طارئ من شأنه أن يُفسد عليه نمطية يومه، تقول ابنته أم كلثوم: عندما جاء خبر فوزه توافد إلى منزلنا الأصدقاء والأقارب والصحافيون، وتصف لقد أفزعني المشهد فهذه أول مرة يحتشدُ هذا العدد من الناس في منزلنا الذي لم يدخله أحد سوى الأديب ثروت أباظة، لقد ظننتُ بدايةً أنه ثمة حدث سيء قد أصابه. ليهرع كل الحضور وراء صاحب الثلاثية الذي خرج وقتذاك إلى جلسات الحرافيش في كازينو قصر النيل بعد أن أتم ما عليه من القراءة والكتابة مثلما اعتاد فعله بالأيام العادية، وتعود تسمية الحرافيش للفنان أحمد مظهر مؤسس الشلة من الأدباء والمفكرين والفنانين الذين كانوا يجتمعوا في كازينو قصر النيل مع نجيب محفوظ.

فضل نجيب الأدب على الفلسفة بعد صراع داخلي عاشه طويلاً، لأنه كان يرى بأن الأدب العربي يشحُ فيه فن الرواية، فالأعمال الروائية التي كانت متوفرة محدودة وكانت أقرب للسيرة الذاتية، بدأ محاولته الأولى متأثراً بالتاريخ الفرعوني القديم فكتب بالتاريخ، ثم توسع بعد ذلك في قراءة الأدب العالمي وأدرك أن للرواية دوراً أكثر أهمية و تأثيراً في معالجة القضايا الاجتماعية، فاتجه للواقعية .

تأثر نجيب محفوظ بالعديد من الأدباء العرب والعالميين وكان من أبرز الأدباء العرب الذين تعلم منهم طه حسين والعقاد وإبراهيم المازني وتوفيق الحكيم وسلامة موسى. كان يقرأ أعمالهم بتوسع وعلى الرغم من تأثيرهم الكبير عليه إلا أنه لم يسعَ لمقابلتهم أو الاتصال بهم شخصياً فكان يترك الأمر للصدفة.

وكان توفيق الحكيم الوحيد الذي اعتبره نجيب قريناً لروحه، التقاه عام 1947 بعد نشره لرواية "زقاق المدق" وطلب الحكيم لقاء نجيب واستمرت لقاءاتهم لعام 1987 وكانت رواية "عودة الروح" من أكثر ما أحب نجيب محفوظ للحكيم وأثرت كثيراً على أعماله الروائية، يقول توفيق الحكيم  " لولا نجيب محفوظ ما قامت للرواية العربية قائمة".

وكان اللقاء الأخير بينهم مؤلماً على نفس محفوظ حيث ذهب قبل وفاة الحكيم بأيام، للمشفى الذي كان يرقد فيه وقد كانت حالته الصحية متدهورة ويقول محفوظ " لم أتمنى له الحياة بهذا الشكل يتوهم أشياء غريبة ويشتكي لي من الممرضة التي تريد دس السم له".

وعن العقاد فيقول "لقد تعلمت منه الحرية السياسية والحرية بمعناها الفلسفي بقلمه وسلوكه في سبيل الحرية سجن عام كامل وتعلمت منه كرامة الأديب كما يجب أن تكون، الأدب رسالة روحية مقدسة وأن للأديب كرامته التي تساوي كرامة السياسي وغيره وتفوقهم".

وكانت لديه بعض التحفظات على بعض من مواقف العقاد حيث كان يصفه بالعقل الموسوعي ذا الطبيعة الداخلية الصعبة والحساسة، حيث أفسدت عليه عصبيته حياته الحزبية ما تسبب بخروجه من حزب الوفد بعد خلاف مع زعيمه سعد زغلول، واستنكر محفوظ هجوم العقاد على مدرسة الشعر الكلاسيكية ورائدها أحمد شوقي.

أما عن ابراهيم المازني فكان نجيب من المدمنين على قراءة أعماله وفي أغلب الحوارات الإعلامية كان يذكر أنه تأثر وأحب المازني ويقول عنه: " كان فريداً بالتعبير الساخر وكان من الممكن أن يكون له شأن خطيراً بالأدب لو أخذ الأمر بجدية أكثر فالمازني كان غارقاً بالعمل الصحفي والبحث عن لقمة العيش والتي في سبيلها تنقل في العديد من الأحزاب السياسية".

وطلب لقاء نجيب بعد نشر روايته "زقاق المدق" وذهب إليه نجيب وأشاد بالرواية وأسداه نصيحة بأن يحذر من كتابة الأدب الواقعي لأنه يسبب لصاحبه مشاكل جمة مثلما حدث للأدباء الواقعيين الأوروبيين ولأن مصر لم تتعود على فن الرواية.

كانت علاقة نجيب محفوظ بسلامة موسى مقتصرة على نشر الأخير لكتابات محفوظ عندما كان طالباً بالثانوية في مجلة " المجلة الجديدة" فصاحبها سلامة دُهش من كتابات محفوظ وظل ينشر له إلى أن تخرج من الجامعة وأصبح من كتّابها، تأثر بأفكار وكتابات سلامة التي وصفها بالأفكار الحداثية ويقول: "من خلاله عرفنا معنى الاشتراكية والفاشية وحرية الفكر والكثير من المصطلحات الغربية التي كانت جديدة علينا".

وبجانب أهمية معاصرته لأولئك الأدباء وما تركوه من أثر، شكلت الوظيفة للأديب متحفاً بشرياً يستوحي منه الشخصيات ويقحمها في أدبه ويقول في هذا الصدد "الوظيفة أخذت نصف يومي لمدة 37 سنة علمتني النظام وأمدتني بنماذج بشرية لها الأثر في كتاباتي". تنقل نجيب بالعديد من الوظائف الحكومية معظم سنوات حياته، وكان يتمنى لو استطاع التفرغ بشكل كامل للأدب مثلما فعل العقاد، ظلّ نجيب يقدم للعالم الأدبي بغزارة سنين طويلة دون عوائد مادية أبداً، ولو حققت إنتاجاته الأدبية وقتها إيراداً  كافياً  لما تردد بقرار الاستقالة والتفرغ للأدب.

كان نجيب مدركاً لواقع المجتمع المتكتلُ بالبيروقراطية التي تحدد قيمة الإنسان من خلال مكانته الوظيفية، فالوظيفة هي التي تمدُ الإنسان بالواجهة والنفوذ، وكان من أشد المعجبين بُحرية وخلاص العقاد، لأنه تمتع  بمكانة ونفوذ بين الناس دون الانخراط في عجلة البيروقراطية، وكان يخيف البيروقراطيين حب الناس له، يقول نجيب محفوظ "لا أستغرب رؤية  أديب نابغ يبحث عن وظيفة في مؤسسة أو يرأس صفحة أدبية ليصبح نجماً بالموقع وليس بالقيمة الحقيقة وقد يكون انتاج هؤلاء الأدباء جيّداً ويستحق الإشادة ومع ذلك فإنهم لا يتألقون إلا إذا حصلوا على وظيفة تتيح لهم الظهور". 

لاحقت في الآونة الأخيرة نجيب محفوظ اتهامات بالتطبيع بعد أن نشرت صفحات إسرائيلية رسالة منسوبة للأديب، وتعود الرسالة لثمانينات القرن الماضي وقد قال نجيب عن الأمر بأنه فوجئ وقتها برسالة من طالب أمريكي يدرس في جامعة أمريكية يعمل على إعداد رسالة الدكتوراه خاصته وكان موضوعها كتابات الأديب وقد أرسل له وقتها ما يحتاجه من معلومات. 

ليس سراً يخفى على أحد بأن كان الأديب من مناصري القضية الفلسطينية وقد أكد دعمه على حق الفلسطينيين في المقاومة ووصف الانتفاضة "ثورة أؤيدها دون شرط أو قيد وأن من واجب العرب دعم الانتفاضة بكل الطرق والسبل حتى تحقق هدفها النهائي وهو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة"، ومما جاء في خطابه للجائزة الذي أوكله لمحمد سلماوي نيابة عنه وقد خص جزء منه للقضية الفلسطينية:

"أنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون يهلك منه أقوام في آسيا ويهلك آخرون في أفريقيا  ملايين المواطنين قضي عليهم بالنبذ والحرمان من أي من حقوق الإنسان في الضفة وفي غزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض أبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم وهبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي، وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به، فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة رجالاً ونساءاً وشباباً وأطفالاً تكسيراً للعظام وقتلاً بالرصاص وهدماً للمنازل وتعذيباً في السجون والمعتقلات ومن حولهم مائة وخمسون مليوناً من العرب يتابعون ما يحدث بغضب وأسى، مما يهدد المنطقة بكارثة."