<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>ملك عفونة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/194rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/194rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:42:13 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>ملك عفونة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/194rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>حسين البرغوثي في قصيدة &quot;التحوّلات&quot;... المعنى ومأساويّة انقطاع الألفة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20427</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ملك عفونة]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 24 Mar 2021 10:29:48 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%ba%d9%88%d8%ab%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d8%b5%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%91%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85/</guid>

					<description><![CDATA[<p>الهلع وانقطاع الألفة تروي إحدى قصص الدراويش حكايةَ نابش فضلات غشيَ في سوق العطّارين، فحاولوا إيقاظه بمختلف أنواع العطور الفوّاحة فلم يستيقظ، فجرّبوا بكريه الرائحة فاستيقظ، وصرخ: هذا عطرٌ حقًا. كلّ واحدة من هذه الحكايات تنطوي على حكمة صوفيّة، تَرِدُ في البداية تلميحًا ثمّ تَفِدُ تصريحًا. وحكمة هذه الأقصوصة تتلخّص في العبارة التالية: "عليك أن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20427">حسين البرغوثي في قصيدة &quot;التحوّلات&quot;... المعنى ومأساويّة انقطاع الألفة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الهلع وانقطاع الألفة</span></strong></p>
<p dir="rtl">تروي إحدى قصص الدراويش حكايةَ نابش فضلات غشيَ في سوق العطّارين، فحاولوا إيقاظه بمختلف أنواع العطور الفوّاحة فلم يستيقظ، فجرّبوا بكريه الرائحة فاستيقظ، وصرخ: هذا عطرٌ حقًا.</p>
<p dir="rtl">كلّ واحدة من هذه الحكايات تنطوي على حكمة صوفيّة، تَرِدُ في البداية تلميحًا ثمّ تَفِدُ تصريحًا. وحكمة هذه الأقصوصة تتلخّص في العبارة التالية:</p>
<p dir="rtl">"عليك أن تتجهّز للتحوّل الذي لا يكون فيه شيءٌ من الأشياء التي ألفتها." [1]</p>
<p dir="rtl">تبدو للوهلة الأولى جملةً مرعبة، ثم يتبدّد الرعب مع مواصلة القراءة سطرًا لاحقًا:</p>
<p dir="rtl">"بعد الموت، سيتحتّم عليك الاستجابة لمؤثّراتٍ (غريبة)، أتيحت لك هنا فرصةٌ مُسبقة لاختبارِها" [2]</p>
<p dir="rtl">يكمن الرعب في التلميح، في السياق المجهول للحكمة، ثمّ تحلّ الطمأنينة مع الوضوح. فالهلع والأمان حالات شعوريّة مرتبطة بمأثّرات لحظيّة. الرعب المتعلّق باختفاء كل ما نألفه جملة واحدة وإلى الأبد، والذي يتعمّق مع ضرورة الاستجابة لهذا التغيّر الراديكالي القادم، يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بمجهوليّة زمن الحدث، التي تقتضي أيضًا عنصر الصدمة، واحتماليّة وقوعه في حياتنا الدنيا، أي حسب نظامنا الرمزي الذي أصبح مرنًا إلى درجة التسرّب إلى اللاوعي، وباشتغاله المستقلّ هناك (في اللا وعي) انتفت حاجتنا إلى فهمه ومواجهته.</p>
<p dir="rtl">إذا اختفت فجأة كل العلائق المادّيّة والاجتماعية التي أنشأت رمزيّات هذا النظام الرمزي، سنجد أنفسنا في العراء. مهما كان هذا العراء ممتلئًا بعلائق ماديّة واجتماعيّة أخرى، سيظلّ منفصلًا عنّا، ولن يصبح لنا هذا الكون الجديد بيتًا، بالمفهوم الذي يقارب فيه هايدغر وجودنا اليوميّ، وذلك ببساطة لأننا لم ننشأ به بطريقة عضوية تسمح له بالتسرّب إلى اللا وعي، بل رُمينا فيه محمّلين بذكرى نظام رمزي آخر، سيكون حضوره مصدر رعبنا بعد أن فقدَ كلّ ما يمكن أن يلتصق به ليشكّل لنا المعنى، مثل سبايدر مان اختفت من حوله فجأة أثناء طيرانه كل ناطحات السحاب التي يوجّه خيوطه نحوها ورفض الهواء الذي حلّ مكان الواجهات المتلاشية (رغم أنه عليل ومنعش في الأعالي) استجداءَ خيوط العنكبوت للالتصاق. بلا واجهات (بيئة موضوعية)، لا معنى لقدرات الرجل العنكبوت الخارقة (الذاتيّة).</p>
<p dir="rtl">حين ننتقل إلى الجملة التالية، ونكتشف أن اختفاء كلّ ما هو أليف سيحدث في الآخرة، بعد الموت، نتنفّس الصعداء، وندرك أنّنا سنحيا في أمان ما حيينا هنا. أمّا القيامة فحياة أخرى تجبّ سابقتها وكلّ شحناتها الرمزيّة، ونبعَثُ إثرها كما يُبعثُ معنا المعنى، الذي، ربّما يكون الرعب منطقه، وحينها قد لا يكون الرّعب مُرعبًا، بالمعنى الذي نألفه، لأنّ "التحوّل" سيحدث حينها على الألفة ذاتها، لا على المألوف. </p>
<p dir="rtl">لكي لا يصبح تحوّل الأشياء حولنا مرعبًا، عليه أن يشملنا أيضًا، هكذا يكفّ عن كونه مواجهة بيننا وبين الأشياء المتحوّلة. أمّا السيناريو الأكثر رُعبًا، فهو أن نتحوّل نحن وتبقى الأشياء حولنا كما هي، هذه هي "الحال" التي يصبح عليها الثوّار مثلًا، ويكون هذا التحوّل فعل انفصالٍ عن "البنية الحضاريّة السائدة" [3]، وتجاوزٍ لهذه البنية، ولكن إلى أين؟ إلى "سائد" جديد، علينا أن نخلقه من خلال ممارستنا الثورية، أي أننا إذا تحوّلنا وجب علينا بالمثل أن نحوّل العالم معنا، أن ندفعه ليستألفنا بدلًا من أن نستألفه، إن لم نستطع أن نحوّل العالم معنا، إن استعصى على التحوّل، سنقع في مأزق، وسيصبح تعايشنا مع البنية الحضارية التي تجاوزناها ضربًا من الجنون والانسلاخ المتدرّج عن الذات حتى لا يبقى منها سوى شبحها الماضي، "حالة" الشبحيّة هذه هي الكينونة الوحيدة الممكنة للثائر في عوالم ما بعد الثورات المُجهضة. التحوّل مقرون دومًا بالأسى إن لم يكون شاملًا، ذاك أنّ التحوّل فعلُ انقلاب، هو التغيّر الذي لا رجعة عنه من حال إلى حال، ومتى بدأ التحوّل، لا يمكن للأشياء العودة إلى نصابها السابق، وهذا ينسحب على الألفة، متى فُقدت الألفة مع "حالٍ" ما لا يمكن استرجاعها، وإن عادت فتعود وحشًا من وحوش الذاكرة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">شهوة تحوّل المعنى </span></strong></p>
<p dir="rtl">يبلّغنا حسين البرغوثي منذ الأسطر الأولى من قصيدة التحوّلات أن الصلة التي يُنشئها بين ما كتبه وما عناه هي صلة ترتكز على النّفي لا التّحديد، أي أنّه بدلًا من الإشارة إلى الأشياء التي يشترك فيها المعنى، يكوّن قصيدته من الأشياء التي تشترك في عدم تكوين المعنى، فيمارس بذلك ما يشبه تجريدًا لغويًّا* معكوسًا - أو <span style="color:#7f8c8d">"سمّه: الرقصَ النقيض"</span>.** ورغم أنّ المعنى يقع خارج القصيدة تمامًا، خارج شكلها ومحتواها وتصاويرها ومخيالها وبنائها وذاكرتها وزمانها، فهذا لا يقول إنّ القصيدة لا معنى لها، أو إنّ القصيدة منفصلة تمامًا عن معناها، ولكنّهما يرتبطان بعلاقة "غير مألوفة"، علاقة متحرّكة، ثائرة، مشحونة، على صفيح من الجمر، علاقة أبديّة الفاعليّة، خلافًا للصلة المرتكزة على التّحديد، كأن نقول أنّ ما نعنيه هو هذا وهذا وذاك، ثمّ ينتهي المطاف الشّعري وترتاح العبارة في معناها ويعمّ السكون. ولكن على عكس ما قد نتوقّع، فإن الصلة النافية في هذا السياق موجبة، بينما الصلة المُحدِّدة سالبة. وبهذا تحضر "التحوّلات" في القصيدة منذ اللحظة الأولى لتأسيس العلاقة بينها وبين معناها.</p>
<p dir="rtl">يقول الشاعر:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">صياغةً أخرى قصدتُ،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">عنيتُ "غيرَ" صياغتي الأولى و"غير" صياغتي الأخرى،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وما سأصيغُ.</span></p>
<p dir="rtl">في الصياغة الأولى، لا تتّضح المشكلة كما تتضّح مع الصياغة الأخرى، التي كان الشاعر -قبل تحقّقها- يعوّل عليها في إيضاح المعنى الهارب. فالصياغة الأولى تجربة فاشلة لإيضاح معنى، أي أنّها مُحمّلة بالأمل، أمل النجاح في الصياغات القادمة، فالأمل، مثل الرّغبة، شيء مؤجّل دومًا ومسلوخ عن حاضره، ومثل الرغبة تمامًا، فإنّ تحقق الأمل يعني انتهاؤه، إنّه مصيره المأساوي [4]، فالأمل شرنقة عليها، كي تواكب سيرورتها وتُخرج الفراشة التي تحبسها إلى النور، أن تتمزّق. ولكن مع كلّ صياغة أخرى، مع كلّ تجربة أنضج بالضرورة من سابقتها، يتعمّق هذا الفشل بدلًا من الاقتراب من النجاح، ممّا يكشف أن الفشل ليس المشكلة الحقيقية، بل الاستحالة: استحالة اجتماع المعنى مع الصياغة في لحظة واحدة. المسألة هنا زمنيّة، فالمعنى "يتحوّل" مع كلّ صياغة مُتحقّقة، الصياغة هي موت جسد المعنى وتحرّر روحه على أمل أن يتلبّسها جسد قادم، كما في تناسخ الأرواح: "<span style="color:#7f8c8d">أرى روحًا بلا جسدٍ أرى، جسدًا بلا روحٍ</span>". ولكن التناسخ المُشتقّ من فعل نَسَخَ لا يؤدّي هنا إلى التّطابق، فهناك تحوّل يجري في كلّ عملية نسخ، في كلّ محاولة تكرار، كما ينبّهنا دريدا في كتاباته الشهيرة عن الاختلاف والخِلاف والإخلاف، مشيرًا إليها بالفرنسيّة في كلمة واحدة هي Différance، والتي يقترح كاظم جهاد أن يترجمها بهذه الصورة: اخـ(ت)ـلاف [5]. فمن أجل تعريف كلمة واحدة أو الوقوف على معناها، علينا استخدام كلمات أخرى، وكلّ واحدة من هذه الكلمات تحمل تعريفاتها الخاصّة وكهذا إلى ما لا نهاية من الركض في حلقة لغوية مفرغة، ناهيك عن وحدة المعنى في الكلمة نفسها باعتبارها ترتيبًا معيّنًا من الحروف. ما يهمّنا من هذا الحوار كلّه هو المعنى المُرجأ، المؤجّل، وما تحمله صفة الإرجاء من تغيّر. لهذا السبّب يجرأ الشاعر -رغم تردّده وعجزه أمام تفلّت المعنى- على تسميته بالتحوّل:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">أسمّيه: "التحوّل"،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">سمّيه ما شئتَ أو كيف اشتهيت،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">هو الخروج عن الذي سمّيت،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وهو الاشتهاءُ لغير ما كنتَ اشتهيتَ.</span></p>
<p dir="rtl">يبدو التحوّل باعتباره اسمًا للمعنى هو التحديد الوحيد أمام كلّ هذا النفي، ولكنّه في الوقت ذاته نفي آخر، لا يتحقق من خلال أداة النفي، بل هو متضمّن في "التحوّل"، والتحوّل صيرورة لحظة تنفي ما قبلها وسينفيها ما بعدها، ولهذا يتّكئ عليها الشاعر، الذي يحرص حتى فيما يُثبته على التملّص من الثبات ومن تبعاته المُعقلنة، ولذا نراه يُثبِت بناءً على كيفيّة شهوانيّة رغائبيّة (إيروسيّة) لا عقلانية (لوغوسيّة)، فهو يسمّي التسمية التي يشتهيها، مُطمئنًا سريعًا إلى تحوّل اشتهائه، ليتموضع المعنى هذه المرّة في اشتهاء التحوّل، فالمعنى المُشتهى يتحوّل وكذلك تتحوّل شهوة المعنى والشاعر يشتهي تحوّل المعنى اللانهائي في قوله: "<span style="color:#7f8c8d">شيئًا لا يُحدّ وليس تفهمه الحدود</span>". على خلاف الرغبات الأخرى، إن تحقق هذه الرغبة لا يُفقدها شيئًا من جوهرها، فكلّ تحقّق لهذه الرّغبة هو بحدّ ذاته تولّدُ جديد لها.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">القصيدة والقصد، المعنى والمُعاناة</span></strong></p>
<p dir="rtl">يصرّ الشاعر على مقاربة المعنى بلغة الجسد التائق إلى اللذّة، دون أن يتخلّى عن كمال الرغبة غير المتحقّقة، فيقول "قصدتُ ملذّة من غير هذا النوع". على عكس الرّغبة التي تنتهي مع تحقّقها، فإن الملذّة لا تبدأ إلّا بتحققها، أي أنّ اللذة لا تعيش في زمان قصدها، ولا يمكن للذّة المقصودة إلّا أن تكون رغبة في حينها، وهكذا يتحقّق التزامن المستحيل للقصد والمقصود في قصيدة حسين البرغوثي، من خلال تكامل عمليّة التحوّلات، لينمذج لنا التقدّم غير الخطّي لزمنيّة المعنى الشّعري، في سرديّة مشهديّة يوجد خلالها المعنى في حالة تداخل زمني، يتكدّس مستقبله داخل فقاعات تتطاير في هواء لحظته الحاضرة قبل أن تثقّبها إبرة التحوّل ناثرةً محتواها الذي يشقّ عليها الاستمرار في حمله عبر هواء الحاضر. استمرار هذا التداخل الزمني إذن محتوم بالمعاناة، مُعاناة تثاقل مستقبل المعنى على هواء حاضره، ممّا يستدعي التحوّل لتخليصه لحظيًّا من هذا المُعاناة. </p>
<p dir="rtl">إذا أخذنا الجذر اللغوي للـ "قصيدة" بعين الاعتبار، ننتبه إلى أنّها دومًا في "حالٍ" من القصد. وهو حالٌ فاعلٌ غير ساكن، إنّه حالُ مُحاولة، واقتراب، وملاحقة، وانبثاق... أي، حالُ مشقّة و"عناء". أن تكتب قصيدة يعني أن تقصد، أن تقصد يعني أن تعني. أحيانًا يقول الشاعر: قصدتُ... وأحيانًا يقول: عنيتُ... وما بين العَنْي (مصدر عنى) والعناء (مصدر عنا) ألفٌ قائمة، وفعل قيامها هو فعلٌ شاقّ، وفي غضونه يتحوّل المَعنى إلى مُعاناة إيذانًا بانثقاب الفقاعة.</p>
<p dir="rtl">يشير فرانكو بيفو بيراردي إلى مشقّة احتمال (تحمّل) الرغبة المنزوعة عن احتمال (احتماليّة) تحقّقها؛ عن لذّتها؛ عن التمتّع بموضوع هذه الرغبة، مُقتبسًا عن هيراقليطس قوله: "من العسير مُقاومة الرّغبة؛ لأنها تنتزع ما تشتهيه من أرواحنا." [6] ماذا يحدث للرغبة التي لا تتحقّق؟ ينظر فرويد إلى الحلم باعتباره ذُهانًا، ويؤوّله على أنّه إشباع رمزيٌّ للرّغبات المتسرّبة إلى اللا وعي من خلال عملية الكبت، حيث يمارس موضوعُ الرغبة المكبوت تأثيرًا انتقائيًّا [7] على محتويات الحلم، موجّهًا إيّاه نحو سيناريو يحقّق تلبيةً رمزيّة للرغبة. "سمّه: حُلُمًا"، يقول حسين البرغوثي، عن الظهور الشعري للمعنى المكبوت في صياغات القصيدة، التي يعتبرها الشاعر "تنازلات الروح كي ترضى بنصف النصف"، وهكذا نجد في كلٍّ من الحلم لدى فرويد والقصيدة لدى حسين البرغوثي استعاضةً بائسة ولكن لا مفرّ منها عن التحقّق الفعلي للمكبوت، ولكنّ روح حسين البرغوثي المتنازِلة على شكل قصيدة، هي تخفيفٌ لمعاناة روح هيراقليطس التي "تنتزع منها الرغبة المكبوتة ما تشتهيه". </p>
<p dir="rtl">يبحث الشاعر في قصيدته عن الحُلُميّة الأجدر بارتياد ذهان المعنى، كما لو كان يبحث عن أفضل خسارة استعاضيّة، فيعيد ترتيب "المألوف" بمحض إرادته وبجهد ذاتي خالص في سلسلة من التعابير والصياغات والتصاوير التي لا يُبقي فيها من علاقات الأشياء المألوفة في الواقع أثرًا، خالقًا لروحه المُتنازلة نظامًا رمزيًّا فريدًا وجديدًا، يدعوها إليه قائلًا:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">إذن تعالي،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">خارج المألوف، نحو صياغةٍ أخرى</span></p>
<p dir="rtl">مُنبّهًا القارئ إلى ذلك منذ البداية، حين يقول:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">صياغةً أخرى قصدتُ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">]...[</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"غير" العشبِ، "غيرَ" الأرض، "غير" القبلة الأولى،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وغير القبلة الأخرى،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وما كنتُ استسغتُ، وما أستسيغ،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وغير هذا النَفَس المألوف.</span></p>
<p dir="rtl">هكذا إذن يبلّغنا الشاعر أنّه سيغرّب لنا العشب والأرض والقبلة الأولى وكلّ ما يتناوشه نَفَس الواقع المألوف عن نظامه الاجتماعي الرمزي ويلقي به في علائقيّة مختلفة، تدلّ فيها الدوالّ على مدلولاتٍ أُخَر. ومثلما تُنتزع الصور من واقعها البصريّ إلى مصافّ الحلم، ينتزع حسين البرغوثي الكلمات من واقعها اللغوي "العجوز" إلى مصافّ الشعر، مُخلّصًا اللغة من علاقات "<span style="color:#7f8c8d">السأم المتوارث</span>" المألوف، وزاجًّا بها في علاقات غريبة، مستوحشة، مرعبة، يخبرنا أنّه "<span style="color:#7f8c8d">يمنحُ فيها مملكته للخراب، ومنزلته للطوفان</span>"، لتصبح هذه التحوّلات المأساويّة "<span style="color:#7f8c8d">مدخله للأراضي الجميلة</span>" التي يستفيق فيها نابش الفضلات على رائحة العطر التي يشتمّها أنفه لأوّل مرّة دون حِكَمٍ أو عِبَر. </p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">تعقيبات:</span></strong></p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">* التجريد اللغوي هو نزع الصّفات الخاصّة عن مجموعة من الأشياء والإبقاء فقط على الصفات العامّة التي تشترك بها هذه المجموعة من أجل وضعها ضمن فئة اسميّة واحدة.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">** كلّ العبارات الواردة في النص بلون رمادي هي اقتباسات أو تحويرات عن اقتباسات من قصيدة "التحوّلات" للشاعر حسين البرغوثي.</span></h5>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">المصادر:</span></strong></p>
<h5 dir="ltr" style="text-align:right"><span style="color:#4e5f70">[1] Idries Shah (1969): Tales of the Dervishes: Teaching Stories of Sufi Masters Over the Past Thousand Years. E. P. Dutton & CO., INC: New York, p.145</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ترجمة الكاتبة للجملة الأصليّة:</span></h5>
<h5 dir="ltr" style="text-align:right"><span style="color:#4e5f70">“You must prepare yourself for the transition in which there will be none of the things to which you have accustomed yourself.”</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[2] المصدر السابق. ترجمة الكاتبة للجملة الأصلية:</span></h5>
<h5 dir="ltr" style="text-align:right"><span style="color:#4e5f70">“After death your identity will have to respond to stimuli of which you have a chance to get a foretaste here.”</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[3] أدونيس (2005): زمن الشعر. دار الساقي: بيروت، ط6، ص207.</span></h5>
<h5 dir="ltr" style="text-align:right"><span style="color:#4e5f70">[4] Bloch, E. (1964): Something’s Missing: A Discussion between Ernst Bloch and Theodor W. Adorno on the Contradictions of Utopian Longing, in The utopian function of art and literature: selected essays (1996). Translated by Jack Zipes and Frank Mecklenburg. Cambridge, Mass.: MIT Press. بتصرّف من الكاتبة</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[5] كاظم جهاد (1997): من الهويّة إلى الاختلاف: سياسة دريدا. مجلة الكرمل، عدد 50، ص 65-79.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[6] فرانكو بيفو بيراردي: بين الرغبة والمُتعة. ترجمة غير منشورة لفريق مُدام.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">[7] سيغموند فرويد (1978): الأحلام والهذيان في الفن. ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر: بيروت. ط1، ص 69.</span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20427">حسين البرغوثي في قصيدة &quot;التحوّلات&quot;... المعنى ومأساويّة انقطاع الألفة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ذْراع المجنونِة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19424</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ملك عفونة]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 18 Sep 2018 07:36:08 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b0%d9%92%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86%d9%90%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>120 كم في الساعة السرعة التي لعق بها مطّاط عجلات الفورد اسفلت الشارع حين جذب شبّاكه المفتوح زهرة المجنونة أربعاء الأسبوع الأخير من آب لتحطّ في كفّي. قبل دقائق من اقتحام هذه الضيفة الفوشيّة، لم يكن من السهل التنفّس قرب نافذة السيارة المُشرعة وهي تندفع بهذه السرعة، لم يفصلني حينها عن لحظة إزاحة لوح الزجاج [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19424">ذْراع المجنونِة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">120 كم في الساعة السرعة التي لعق بها مطّاط عجلات الفورد اسفلت الشارع حين جذب شبّاكه المفتوح زهرة المجنونة أربعاء الأسبوع الأخير من آب لتحطّ في كفّي. قبل دقائق من اقتحام هذه الضيفة الفوشيّة، لم يكن من السهل التنفّس قرب نافذة السيارة المُشرعة وهي تندفع بهذه السرعة، لم يفصلني حينها عن لحظة إزاحة لوح الزجاج الذي يطقطق من اهتزاز السيارة إلى طرفه الثاني سوى رغبة وجهي بالتمرّغ في أمواج هواء قلقيلية الحارّ في يوم عشوائيّ.</p>
<p dir="rtl">بعد أسبوع، فقدتُ الإحساس بنصف القسم السفلي من ذراع تلك اليد، شملت منطقةُ الشلل الخنصر والبنصر والشريحة الداخلية الطولية الواصلة بين الكفّ والمرفق. لم أزر الطبيب سوى بعد ثلاثة أيام، حين تحوّل اللاشعور ليلًا إلى ألم شديد ينبض مثل غياب الضوء الأبيض وحضوره من خلف زجاج أسطوانة نيون معلّقة على انخفاض 5 سم من حافة سقف ستنفجر عمّا قريب.</p>
<p dir="rtl">من بين كلّ الأسماء التي تحملها هذه الشّجرة، شاع المجنونة. هنا في فلسطين، تتسلّق المجنونة أسوار البيوت ومداخلها وأقواسها وترمي أذرعها في كلّ الجهات ولا تكلّ من فرش ألوانها البنفسجية والأرجوانية والبيضاء والفوشية على تراب الأرصفة طوال العام، وليس هذا سوى فعل مجانين.</p>
<p dir="rtl">زهرة التين ثمرته وورقة المجنونة زهرتها وذراعي الزاحفة قدمي إلى الغابة.</p>
<p dir="rtl">كنت في طريقي إلى معبر ايال لإخراج بطاقة ممغنطة أذهب بها بعد ذلك إلى ارتباط سلفيت لإصدار تصريح ألصقه الساعة العاشرة والنصف صباحًا بتاريخ السادس من سبتمبر لمدّة أربع ثوانٍ على زجاج الكاونتر الذي يفصل بيني وبين الجندي على حاجز قلنديا لينظر إليه ثمّ يشير بسبّابته اليمنى أن ادخلي قفص الحديد إلى الناحية الأخرى من الكون، إلى القدس، وأن سيري في شوارعها العتيقة مُتلفةَ الأكعابِ مُسقِطةَ الذراع واقرأي ابن طفيلٍ في ظلال أقواس الحرم وقَرّي عينًا وأن لبّي لذريح واسجدي واركعي لذي الشارة وذي الشرى.</p>
<p dir="rtl">لم أحصل على تلك الممغنطة، وهو حظ كان ذورفان كريمًا إذ قسمه لي منذ ما يزيد عن ألفٍ وأربعمئة عام، دفعت 150 شيكلًا مقابل الحصول على ورقة كُتب عليها "مبلغ الدفع 130 شيكل جديد فقط" هي معاملة الممغنطة التي عليك أن ترفعها أمام الجنود في معبر ايال ليسمحوا لك بدخول غرفة إصدار بطاقات الممغنطة والتصاريح في آخر النفق المرسومة حدوده بأسيجة المعدن والمقطّع بالمَعّاطات التي خِلتُ عددها قريب العشرة، تمسكُ بأحد قضبان الحديد حين يصبح مستوى اللوح مواجهًا لصدرك (تذكّر وضعية الهجوم، صدر مفتوح وحوض مواجه للخصم) ثمّ تحشر جسدك سريعًا بين اللوح الذي أمسكت به واللوح الذي يليه وتدفع للأمام باتجاه عقارب الساعة، موازنًا بين سرعة دفع اللوح وسرعة تقدّم حذائك بخطى مخنوقة حسب ما تتيحه المساحة بين اللوحين، لا يمكنك إزاحة قدمك أكثر من 10 سم في الخطوة الواحدة حتى تصل الجانب الآخر من المَعّاطة. أي أن أخمص قدمك التي تتقدّم لا يتجاوز مشط قدمك الأخرى، مع الوقت والمران، يزيد عدد السنتيمترات المقطوعة، نتيجة ازدياد تحكّمك باندفاع جسدك في حالة توازن على شفير تلك المسافة الحرجة، مسافة يتقنها الخمستالاف عامل الذين "يعبرون" يوميًا.</p>
<p dir="rtl">كنّا نسميّها خطى النملة! لم أجد أثرًا لهذه اللعبة في التراث الشعبي الفلسطيني، لا بدّ أن نكون اخترعناها نحن بنات الحارة. كنّا نصطف جميعًا على "راس الدّحلة" وتقوم الحكم من الأسفل (خطّ النهاية) بإطلاق أحكام الخُطى على المتسابقات، فتسمّي لكلّ منّا عدد ونوع الخطى التي عليها أن تتقدّم بها، 3 عسكر، على سبيل المثال، تعني التقدّم بثلاث فشخات واسعة، 5 أرنب يتبعها خمس قفزات نحو الأمام بقدمين متلاصقتين. كانت النملة تعني أن هذه اللفّة راحت عليك، فمهما جاد الحكم بعدد الخطى لن تقطع سوى مسافة صغيرة تجعل خطّ النهاية حلمًا بعيدًا، كنّا جميعًا في انتظار خطى العسكر حتّى نهزم المسافة، ولكنّها مع لآمة الحكم كانت مثل حظّك من الجوكر في لعبة الهاند، من يصل أولًا يصبح حكم الشوط القادم، ومن يبقى وحده في النهاية يُذلّ ويهان ويُقهر بأوصاف الخسارة وألقابها.</p>
<p dir="rtl">مدّدتُ ذراعيّ اليمنى بمحاذاة اليسرى، حرّكتُ الرسغين، شبكتُ يدي خلف ظهري، أجبت "لا" حين سألني عمّا إذا كنت قد أدّيت حركات مختلفة في تدريبات الكاراتيه الأخيرة، إذًا لا بدّ أن أكون قضيت الأعوام الماضية أسند رأسي على ذراعي في المكتب، ليس هناك تفسير آخر لاختناق الوتر الزندي أو التهاب عصب اليد الذي شخّصني به طبيب العظام بعد سلسلة من الأسئلة ولَيّ مفاصل اليدين باتجاهات عدّة قرّر بعدها بإعجاب أن جسمي سينهار إذا أوقفتُ التدريبات، لأن مفاصلي اللينة خُلقت لتتمرّن، قاومت رغبتي بأن أصححه مقتبسةُ ما قاله السّنسي: هذه مرونة لا ليونة يا أحمق! لم يقل السّنسي "يا أحمق" ولكنّني تلبّسني حماس التفوّق اللغويّ على طبيب عظام في مصطلح يخصّ المفاصل. الحقيقة أنّني لم أعثر على مرجع لغويّ يفرّق بجدّيّة بين المصطلحين من ناحية دقّة انطباقهما على وصف حركة المفصل، ولكنّني لن أرضى بترادفهما، وسأخوض في الانحياز إلى فكرة أن المرونة مرحلة ثقّة الليونة بنفسها، وأنّ الليونةَ قبل تحصيل المرونة صفةُ ضعف، وأنّ المسافة بينهما كالمسافة بين النّجباء والأبدال، وكخطى العسكر. لم يسأل عن أوصاف المجنونة التي لسعت يدي، لم يسأل عن تربتها وهوائها وشمسها ومائها.</p>
<p dir="rtl">اقترَح أصدقائي مراجعة طبيب عظام أو أعصاب حين اشتدّ عليّ الألم، ولم يعلم أحد منهم بعروق المجنونة التي تتفرّع في لحم ذراعي، وأشواكها التي تنبت تحت الأدمة. ابتلعتُ الآن الحبّة الخامسة عيار 120 ملغ من ورقة الأركوكسيا، ولا تزال ذراعي تنتفخ وتتخشّب ويتقشّر لحاؤها.</p>
<p dir="rtl">وافقت أ.أ أن تخرج لي تصريحًا طبّيًا مقابل 200 شيكل، كان عليّ تسليم ظرف بالنقود وصورة الهوية في مكان ما، واستلام ظرف آخر بالتصريح من مكان آخر قبل يومٍ من موعد مقابلتي مع السفارة. أ.أ هذه كنز وطنيّ، كنت مستعدةً لدفع ضعف المبلغ تكلفةً لتجنّب الذهاب إلى معبر ايال مرّة أخرى لإخراج ممغنطة قررّوا أنّها لا تصدر سوى يوم أحد. لا أريد أن أرى ذلك الرجل الذي كان ينادي الجنود بأسمائهم ويواصل عرضه بإيصالي إلى رام الله في سيارته الخاصّة، لا أريد أن أسمع ذلك الشاب الفلسطيني يعطي الجندي خلف باب الخشب الأحمر أخبار محمد وسميرة، لا أريد أن يقترب مني ذلك الجندي مرّة أخرى ويغمزني ويهمس في أذني ملاحظات جنسيّة مقرفة، لا أريد أن أوازن خطواتي بين ألواح المعّاطات المعدنية الباردة، لا أريد أن أتوه في مسافة 100 متر بين الجنود وهذرهم بالعبريّة،I only speak hebrew  أجاب الجندي بالإنجليزية ردًا على سؤالي Do you speak English? كانت عنقائي تُبعث من جديد لدى كلّ جنديّ لا يتحدّث العربية، لا أريد أن أسمعها من أفواههم ولا أريد أن أتفوّه بلغتهم، فلننتهك الإنجليزية معًا إذًا، ونشبحها بين اهتزازات هذه الأوتار المشحونة بالوسخ، الإنجليزية، وأدركتُ فجأة حسنةً وحيدة لهذه اللغة الملطّخة بالدم، إنها تصلح قالبًا شفويًا لاحتواء فاجعة تواصل الفلسطيني مع الجنديّ الإسرائيليّ على الحاجز، أقولُ لا أريد أن يتمرّغ وجهي بأمواج هواء قلقيلية الحارّ قرب الشباك المفتوح، ولا أريد أن تلسع كفّي مجنونة أخرى، وسأغلق نوافذ كل السيارات المسرعة، ونوافذ كل العالم، العالم الذي لا نوافذ له، سوى ما يطلّ على قشور الأسماك الزرقاء الجافّة بين رمال الشاطئ المحتلّ، من عمارات البلاستيك التي تسيح على واجهاتها الشمس.</p>
<p dir="rtl">سلّمت الأوراق المطلوبة، وضعتُ أصابعي العشر على شاشة البصمات، ضغطت حتى أضاءت كلّ المفاتيح الخضراء، أزحت الكرسي نحو اليسار، واليسار الآن جهةٌ تنتحرُ فيها ذراعي أمام مدّ النسيج البرانشيمي، رددت خصلة شعري خلف أذني، جلست في مركز اللوح الأبيض، فتحت عينيّ جيدًا أمام الكاميرا، كان عليّ لمدة 20 دقيقة أن أردّ بابتسامة واعتذار على كلّ إهانة وصرخة توجّهها إليّ موظفة ممثلية الفيزا وراء المكتب خشية أن تمزّق بعض أوراق الطلب أو تخفيها إذا ما رددتُ على وقاحتها، انطلقَ خيالُ ضربة ميغي تسوكي بخطّ مستقيم من قاعدة الأضلاع نحو عظام أنفها وطرح جثّتها أرضًا. إنّها فوق كرسيّها في تلك الغرفة المقتَطعة من كعب الأمريكان كولوني إلهةُ الجحيم التي تحمل في يمناها مفاتيح الجنّة، ويسراي مدلّاةٌ على حافّة جسدي تُربّي جذع المجنونة ببطء. فرحت حين ضغطتُ بخنصر اليسرى وبنصرها على شاشة البصمات، تاركةً لدى السفارة البريطانية بصمات ثمانية من أصابعي فقط، وبصمتين تواطأت فموّهتهما عنّي ذراع المجنونة.</p>
<p dir="rtl">أمام باب العمود عصرًا، كأس القهوة والسيجارة في يد واحدة، وتزحف الأخرى نحو الشمس والماء، يُقال إنّ المجنونة لا تورق في الظلّ. أسحبُ نفسًا وأدير يدي 30 درجة ثمّ أعُبّ رشفة، يدخل الدخان في أنفي وتحترقُ ثلاث شعرات وتتبخّر حتّى منتصفها. حصلت صباحًا على كاسة اسبرسو دبل مجانية من رئيس موظّفي مطعم الأمريكان كولوني، قدّرت أنّه ظنّني شحّادة حين دخلت بذراعي المتضخّمة والمتدليّة أطلب قهوة تيك أواي لأحتسيها على مقعد أمام باب المطعم، لم أستطع أن أجلس هناك وأستمع إلى طعرصة زوج من الإسرائيليين يشربان البيرة ويميلان كلّ على كتف الآخر تحت معرّش دالية فلسطينيّة على بعد عشرين مترًا من شاشة تعرض شهادة إحدى ناجيات مذبحة دير ياسين في متحف دار الطفل.</p>
<p dir="rtl">عرفت لاحقًا أنّ دريادات هذه الأشجار القادمة من غابات البرازيل تتلبّس الأجساد التي ينزّ من مسامها عرقُ السفر، وهكذا تُواصل انتشارها في كلّ أنحاء العالم، هل عليّ الآن وذراعي تطرحُ زهرًا فوشيًا أن أرتّب حقائبي وأستقيل من وظيفتي أم أواصل الانتظار، تبدو الغرفة أحيانًا مليئةً بالأغراض التي يستحيل حزمها، وأحيانًا تبدو فارغة، فارغة مثل قعر محيط جافّ، كما لو أنّني لم أتنفّس بها يومًا.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19424">ذْراع المجنونِة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-08-31 23:52:39 by W3 Total Cache
-->