<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>أميرة عكارة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/403rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/403rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Thu, 05 Dec 2024 11:01:01 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.4</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>أميرة عكارة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/403rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>بعيدا عن الثنائيات: كيف نفهم الخصوصية في عالمنا الرقمي المعاصر؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/33987</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أميرة عكارة]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 26 Nov 2024 09:32:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=33987</guid>

					<description><![CDATA[<p>تحتلّ قضيّة الخصوصيّة موقعًا خاصًّا في عصر وسائل التواصل الاجتماعيّ التي تقوم بصورة رئيسة على المشاركة الواسعة للمعلومات، وعلى قابليّة تداول المحتوى المنشور عليها بصور لا محدودة وفي سياقات متنوّعة، ومع جماهير تتّسم بالكثرة والتنوّع والسيولة. وقد فاقمت التطوّرات الكبيرة والمتلاحقة في مجال الذكاء الاصطناعيّ في السنوات القليلة الأخيرة من تعقيدات مفهوم الخصوصيّة، ومن تداعيات [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/33987">بعيدا عن الثنائيات: كيف نفهم الخصوصية في عالمنا الرقمي المعاصر؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">تحتلّ قضيّة الخصوصيّة موقعًا خاصًّا في عصر وسائل التواصل الاجتماعيّ التي تقوم بصورة رئيسة على المشاركة الواسعة للمعلومات، وعلى قابليّة تداول المحتوى المنشور عليها بصور لا محدودة وفي سياقات متنوّعة، ومع جماهير تتّسم بالكثرة والتنوّع والسيولة. وقد فاقمت التطوّرات الكبيرة والمتلاحقة في مجال الذكاء الاصطناعيّ في السنوات القليلة الأخيرة من تعقيدات مفهوم الخصوصيّة، ومن تداعيات خرقها بغير صورة. فتقنيّات الذكاء الاصطناعيّ المستحدثة التي ترتكز على جمع كميّات هائلة من البيانات ودمجها وإعادة استخدامها لأغراض عدّة، مثل تشات جي بي تي (Chat GPT) وتقنية التزييف العميق (Deepfake)، تمثّل تحديًّا كبيرًا لخصوصيّة أصحاب البيانات، ولأمنهم وسلامتهم في بعض الأحيان. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ضوء هذه التحديّات، ثمّة حاجة ملحّة إلى إعادة تأطير مفهوم الخصوصيّة بما يتناسب مع مرتكزات هذا العصر من مستجدّات تكنولوجيّة متواترة، ومن تغيّر في أنماط الاتصال والاجتماع الرقميّ. في هذا الصدد، يمثّل كتاب "الخصوصيّ سياسيّ: الخصوصيّة الشبكيّة ومواقع التواصل الاجتماعيّ"(1) إسهامًا مهمًّا، إذ يضطلع بالحفر في مفهوم عمل الخصوصيّة وديناميّاته، وتداعيات خرقها في ضوء العوامل السياسيّة والاجتماعيّة والتقنيّة ذات الصلة. تهدف مؤلفة الكتاب </span><a href="https://comm.unc.edu/people/department-faculty/alice-e-marwick/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">أليس مارويك</span></a><span style="font-weight: 400;">، الأستاذة المشاركة في قسم الاتصال الجماهيريّ في جامعة نورث كارولينا في تشابيل هيل، إلى تبيان الحاجة إلى تجاوز المفهوم الكلاسيكيّ للخصوصيّة وتفكيك ما ارتبطت به من ثنائيّات ومفاهيم مغلوطة إلى إطار آخر يمكنه الإحاطة بتحديّات استخدام البيانات وشروطها في السياقات الرقميّة الراهنة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>النموذج الشبكيّ للخصوصيّة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تستهلّ مارويك كتابها بتبيان الطبيعة الشبكيّة للخصوصيّة في عصر مواقع التواصل الاجتماعيّ. ترتكز الـسوشال ميديا، بحكم كونها اجتماعيّة بالتعريف، على ربط المستخدمين ببعضهم وترسيم علاقاتهم وشبكاتهم الاجتماعيّة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ أحد خصائص التواصل عبر المنصّات الاجتماعيّة هو </span><a href="https://encyclopedia.pub/entry/54901" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">انهيار السياق</span></a><span style="font-weight: 400;">، إذ إنّ المعلومات على هذه المنصّات كثيرًا ما تتجاوز سياقها الأصليّ وتتدفق عبر شبكات اجتماعيّة وتكنولوجيّة متعددة إلى سياقات أخرى. وكما تقوم مواقع التواصل الاجتماعيّ على تسهيل تشاركيّة المعلومات، فإنّها، بحسب مارويك، مُصمَّمة بحيث تسمح بتسريبها كذلك. فالقدرة على التقاط لقطات الشاشة، ونسخ الرسائل وإعادة توجيهها، على سبيل المثال، يعني ببساطة سهولة نقل معلومات نشأت في الأصل في سياق تشاركيّ خاصّ بين صديقين على تطبيق مثل ميسنجر إلى جمهور وسياقات أوسع وأبعد. كما يمكن لممارسات رقميّة مثل الإشارة إلى شخص ما في صورة أو شريط فيديو، أو نشر </span><a href="https://www.mayple.com/resources/social-media-marketing/what-is-throwback-thursday" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">الذكريات المشتركة</span></a><span style="font-weight: 400;"> على موقع إنستاجرام، أو حتّى خاصيّة تحديد أشخاص قد تعرفهم على موقع فيسبوك أن تكشف بيانات مهمّة عن مستخدمي الـسوشال ميديا، وتجعل شبكاتهم الاجتماعيّة مرئيّة للآخرين كذلك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعلى مستوى أكبر، فإنّ تقنيّات البيانات الضخمة (Big data)</span> <span style="font-weight: 400;">التي تعتمد على جمع المعلومات وشرائها من مصادر متعددة، من بينها منصّات التواصل الاجتماعيّ، تُبرز أيضًا الطبيعة الاجتماعيّة والشبكيّة للمعلومات في العصر الرقميّ. فتقنيّات مثل الخوارزميّات التنبؤيّة (Predictive algorithms) واختبار الحمض النووي المتعلّق بالأسلاف (Genomic ancestry testing)، عادة ما تتعقّب شبكات كاملة من الأفراد، وقد تكشف من ثمّ عن معلومات خاصّة جدًّا. فإرسال شخص ما لمسحة شدقيّة إلى موقع 23andMe، على سبيل المثال، قد لا يترتبّ عليه الكشف عن علاقات عائليّة خفيّة فحسب، بل إنّ هذه المعلومات قد تستخدمها أطراف أخرى مثل أقسام الشرطة أو شركات الأدوية لأغراض حلّ الجرائم أو لتطوير أدوية جديدة وما إلى ذلك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُبيّن هذه الأمثلة مدى صعوبة تجنّب انتهاكات الخصوصيّة التي تتسبب فيها التقنيّات الشبكيّة من الـسوشال ميديا إلى تقنيّات البيانات الضخمة، إلى مراقبة الشركات الكبرى والحكومات وما قد يستتبع ذلك من تداعيات جمّة. رغم ذلك، لم تزل نماذج الخصوصيّة القائمة ترتكز على كونها مسؤولية فرديّة. فإذا تسرّبت بيانات من موقع لآخر، ومن سياق لسياق مغاير، فإنّ اللوم غالبًا ما يُوجَّه إلى الشخص الذي شارك المحتوى المعنيّ بدلًا من توجيه النقد إلى الأفراد أو الكيانات التي قامت باستخدامه دون إذن، أو التقنيّات الرقميّة التي تُيسّر هذا النوع من التسريبات. تنتقد مارويك هذا التوجّه النيوليبراليّ الذي يؤسّس للتصوّرات القانونيّة والتقنيّة للخصوصيّة في الولايات المتحدة. وقد رسّخت شركات التكنولوجيا هذا النموذج الفردانيّ فعليًّا بتوجيه سياسات الخصوصيّة إلى الأفراد، بالرغم ممّا لهذه السياسات من إشكاليّات، من بينها أنّ إعدادات الخصوصيّة تتغيّر باستمرار، وغالبًا ما تُكتب بلغة أكاديميّة تجعلها صعبة الفهم والتطبيق، والأهمّ أن عدم الموافقة على هذه السياسات لا يترك لمستخدمي المنصّات الاجتماعيّة خيارًا غير الخروج منها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الخصوصيّة كشأن سياسيّ</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ضوء هذه المعطيات، تتبنّى مارويك نموذجًا شبكيًّا للخصوصيّة، لا لأنّ هذا المفهوم يناسب أنماط التواصل في عصر الشبكات الاجتماعيّة فحسب، بل لأنّه يساعد أيضًا على فهم الخصوصيّة باعتبارها مسألة سياسيّة تتأصّل في ممارسات بنيويّة وتعيد إنتاج الأنماط القائمة من اللامساواة العرقيّة، والطبقيّة، والجندريّة، والجنسانيّة، خاصّة مع تزايد أنظمة المراقبة والتنقيب عن البيانات على الإنترنت وتنوّعها. تتجذّر مثل هذه التفاوتات في ممارسات وتشريعات قديمة ومعاصرة ترتكز على منح الحقّ في الخصوصيّة لبعض الفئات وإنكاره على فئات أخرى. فثمّة، على سبيل المثال، تاريخ طويل من تعقّب المعلومات حول مجتمعات السود وملاحقتها وجمعها في الولايات المتحدة، وما يرتبط بتلك الممارسات من انتهاكات سافرة للخصوصيّة. ثمّة كذلك أنماط متنوّعة من رصد للعرب والمسلمين ومراقبة وتعقّب إلكترونيّ لهم في الولايات المتحدة منذ أحداث 11 سبتمبر. كما تتبدّى التحيّزات العرقيّة للتقنيّات الرقميّة المعاصرة مثلًا في تقنيّات التعرّف على الوجوه  (Facial-recognition technology) التي </span><a href="https://ucalgary.ca/news/law-professor-explores-racial-bias-implications-facial-recognition-technology" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">تعتمد</span></a><span style="font-weight: 400;"> في تدريب خوارزميّاتها على الوجوه البيضاء فقط، ما يثير أسئلة مهمّة حول قدرتها على التعرّف بدقّة على وجوه الأفراد من مجموعات عرقيّة أخرى، مثل الأفارقة الأمريكيّين أو الآسيويّين(2). </span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-33988" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/71btXEMLwfL._UF10001000_QL80_.jpg" alt="" width="663" height="1000" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/71btXEMLwfL._UF10001000_QL80_.jpg 663w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/71btXEMLwfL._UF10001000_QL80_-199x300.jpg 199w" sizes="(max-width: 663px) 100vw, 663px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تبعًا لذلك، تستند مارويك في ما تقترحه من إطار شبكيّ لتصوّر الخصوصيّة الرقميّة إلى نظرية هيلين نيسنباوم حول التكامل السياقيّ (</span><a href="https://digitalcommons.law.uw.edu/wlr/vol79/iss1/10/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Contextual integrity</span></a><span style="font-weight: 400;">) التي ترتكز على نقض التصوّرات الثنائيّة التي ترى المعلومات إمّا عامّة أو خاصّة. على النقيض من ذلك، تطرح نظريّة التكامل السياقيّ الخصوصيّة لا باعتبارها سمة متأصّلة في المعلومات ذاتها، بل في السياق الذي يجري فيه تشارك المعلومات. من ثمّ تستحيل الخصوصيّة وفقًا لهذا الإطار، وخلافًا للتصوّرات القانونيّة التي تراها أمرًا متماثلًا في كلّ المواقف، إلى أمر سياقيّ في المقام الأوّل؛ إذ تتعلّق الخصوصيّة بصورة جوهريّة بالسياقات التي تتدفّق فيها المعلومات وبما يتصل بهذه السياقات من قيم وأعراف مختلفة، ومن علاقات قوّة كذلك. وعليه تدعو مارويك إلى التفكير في الخصوصيّة الرقميّة بعيدًا عن ثنائيّة العام والخاصّ؛ إذ يمكن عوضًا عن ذلك النظر إلى المعلومات من حيث موقعها على امتداد طيف من المرئيّة (Visibility).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولفهم كيف يشتبك الأشخاص من مختلف الانتماءات والتوجّهات بصورة فعليّة مع الخصوصيّة، وكيف يجري التعاطى معها ومعاينة تداعيات انتهاكها في ظلّ هذا الواقع الرقميّ المعقّد، تعتمد مارويك في هذا الكتاب على مقابلات مطوّلة ومجموعات نقاش بؤريّة، أجرتها بين عامي 2014 و2019، مع 128 مشاركًا ومشاركة من الولايات المتحدة، ينتمون إلى مجموعات ديموغرافيّة متنوّعة. تسعى مارويك من خلال هذه الدراسة إلى مخالفة النهج السائد لدراسة الخصوصيّة، وذلك بوضع أصوات الأقليّات والفئات الأكثر هشاشة وخبراتهم في المركز، بدلًا من التركيز على تأطير الخصوصيّة من منظور أصحاب شركات التكنولوجيا أو الدول وصنّاع السياسات. </span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>"شغل الخصوصيّة"</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفقًا للإطار الذي تطرحه مارويك لفهم الخصوصيّة وأشكلتها في سياقنا المعاصر، تطوّر المؤلفة مفهوم شغل الخصوصيّة (Privacy work)، وهو يشير إلى ما يقوم به الناس من ممارسات، وما يتخذونه من قرارات في إطار محاولاتهم للحفاظ على القدر المناسب من الخصوصيّة في مواجهة انتهاكات التقنيّات الرقميّة الشبكيّة. تُموضع مارويك حماية الخصوصيّة في إطار نسويّ، وتبني مفهوم شغل الخصوصيّة على فكرة شغل الأمان (Safety work) التي طوّرتها عالمة الاجتماع النسويّة ليز كيلي، للتعبير عن الجهود والاستراتيجيّات التي تتّبعها النساء لتجنّب عنف الرجال، وهو شغل غير مرئيّ وغير مأجور، تمامًا كما "شغل الخصوصيّة" الذي تجادل مارويك بعدم جدواه في أغلب الأحيان. تدحض مارويك بهذا المفهوم أحد الاعتقادات المغلوطة الشائعة، حتّى في أوساط التقنيّين والأكاديميّين، أنّ الناس، خاصّة الأجيال الشابّة، لا تأبه بالخصوصيّة، وذلك من خلال توضيح كمّ الجهد اللامتناهي ونوعه الذي ينخرط فيه الأفراد للحفاظ على خصوصيّتهم قدر الإمكان. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتنوّع شغل الخصوصيّة، ويعتمد جزء منه على بعض الخاصيّات والمحدّدات التكنولوجيّة، مثل إغلاق إعدادات تحديد المواقع، أو حظر بعض الأفراد كليّة، أو فقط حظر وصول محتوى معيّن لهم، أو تغيير الحسابات من عامّة إلى خاصّة على المواقع التي تسمح بذلك، أو استخدام التصفّح المُجهّل (Incognito browsing) عند زيارة بعض المواقع، أو استخدام تقنيّات تعزيز الخصوصيّة، مثل الشبكات الافتراضيّة الخاصّة (VPNs).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما يلجأ مستخدمو السوشال ميديا إلى توظيف استراتيجيّات أخرى مبتكرة لحماية الخصوصيّة، منها ما يُعرف بالتقسيم الاجتماعيّ (Social segmentation)، ويتضمّن تقسيم الجمهور باستخدام مواقع وتطبيقات مختلفة، وأحيانًا بإنشاء حسابات مختلفة على نفس التطبيق، وذلك للتحكّم في نوع المعلومات التي يجري مشاركتها مع أنواع مختلفة من الجماهير. وثمّة استراتيجيّة أخرى لحماية الخصوصيّة، تسمّيها الأكاديميّة والباحثة الأمريكيّة دانا بويد إخفاء البيانات (</span><a href="https://www.danah.org/papers/2011/Steganography-ICAVersion.pdf" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Social steganography</span></a><span style="font-weight: 400;">) التي تعتمد على الإبهام أو كتابة المحتوى بشكل غامض للحدّ من فهمه، إذ يكون المحتوى المعنيّ في هذه الحالة متاحًا بشكل كبير، لكنّه يكون مفهومًا لبعض المطّلعين عليه فقط. وتشمل أنواع شغل الخصوصيّة أيضًا الرقابة الذاتيّة، والمشاركة المحدودة، وكذلك الخروج التام من مواقع التواصل الاجتماعيّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُبيّن مارويك من خلال هذا المفهوم أنّ الخصوصيّة ليست حالة جامدة، بل عمليّة مستمرّة ومجموعة قرارات وممارسات غالبًا ما ينخرط فيها مستخدمو الشبكات الاجتماعيّة لإدارة تدفّق المعلومات الخاصّة بهم. كما أنّ هذا المفهوم يبرز التفاوتات في توزيع الخصوصية؛ إذ إنّ الجهد الذي يحتاج الفرد أن يبذله، ومدى نجاحه في حماية خصوصيّته في الفضاء الرقميّ، يعتمد على ما لديه من سلطة وامتيازات؛ فالفئات المهمّشة تبذل جهدًا أكبر بكثير من الأثرياء وذوي النفوذ لحماية أنفسهم من المراقبة الإلكترونيّة وغيرها من انتهاكات الخصوصيّة. بالإضافة إلى ذلك، تشير مارويك إلى أنّ الحكومات والشركات الكبرى تستفيد من عدم نجاح شغل الخصوصيّة في أغلب الأحيان؛ إذ تبقى المعلومات متاحة أمام سماسرة البيانات وغيرهم من الكيانات التي تتربّح من جمع البيانات من المنصّات الرقميّة. لذلك، فتأطير حماية الخصوصيّة بوصفه عملًا غير مرئيّ وغير مدفوع الأجر يضيء على تداعيات توزيعه بشكل غير متكافئ لصالح تفاوتات القوّة القائمة. </span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الخصوصيّة والهويّات الاجتماعيّة </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بما أنّ الخصوصيّة مسألة سياسيّة، فإنهّا بالطبع تتأثّر بالقيم والأعراف الاجتماعيّة السائدة، وبتفاوتات القوّة كذلك. فالتعاطي مع المعلومات في الفضاء الرقميّ وتحديد ما يمكن أن "يُكشَف" وما "يجب" أن يُخفَى من معلومات يتأثر بالنظم البنيويّة، مثل العنصريّة والميسوجينيّة ورهاب المثليّة.</span> <span style="font-weight: 400;">على سبيل المثال،</span> <span style="font-weight: 400;">تؤثر الأعراف الجندريّة السائدة </span><span style="font-weight: 400;">على </span><span style="font-weight: 400;">التعاطي مع النساء على مواقع التواصل الاجتماعيّ؛ فالنساء أكثر عرضة بصورة كبيرة لأنماط معيّنة من التحرّش والوصم والانتقام على الإنترنت. فإلى جانب استخدام اللغة التحقيريّة والإهانات والشتائم الجنسيّة ضدهنّ، تتخذ انتهاكات الخصوصيّة المُمكَّنة بالتكنولوجيا الرقميّة أشكالًا عدّة</span><b>، </b><span style="font-weight: 400;">من بينها استقاء المعلومات الشخصيّة (</span><a href="https://www.cybersmile.org/advice-help/doxing" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Doxing</span></a><span style="font-weight: 400;">)، الذي يعني إفشاء معلومات شخصيّة مثل العنوان أو رقم الهاتف أو الاسم الحقيقيّ لشخص ما دون إذنه، والانتقام الإباحيّ (</span><a href="https://edition.cnn.com/interactive/asequals/revenge-porn-protect-yourself-as-equals-intl-cmd/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Revenge porn</span></a><span style="font-weight: 400;">)، ويتضمّن نشر محتوى ذا طابع جنسيّ دون موافقة الشخص المعنيّ، والتحشيد (</span><a href="https://en.wikipedia.org/wiki/Dogpiling_(Internet)" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Dogpiling</span></a><span style="font-weight: 400;">) الذي يقوم على شنّ هجمات جماعيّة مُنسّقة على شخص ما. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تمثّل هذه الممارسات الرقميّة الشبكيّة نوعًا من الشهرة القسريّة، وتُعدّ انتهاكًا صارخًا للخصوصيّة، إذ لا تكشف عن معلومات شخصيّة فحسب، بل تدفع بالضحيّة إلى مركز الضوء رغمًا عنها، بغرض التنمّر أو الوصم أو الإسكات، ما قد يترتب عليه تداعيات فعليّة جسيمة قد تمسّ الحياة العائليّة أو المهنيّة، أو حتّى سلامة الضحيّة. وفي هذا الصدد، تستعير مارويك من مجال الأمن السيبرانيّ مفهوم ناقلات الهجوم (</span><a href="https://www.techtarget.com/searchsecurity/definition/attack-vector" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Attack vectors</span></a><span style="font-weight: 400;">)، وهي عبارة عن ثغرات أو مواضع هشاشة يمكن استغلالها للهجوم على شخص ما، لتبيان كيف تُعدّ الهويّة الجندريّة والتوجّه الجنسانيّ والعرق وغيرها ناقلات هجوم تسوِّغ التحرّش والتشهير في الفضاءات الرقميّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ترصد مارويك أيضًا من خلال تجارب المشاركات في دراستها سيادة وجهات النظر الذكوريّة في مجال الألعاب الإلكترونيّة (Gaming)، ومن ثمّ انخراط النساء اللاتي ينضممن إلى هذا العالم عادة في شغل خصوصيّة (وهو ما يُعتبر شغل أمان كذلك) متنوّع ومكثف لحماية أنفسهنّ من التحرّش، إذ قد تستخدم اللاعبات استراتيجيّات من قبيل إخفاء نوعهنّ الاجتماعيّ خلال اللعب باستخدام أسماء مستعارة وأفاتارات محايدة جندريًّا، بالإضافة إلى تفادي الدردشة الصوتيّة قدر الإمكان، والاستعاضة عنها بالدردشة النصيّة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وكما في حالة انتهاكات الخصوصيّة الرقميّة بناءً على النوع الاجتماعيّ، يُعاين الأفراد الذين ينتمون لطبقات اجتماعيّة مختلفة مستويات مختلفة من انتهاك الخصوصيّة؛ فالمراقبة المكثفة وما تستتبعه من انتهاكات للخصوصيّة كانت دائمًا من نصيب الفقراء والأحياء الفقيرة في الولايات المتحدة. فالأفراد من مجتمعات السود واللاتينيّين والمهاجرين غير المسجّلين الذين يعانونًا اقتصاديّة متزعزعة يخضعون بصفة عامة لمراقبة واسعة من قبل مؤسسات عدّة، تشمل الشرطة، والعدالة الجنائيّة، والتوظيف، والتعليم، والرعاية الاجتماعيّة، إذ تضطلع هذه الكيانات عادة بجمع كميّات هائلة من البيانات حول الأشخاص المعنيّين من سماسرة البيانات والسوشال ميديا وغيرها من مصادر، ليجري تغديتها لاحقًا في أنظمة القرار الآليّ المؤتمت (Automated decision systems). تقوم هذه النظم بمهمات تتضمّن تصنيف المستفيدين المحتملين من الخدمات الحكوميّة إلى فئات، وتخصيص الاستحقاقات، والتنبؤ بالسلوك الإجراميّ. تنتقد مارويك الاعتماد المتزايد على هذه الأدوات، لما لها من تحيّزات وإشكاليّات عدّة، تتضمّن عدم دقتها، وأنّها تعمل دون محاسبة، بالإضافة إلى ما تتسبّب فيه من انتهاكات صارخة للخصوصيّة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من جهة أخرى، تكشف تجارب بعض الأفراد من مجتمع الميم-عين الذين التقتهم مارويك لاستقصاء تجاربهم مع إشكاليّات الخصوصيّة الشبكيّة وكيفيّة تعاطيهم وتفاوضهم معها عن صعوبة رسم حدود صارمة بين الخاصّ والعام. على سبيل المثال، في ما يخصّ الإعلان عن هويّاتهم بوصفهم مثليّين أو أشخاصًا ترانس، كشف بعض هؤلاء الأشخاص أنّهم يستطيعون الإفصاح عن هذه الهويّات في أماكن عملهم أو في المقهى الذي يرتادونه باستمرار، أو حتّى على بعض مواقع التواصل الاجتماعيّ، بينما يخفونها عن عائلاتهم خوفًا من عواقب الوصم وفقد الاحترام. وفي ذلك قلب للتصوّر الكلاسيكيّ للمساحات العامة والخاصّة، وتشويش واضح لحدودها، إذ يمكن في مثل هذه الحالات أن يختبر الفرد الوصم والتهميش داخل ما يُفترض أنّها مساحة خاصّة مثل البيت، وأن يكون في المقابل مرتاحًا بشكل أكبر للكشف عن هويّة موصومة اجتماعيًّا في مساحة عامّة، مثل مكان العمل أو إحدى منصّات التواصل الاجتماعيّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لذلك، فإنّ هؤلاء الأشخاص لا يعايشون العام والخاصّ فكرةً ثنائيّة، بل طيفًا أو شبكةً من العلاقات والمواقف والسياقات التي تتكشّف فيها المعلومات وتُعطى معنًى كذلك؛ فتجارب المشاركين في دراسة مارويك تبيّن أنّ الخروج من "الخزانة" أو البقاء فيها لا يحدث بشكل كامل وحدّي بالضرورة، إذ إنّهم قد يؤدّون هويّات مختلفة في السياقات المختلفة، ما يؤكّد أنّ مشاركة المعلومات حول الهويّات اللامعياريّة ليست أمرًا ثنائيًّا وجامدًا، بل سياقيّ في المقام الأوّل، ويعتمد على معايير معقّدة؛ شخصيّة واجتماعيّة وسياسيّة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تخلص مؤلّفة هذا الكتاب المهمّ، بناءً على ما تطرحه من مقدّمات، إلى أنّ انتهاكات الخصوصيّة الشبكيّة، بما هي مسألة سياسيّة وبنيويّة في الأساس، تتطلّب معالجات بنيويّة. تُنبّه مارويك من ثمّ إلى الحاجة إلى إصلاح تشريعيّ شامل لضمان حماية البيانات وحماية خصوصيّات الأفراد بما يتماشى مع الطبيعة الشبكيّة للخصوصيّة الرقميّة، وتأمل أن تحفّز دراستها هذه تغييرًا في المفاهيم الاجتماعيّة حول الخصوصيّة، وأن تمثّل خطوة في اتّجاه رفض النموذج القائم على المسؤوليّة الفرديّة الكاملة عن انتهاكات الخصوصيّة، ومن ثمّ محاولة الدفع بكلّ الطرق في اتجاه وضع شركات التكنولوجيا وسماسرة البيانات والحكومات والدول أمام مسؤوليّاتها تجاه الانتهاكات الواسعة والخطيرة لخصوصيّات الأفراد في الفضاء الرقميّ. </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<ol>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="color: #808080; font-size: 10pt;"><span style="font-weight: 400;">   Marwick, A. E. (2023). </span><i><span style="font-weight: 400;">The Private is political: Networked privacy and social media</span></i><span style="font-weight: 400;">. Yale University Press.</span></span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 10pt;">  من الجدير بالذكر أنّ هذا الكتاب نُشر قبل بدء حرب الإبادة على غزّة بأشهر، وهو إذ يتناول الخصوصيّة شأنًا سياسيًّا بامتياز، حتّى على مستوى استخدام الأفراد اليوميّ للتقنيّات الرقميّة الشبكيّة، وما يكشف عنه من مثالب لهذه التقنيّات، فإنّ ذلك يدعونا إلى النظر مليًّا إلى تعقيدات مسألة الخصوصيّة في ظلّ استمرار الحرب الإسرائيليّة الجارية على المنطقة وتوسّعها، وموقع الخصوصيّة والشبكات الرقميّة منها، وما يطرحه السياق السياسيّ الراهن من أسئلة مهمّة حول هذا الموضوع.</span></li>
</ol>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/33987">بعيدا عن الثنائيات: كيف نفهم الخصوصية في عالمنا الرقمي المعاصر؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الحرب على غزة وتحلل اللغة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21503</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أميرة عكارة]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 13 Apr 2024 11:02:02 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d9%88%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أمام حرب الإبادة المستعرة التي تشنّها "إسرائيل" على قطاع غزّة منذ السابع من أكتوبر، يبدو كلّ وصف، تقريريّ أو مجازيّ، مرشّحًا لقدر من النقصان والقصور عن استيعاب وقائع وأهوال المقتلة المستمرّة. لذلك قد تصاب اللغة أحيانًا بخرس تام، وتتهاوى قدرتها الاعتياديّة على القول وإنتاج المعنى، وحينئذ يحلّ الصمت بديلًا عن الكلام، وتتصدّر الأشلاء والدماء والركام، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21503">الحرب على غزة وتحلل اللغة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">أمام حرب الإبادة المستعرة التي تشنّها "إسرائيل" على قطاع غزّة منذ السابع من أكتوبر، يبدو كلّ وصف، تقريريّ أو مجازيّ، مرشّحًا لقدر من النقصان والقصور عن استيعاب وقائع وأهوال المقتلة المستمرّة. لذلك قد تصاب اللغة أحيانًا بخرس تام، وتتهاوى قدرتها الاعتياديّة على القول وإنتاج المعنى، وحينئذ يحلّ الصمت بديلًا عن الكلام، وتتصدّر الأشلاء والدماء والركام، ويعلو كلّ تجسيد "خام" للمذبحة على النظام اللغويّ ومنطقه المرتّب. ربّما لذلك تجاسر بعض الآباء في غزّة على رفع أجساد أطفالهم المسجاة قبالة الكاميرا لتكون بذاتها آية في وجه خرس اللغة وتداعيها.</p>
<p dir="rtl">على الجانب الآخر، يقابل هذا العطب اللاإراديّ الذي قد يصيب اللغة ممارسات منهجيّة تسعى إلى طمس الحقيقة ومحو الأثر وإسكات المنطق، وإعلاء العنف والقمع والعنصريّة والإبادة إذ تتلبّس لبوس الحضارة والديموقراطيّة والإنسانيّة. وهذا ما يفيض به الخطاب الإسرائيليّ السياسيّ والإعلاميّ والكثير من تقارير وسائل الإعلام الغربيّة الكبرى منذ بدء الحرب على غزّة من تمعّن في أداء ممارسات لغويّة وخطابيّة متحيّزة وجائرة، ومن تفسّخ  للمعاني والقيم، الإنسانيّة والمهنيّة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">"حيوانات (غير) بشرية"</span></strong></p>
<p dir="rtl">يحدث فعل الإبادة في اللغة وعبرها جنبًا إلى جنب مع فعل الإبادة الماديّ. فبالتماثل مع ما تتضمّنه ممارسة الإبادة الجماعيّة عادة من مراحل، وفقًا <a href="http://genocidewatch.net/genocide-2/8-stages-of-genocide/" target="_blank" rel="noopener">لنموذج</a> جريجوري ستانتن، وُظِّفت منذ بدء الحرب على غزّة إستراتيجيّة تجريد الفلسطينيّين من إنسانيّتهم لتبرير وللتمهيد لما سترتكبه "إسرائيل" بحقّهم من صنوف من القتل والتهجير والإبادة. "إنّنا نحارب حيوانات بشريّة"، كما <a href="https://www.youtube.com/watch?v=ZbPdR3E4hCk" target="_blank" rel="noopener">صرّح</a> وزير دفاع الاحتلال، يوآف جالانت، في بواكير الحرب مبرّرًا قرار دولته بقطع إمدادات المياه والطعام والكهرباء والوقود عن القطاع المحاصر سلفًا. لكنّ وصف الغزيّين كأنصاف بشر وأنصاف حيوانات لم يكن كافيًا لمندوب إسرائيل السابق لدى الأمم المتحدة، دان جيلرمان، الذي <a href="https://www.youtube.com/watch?v=Fr24GcCDgyM" target="_blank" rel="noopener">نعتهم</a> بالـ"الحيوانات غير البشريّة"، نازعًا عنهم أدنى انتساب للإنسانيّة. وبينما <a href="https://www.middleeasteye.net/news/israel-palestine-war-politician-calls-civilians-buried-alive" target="_blank" rel="noopener">رأى</a> أرييه كينج، نائب رئيس بلديّة القدس، أنّ الفلسطينيّين "ليسوا بشرًا ولا حيوانات بشريّة؛ إنّهم من صنف دون بشريّ"، فقد <a href="https://twitter.com/mobeid/status/1716569898497818890" target="_blank" rel="noopener">ذهب</a> مردخاي كيدار، الباحث الإسرائيليّ والعقيد السابق في المخابرات الإسرائيليّة، إلى عدم مساواة الفلسطينيّين بالحيوانات "لأنّ هذا تحقير للحيوانات."</p>
<p dir="rtl">تعتاش السرديّات عادة على التكرار والمراكمة، وهو ما ترتكز عليه السرديّة الصهيونيّة إذ تتداول منذ عقود صنوفًا من العبارات التحقيريّة والصور النمطيّة بحقّ الفلسطينيّين لتعزيز هذه السرديّة التي تدفع بالفلسطينيّين إلى خارج حدود الجماعة البشريّة، فيسهل بذلك ممارسة التصنيف وخلق التراتبيّات والثنائيّات الحدّيّة التي تتأسّس عليها كافّة المشاريع الاستعماريّة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">إماتة الفلسطينيّ</span></strong></p>
<p dir="rtl">ثمّة نسق سائد في الإعلام الغربيّ إجمالًا يُلاحَظ فيه أنّ الفلسطينيّين "يموتون" دائمًا، ولا يُقتلَون. لم تفارق <a href="https://twitter.com/BBCWorld/status/1711340677571674567?lang=ar" target="_blank" rel="noopener">التقارير</a> و<a href="https://www.youtube.com/watch?v=P-tcY_9V3bI" target="_blank" rel="noopener">اللقاءات</a> الإعلاميّة الغربيّة هذا النمط في تغطيتها للحرب الحالية على غزّة، بل إنّه يتجلّى فيها بصورة صارخة وكاشفة، لا سيّما حين يجري الحديث عن الخسائر في الأرواح للإسرائيليّين والفلسطينيّين في نفس التقرير وربّما في نفس الجملة، إذ نجد أنّ الإسرئيليّين يُقتلَون، وأنّ قاتلهم مُحدَّد ومُعرَّف غالبًا، أمّا الفلسطينيّون فيموتون بالجملة، دون أسباب أو سياق، أو بإرجاء السياق، المقتضب عادة، لجملة أو فقرة لاحقة. مثال لذلك ما <a href="https://www.thetimes.co.uk/article/pro-palestine-protest-ban-met-police-restrictions-8w39lhprc" target="_blank" rel="noopener">أوردته</a> صحيفة "التايمز" اللندنيّة كما يلي: "سجّل الإسرائيليّون مرور شهر منذ أن قتلت حماس 1400 شخصًا واختطفت 240، بادئًة حربًا يُقال إنّه مات فيها 10,300 فلسطينيّ." هذا مثال واضح ومكثف للتحيّز الإعلامي الغربيّ للرواية الإسرائيليّة ولعدم الاتساق في الممارسة الصحافيّة حتّى حين يتعلّق الأمر بالحدث والسياق ذاته. فبالإضافة إلى الاستعمال الانتقائيّ للكلمات، يشير التقرير إلى "موت" الفلسطينيّين بنوع من التشكّك، بل يوحي أيضًا أنّ حماس، وليست "إسرائيل"، هي السبب في هذا "الموت" الجماعيّ.</p>
<p dir="rtl">لا تمثّل هذه الأمثلة مجرّد صياغات عارضة لحالات متفرّقة، بل ممارسة ممنهجة تثبتها تحليلات إحصائيّة كميّة من بينها <a href="https://www.holly-jackson.com/all-projects/anti-palestinian-bias-in-the-new-york-times" target="_blank" rel="noopener">دراسة</a> الباحثة هولي جاكسون لثلاث صحف أمريكيّة كبرى في الفترة من 7 إلى 22 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023 إذ وجدت تفاوتًا كبيرًا في حجم التغطية لأعداد الضحايا الإسرائيليّين والفلسطينيّين وفي كيفية الصياغة التي، على سبيل المثال، تقصر استخدام مفردة مثل "مذبحة" ومرادفاتها واشتقاقاتها بشكل حصريّ لوصف القتلى الإسرائيليّين.</p>
<p dir="rtl">قد لا يبدو الفارق كبيرًا أو مهمًّا بين لفظتي "القتل" و"الموت"، لكنّ تأطير الحدث باستخدام كلمة دون أخرى يُخرِجه من مجال دلاليّ إلى مجال آخر، فالموت، كما هو معلوم، أمر محتوم يتضمّن انتهاء الحياة لأسباب اعتياديّة، طبيعيّة، دون تقصّد الإفناء والإهلاك، على خلاف القتل الذي يترتّب عليه تبعات، ويستلزم وجود قاتل وجريمة ودافع وسياق. وإذ يُطمَس الفاعل بالبناء للمجهول، وتُطمَس الجريمة بعدم تسمية الفعل قتلًا من الأساس، تصير إبادة آلاف الفلسطينيّين فعلًا لم يحدث، ودون تبعات تُذكَر، وبلا دافع للتعاطف مع هذه الحيوات المهدرة أو رثائها.</p>
<p dir="rtl">وعلى مستوى رمزيّ، يؤسّس هذا النسق اللغويّ الراسخ لسرديّة تتعامل مع القتل كأنّه القدر المحتوم للفلسطينيّين، والصورة الأوحد لموتتهم "الطبيعيّة"؛ كأنّ القتل هنا ليس، كما كلّ قتل، سلبًا للحياة، بل انتهاءً "طبيعيًّا" و"مُستحَقًّا" لها؛ كأنّه الجزاء "المشروع" والنتيجة "الحتميّة" لهذا الوجود الذي لا بدّ، كما كلّ وجود، أن يؤول إلى نهاية، لكن كأنّ "العاديّ" في الحالة الفلسطينيّة، خلافًا لكلّ الوجود، أن تكون نهايته بالمحو، لا بانتهاء أسباب الحياة.</p>
<p dir="rtl">وإن كانت الإبادة تقوم على المحو الجماعيّ للأجساد، فلا بدّ، ابتداءً، أن تضحي هذه الأجساد بلا قيمة، أن تستحيل إلى أجساد غير مرئيّة، ألّا يترتّب على إهلاكها شيء، أن تُستَثنى من التعاريف الإنسانيّة للحياة والموت (فهي محض "حيوانات بشريّة"، أو "غير بشرية"، في نهاية الأمر!)، لكي يسهل التنصّل من تهمة الإبادة، التي تنكرها "إسرائيل" وتستعيض عنها بسرديّات مزعومة حول "الدفاع عن النفس"، و"الدروع البشريّة"، و"الجيش الأكثر أخلاقيّة في العالم". ولا تتخفّى هذه الرغبة في المحو التام للوجود الفلسطينيّ بالضرورة خلف صيغ مجازيّة، بل قد تكون على قدر مباشرة وفجاجة <a href="https://www.reuters.com/world/middle-east/israeli-minister-says-no-such-thing-palestinian-people-2023-03-20/" target="_blank" rel="noopener">قول</a> وزير ماليّة الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، في مارس (آذار) 2023 إنّه "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطينيّ"، مذكّرًا <a href="https://www.nytimes.com/1972/08/27/archives/a-talk-with-golda-meir.html" target="_blank" rel="noopener">بمقولة</a> مماثلة لجولدا مائير في العام 1969.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">هدم الدلالة</span></strong></p>
<p dir="rtl">خلافا لتلك "الألعاب" اللغويّة المعروفة والراسخة، ومع استمرار الإبادة وتصاعد أهوالها، وصلت لغة التغطية الإعلاميّة الغربيّة للحرب على غزّة في بعض الأحيان إلى درجة مذهلة من التحلّل نتيجة الإمعان في ليّ عنق اللغة انتصارًا لمنطق الاحتلال وخطابه. ماذا يُمكن أن نفهم من <a href="https://twitter.com/SanaSaeed/status/1731474673970397371" target="_blank" rel="noopener">عنوان</a> كهذا، على سبيل المثال: "أربع حيوات هشّة وُجدت منهيّة في مشفى مُخلى في غزّة"؟ أليس ثمّة لفظة قائمة بذاتها وذات دلالة لعبارة "حيوات هشّة" في اللغة؟ لماذا لم يسمّ التقرير الذي نشرته صحيفة "الواشنطن بوست" في نسختها الورقيّة الشيء باسمه: "أربعة أطفال خدَّج"؟ لِمَ الحاجة لنحت عبارة جديدة تلتفّ على المعنى؟ من وجد تلك "الحيوات الهشّة"، ومن المسؤول عن إنهائها وإخلاء المشفى؟ لِمَ الحاجة إلى الانخراط في هذه الأحاجي اللغويّة؟ ألا يجب تفضيل المباشرة والاقتصاد اللغويّ على الالتباس والإطناب في التقارير الصحافيّة، لا سيّما في عناوينها؟ </p>
<p dir="rtl">جملة من الأسئلة يطرحها هذا العنوان في تمثّل جليّ لما يمكن أن نسمّيه "تحلّل" اللغة، وإفسادها، وتخريب وظائفها. فهذا مثال لخرق المبادئ الجوهريّة للتداوليّة، من حيث الإفادة والمناسبة لمقام الحديث وغيرها، لغايات أيديولوجيّة، بصورة تتحوّل فيها اللغة من أداة لإنتاج الدلالة إلى أداة لهدمها. هذا مثال لمقولة دون قول، لفعل كلاميّ يُراد له أن يُخفي أكثر ممّا يكشف، وأن يُبهِم أكثر ممّا يُوضِح، بالنقيض من كلّ ما يُفترض أن يكون عليه عنوان تقرير صحفيّ.</p>
<p dir="rtl">تزخر التقارير الصحافيّة الغربيّة منذ بدء الحرب بأمثلة كهذه تتحوّل فيها اللغة إلى ساحة للإبهام والمناورة والالتفاف على المعاني، فتصبح <a href="https://twitter.com/search?q=man%20in%20military%20fatigues%20&src=typeahead_click" target="_blank" rel="noopener">عبارة</a> "رجل بزيّ عسكري" بديلًا عن "جندي إسرائيليّ"، وتصير الغارة الجويّة الإسرائيليّة "<a href="https://www.nytimes.com/2023/11/05/world/middleeast/gaza-explosion-al-maghazi-camp.html" target="_blank" rel="noopener">انفجارًا</a> يقول الغزيّون إنّه كان غارًة جويّة"، و<a href="https://twitter.com/karl_fh/status/1727724788041265248" target="_blank" rel="noopener">يُسمَّى</a> الأسرى الإسرئيليّون "رهائن" بينما يُشار إلى الأسرى الفلسطينيّين كـ"سجناء"، ويبقى الأسرى من الأطفال أطفالًا إذا كانوا إسرائيليّين، بينما يتحوّل الأطفال الفلسطينيّون إلى "أشخاص في عمر الثامنة عشر أو أقلّ".</p>
<p dir="rtl">بالإضافة إلى إستراتيجيّات الإخفاء والالتباس هذه، يجب أيضا الانتباه إلى المواقع التي يجري فيها إسكات اللغة تمامًا عمّا كان من اللازم قوله. يتمثّل ذلك بصورة رئيسة في إهمال الإعلام الغربيّ لتقديم السياق التاريخيّ الأعمّ للوقائع والأحداث ليتسنّى للمتلقّي فهم طبيعة ودوافع ما يجري بشكل أوضح . تؤطّر التغطية الحالية للحرب على غزّة الأحداث كأنّه لا صلة لها بطبيعة "إسرائيل" كقوّة احتلاليّة استيطانيّة، وبتاريخ القهر والقمع والسياسات الاستعماريّة التي تمارسها ضد الفلسطينيّين منذ عقود. لذا فحدود الصورة التي يقدّمها الإعلام الغربيّ تبدأ عند السابع من أكتوبر، ويجري قمع أيّ سرديّة تتناول الحرب في إطار أوسع. ربمّا يلخّص هذا الملمح ما <a href="https://www.youtube.com/watch?v=yI5QDQnHckQ" target="_blank" rel="noopener">قاله</a> رياض منصور، مندوب فلسطين الدائم لدى الأمم المتحدة، أنّ "التاريخ بالنسبة لبعض وسائل الإعلام والسياسيّين، للأسف، يبدأ حين يُقتَل الإسرائيليّون." </p>
<p dir="rtl">هذا التخريب والهدم والمحو الذي يحدث في اللغة وعبرها يوازي ما يحدث من هدم ومحو ماديّ للبشر والمكان في غزة، ويستهدف هذان الصنفان من الإبادة، اللغويّة الرمزيّة من جهة والماديّة المتجسّدة من جهة أخرى، الذاكرة الشخصيّة والجمعيّة. فهدم المنازل والطرق والكنائس والمساجد والمواقع الأثريّة يماثله، خطابيًّا ورمزيًّا، محو الحدث وطمس مسؤوليّة الاحتلال عنه، وإنكار وقوع القتل والإبادة في التقارير والمقالات واللقاءات الإعلاميّة. وحجب السياق التاريخيّ الأعمّ للاحتلال الإسرائيليّ يتكثّف في إصرار البرامج الحواريّة في الإعلام الغربيّ على البدء من هجمات السابع من أكتوبر وإدانة حماس كعتبة للحديث حول الحرب وكطقس مرور إلى الحكاية كما يُراد لها أن تكون: متحيّزة، ومُختزلة، و"مُعقَّمة".</p>
<p dir="rtl">سيبقى خطاب الإعلام الغربيّ حول هذه الحرب كسجلّ وكـ"أرشيف" مبتور، ومشوّه، وغير مهنيّ، بل ويمكن القول إنّه، بصورة ما، مشارك أيضًا في ما ترتكبه "إسرائيل" من جرائم ضدّ الإنسانيّة، وستبقى اللغة التي يستخدمها شاهدة على ما وصل إليه هذا الخطاب من تداعٍ. لذلك وجبت كلّ كتابة تعمل كأرشيف مضاد، الكتابة التي لا تشير فقط إلى عوار وتواطؤ هذا الخطاب، بل تحتلّ أيضًا مواقع الصمت والحذف والإلغاء، وتُفصح عمّا أسكتته الآلة الإعلاميّة، وتُصلح ما شوّهته السرديّات المنحازة، وتعيد بناء ما هدمته هيئات التحرير وغرف الأخبار وعناوين الصحف.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21503">الحرب على غزة وتحلل اللغة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-11-03 07:25:11 by W3 Total Cache
-->