هيثم المدوري - مجلة رمان الثقافية https://rommanmag.com/archives/author/261rommanmag-com مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة Sat, 02 Nov 2024 08:42:05 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.6.2 https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png هيثم المدوري - مجلة رمان الثقافية https://rommanmag.com/archives/author/261rommanmag-com 32 32 ميشال سارس: أنادي مع البعض لنجدة الكوكب، لكن من يسمعنا؟ (ترجمة) https://rommanmag.com/archives/20312 Wed, 09 Dec 2020 11:20:57 +0000 https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%8a%d8%b4%d8%a7%d9%84-%d8%b3%d8%a7%d8%b1%d8%b3-%d8%a3%d9%86%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d9%84%d9%86%d8%ac%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d9%83%d8%a8/ أجراها سفان أورتولي لـ Philosophie magazine بحّار وابن ملّاح من ضفاف نهر غارون، لم يتوقّف ميشال سارس عن توجيه سهامه نحو مجالات فكريّة لم توطأ بعد. رجل مواجهات وبفلسفة “سائلة”، يسبح سارس تحت سماء مرصّعة بنجوم المعرفة ويخوض هذه الأيّام في أرجاء حقول النّصوص المقدّسة. مقابلة حول مستقبل الكوكب، الفرضيّات المعاصرة وملح الحياة مع رجل حوار، […]

The post ميشال سارس: أنادي مع البعض لنجدة الكوكب، لكن من يسمعنا؟ (ترجمة) appeared first on مجلة رمان الثقافية.

]]>

أجراها سفان أورتولي لـ Philosophie magazine

بحّار وابن ملّاح من ضفاف نهر غارون، لم يتوقّف ميشال سارس عن توجيه سهامه نحو مجالات فكريّة لم توطأ بعد. رجل مواجهات وبفلسفة “سائلة”، يسبح سارس تحت سماء مرصّعة بنجوم المعرفة ويخوض هذه الأيّام في أرجاء حقول النّصوص المقدّسة. مقابلة حول مستقبل الكوكب، الفرضيّات المعاصرة وملح الحياة مع رجل حوار، روحي بكل ما تحمله الكلمة من معاني.

هل أنت متفائل؟

قيل لي دائما أنّي متفائل إلى ما لا نهاية رغم أنّي لم أقل يوما أن العالم جيّد أو أنّه سيكون جيّدا: قلت فقط أنّه اليوم أفضل من الأمس. مع كل التحفّظات، فأبنائي يتمتّعون بحياة ممتعة أكثر من تلك التي عاشها والداي.

لكنّ ثقتهم في المستقبل أصبحت أقل؟

أوه! الثقة في المستقبل، هذا نسبيّ… بالنّسبة لوالداي الذين عايشا حربين عالميتين، لم يكن الأمر مطمئنا كثيرا. أمّا بالنّسبة لي، هناك مجال(١) كنت فيه فعلا متشائما. ناديت، مع البعض، لإنقاذ الكوكب، لإنقاذ الأنهار الملوّثة، الثلوج التي تذوب والمحيطات الغارقة في البلاستيك. لكن من يسمعنا؟ نحن لسنا كثيرين كفاية ليصدّقونا. معظم النّاس، وخاصّة أصحاب القرار، يفضّلون صمّ آذانهم. وكأنّهم يقولون: الأمر لا يعنينا أو هناك ما أهم من البيئة! الصّورة كارثيّة لكن كلاسيكيّة: فنحن ندرك أنّنا يوما ما سنموت لكن نصرّ على تجاهل ذلك. نفس الشيء، نحن نعلم أنّ الإنسانيّة تسير بخطى ثابتة نحو الكارثة، لكن نرفض تصديق ذلك، أوّ نفضّل التّجاهل.

بماذا تنصح الأجيال القادمة؟

أنا لن أعطيهم النّصائح لأنّ رجال ونساء اليوم يعلمون جيّدا، وأكقر ممّا أعلم، أن الكارثة قادمة! وأنّ هؤلاء هم من سينقذ العالم، إن أنقذوه. أمّا عن ما سيكون مستقبلهم، فلن أقع في تفاهة الوصف السّطحي: نستطيع القول عن المتنبّئين كما قال كاتون عن المنجّمين الهاروسبكس(٢) في روما: لا يمكن أن تراهم دون أن اضحك ممّا يفعلون! لذلك لا أقوم أبدا بالتّكهّنات.

لكنّك تؤكّد رغم ذلك أنّ المستقبل مظلم…

هذا ليس تكهّنا، هذا واقع. من المؤكدّ أنّ المستقبل مظلم. لكن ليس كل شيء قدرا مكتوبا. ولذلك، يمكن تفادي أي شي.

هل يعني هذا أن لا قدر مطلق (حتمي)؟ وأنّ الصدفة موجودة، في المجمل؟

من المعلوم لدى الدّاروينيين المعاصرين أنّ هناك محرّكين لحركة التّاريخ: الطّفرة، وهي مثل خطأ في الترجمة الجينيّة، والإنتقاء الطّبيعي مع إقصاء العناصر الضّعيفة. بلغة أخرى: “الصدفة و الضّرورة”، وهذا عنوان كتاب لصديقي “مونو(٣)”. لكن بالنّسبة لطرحك حول الحتميّة واللّاحتميّة، لم أحب يوما هذا المنطق الثّنائي (ثنائي القطب)، والّذي يبدو أنّه نتيجة لطفرة إنسانيّة، والتي، عبر البيولوجيا والثّقافة، قام بإجناب الأيادي والأفعال.

الإجناب(٤)؟

الجميع يعلم أنّ الأجنّة الذين يرضعون الإبهام الأيمن في الأرحام، يصبحون أيمنيين والعكس صحيح. هناك مجانبة جينيّة الأصل وهي ضروريّة للاتناظر جزأي الدّماغ. مثلا، النصف الأيسر من الدماغ يقع تخصيصه لمعالجة الأصوات. هذا الإجناب له دور، ولا شك في ذلك، في التّاريخ القبلي، عندما قسّم الإنسان الأدوار المختلفة بين يده اليسرى ويده اليمنى. في إستراتيّجيّته للتّأقلم مع المحيط، كانت هذه المرحلة ضروريّة حيث مكّنت الإنسان من صياغة بعض سلوكه، بما أنّه ظهر أنّ للأمر علاقة وثيقة بااللّغة البدائيّة(٥). لكنّ النّقطة المهمّة- قد إستعرت هذه الفكرة من عالم الألسنيّات الكبير أندريه مارتينيه(٦)- أنّ هذا الإجناب يحدث تفريعا ثنائيّا، كثنائيّة الرّوح والجسد، الإعتقاد والإلحاد، الشيء والموضوع: بإيجاز، إنّ تقسيم الجسم إلى يسار ويمين أنتج لغة تتحرّك عبر المتناقضات.

لكنّ الزّمان تغيّر: أنظر الحواسيب، نستعملوا كلتا يدينا عندما النقر على لوحة المفاتيح، مثل العزف على البيانو: أنظر شبكاتنا التي ترسم مخطّطات غير قطبيّة، لقد غادرنا منطقة الثّنائيّات (التجاذب البين-قطبي) وهذا الخروج يصاحبه طريقة جديدة في التّفكير. وهو ما إستدعاني للحرص الدّائم على مواكبة هذه الحركة عبر الإستنتاجات والمواجهة… مع مختلف الثنائيّات، يعني، مع موضوعات غير قابلة للقولبة (التّقولب). كلّ أعمالي تتناول هذا. مثلا في كتابي “هرمس” (Hermès)، الملائكة و الرهبان يحددون الإتصالات بين العلوم الصحيحة والإجتماعيّة، بين الصّلب واللّيّن. يرسمون جسر عبور بين الشمال إلى الغرب، إلى حد ظهور مؤلّفاتي الأخيرة: التخنّث (الإزدواجيّة الجنسيّة)، والأجسام المختلطة، والمتعلّم الثّالث، العقد الطّبيعي، مذراة عيد الشّعّانين، عشرة تجزيئات(٧)…

لا شكّ أنّنا اليوم نبتعد عن المجانبة. لهذا أفضّل إستقطاب المنطق الموجّه. أنظروا كم هو ثرّي: يكفي أن نطرحه داخل مصفوفة بسيطة لندرك أنّ وجودنا مختزل في هذا المربّع:

الذي يمكن أن يكون: هو الممكن، الذي لا يمكن أن يكون: هو المستحيل، الذي لا يمكن أن لا يكون: هي الضّرورة، الذي يمكن أن لا يكون: وهو الأهم، الجائز(٨) (النّسبي)، الصدفة.

هل يمكن أن تقودك الصدفة بعيداً؟

نعم، من المؤكّد، كان من الممكن أن أصبح رائد أعمال، أو نائب شعب -إقترحوا ذلك علي- أو أن أصبح ضابط بحريّة: لكن ها أنا، قد تجزّأت في إتجاه الفلسفة. هذا هو الاحتمال/التّصادف. هذا هو جوهر الحياة!

إنطلاقا من جوهر الحياة، هل يمكن أن نمرّ إلى معنى الحياة حسب ميشال سارس؟

فلنقل أنّي لا أرغب أن أموت قبل أن أكتب كتابا عن الدّين، يعني عن المجال الذي يعطي معنى للحياة، الذي لا يعطيه العلم ولا السياسة إلى حد ما. كيف لا يمكن إستخلاص أنّ الدين رابط كوني لأعمالي؟ عندما أكون وحيدا و أفكّر أنّي سأموت يوما ما، السؤال عن معنى الحياة يظهر لي طبيعيّا من منحى ديني، إذن وبالنّسبة لي على الأقل، في علاقة بالمسيحيّة. في الأديان التوحيدية الكبرى الثّلاثة، المسيحية هي الوحيدة التي تبدو لي دين أقرب إلى النّقاء، بما أنّ اليهوديّة ديانة تأسيسيّة والإسلام أقرب إلى السياسة و التّشريع.

دين أقرب إلى النّقاء؟

نعم، يعني دين تخلّى عن كل خاصيّاته الخارجيّة، دين أقل تسيّسا و تشريعيّة. من جهة أخرى، أظنّ المسيحيّة، وخاصة الكاتوليكيّة، تبدو متقدّمة في هذا الإتّجاه. ويعود ذلك إلى تلاقح العلم والإيمان وهو ما أدّى إلى التطهّر من الأوهام المضلّلة عن خلق الكون والإنسان. باختصار، أتبنّي فكرة أفلاطونيّة عن حقيقة مطلقة، كشمس تضيء العالم خارج المغارة (المألوف)، لفائدة شيء آخر هو أقرب إلى ليلة مضيئة بالنّجوم وهي حسب اعتقادي النموذج الأقرب إلى المعرفة. لأن الحقيقة لا يمكن إلّا أن تكون مرشدة وهناك دائما إشارات للحقيقة تضيء للذين يريدون أن يروها.

أنتم تتحدّثون دائما عن الدّين، لكن لا تتحدّثون عن الله؟ ماذا يعني هذا بالنسبة لكم؟

الله هو ذات، ومن الممكن فكرة، التي لا يمكن أن نجزم بشيء بشأنه، وجوده من عدمه. من زاوية اخرى، العلم الوجودي (الّلاهوتي) الوحيد المهم هو ذلك الذي يدّعي أن الله غير موجود.

إذا هل نستعمل مصطلح الإله، أم تفضّلون التّعالي(٩) (المفارقة)؟

علاوة على أنّهم علماء رياضيّات، الفلاسفة يعرفون أيضا أن المواضيع الرّياضيّة توجد كما توجد حقيقة الأفكار: مجموع زوايا المثلّث لا يمكن أن يكون شيئا آخر غير مجموع مستقيمين، 180 درجة! ليبنيز(١٠) لا يعطي غير ذلك إجابة للوك(١١) الذي يعتقد كل شيء هو مجموعة أحاسيس: إفعل بالرّياضيات ما تشاء، وسترى أنّه لا يوجد غير الأحاسيس…وأنّ هنالك عالم آخر أين يمكن أن نجري تجربة فعليّة يوضّح هذا. لهذا السبب أظنّ أنّه عندما يتحدّث دولوز(١٢) عن ” مساحة المحايثة(١٣)” (أو الكمون) لكي يفنّد فكرة التّعالي، لكّنه لا ينتبه إلى أن كلمة مسطّح تفترض مجالا ليتمدّد فيه! ولهذا، أفضّل كلمة إلا هي بدل التّعالي لأنّه وصف. وأختار الوصف المرن بدل المركّب الذي يفضي على التناقضات. في المركّب، التّصوّر (المفهوم) يعطّل الأمثلة، حيث يمكن أن يكون معرّفا، ممّا يحيل إلى نهاية وحدود، وهذا هو الجماد! لكن الوصف سائل، مثل فلسفتي: “أد جاكير(١٤)” (إرمي جانبا). أين الله؟ على جنب… لأنّ الله في كل مكان، فهو يفرّ دائما إلى الحضور والعقلنة.

هل تؤمنون بالله؟

لا أعلم إن كنت أومن بالله، هذا سؤال لا جواب له، لكن أعلم أنّ الروح الإلهيّة هنا أمامي، إنّها ليست مسألة إيمانية لكن مسألة حتميّة! الإله كلمة جميلة لأنّه في كلّ مكان لمن يريد أن يدركه، في قصيدة، إمرأة جميلة، عمل صالح…

الحياة جميلة…؟

بالتّأكيد، لكن ما هي الحياة الجميلة؟ حسب أي معايير؟ فلنعتبر من المسيح: إذا ما اعتبرنا النّجاح الإجتماعي، سيكون مثلا المنبوذ، محشورا مع غاليلي وعلماء آخرين، مهمّشون ينتهون على أيدي قطّاع الطّرق! لكن في العمق، وحسب تجربتي في التعليم و الفلسفة والإيمان، فإنّ داخل كل منّا نواة خاصة تقوده إلى حيث يتميّز. لكن يجب إكتشاف ذلك والسّعي وراءه. للأسف 99% من النّاس يدفنون قبل اكتشاف هذه النّواة. بالرّغم من أنّه عبر هذا الإكتشاف، يمكن المضيّ إلى حياة حافلة و صاخبة، ونوعا ما ناجحة.

 

هوامش

١- يقصد المجال البيئي و حماية الكوكب و التلوّث.
٢- هاروسبكس Haruspex كلمة لاتنينية تعني عراف أو رائي في العصور القديمة الذي يقرأ البرق ، وكذلك الذي يقرأ العلامات في أحشاء الحيوانات الأضحية . كان يُنظر إلى كبد الحيوان على أنه صورة مصغرة تعكس حالة العالم. (ويكيبيديا و نص المقال).
٣- جاك مونو: كيميائي و بيولوجي فرنسي
٤- أصل الكلمة هي Latéralisation ، وهي عمليّة المفاضلة الطبيعيّة للخصائص السّلوكيّة بين جنبي الدّماغ عند مراحل الطّفولة الأولى حيث يتحدّد مثلا ما إن كان الرّضيع سينشأ أيمنا إم أعسر (أشول). وفي معنى أعمّ، هيا مخالفة/مفاضلة بين جانب أيمن و آخر أيسر. مثلا: الجانب الأيمن للسيّارة أكثر بهرجة من الأيسر. هذا يسمّى إجنابا.
٥- مجموعة من الأصوات المختلفة والمحددة و ذات معاني مستقلة (معجم لاروس الفرنسي)
٦- عالم الألسنيّات الفرنسي André Martinet ، عاش خلال القرن العشرين.
٧- ترجمة حرفيّة لعناوين مؤلّفات للفيلسوف.
٨- الذي يمكن أن يأتي أو لا يأتي (معجم لاورس الفرنسي). أما في اللغة العربيّة فهو ما يعبّر عنه بالجائز.
٩- التّعالي : la transcendance هو لفظ المقابل للمحايثة ( مصطلح في الفقرة الموالية).
١٠- ليبنيتز: Leibniz: فيلسوف ألماني و عالم رياضيات إشتهر بعلم المنطق.
١١- لوك: John Locke: فيلسوف و فيزيائي إنقليزي
١٢- جيل دولوز: Gilles Deleuze: فيلسوف فرنسي من فلاسفة ما بعد الحداثة.
١٣- يدلّ لفظ المحايثة أو الكمون على وجود شيئ ما في شيء آخر وهو بهذا المعنى مقابل للفظ المفارقة أو التّعالي (Transcendance). والشيء الكامن في شيء آخر هو الّذي يكون موجودا فيه بصورة ضمنيّة ولا ينتج فيه بفعل خارجي. (معجم المصطلحات و الشّواهد الفلسفيّة لجلال الدّين سعيّد.)
١٤- Ad jacere

The post ميشال سارس: أنادي مع البعض لنجدة الكوكب، لكن من يسمعنا؟ (ترجمة) appeared first on مجلة رمان الثقافية.

]]>
مع دريدا فهمت أن الجنة لا توجد، لا على الأرض ولا في السماء (ترجمة) https://rommanmag.com/archives/20150 Fri, 17 Jul 2020 08:39:04 +0000 https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%b9-%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%af%d8%a7-%d9%81%d9%87%d9%85%d8%aa-%d8%a3%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a9-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d9%88%d8%ac%d8%af%d8%8c-%d9%84%d8%a7-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7/ كتبها جان لوك نانسي ونشرتها دورية فيلوسوفي ماغازين الفرنسية في ١٨/٠٣/٢٠٢٠ يعتبر جاك دريدا، أحد أكبر فلاسفة النظرية الفرنسية، كاتباً صعباً. إلا إذا اعتمدنا نصيحة صديقه جون لوك نانسي لقراءته بالاستماع أولا إلى “موسيقاه”، صوته، وباعتبار أنه سعى إلى إثبات أننا، في الحياة، لن نتزامن كليا مع ذواتنا. تعتبر قراءة جاك دريدا ثم مقابلته حدثا نوعيا […]

The post مع دريدا فهمت أن الجنة لا توجد، لا على الأرض ولا في السماء (ترجمة) appeared first on مجلة رمان الثقافية.

]]>
كتبها جان لوك نانسي ونشرتها دورية فيلوسوفي ماغازين الفرنسية في ١٨/٠٣/٢٠٢٠

يعتبر جاك دريدا، أحد أكبر فلاسفة النظرية الفرنسية، كاتباً صعباً. إلا إذا اعتمدنا نصيحة صديقه جون لوك نانسي لقراءته بالاستماع أولا إلى “موسيقاه”، صوته، وباعتبار أنه سعى إلى إثبات أننا، في الحياة، لن نتزامن كليا مع ذواتنا.

تعتبر قراءة جاك دريدا ثم مقابلته حدثا نوعيا مهماً في حياتي، حتى أنه أثر في توجهاتي وحياتي الفكرية. كان ذلك في السّتينات. كنت قد أنهيت دراسة الفلسفة وبدأت التّدريس. كتابه “الصوت والظاهرة” (1967) أوحى لي بالكثير، وكأني أشهد نشأة شيء جديد و أصلي، هذا بالإضافة إلى نفسه الفلسفي المعاصر. أستطيع مقارنة دهشتي حينها مع دهشة من يستمع لأوّل مرّة إلى موسيقى “”الرّوك” عبر الرّاديو في الخمسينات. كان إيقاعه رقيق ومختلف بالمقارنة مع أنغام الماضي السائدة. لقد كنت مهتمّا بأعمال فلاسفة معاصرين آخرين، بالتّحديد أساتذة السّوربون مثل “ريكور”، لكن داريدا كان يغرّد منفردا على غير المألوف. ومن هنا كان حضوره لافتا منذ ظهوره، في حياتي خاصة وفي تاريخ الفلسفة عموما.

الاختلاف المباغت كاللكمة

ماذا قدّم داريدا؟ في كتابه “الصوت والظاهرة”، يحلّل دريدا الحضور في الذّات. لكنّ الّذي بدى حاسما والذي كان له تأثير صاعق كلكمة مباغتة، هو فكرة أنّه في هذا الحضور، في اللّحظة التي تبدو حينيّة والتي تؤسّس للحضور في الذّات، يوجد فارق، مدّة، تقدّر بطرفة عين. ممّا يعني أنّه لا شيء يمكن أن يكون حاضرا فعليّا! هناك دائما ما يسميه داريدا “الاختلاف” الذي يشتقّه من الفعل “اختلف”. مفهموم الاختلاف هنا لا يعني فقط الإختلاف المفاهيمي البسيط بما يحمله ذلك من تضارب وتضاد بين لفظين، لكن الاختلاف هو موجود في شكل لا متناهي لدرجة لا يمكن معها وصل لفظ ما بلفظ آخر.  أي كأن يكون هذان اللّفظان هما الذّات للذّات (ذات داخل ذات)، أو البداية والنهاية، بما يعنيه ذلك من اللاّتزامن الذي نراه في زمن حياة ما. تطلّع دريدا إلى أن لا يفهم الاختلاف، الذي أسّس له في فلسفته، على أنّه كلمة أو مفهوم بسيط، وإنّما فعل مؤسّس أو تصرّف مستقلّ، وليس كما أراد منتقدوه أن يفهموا ذلك من إحالة أو تأجيل مبهم. إنّ استتبعات هذا الاختلاف ليست وجودية، و لكنها مرتبطة بما ينشق من الوحدة (الزمنية)، الاستمراريّة، خصوصا التّاريخ.

أظنّ أن فكرة دريدا تتماثل مع إنجازات سابقة. طالما تركز اهتمامنا حول المحطات الكبرى للحدث (التاريخي) والتاريخ. لكن جاء أخيرا شخص آخر بعد، بعد هيغل و هايدغر، أكّد أن الاستمرارية التّاريخية ليست حتمية(١). هيغل جعل من التاريخ موضوعا عندما أشركه في تكوين الرّوح. فيما يعارض هايدغر معجم كينونة الحاضر في العالم ومعجم الإنسان الغائب (الكامن) أيضا (Dasein) المتطلّع إلى الخارج، خارج ذاته الموجودة. اعتمد داريدا هذا التّناقض (التضارب/التقابل) وجعل منه قانونا عامّا للتفكير.

يجب أن نضع أنفسنا في السياق. في بداية السّتينات، كان التّاريخ شيئا مهما، و كنّا نسبح في فكرة أنّه يتقدّم في مسار أحادي ضروريّ. حاول سارتر حينها إحداث تجربة فكريّة جديدة من خلال كتابه “نقد العقل الجدلي”، و التي تتمثّل في حركة تدريجيَة انتصاريَة للتاريخ. أصابنا حينها إحساس عميق بالأسى صاحبه عدم الارتياح تجاه ذلك. لكن الحدث الأكبر حينها بالنسبة لنا كان حرب الجزائر والنّضال من أجل الاستقلال. هذا الاستقلال الذي أحرز بطريقة لم يتوقّعها أحد. في البداية كان هناك إعلان ديغول للحرب سنة 1958، وقد كنّا طبعا ضدّه، لقد سرنا جميعا في الشّوارع نصيح “الفاشية لن تمرّ”، وخلافا لكل التوقّعات، أعطى ديغول الاستقلال للجزائر. لم يكن لدينا فكرة عن الخلفية السياسيَة لذلك. في غضون سنتين قبل توقيع إتفاق إيفيان(٢)، كنا قد تنبأنا أن السيناريو المنشود الذي كنا توقعناه لما بعد الاستقلال هو مجرّد وهم. نزعة جبهة التحرير الوطنية نحو الشّمولية صارت واضحة. أذكر أنّني في صيف ما، كنت مشاركا في تأطير جملة من الأساتذة المستقبليّين الجزائريِين، واكتشفت أن إطارات جبهة التحرير يرفضون أن يدرس الطلاب بعض المواد بالخصوص، شعرت بحزن كبير حينها.

التاريخ لا نهائي

جيلي كان مغفلّا. مؤكد أن الجزائر نالت استقلالها، لكن بأيّ ثمن؟ وعندما تمّ الأمر، ماذا بقي لنا لنفعله؟ لا شيء. أتذكر سنوات عديدة كان الجميع يمضون في جميع الاتّجاهات. حتى أنا كنت ماويّا(٣) لفترة، والذي أوجب أن أكون منشغلا بتفاصيل الحياة اليومية في بيكين. وهذا أيضا كان نتيجته إحباط شديد في الأخير.

كل هذه الأحداث علّمتنا أن التّاريخ لا نهائيّ، وأنه لا توجد جنّة أرضيّة ولا سماويّة. بين كل هذه الأوهام جاء داريدا بفكره الفارق في الذات التأّسيسيّة، والذي سيسميّه بعد ذلك اختلافا في الأصل. أسس لما أسماه التخالف مقارنة مع الابتداء، وبحث في احتمال أن لا أصْل مفترِضا أنّ النّهاية تتبدّل ماهيّتها لا نهائيا وضروريا و لا تستقرّ أبدا. في زمن كانت فكرة نهاية التاريخ تحظى بدعائم قوية وغير قابلة للنقاش، ظهر لي دريدا دائما بارزا ومعاصرا.

قابلته سنة 1969، كنت حينها قد بدأت التدريس منذ مدة بجامعة ستراسبورغ. كتبت نصا قصيرا متختصرا أعددت فيه جدولا للفلسفة المعاصرة. حينها، كان هناك فكرة متداولة أن الفلسفة قد انتهت وأن العلوم الإنسانية مضى زمنها. كان ذلك يثير امتعاض الفيلسوف الشاب الذي كنته. بالنسبة لي، كانت القراءة لدريدا تمثّل انطلاقة جديدة. أرسلت له مقالي، وكانت المفاجأة الكبيرة! قد أجاب برسالة طويلة مثيرة للدّهشة حيث صرّح لي أنّه قرأ مقالات أخرى كنت قد نشرتها. هل تستوعبون ذلك؟ قال لي أنّه كان مسرورا باهتمام به. لقد كان داريدا دائم الخوف من الوحدة، أو أن يساء فهمه . تلى ذلك أن تلقينا دعوة لحضور ندوة حول البلاغة، وكان هناك انسجام تامّ بيننا، انسجام إنسانيّ أكثر منه فلسفيّ.

قوّة الطبيعة

كان لدريدا حضور جسمانيّ قوي بصفة خاصّة، عبر عضلات جسمه البارزة. بالمقارنة بينه وبين دولوز نجد فرقا شاسعا. على قدر ما كان دولوز رقيقا وحادا كشفرة الّسكين، كان دريدا يفرض نفسه بضخامته. وكانت له عادة شعبية قليلا تميزه عن غيره، وهي ولعه بكرة القدم تحديدا. أذكر أنّه لا يتردّد عن اللّعب بالكرة مع إبني الصّغير، بينما أنا لم ألعب بالكرة إطلاقا. وفي حواراته اليومية، كانت له طريقة مطمئنة في الكلام. لقد كانت “قوة الطبيعة” تملأه حيث لم أره مريضا أبدا قبل أن يصاب بالسرطان الذي قتله. كما لم يكن يطيق الذهاب للمستشفى عموما.

كانت قوته الجسمانية متوازية مع قوته الفكرية. كان لا يستطيع أحيانا التوقف عن الكلام. لقد حدثني مرة أنه كان قد تلقى دعوة لتمثيل المعهد الدولي للفلسفة في جامعة في مكسيكو، ونام طوال رحلته بالطائرة وفي الطريق من المطار إلى الجامعة. لكن عندما صعد إلى المنصة، وقد أجبر أخيرا على الاستيقاظ، استرسل في الكلام طيلة ساعتين دون انقطاع ومن دون أيّ تحضير قبلي. قد أسر لي أيضا أن هذا الهوس بالكلام لديه، هو هوس مرضي. لقد كانت تعتريه قوة هائلة تدفعه أحيانا في كل الإتجاهات. في الكتابة، يبقى دريدا الذي أعجبني هو دريدا الذي كتب “الصوت والظاهرة” و Ousia et Grammê، نصوص صعبة لكن قوية لدرجة أن تصيبك بالصداع.

لا يبذل داريدا جهدا للشرح لكن يجتهد في التشويش. هل كان غامضا إراديا أم قسريا؟ الأقرب أنه كان غامضا للسببين. وهذا يتماشى مع الحقيقة الوجودية التي يتبناها، والتي يستحيل معها البدء، ليس فقط في العلاقات الإنسانية لكن أيضا في الفلسفة. إذا غامرتم مع “الصوت والظاهرة” فستجدون أنفسكم وكأنكم في طريق سيارة حيث لا تستطيعون الانطلاق. أعتقد أنه لا يمكن الانطلاق في تناول محاولاته بالصدفة قصد المتعة. هناك دائما جنون داريدا. لكن أليس كل تفكير عميق هو ضرب من الجنون؟ كثيرا من نصوص دريدا تنطلق بتحذيرات للقارئ بأن لا يمضي في القراءة، أو يحذره أنه سيضطر لإعادة القراءة مرات عديدة، أو بـ”إذا” إستنتاجية (Donc) بدون أي طرح استباقي. هذا هو سلاحه في التفكير.

برزت مؤخرا محاضرة “الحياة الموت”. تكمن أصالة هذا الدرس في إزالة “واو” العطف التي تربط عادة هذين اللفظين كما كان مبرمجا للتدريس 1975-1976، حيث كان هذا الدرس مدخله “للتفكيك” كما أوضح لطلابه حينها. جعل “الحياة الموت” مفهموما واحدا يجعل من الحياة جزءا من الموت والعكس كذلك. فإذا كانت الحياة لا تموت، فلن يستقيم مضمونها كحياة لأنها لن تتعرف إلى نفسها كحياة. وبهذا نعود دائما إلى هوية الذات والحاجة الدائمة إلى فرق بين الأصل والنهاية. والموت يتيح للحياة الارتباط بماهيتها كحياة وبما يفترضه ذلك من فناء.

في الحياة في الموت

عندما سأموت، سيقال: “لقد أنهت حياته”. لا أستطيع أبدا أن أقول إنها حياتي. لن أستطيع أن أنسبها لي. هيغل يقول أن الحقيقة تكمن في الموت، بينما اعتبر هايدغر الموت مثل إمكانية المستحيل. يبين داريدا أن الموت هو من يهرب منا وما يجعل الحياة تهرب من نفسها. وفقط من هنا يمكن التفكير في أن الحياة يمكن إتمامها. هذا لا يعني أن الموت يأخذ على عاتقه الحياة لينتج حياة أخرى، لكن منه فقط يمكن أن تستوعب الحياة نفسها. المسيحية تفترض حياة بعد الموت، وهو ما يفضي إلى احتمال الحياة الأرضية. داريدا يعارض هذا و يسميه “بقاء”: حيث يرتهن الموت الحياة كأنها غير موجودة. نلاحظ أن هناك إذاً ألم شديد، لكنه عقلاني.

يشعر داريدا فهلا أن الموت ليس عادلا، هو لا يريده، لا يريد الموت ولقد تحدثنا في هذا مرات عديدة.  لقد كتبت كتابا عن القيامة المسيحية، أين حاولت أن أعطي تحليلا للكلمة الإغريقية “أناستازيس” (anastasis)، والتي تعني البعث. لا أعتقد أن هناك حياة أخرى فقط تنتظرنا بعد القيامة، لكن تبعث حياتنا من جديد لتتخذ معنى وتستقيم نهائيا. لم يمكن دريدا مقتنعا بتحليلي، كما أظنّ أنه كتب ذلك في مكان ما. كان كل هذا فقط ليقول لي في أذني بعد سنوات قليلة لاحقة: “هل تعلم ما أريده أنا من أعماقي، أريد قيامة جميلة”. لا يعني هذا أنه أراد الاعتقاد بها. بل بالعكس، هذا يعني أنه أيقن الفرق الشاسع بين قوة الرغبة ووضوح الفكر.

 

هوامش

١- يرى هيغل و هايدغر أنه لا يجب قراءة التاريخ قراءة ضمن مسار واحد، و إنما مسارات متعددة و مختلفة، متوازية و متعددة.
٢-  معاهدات إستقلال الجزائر.
٣-  نسبة لماو تسي تونغ، زعيم الصين حينها و قائد ثورتها و مؤسسها.

The post مع دريدا فهمت أن الجنة لا توجد، لا على الأرض ولا في السماء (ترجمة) appeared first on مجلة رمان الثقافية.

]]>