<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>الهواري غزالي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/323rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/323rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:42:47 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>الهواري غزالي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/323rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>سيف الرَّحبي على ربوة متنزّه الانطباعيّين بحديقة إيل سان دوني</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20987</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[الهواري غزالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 21 Sep 2022 10:07:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b3%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8e%d9%91%d8%ad%d8%a8%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b1%d8%a8%d9%88%d8%a9-%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%b2%d9%91%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%b7%d8%a8%d8%a7%d8%b9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كلَّمني سيف في الهاتف وقال لي : تعالَ، خلاص، لقد طرأ طارئٌ جديد.  كنت على مقربة من فندق بوبورغ الذي سيتركهُ بعد أن حجز فيه ليومين فقط، دون أن يقدر على حجز أيام أخرى فيه، فلقد كانت باريس تضجُّ بالسُّيَّاح الهاربين من زمن الكورونا في شكلِ الذين هُرِعوا إلى الجبال من طوفان نوح، لدرجة انَّه [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20987">سيف الرَّحبي على ربوة متنزّه الانطباعيّين بحديقة إيل سان دوني</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">كلَّمني سيف في الهاتف وقال لي : تعالَ، خلاص، لقد طرأ طارئٌ جديد. </p>
<p dir="rtl">كنت على مقربة من فندق بوبورغ الذي سيتركهُ بعد أن حجز فيه ليومين فقط، دون أن يقدر على حجز أيام أخرى فيه، فلقد كانت باريس تضجُّ بالسُّيَّاح الهاربين من زمن الكورونا في شكلِ الذين هُرِعوا إلى الجبال من طوفان نوح، لدرجة انَّه لم يعد في باريس متَّسع للبقاء.</p>
<p dir="rtl">استطعنا بصعوبة حجز غرفة بهذا الفندق، الذي صادف عند مجيئنا إلغاء زبونٍ إقامته فيها، بعد أن شقينا لمدَّة يومٍ كامل بحثًا عن غرفة شاغرةٍ بفندقٍ ما بباريس. تخبرنا امرأة تجاوزت السِّبعين من عمرها بدهشتها من كثرة السُّيَّاح هذا العام، فلم تشأ الصُّدف ولا الأقدار أن رأت -منذ تسلَّمها فندق عائلتها قبل أكثر من خمسين سنة- فنادق تكدَّست عن آخرها بهذا الشَّكل. </p>
<p dir="rtl">على الدَّوام، كانت باريس تتَّسعُ بنفسها لزوَّارِها ربيعًا كان أو صيفا. لكنَّ هذا العام بالذَّات، انقلبت باريس إلى ملجإٍ للنَّاجين من الطَّاعون، الباحثين عن خلاصٍ لأنفسهم خارج بلدانهم. هكذا أوحت إلينا صاحبة الفندق، وهي تتعجَّب، إنَّهم يوافقون على دفع مستحقَّات باهضة لقاءَ الإقامة بباريس، فالغرف تضاعف سعرها إلى أكثر من ألف وألفين وأحيانا ثلاثة آلاف يورو لليلة الواحدة. لا يهمُّهم أبدًا  دفعُ ما ادَّخروه خلال السَّنتين أمام الموت اللَّعين الذي أخذ منهم أرواحهم وألقاها في مقابر جماعيَّة دون أدنى التِفاتٍ إلى واجب التَّأبين وإقامة الجنائز وتوفير ظروف تلقِّي التَّعازي. </p>
<p dir="rtl">هذا اليوم من 21 جوان، هو يوم الموسيقى التي ستُعزَف بالشَّوارع  ليلاً، سيأتي العازفون من كلِّ مكان والمغنُّون والرَّاقصون والمحتفلون لينشدوا أغاني الحياة. ستضيق الغرف بالآلات الموسيقيَّة، بكبيرتِها وصغيرتِها، ستبيضُّ سماء باريس اللَّيليَّة، وسينطلق الصَّخب في كلِّ مكان باحثاً عن ثغرةٍ ما في البنايات الباريسيَّة عشَّشَ فيها الصَّمت وتراكم بها الحزنُ لسنتين من الطَّاعون. ستنتقمُ باريس من وحشِ الطَّاعون، وستخلِّدُ بهذه البهجة انتصارها الطبِّي والسِّياسي عليه.</p>
<p dir="rtl">أمَّا سيف، فلقد قرَّر التَّخلي عن كلِّ شيء، قال لي: خلاص، سأعود إلى عُمان لأرتاح، لم تعد لي رغبة بالبقاء في هذا الانفجار الكوني. فقلتُ له: لا بأس، يمكننا أن نعود إلى أونـﮔان لي بان (Enghien les bains) حيث أقمت فيها لأسبوع. سنجد شقَّة هناك تجنِّبُك تعب العود إلى عمان ثمَّ الذَّهاب مجدَّدًا إلى لندن. </p>
<p dir="rtl">هزَّ رأسه قليلا معترضًا على الفكرة، وامسك هاتفه بعزمٍ، وقال لي: لا يهمّ، قضى القدرُ بهذا وعليَّ أن أعود.</p>
<p dir="rtl">في غمرة هذا الجنون الصَّيفي الباريسيّ، قادنا صاحب الطاكسي التُّونسي إلى مطار شارل ديغول، ليستقلَّ سيف -على السَّاعة الرَّابعة عصرًا- طائرةً قطريَّةً نحو مسقط. غادر وهو يحمل في داخله خيبة كبيرة، خيبة من ذلك الانسان العائد من الموت، إنَّه إنسانٌ أحاطت به همجيَّة الخلاص من الفناء، وما أعقدها من همجيَّة!!. </p>
<p dir="rtl">لقد قضى سيف عشرة أيَّام بباريس صامتًا، يردِّدُ في كيانه رؤاه ليعيد تطهيرها من جديد بعد سنوات من الغياب. تلك الرُّؤى التي نضجت فوق نار العمر، باتت في طيِّ التَّعفينات الوجوديَّة خلال زمن الكوفيد مدفونةً تحت فاجعة الموت الجماعي، فكان كما لو أنَّه -وهو بباريس- يقوم بسحق أجزائها وحرقها وتنقيتها ليعيد بعثها من جديد. فها هو يتفقَّد الحيَّ اللاتيني الذي يحبُّه كثيرا، ونهر السِّين، وشارع سان ميشال الرَّهيب ومقهى الأوديون. كان يتطلَّع للقاء الأصدقاء أيضًا، لولا الأقدار التي هبَّت رياحُها فجأة على خيمة الحسابات.</p>
<p dir="rtl">في برهةٍ من الزَّمن، أحجم سيف عن هذا التَّرديد الشِّعري للنَّفس بعد أن تطلَّع ونحن في مقهى "لوتاس" المحاذي لنافورة سان ميشال إلى النَّاس كأنَّهم يُصبُّون من السَّماء كالمطر وينحدرون من أعالي حديقة ليكسمبورغ في شكل مزاريب تتجه نحو النَّهر.  </p>
<p dir="rtl">قبل خروجنا من المغرب، أين شاركنا لأكثر من أربع أيَّام فعاليَّات المعرض الدُّولي للكتاب بالرِّباط، حجز سيف شقَّة كبيرةً بمدينة أونـﮔان لي بان. إنَّها مدينةٌ معروفة بنشاطها السيَّاحي، وبحمَّاماتها المعدنيَّة، وهي فضلا عن ذلك، تشرفُ على بحيرةٍ كبيرةٍ، لا يبتعد مجرى نهر السِّين عنها كثيرا. لهذه البحيرة ضفَّتان، الأولى متنزَّهُ النَّاس وممشاهمُ بها، تقع بين فندق لاباريار والحمَّامات من جهة، والكازينو الكبير من جهة أخرى، يتمشَّى السيَّاح بها ويجتمعون كلَّما نظَّمت البلدية حفلةً موسيقيَّة جُعلت منصَّتُها على الماء وسط البحيرة. أمَّا الضِّفَّةُ الثانية فهي على الجهة المقابلة من الأولى، تفصلها البحيرة كاملة، تستطيع أن ترى السُّفن الشِّراعيَّة وهي ترسو على يسارها. على هذه الضِّفَّة، تتراصُّ المقاعد في شكلٍ يسمح للنَّاس بأخذ قسطٍ من الاستجمام، أو الاستلقاء على الأرض لتلمُّس عشبها الأخضر الرَّطب خلال الأيَّام الحارَّة.</p>
<p dir="rtl">في هذه المدينة، تنفَّس سيف كثيرًا من الرَّاحة، وظلَّ تجوالُه على البحيرة كلَّ عصر رفيقًا ملازمًا له على الدَّوام. كان يسبحُ في حالة من السَّكينة التي تجعلُ المتأمِّلين يميِّزون النَّوارس وهي تقلِّبُ جناحها على ندى خفيفٍ، وتتركُ لهم الوقت كلَّهُ ليستأنسوا بالبطَّ والإوزُّ وبالبجعات البيضِ التي تلوي عُنُقها في كلِّ اتجاهٍ تعبيرا عن رغبتها في المشي بعيدًا عن الماء. أمَّا الغروب الذي يرسمُ نفسه على صفيح الماءِ، فلا توشوشهُ موجةٌ ولا يعتريه اضطرابٌ، إنَّه يصلحُ للرَّسَّامين بالتقاط الأضواء المعكوسة على الماء، والتَّركيز على ما تمنحه أعماق البحيرة من درجة واضحة من اللَّون الغامق.</p>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img fetchpriority="high" decoding="async" alt="سيف الرحبي، الصورة للهواري غزالي" height="576" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/SAIF-1.jpg" width="1024"></div>
<p dir="rtl">
في بحيرة أونـﮔان لي بان، ترسو بعضُ الزَّوارق على الضفَّة الثَّانية، مشدودةً إلى الرَّصيف بحبالٍ معدنية، فتضيف إلى النَّفس خبرة جديدةً بما يلزمها من واجب الرُّكون إلى القدر، بهذه الطَّريقة، كان يعبِّر سيف عن جدوى البقاء بعيدًا عن الضَّوضاء والأضواء، بما ينفع الرُّوح من الامتلاء خارج الصَّخب الكوني. </p>
<p dir="rtl">اتَّجهنا بعدها إلى حديقة إيل سان دوني الضَّخمة. استلقى سيف على كرسيٍّ بربوة الانطباعيِّين التي كانوا يرسمون عليها لوحاتهم مقابل النَّهر. تنفَّس صعداء السِّنين، وتشرَّب من سماء هذه الحديقة الكثير من الواردات الرُّوحية. اغتنم سيف عبوره بها ليلقِي تحيَّة الشُّعراء على روح الانطباعيِّين، التي لا تزال تفيضُ بنفسها على هذا المكان. </p>
<p dir="rtl">تتوفَّر هذه الحديقة التَّليَّة الطويلة التي تبلغ مساحتها 23 هكتارًا على إطلالات رائعة على نهر السِّين المحيط بها من الجهتين، أين تعبر السُّفن المتوجِّهةُ نحو المصبِّ بشكلٍ يدعو للتَّعجُّب والارتياح معًا. يجد المشاة فيها على الفور فسحةً وسط الغابات. إنَّها توفّر تنوعًا نباتيًا مثيرًا للاهتمام سمحت بوجودها كثرة أنواع التُّربات الرَّطبة، كشجر الصفصاف الأبيض، وغبيراء جار الماء، وشجيراتُ رماد الجبل، وشجر التُّوت، وشجيرات كزبرة البئر الشَّهيرة بأرض الصين وشجر الصَّمغ الأمريكي بأوراقه المتألقة في الخريف. وهي تعدُّ أمام المروج الكبيرة والتِّلال والوهاد موطنًا للثَّدييات وملاذًا مثاليًا للحشرات، كما تضمُّ  حوالى خمسين نوعًا من الطُّيور على مدار السَّنة. وبفضل قرب نهر السِّين منها، فإنَّها تسمحُ بمراقبة بعض الطُّيور المائية التي يسهل التَّعرف عليها مثل البجع، والمورهان الدَّاكن وطائرُ الغرَّاء، وغيرها. </p>
<p dir="rtl">لقد باتت هذه الغابة المثيرة - منذ وجودها بالقرن التَّاسع عشر - مأوًى يأتي إليه الباريسيون للاسترخاء على حافة نهر السِّين، كما وفَّرت للرَّسامين مصدرا للبحث عن الإلهام فيها. ومن بين هؤلاء الرَّسامين نجد ألفريد سيسلي (1839-1889) الذي اهتمَّ برسم هذه الغابات، وهو فنَّان انطباعيٌّ من أصل إنجليزي، ولد بباريس وأمضى حياته كلُّها في فرنسا. تأثر بكوروت وكوربيه بعدما دخل ورشة شارل ﮔلاير عام 1862 بباريس، ويها اِلتقى مونيه وبازيل ورينوار. بعد أن لجأ إلى لندن عام 1870 أثناء الحرب الفرنسية البروسية، عاد إلى فرنسا أين وجد مصدر إلهامهِ الفنِّي في قرى إيل دو فرانس الصَّغيرة حيث رسم المناظر الطبيعيَّة التي غالبًا ما كانت هادئة ومريحة. يعدُّ ألفريد سيسلي أحد الفنَّانين الحاضرين في المعرض الانطباعي الأوَّل عام 1874، ولكن، على عكس مونيه، لم ينجح كثيرًا خلال حياته. على نحو متزايد، سيرفض الظهور مجدَّدًا لاسيما خلال المعرض الانطباعي الأخير عام 1886. ستتحوَّل أعمالُه نهاية حياته نحو الألوان الدَّافئة والسُّكون. </p>
<p dir="rtl">قبل أن نعود  إلى الشِّقَّة، بالعمارة الحمراء التي تتوسَّطُ مدينة أونـﮔان لي بان، اتَّجهنا نحو مطعم فوبورغ الذي يعني بالعربيَّة الرّبضة، تناولنا عشاءنا هناك، برفقة عازف البيانو الذي يقتفي بموسيقاه أثر الموسيقيِّين الكلاسيكيِّين، نظر سيف إلى النَّادل، وقال له لا بدَّ أن تكون جزائريًّا. أخذتُ الأمر على محمل الهزل، فهذا الرجل الوسيم في أوروبيَّته مستحيلٌ أن يكون جزائريًّا، وبينما أنا أستبعد بيقينٍ فرضية سيف، ارتسمت في الوقت نفسه ضحكةٌ عريضةٌ على وجه الشَّاب، فقال له: صحيح، أنت محقٌّ، جدَّتي قبائليَّةٌ. احتضن الشاب سيف كأنَّه أخرجه من بئر عميق. أمَّا أنا، الجزائريُّ العارف بخبايا القوم، فتملَّكني السُّكون من فراسة سيف العجيبة. كان النَّادل، كلَّما مررنا بالمطعم، يلقي التَّحيَّة على سيف بضحكةٍ منبسطةٍ كزرعٍ ناضج، فهو الوحيد الذي أعاد له هويَّته المنسيَّة في تفاصيل الحياة الأوروبيَّة.</p>
<p dir="rtl">فتحنا النَّوافذ للنَّسيم المنعش، استلقى سيف على الأريكة باحثًا عن سكينةٍ ليليَّةٍ، ضحكنا قليلا من هذا الاكتشاف العجيب حقًّا، ثم غاردته لأتركه يخلدُ للنَّوم.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20987">سيف الرَّحبي على ربوة متنزّه الانطباعيّين بحديقة إيل سان دوني</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>فصلُ القيروان بالخروج من بيت الولاية العالي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20900</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[الهواري غزالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 14 Jun 2022 06:12:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d8%b5%d9%84%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b1%d9%88%d8%ac-%d9%85%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>وخرجْنَا من ثِيابِ القَيْرَوانِ   مخْرَجَ الأرْوَاحِِ مِن قَيْدِ الزَّمانِ قد بدَا وَجْهُ الرَّوابِي عابِسَا   والعيونُ النُّجلُ عُمْيٌ لا تَرَانِي وبدَتْ شمسُ المعالي تختَفِي عَــ   ــنِّـــي، رُويْدًا بعدما كانت تُدانِي فلَعلِّي ألتَقِي بالوجْدِ شيْخًا   يَفْتَدِي الخِلَّانَ مِنْ ألحاظِ بانِ وعَسى من آلَفَتْها نفْسُهُ يَفـــ   ــنَى بها،  لَكِنَّهُ ليْسَ بِفَانِي   فسمع [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20900">فصلُ القيروان بالخروج من بيت الولاية العالي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<table align="right">
<tbody>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">وخرجْنَا من ثِيابِ القَيْرَوانِ</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">مخْرَجَ الأرْوَاحِِ مِن قَيْدِ الزَّمانِ</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">قد بدَا وَجْهُ الرَّوابِي عابِسَا</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">والعيونُ النُّجلُ عُمْيٌ لا تَرَانِي</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">وبدَتْ شمسُ المعالي تختَفِي عَــ</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">ــنِّـــي، رُويْدًا بعدما كانت تُدانِي</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">فلَعلِّي ألتَقِي بالوجْدِ شيْخًا</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">يَفْتَدِي الخِلَّانَ مِنْ ألحاظِ بانِ</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">وعَسى من آلَفَتْها نفْسُهُ يَفـــ</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">ــنَى بها،  لَكِنَّهُ ليْسَ بِفَانِي</p>
</td>
</tr>
</tbody>
</table>
<p> </p>
<p dir="rtl">
<p>فسمع منِّي شيئًا يذكِّرهُ بالأندلس، وما تشابه فيه النَّاسُ بالمناخ والأضواء، ثمَّ قام، يبسمِلُ ويُحوقِلُ، فاستمهلتُهُ قليلًا وطلبتُ منه أن يُفصِحَ عن اسمِهِ لي، فسمعته كأنَّه يقول: أنا عمر بن سالم عبادة العياري*، ثمَّ تركني في لمحِ بصرٍ خاطف.</p>
<p dir="rtl">فلحقتُ به لحاق الحافي، لا مؤكِّدًا به ولا نافي، بل أخرجتُ به الاشارات من الأعدام، لا مستميلًا إليها ولا إليه شيئًا من الأوهام، وهو يقول لي يا أنتِ، وأنا أستشيطُ غضبا وأقول بل أنتَ، فما زال على هذا حتَّى تعوَّدتُ، وتعدَّيتُ في ثوب المؤنَّث وتولَّيتُ،  ثمَّ قال لي: في تونس، يخاطَبُ المذكَّرُ خطابَ المؤنَّث، وتلك من علامات ما جاء في التَّصوُّفِ، فالذي ينظرُ للجواهر بنورٍ عرضي ينظر إليها بنظر ظاهر، والذي نظر إليها بنور محضٍ يأتيها بنظر الباطن، فبالظاهر، يخاطب الانسانُ خطاب الجِنْس، وبالباطن يُخاطب خطابَ النَّفس. ولقد رأيتَ لصلاح الدِّين الكوراني الحلبي أنَّه ذهب مع شيخه، ودخلا معًا على الشَّيخ أبي بكر بن أبي الوفا، فقال لشيخه: تعالي اُقعدِي، الله أعطاكِ، وكان لا يخاطبُ النَّاس إلا بلفظ التَّأنيث والظَّاهر أنه كان يريد به نفسَ الانسان. </p>
<p dir="rtl">فجبتُ معه على هذا الخطاب ما جاب، ثمَّ قصدتُ معه العقول والأفهام والألباب، ونزلنا من الجبال مع الطَّيرِ سعيا، وأتينا الطَّريق إلى رقَّادة أتيا، حتَّى وصلنا بئرًا معطَّلَةً عليها قصرٌ مُؤيَّد، وفي كلِّ طرفٍ منه برجٌ مشيَّدٌ، فلا تكادُ ترى القصر في عميق البئر إلا من كوَّةٍ بحجمِ ما يمدُّ به إلى صغيرِهِ منقارُ هُدهد، كأنَّ القصرَ مشكاةٌ تلألأت فيه أضواء معبد، فأدخلتُ يدِي غير مكترثٍ ولا معترض، أتحسَّسُ الظَّلامَ الذي بعضُهُ فوق بعض، ممدِّدًا بطول ذراعي إلى البرزخ المكنون، لعلِّي أحملهُ كجمرةٍ من رمادِ كانون، فما لبثتُ أرى يدِي إذ أنا في النُّور، ولا لبثتُ ألمسُ شيئًا في العالم المهجور، حتَّى هَمْسَتْ بمسمعي خشخشةُ أوراق، فتحسَّستُ جزءًا منها كأنَّه بصمغٍ برَّاق، فأخذ بي جناحٌ من الرهب، وهتف هاتفٌ بكلامٍ فيه ألغازٌ وعجب، فأخذت أسحبُ يدي من الظُّلمةِ سحبَ خائف منهوك، ثمَّ سمعته يقول: لا تخف ولا تحزن إنَّا منجُّوك،  فأعدتُ يدي إلى جيبِ الجبِّ، فأخرجتها فإذا في كَفِّي رقعةٌ بيضاء كاللُّبِّ،  وكما قال الشَّاعرُ:</p>
<p> </p>
<table align="right">
<tbody>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">فَصَارَتْ عَصاً فِي كَفِّهِ فَأَجَنَّها</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">وَأَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ تَجْلُو الدُّجَى كَشْطَا </p>
</td>
</tr>
</tbody>
</table>
<p dir="rtl">
<p>فسُرَّ إذَّاكَ بنظرِه إليها العبادي، لمَّا أدرك بي أنَّ الرُّقعة من أبينا الهادي، ثمَّ أردف فقال: إنَّك قد أفضيتَ نفسَكَ إليه مرَّتين، بما أشار به عليك ابراهيمُ الكريم صاحب الهجرتين**، وكنتُ أعرف أنَّك أنت المقصود بالقيروان، فقد انتظرناك منذ استشزرَ بنا النِّسيان، فقرأناها، فإذا فيها أنّه من الهادي أبيكما وأنّه: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، شوّقناكم فلم تشتاقوا، ودعوناكم فلم ترتحلوا، وأشرناكم فلم تفهموا. وأشار في الرُّقعة إليّ بأنّك يا فلان: إن أردت أن تتخلّص من أخيك، فلا تنيا في عزم السَّفر، واعتصما بحبلنا وهو جوهر الفلك القدسيّ المستولي على نواحي الكسوف. فإذا أتيت "وادي النَّمل" فانفض ذيلك، وقل الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني "وإليه النُّشور"، وأهلِكْ أهلَكَ واقتلْ امرأتكَ "إنَّها كانت من الغابرين"، وامض حيث تؤمر ف"إنّ دابرَ هؤلاء مقطوع مصبحين"، واركب في السَّفينة وقل "باسم الله مَجراها ومَرساها".</p>
<p dir="rtl">فقلتُ له يا شيخ أعنِّي بما هو لديك حاضر، فلستُ على هذا بصالحٍ ولا قادر، فقال لي: إنَّه قد جُمِع القولُ على شهاب الدِّين*** وعاصم، فليس لنا عنهما حائلٌ ولا عاصم، وإنَّه قد قدِّرَ علينا مثلهما أن نقضي الطَّريقَ لما أوتياهُ من الغربَةِ الغربيَّة، وأن نسعى سعيًا حثيثًا حتَّى نلي جهة الألفة الشَّرقيَّة، فإنَّنا لو بقينا ههنا سنوضعُ في زبرِ الحديد، ونؤتَى الجبالَ فتُسَدُّ  بنا سدَّينِ من جديد، فهلمَّ بنا، فلقد جاءنا بهذا خبرٌ على ريحٍ من شجرِ سيناءَ منزَّلٍ بالسَّلوى، تسَّاقطُ علينا إذ نحنُ في اتِّجاه المكان القصيِّ رطبًا جنيًّا. فقلت له: والله ما أتاني من هذا إلَّا نزرٌ قليل من الفهم، وأنا لست سوى ناقصِ كمالٍ من العقل، فانظُرْ أنت وأخبرني، فقال: إنَّهما يمانيَّان من سبإ، قد جاءَهُما باليقين في النَّبإ، وأحاطهما ليخرجا في السيَّارة من البئر المعطَّلة، فخرجا فكذلك نخرجُ عليهما في مددٍ محصَّلة.</p>
<p dir="rtl">فقلتُ: وما منعهما من أن يعودا إلى أرضهما باليمن، أكان عليهما وجوبًا أداء فرضِهما في العلن، وقد تنكَّروا في زيٍّ ضيوف الكنعانيِّ على الملأ، وليس الوقوع بالقيروان من سبيل الخطأ؟</p>
<p dir="rtl">فقال لي: إنَّ الخروجَ إلى القيروان فريضةُ الأرواح، والولوجَ بطواف أسمائها ماءٌ لجبلِ الألواح، وكلَّ ليلة بها كأنَّها ليلةُ قدرٍ، فإذا صعدت عنها الأسماءُ انقطع ذكرها انقطاع الفجر.</p>
<p dir="rtl"> فسمَّيتُ بالله، ثمَّ سبَّحتُ ولَهْلَهْتُ وحمدلتُ وحوقلتُ وقلتُ له: وما هي الأسماء الصَّاعدة،؟ فقال: إنَّ الذي يصعدُ إنَّما هو ممَّا نُزِّل منها على آدم، فما بقى راسيًا منها لا يضنُّ بها إلَّا نادِم، وما تبخَّر منها وتقطَّر لا يتلقَّاه القلب إلَّا في وليٍّ أو عالم، فلو تلقَّى غيرُه من ربِّه كلمات وما تاب،  لن يلقاها خلف هذي التِّلال إلَّا كظمآنٍ يحسبُها سراب، فقلت وهل الكلمات والأسماء سواء، فقال: نعم ولا، ولكنِّي إذا بسَّطتُ، وسهَّلتُ ووهَّدْتُ، قلتُ : الكلماتُ علمُ الانسان، والأسماء علم القرآن، فتعجَّبتُ من رأيه. </p>
<p dir="rtl"> فقال لي: هل أتاك حديثهما؟ قلت لا والله، فقال: لقد جاءَهُما خبرٌ من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشَّجرة أنِ فِرَّا إلى ربِّكما، فإنَّ الباقي بها مقطوعٌ انقطاع البرِّ بعيبكُما، فاقتطعا من المسافات أشواطًا، ونالا من بَرِّها أقساطًا، فنزلا الوادي المقدَّسِ ولم تُؤنِسْهمَا نار، ونزعا نعليهما بعد أن قضيا أطوار، فصار الطُّور لهما سدرةَ المنتهى، ولم يُؤت إيَّاهما في شبهٍ مشتهى،  فلمَّا وصَلا إليه قال ثالثُهما**** : </p>
<p> </p>
<table align="right">
<tbody>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">بِزَيْتُونَة الدُّهْنِ المُبَارَكَةِ الوُسْطَى</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">غَنِينَا، فَلَمْ نُبْدِلْ بِهَا الشِيحَ والخَمْطَا</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">صَفَوْنَا فَآنَسْنَا مِنَ الطُّورِ نَارَهَا</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">تَشُبُّ لَنَا وَهْنًا وَنَحْنُ بذِي الأرْطَا</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">فَلَمَّا أَتَيْنَاهَا وَقَرَّبَ صَبْرُنَا</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">عَلَى السَّيْرِ مِنْ بُعْدِ المَسَافَةِ ما اشْتَطَّا</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">هَبَطْنَا مِنَ الوَادِ المُقَدَّسِ شَاطِئًا</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">إلَى الجَانِبِ الغَرْبِيِّ نَمْتَثِلُ الشَّرْطَا</p>
</td>
</tr>
</tbody>
</table>
<p> </p>
<p dir="rtl">
<p>وكما قال شاعرٌ آخر: </p>
<table align="right">
<tbody>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">وَفِي الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ صَخْرٌ تَحَجَّرَت</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">جَلَامِدُهُ بِاليُبْسِ وَهْيَ لَهُ ثِفْلُ</p>
</td>
</tr>
</tbody>
</table>
<p dir="rtl">
<p>فكذلك سعيُنا بعد الجانبِ الغربيِّ إلى الموطئِ الشَّرقيِّ، فقلتُ له لم أفهم، فقال: عَلَيْنَا باتِّجَاهِ سُوسَة  وَتُونُسَ وَبِنْزَرْتَ الغرَّاء، حتَّى يرسل الله علينا طائفةً من طيور ساحل اللُّجّة الخضراء، فاذهب، فسندركُ ذلك، فقلتُ له: إنَّ صاحبي الكنزي، قد خلَّفتُه ورائي، ولستُ عنهُ بمُفَارِقٍ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ، فسلَّمنا على مُنيرٍ وَقَيْس، وَانطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا أَتَينَا أَهْلَ أكودَةٍ وَجَدْنا فِيهَا بيتًا فَوصلناهُ، وكان البيتُ لِفتاتينِ يَتِيمَتَيْنِ، وَكَانَ فيهِ عِلْمٌ لَّهُمَا وَكَانَت أمُّهُما صَالِحَةً، فقال الكنزي: أنا لهنَّ، إذ كتبهنَّ الله لنا في طريقٍ جئناه من وراء البحر، ولم يكن لنا بهنَّ موعدٌ، فأخبرتُه بالولاية وعلاماتها، وبالمحجَّة وإشاراتِها.</p>
<p dir="rtl">ثمَّ نزلنا ليلا بالقنطاوي، فدعونا له بالرَّحمةَ ووسَّعنا من الذِّكر له، وعجبنا من مقدمِه من بلد كنتة، إذ بين السَّاحلِ وكنتة آلاف الأميال، واسمُ البلدِ كنتاوي -على ما آتانا به صاحبُ الهجرتين-، فنطقه مغاربيُّوا تونس بالقنطاوي، وهم ينقسمون بينهم في نطق التَّاء والكاف انقسامًا لا خلاف فيه، فترى منهم من يقول تويكة التي تدلُّ على ما يفيد من الزَّمن الآن، ومنهم من ينطقها طويقة، فتتحوَّل التَّاءُ إلى طاءٍ والكاف إلى قاف. وٍرأينا رأيًا آخر، فمحمَّد القنطاوي هذا ينحدر من منطقة قنطة، غير بعيد من هذا المكان.</p>
<p dir="rtl">فلزمنا الصَّباحَ حتَّى أتينا جامع سوسة، ، له محرابٌ كأنَّه درَّة ذهبيَّةٌ لا تزال تتوهَّج  بسراج اللَّيلِ الغاسق، وأسقفٌ تشدُّها أعمدةٌ متوازيةٌ كأنَّها مِنْ سَكَنٍٍِ قد نُحِتَت في إصْباحٍ فالق، وكان بناؤها العظيمُ منشرِحًا للنَّفس، وفناؤهَا واسعًا تحت الشَّمس، ببابٍ على المحراب يقود في نفقٍ  إلى ما فوق دارتها، وليس فوقه شيء،  وأقصر من طريق الملائكةِ في ألف عام من دورتها، وليس دونه شيء، والقبَّة مكتوبٌ على أسوارها  من آل عمران، مصابرةً وصبرا ومرابطَةً وإحسان،  ثمَّ انزوينا إلى الرِّباط وطوابقه، وتسلَّقنا أرواح المريدين بمرافقه، فتجَّلت لنا ونحن في برجه العالي قلعةٌ كأنَّها قائمة على أركان سليمان،  تدور في لجَّة الصَّرحِ بين السُّلطان والجان، يظلُّ البحرُ أمامها ما ارتفع هامدًا، والملك ما اشتدَّ مُلْكُهُ  زاهدا.</p>
<p dir="rtl">ثمَّ سمعنا جلبةً في الخارج فسعينا في ترجُّلٍ عاجل، حتَّى رأينا تابوتًا ألقَاهُ اليَمُّ في السَّاحل، والنَّاسُ حوله مجتمعون، ودونه في كثرتهم ممتنعون، فحملناهُ وأدخلناه  الرِّباط، ثمَّ وضعناه مسجًّى على البساط، فاجتَمعَت عليه الدَّروايش بالقراءة، يزيلون عنه العلَّة والإساءة، حتَّى أفاق وقد بكى فأشاروا إليه، فقام من مهدِهِ الذي عليه، وقال لنا، آتِنَا غَدَاءَنَا، ففهمتُ ما وقعَ من سفرِهِ، فغذَّيناهُ، ثمَّ جاءتْ أختهُ تدلُّنا على أمِّه، فعرفناه، فكان كما قال الشَّاعر: <br />
 </p>
<table align="right">
<tbody>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">لَهُ حِينَ يَلْقَى أمَّهُ  مِنْ صَفَائِهِ</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">بِمَكْتُومِ مَا فِيهِ مِنَ العِلْمِ فَاضِحُ</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">إذَا ما بَكَا فَاضَ احْمِرَارُ دُمُوعِهِ</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">بِمَا جَنِيَتْ مِنْهُ عَلَيْهِ الجَوَانِحُ</p>
</td>
</tr>
</tbody>
</table>
<p dir="rtl">
<p>
وكما قال في موضعٍ آخر: <br />
 </p>
<table align="right">
<tbody>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">وَتَبْيِيضُهُ بالمِلْحِ فَهْوَ غِذَاؤهُ،</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">وَلاَ بُدَّ في تَدْبِيرِهِ مِنْ غَدَائهِ</p>
</td>
</tr>
<tr>
<td>
<p dir="rtl">إلَى أنْ تَرَاهُ مِنْ صَفَاءٍ وَرِقَّةٍ،</p>
</td>
<td> </td>
<td>
<p dir="rtl">كَمَاءِ النَّدى في لَوْنِهِ وَصَفَائِهِ</p>
</td>
</tr>
</tbody>
</table>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">
<p>
وقال لنا، خذوا السَّفينة، ولا تلقُوا لهَا مرساةً  على الجبالِ البيضِِِ ولا الحُمْرِِِِ ولا التِّي اختلفت ألوانُها، حتَّى يأتيكم منِّي لها ذكرَا، ولا تغرَّنَكم الغرابيبُ السُّودُ إذا استوت أركَانُها، حتَّى يجعل اللَّه لكم فيها أمرا، فلحقنا بها أهلا، وكان على بابها رجلٌ متلبِّسٌ في هيئةِ رُبَّان،  فقال لنا:  مهلاً، إذا نحنُ أقلعنا إلى بلدِ الرُّهبان، فليس لكم منِّي أن تسألوني حتَّى يأتيكم عبدٌ من عباد اللَّه فاسألوه. </p>
<p dir="rtl">فركبنا السَّفينة، وجئنا بها على قدرٍ إلى المدينة، فدخلناها وكانت النِّاسُ نياما، لا يُظهرُ منها أحدٌ مقاما، وصعدنا دور الرُّهبان فكانت فارغة منهم، وأنصتنا لعزيفهم فلم نسمع إلا أمواج البحر، حتَّى إذا صلَّينا العصر وتفرَّغنا للذِّكر، سمعتُ العبادي كأنَّه يريد القيام فرفع قدميه عن الحصير، ولم نكن بعد قد استوت قلوبنا  على جوديِّ المَنَسْتِير، حتَّى نادى منادي من خارج المسجد غَضِبَا، أن أسرعوا إلى السَّفينة سيأخذها ملكٌ غصبا، فوَضَعنا أنفسنا في ريش الرِّيح وهُرِعنا مذعورين.  </p>
<p dir="rtl">(يُتبع).</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">* هو عمر بن سالم عبادة العياري، مرابطٌ صوفيُّ عاش في النِّصف الأوَّل من القرن التَّاسع عشر بالقيروان، كان حدَّادا ونجَّارا وكان ينقش ما يشبه القيروانيَّة الكتابة على الخشب، وكان غريب الأطوار وغامضًا، ولشدَّة صلاحه، بنى له أحمد باي زاوية سنة 1845، أين دُفن بها، سنة 1855.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">** ابراهيم هو رجل متصوِّفٌ عاش بوهران، ثمَّ هاجر إلى فرنسا ثمَّ إلى كندا، يهتمُّ في دراساته بشيوخ التَّصوُّف في صحراء شمال إفريقيا. سمِّي بصاحب الهجرتين لذلك.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">*** شهاب الدِّين السَّهروردي، وفي النَّص إشارة إلى نصِّه الغربة الغربيَّة.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">**** القصائد في مجملها لابن أرفع رأس الجيَّاني الأندلسي إلا ما يتقدَّمها مطلع النَّص فهي للهواري غزالي.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">***** الصُّورة للسَّفينة التي كان الملك يريدُ أن يأخذها غصبا.</span></p>
<p> </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20900">فصلُ القيروان بالخروج من بيت الولاية العالي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في وصلِ القيروان الثَّالث من بيت الولاية العالي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20875</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[الهواري غزالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 19 May 2022 06:32:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%8a-%d9%88%d8%b5%d9%84%d9%90-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%8e%d9%91%d8%a7%d9%84%d8%ab-%d9%85%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>طَرَقْتُ على بَابِ الولايَةِ باحِثًا عن الوَجْدِ والأسْرَارِ والحُبِّ والحُسْنَى وجُبْتُ دُرُوبَ القَيْرَوانِ مُحَدِّثًا رُسُومًا وأطْلَالًا ونَقْضًا عَلَى مَبْنَى وَصَوْمَعَةً ظَلَّتْ بِحَالٍ مِنَ المُنَى وَزَاوِيَةً أَلْقَتْ مَفَاتِيحَهَا وَهْنَا فَألْفَيْتُ نفْسِي كَالكِتَابِ عَلَى دُرْجٍ أُقَلِّبُ حرْفًا دونَ حَرْفٍ بلا مَعْنَى أَيَقرَأُ منْ لا يَعْرِفُ العِشْقُ قَلْبَهُ ويكْتُبُ مَنْ لمْ يَنْكَشِفْ قوْسُهُ الأدْنَى وَيَعْقِلُ مَنْ كَانَتْ يَدَاهُ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20875">في وصلِ القيروان الثَّالث من بيت الولاية العالي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">طَرَقْتُ على بَابِ الولايَةِ باحِثًا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">عن الوَجْدِ والأسْرَارِ والحُبِّ والحُسْنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وجُبْتُ دُرُوبَ القَيْرَوانِ مُحَدِّثًا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">رُسُومًا وأطْلَالًا ونَقْضًا عَلَى مَبْنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَصَوْمَعَةً ظَلَّتْ بِحَالٍ مِنَ المُنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَزَاوِيَةً أَلْقَتْ مَفَاتِيحَهَا وَهْنَا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">فَألْفَيْتُ نفْسِي كَالكِتَابِ عَلَى دُرْجٍ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أُقَلِّبُ حرْفًا دونَ حَرْفٍ بلا مَعْنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أَيَقرَأُ منْ لا يَعْرِفُ العِشْقُ قَلْبَهُ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ويكْتُبُ مَنْ لمْ يَنْكَشِفْ قوْسُهُ الأدْنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَيَعْقِلُ مَنْ كَانَتْ يَدَاهُ بِجَيْبِهِ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">فَلَاحَتْ، فَلَمْ يَسْحَرْ بِبَيْضَائِهَا عَيْنَا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أشَاهِدُ في صُنْعِ الزَّرابِي حَقائِقًا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وأعْقِدُ في سَجَّادِهَا الرَّايَةَ الأقْنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وأُتْلِفُ في خيطِ النَّسِيجِ مُسَمَّطًا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">تُشَدُّ بهِ الأطْرافُ في الفَرْدِ والمَثْنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَلَوْ كَانَ سِرُّ العاكِفِينَ على الجَوَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">مُبَاحًا، فلا تَبقى عُراهُم ولا تفنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لَكُنْتُ على ذِكْرِ الأحبَّة قائِمًا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أكَرِّرُ أسْماءَ الهوَى ما جَرَتْ مِنَّا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وأُلْقِي عَلَى سَمْعِ النَّدَامَى قَصِيدةً</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">تَسُومُ كُؤوسُ الخَلْقِ فِي لَفْظِهَا شَأْنَا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">فَتَطْرَبَ بَاحَاتُ الجَوَامِعِ لَيْلَةً</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">يُظَنُّ لَهَا بالقَلْبِ في كَوْكَبٍ أسْنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَتُوقَظُ أرْوَاحٌ بِكَفِّ مُلَهْلِهٍ،</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَيَهْتَزُّ مِحْرَابٌ كَأَنَّ بِهِ جِنَّا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَتُرْفَعُ أحْجَارٌ وَقَدْ كَانَ وَزْنُهَا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">إذَا وُضِعَتْ لا يُسْتَطَاعُ لَهَا رَكْنَا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَتَغْدُو النُّجومُ الغَائِرَاتُ مَعَازِفًا </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">تُزَوِّجُ بالجَوْزَاءِ مَنْ تَاقَ لِلْمَغْنَى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">فَهَذَا الَّذي تُهْنَا بِهِ فِـي كُلِّ حَضْرَةٍ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">وَهَذَا الَّذي يُشْفِي الوَرَى إنْ بِهِ بُحْنَا</span></p>
<p dir="rtl">وإذ أنا على ذلك، حتَّى اِلتقَينَا ونحنُ نفلجُ من الباب الخلفي للجامع، رجُلاً في مُستَرْسَلِ نفْسِه جالسًا بمفرده وساكنا، كان يقبع تلك الرَّبعة الفارغة ظهرَ الصَّومعة، يتمتمُ وعيناه تراقبان ظلالَنا، لا تبدو عليه أثرَةٌ من الشَّمس اللَّافِحة ولا غَبَرةٌ مما تتركُه وطأة النَّهار أمام الرِّيح التي تثيرها أقدامُ المتبرِّكين. شزَرَ إلينا بعناءِ، فوقع من عينيهِ في قلبي سرٌّ ألفيت به نفسِي قارئا عليه السَّلام، ثمَّ تنحَّيتُ جانبا إلى أن نزلتُ إليه، كأنَّني على عتبة الرُّوح وقد قضيتُ في مشيِي فرسخًا، على قدرِ ما مَدَّ البَصَرُ من مَنَارِ المسافرين برزخا،  فأسرَّ إليَّ بالغاشية، ودنت من كلامه معانٍ دانية، فقال؛ هل فهمت، فقلت له: كأنِّي، فأتبع نفسَهُ نفسي دون تأنِّي، حتَّى دنوتْ.</p>
<p dir="rtl">فقلتُ له: وما الذي بين القيروان وما أوحى لي به الآن إسرارك؟ فقال لي: اُنظر، فدارُ فناءٍ فيها مع البقاء لقاءُ، والقيروان لها  مع السَّماءِ نداءُ، ورأيت في الغبطة المتَّصلَّة أنَّها لديك الممشى الهادي من غرناطة والسُّرى، وقد سمعتُ في نفسِكَ شعرًا أنَّها عندك أمُّ القرى.</p>
<p dir="rtl">فقلتُ له: إنَّما استنبطتُ ذلك من شبيهِ بنائها بمكَّة، ولكنَّني قرأت لها عند السَّابقة من العرب قولا، فالقَيْرَوان عندهم الكثرة من النَّاس ومعظم الأَمر، وقيل: هو موضع الكَتيبة، وهو معرَّب أَصلُه كاروان، بالفارسية، ولقد وجدتني أقول إنَّ معنى الكارافان بالفرنسية القافلة وقد اشتُقَّت من ذلك، وقد يكون هذا صحيحًا، لكنَّ للقيروان عند العرب من الشُّعراء سالفَ ذكر، ولقد قال ابن دريد: القَيْرَوان، بفتح الرَّاء هو الجيش، وبضمِّها هي القافلة. فأمَّا التي في معنى الجيش فلقول امرئ القيس: [وغارة ذات قَيْرَوانٍ ٭ كأنَّ أَسْرابها الرِّعالُ]، وأمَّا القَيْرَوان الَّتي بمعنى الغبار فلقول النَّابغة الجعدي: [وعادِيةٍ سَوْم الجَرادِ شَهِدْتها ٭ لهَا قَيْرَوانٌ خَلْفَها مُتَنَكِّبُ].</p>
<p dir="rtl">فقال لي: دعك من هذا ولا تعقل لنفسك ما لا يسدي لك بشيئ في ما قاله النَّاس الدُّهريُّون،  ولا تنظر بعين من نظر قديما في القول، ولا تصغِ بسمْعِ من سمعَ شيئا ودار عليه الحول، فالتُّراث لا معنى له إذا لم يُجدِ بكَ في أمرٍ من الفهم، إنَّما يجوز لك الرَّأي بما أنت عليه من الواقع والأحداث والتَّجارب، وهذا هو الذي يفيدُ به النَّاس من حولك، ويُجير المستجيرين برأيك، فيصير لمستقبلك تراثَا ولخلفِكَ من النَّاس انبعاثا. </p>
<p dir="rtl">فلم ألبث أتعجَّبُ من قولِ الرَّجل، وأؤجِّل في التَّأويل وأتعجَّل، حتَّى أردف فقال: وأنتم مشعر النَّاس تكتبون اليوم كتبًا تدَّعون فيها العلمَ، لكنني لا أجدكم إلا تجترُّون فيها أقوالا ليست بأقوالكم وأحداثا لا تعني من واقعكم شيئا، وما أغفلكم عن الجواهر المدفونة وأنآكم عن الحقائق المكنونة، ولو كنتم إلى التَّجربة اقترابا وللعقل والنَّظر اصطحابًا، لما ظلَّت بكم العوالم وضاعت فيكم المعالم. ولكنَّ لكم كبراء خرَّبوا تعليمَكُم، ودمَّروا منهجَ تكوينِكُم، وجعلوكم كدوابَّ تدبُّ همَّالة العيون، فانفُضْ غبارَهم الذي جثا كحشرات السُّوسِ على صرر البُرِّ المطحون.</p>
<p dir="rtl">فأخذتُ برأيه ومقاله دون تردُّدٍ، وعزفتُ كعادتي عن الكُبراء بعزفٍ متجدّدٍ، وخمَّنتُ وفكَّرتُ، فقلتُ: واللَّه إنَّ الرجلَ على حقٍ،  فلقد انقطَعَ السبيلُ إلى العلم منذ انقطَعت الطريق إلى العقل، فقلتُ له، فأتني بما يشهدُ على رأيك فيما تقول، فقال : </p>
<p dir="rtl">أفلم تُسْقَ ببئر روطة اليومَ من عينٍ جارية؟ فقلتُ له: بلى، فأردف فقال: أولمْ تجلسْ في دار العلَّاني على سريرٍ مرفوع، ثمَّ أوتيَ لك بكوبٍ من شايٍ مودوع، فقلت: بلى، فهل رأيتَ كيفَ صُفَّت على الأطراف النَّمارق، وبُثَّت الزَّرابيّ أمامكَ ومدَّت الأبارق، فقلتُ بلى، فقال: فلمَ لم تر نفسكَ حتَّى الآن بالجنَّة العاليَة، تلك التي لا تسمعُ فيها صخَبًا ولا لاغية، ألم تنظرْ وأنت قادمٌ بالطَّريق إلى تلك الجمال التي تتحصَّنُ في طرفك حتَّى قبل أن يرتدَّ إليك، ألم تر نجمَ اللَّيلِ كأنه صمغٌ من شجرِ السَّماءِ المرفوعة يسيلُ على يديك، ألم تر إلى الجبال كيفَ نُصبَتْ عليها وِسلاتُ حتَّى التأمَت فيها ضواحي الزَّمان، وطال عليها  من خطِّ الغرب والشَّرق حبلُ الأمان، وكيفَ قبلَها سُطِحَتِ الأرض فاستوت كأنَّها مربطُ النَّاسِ إلى يقظَةٍ من نومِهِم القصير ومحشرِ يومهم الأخير.</p>
<p dir="rtl">أفلا ترى أنَّ هذه المدينة لم تُصنَعْ إلَّا على صورة القرآن، بعد أن كانت قفرًا موحوشةً من الانسان، فكأنَّها تصغيرٌ للقروِ الذي يفيد المقصدَ والاتِّباع، فحلُّوا محلَّ الألف الممدودة من القرآن واوًا للاجتماع، فتشابهت المفدرتان وانطبقتَا على قروٍ واحد، بلا حرفٍ ناقصٍ ولا زائد.</p>
<p dir="rtl">فانظُر إذًا: هل جيئ في نظرِكَ بالأسماءِ  على عبثٍ، دون معنى يدلُّ على حدثٍ؟ إنَّما كل اسمٍ في القيروان دليلُ علمٍ إلهيٍّ ممدود، في سرٍّ تراكمت عليهِ قرونٌ من الجهلِ المقصود.</p>
<p dir="rtl">فقلتُ له: فما مثالكَ ودليلُك؟ فقال:</p>
<p dir="rtl">ألم أحدِّثك بدار العلَّاني، فقلت له: بلى، فقال: فما معناها، فقلت : الله بها  أعلم ، فقال،  لو كانت في غير بلد القيروان لسمِّيت بدار الفولاني، وإنَّما استوى اسمُها على العلَّاني، فقلت له وما الفرق؟ فقال: وأمَّا فلانٌ فقد أطْلِقت على المبهمِ الذي لا يُعرَفُ له اسمٌ، وإنما يُعرفُ فعْلُهُ، فنقول كتب فلانٌ فلا نعرف من  كتب ولكنَّنا نعرف الفعل الذي وقع منه، ولقد استنبَطها النَّاسُ من فَلَنْ، وهي من حرفين، فالفاء لما قبلها، ولن للنَّفي، وأمَّا علَّانٌ فهي من العلنِ، ويُقصدُ بها العلمُ والأعلامُ، وإنَّما قال النَّاسُ فلانٌ وعلَّانٌ لقصدهم في ذلك المجهول منهم والمعلوم. </p>
<p dir="rtl">وَعَلَمُ دار العلًّاني من علَمِ القيروان، و إنَّما هي تحفةٌ حضرانيَّةٌ معلومةٌ لا قبيل بها لغيرها، تدخل إليها وقد تاقت عيناك لشهباءِ جبل ثور، وما مُدَّ من أقاصيه طورًا بعد طور، كأنَّك تلجُ جنَّةً أضاعت ألوانها بين  الطَّريق والطَّوارق، ترامت برياضاتها الأربعِ في بديعِ الزَّوايا وما آتاها صاحبُها من الطَّنافِسِ والنَّمارِق،  فترى  البُسُطَ الملمومةَ قد تراخت همَّتها في سكونها المتَّكئِ على الجدران، وهُدْب القطيفة ذو الخملِ يفضُلُ ما كان منه بالإمكان، حتَّى تبدو على ظَهْرِها كأنَّها خيوطُ سرَّةٍ مقطوعة،  فُصِلَتْ بيدِ القابلاتِ عن صوفها فإذا هي مطروحة بالأرضِ ومصروعة، تدورُ عليك  كدراويش من ولدانِ أتراكٍ مخلَّدين، لا نافرين عنك ولا مسلَّمين، وقدِ ازْرَبَّتِ الأسقفُ حولكَ وتعبقرَتْ، وتهادت بها العيونُ حتَّى استكانت وقرَّت، فمتى وضعت رأسكَ، وجدتَ إيناسَ تجري على أطرافها كملائكةٍ حسان سائحة، تتذلَّلُ تحت أقدامِها الزَّائراتِ مجازاتُ الجنان الواضحة. </p>
<p dir="rtl">فتعجَّبتُ من إجابته، وقلتُ له زدني، فقال:</p>
<p dir="rtl">وإنَّما الزَّربيَّة القيروانية نسيجٌ من الصُّوف الأخرش الخشن، تشوبُها حمرةُ الأحجار التَّليدة التي قضت في معابد عَدَنْ، تتلوَّنُ بكل أصنافِ النُّعوت والأوصاف، مزخرفةٌ بالأزهار والأشكال والنَّظائر والأنصاف، فتأخذَ تارةً لنفسها من رسم الكعبة شريطًا، حتَّى لكأنَّه فيها -وأنت ترمقُ إليها- جمالٌ حين تَريحُ، ومن ديار مكَّة بالشِّعابِ محيطًا، لمَّا تطيرُ بين يدي عارضِها وتسيحُ، وقد انقلبتْ الأعيان بها انقلابا، فصار الظلُّ بها نورا والنُّور حجابا، فكيف إذا كشفتهُ، في جلوةِ المَشَاهِدِ، كما يُكشَفُ وجهُ العروس، هل تخِرُّ المشاهداتُ الجليَّةُ على الرُّؤوس؟ إيْ وبَلَى، ما زلَّ وما علا، فهذا الصُّوف جُزَّ من غنمٍ نسمِّيه نحنُ مغاربيُّوا تونس بالعلُّوش، وعلُّوش مفردةٌ حميريَّةٌ تفيد الذِّئب، فانظر كيف تحوَّل الكلامُ في هذي البلاد من هذا إلى ذاك، وانظر، فإذا هي بهذا الصُّوف تذيقُ المؤمنين بساطَ الدِّفءِ والرَّحمات.</p>
<p dir="rtl">وإذا هو يلقي بسرِّه في قلبي، تأتَّتني ذكرى إقامتي بكوشاداسي المطلَّة على بحر إيجه مقابل جزيرة ساموس باليونان، لزمنٍ أوفى لي بالنَّظر فيما وقعت عليه عيني من زرابيِّ إزمير، وهي التي زرتُ فيها مصانع السَّجاد والحرير، من ورشة  النِّساء النَّاسجات إلى صالة العروض النَّاجزات، فإذا ألقاها بائعها تحلِّق فتستدير، خفيفةً تكاد حين تمتطيها السَّماء تستقرُّ في الهواء كبساط علاء الدِّين. </p>
<p dir="rtl">ولقد كانت لأمِّي تغمَّدها اللَّه برحمته الواسعة، خالةٌ اِسمُها سلطانة، وكان زوجُها شعيب درَّازًا، يصنع من بقايا القماش والألبسة أغطيةً يتدثَّرُ بها النَّاسُ في ليالي شتاءاتهم الباردة، وكان يفتل منها لحافًا ثقيلًا نسمِّيه بالبورابَح، فيأتيه النَّاسُ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ أيَّامًا قبل بداية الَّربيع ببقايا ألبسة العام الممزَّقة، فتراه كلَّ صباحٍ وعصرٍ يدرزُها درزًا، حتَّى تُصنعَ كاملةً قبل مجيء الصَّيف بأعراسه، فتجهِّزُ بها العروس جهازها لأيَّام بيتِها قبل مجيء الشِّتاء بأضراسه. والدّْريزُ من درز، وهي عند البضرابينيِّين صناعة النَّسيج، ومنها اشتُقَّت مفردة الدَّرديزُ التي تفيد الجلبة التي نحسُ لها وقعًا مزلزلًا على الأرض. </p>
<p dir="rtl">فعدتُ بعد ذلك إليه، متقرِّرًا عليه، وطلبت منه أن يفيدني بما في القيروان من الأسماء التي تحوَّلت،  والمشاهد التي تغيَّرت، فقال لي: كلٌّ من المؤمنين يشهد على نبيِّه بأنَّه أميٌّ غير قارئ، ولكن لا يشهدُ له على ما جئ إليه بما هو مكتوب وناشئْ، فأيُّ لوحٍ هذا الذي عُرضَت فيه عليه الحروف، وأي كتابٍ هذا الذي نقش عليه النَّصْبُ والجرُّ والعطوف. ولم تُمدَّ مكَّة بعد الكتابة إلا بالقرآن المقروء، ولم تمدَّ القيروان بعد القرآن إلَّا بالكتاب المجزوء. ففي هي البلاد صُنعت الحروف فاستقرَّت على الألواح، واتَّخذت ظلَّها فيما أرادت لها الأرواح، فالألف واللَّام وما علا أعمدةٌ مرفوعةٌ، والرَّاءُ والزَّاي وما تدلَّى أدراجٌ موضوعة، فكأنَّما كلُّ حرفٍ مرفوع إنَّما هو وتدٌ من جبلِ الطُّور ممدَّدٌ في أربعين ليلة،  وكلُّ حرفٍ موضوعٍ إنَّما هو ما أخِذَت به الرُّؤوس تجرُّ  إلى الغضبان الأسِف وليس له حيلة. </p>
<p dir="rtl">ولهذي البلاد كتابة سمِّيت بالكتابة القيروانيَّة،  ومن رسمَ الحروف دانت له الثَّقافاتُ والأمم،  فانظر كيف استتبَّ الحرف ههنا وتمهَّد، وتثبَّت سلطانُهُ وتوطَّد. ولو لم تكن القيروان إلَّا كما كان غيرها، لما كان منها أن تدفع النَّاس لقراءة خطوطها، فيتعرَّفون فيها علىها بقصرها وطولِها، ويتكَّئون على العلوم بفضلِها.</p>
<p dir="rtl">فعجبتُ والله من قولِهِ، واستذكرتُ لنفسي ذلك الحوار الذي أجريته مع سيلفيان فيون ﮔيتيراز، ونشرتهُ بمجلَّة نزوى شهر أكتوبر 2002، والذي تحدَّثت فيه معها عن الخطوط، فلقد كانت وهي ذات الجذور الاسبانيَّة مولهةً بالصَّحراء والخطِّ. ولقد صادفتُها عند دخولي بوردو أوَّل عهدي بها، امرأةً درست القانون، ثم سرعان ما تركت دراستها وعادت إلى ممارسة هوايتها. كانت تسكن أعالي التِّلال المطلَّة على بوردو في مكان اسمه بولياك (Bouliac)، في بيت يكاد يكون تائهًا في الغابات. ربطتنا صداقةٌ روحيَّة قويَّةٌ، لدرجة أنَّها كانت تحضِّرُ لي - أنا المسلمُ الغريب وهي التي دَأَبَتْ على ديانتها المسيحيَّة باستمرار- أطباقَ رمضان بنكهة مغربيَّة شهيَّة. في ذلك الحوار تقول: المشرق كثقافة ينطوي على محمولٍ رمزي ومتحرِّك عبر جميع المراحل الزَّمنيَّة، لقد عشت عطلي الصَّيفية في إسبانيا وهناك حيث الألوان الصَّافيَّة، بدأ إدراكي الفنِّي يمفهوم الصَّفاء والضَّوء، حيث تجلَّت أغلب الألوان أمامي، فلا شيء يغيب حين تحضر بقوَّتها تلك الشَّمس المضيئة، لقد أحسست أن لهذه الألوان محمولاتها وجيناتها أيضًا، وأنَّها ليست سوى رمزيات متنقلة من أماكن أخرى عن هذا العالم، لقد بدأت من وقتها أتقاسمُ متعة المكان وصفاء النَّهارات الصَّيفيَّة. عندما زرت المغرب، وبقيت فيه لشهر ونصف بأغورة، أتيحت لي زيارة المكتبات القرآنيَّة التي وجدتها جميلةً جدًّا، إنَّ هناك امتدادًا روحيًّا نابعًا من الألوان ذاتها، مثلما ينبع من الأرض، فلو تأمَّلنا قليلًا لوجدنا أنَّ الألوان التي نعرفها إنَّما هي الألوان التي وُلدت معنا من الطِّين، إنَّها ألوان الأرض، التُّراب والرَّمل، والنُّبل الذي به تُنعث الأرض، فالنَّعتُ واحدٌ والمنعوت متَّسَعٌ بين الجسد والرُّوح، بين التُّراب واللَّون.</p>
<p dir="rtl">فسمع منِّي شيئًا يذكِّرهُ بالأندلس، وما تشابه فيه النَّاسُ بالمناخ والأضواء، ثمَّ قام، يبسمِلُ ويُحوقِلُ، فاستمهلتُهُ قليلًا وطلبتُ منه أن يُفصِحَ عن اسمِهِ لي، فسمعته كأنَّه يقول: أنا عمر بن سالم عبادة، ثمَّ تركني في لمحِ بصرٍ خاطف. (يُتبَع)</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20875">في وصلِ القيروان الثَّالث من بيت الولاية العالي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في وصل القيروان الثاني من بيت الولاية العالي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20867</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[الهواري غزالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 09 May 2022 15:32:36 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%8a-%d9%88%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أهِيمُ كأنَّ عينيكِ ليلٌ بهيمٌ، اِسْتَبدَّت بالجُيُوشْ وفي طَرَفَيْهِ زُرَّتْ مُهْجَتِي بَعْدَ أنْ حُلَّتْ على ضِيمِ الوُحُوش فمُذْ أَسْلَمْتِنِي خَتْمًا تَفَتَّحَ قَلْبِي بَيْنَ طَيَّاتِ النُّقُوش ومَا زَالَتْ أحاديثُ الهَوى تتقَتَّلُ بينَها شَغَفَ الرُّمُوش لَقَدْ أضْحَيْتُ، مِنْ قَيْسٍ وَلَيْلَى، بِوَجْهٍ عَائِمٍ فوقَ الخُدُوش ولقد جال بخاطري أن أُسني في القيروان، لعمومِ صفائها ونقيِّ هوائها، وعَليلِ صباحها [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20867">في وصل القيروان الثاني من بيت الولاية العالي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">أهِيمُ كأنَّ عينيكِ ليلٌ بهيمٌ، اِسْتَبدَّت بالجُيُوشْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">وفي طَرَفَيْهِ زُرَّتْ مُهْجَتِي بَعْدَ أنْ حُلَّتْ على ضِيمِ الوُحُوش</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">فمُذْ أَسْلَمْتِنِي خَتْمًا تَفَتَّحَ قَلْبِي بَيْنَ طَيَّاتِ النُّقُوش</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ومَا زَالَتْ أحاديثُ الهَوى تتقَتَّلُ بينَها شَغَفَ الرُّمُوش</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">لَقَدْ أضْحَيْتُ، مِنْ قَيْسٍ وَلَيْلَى، بِوَجْهٍ عَائِمٍ فوقَ الخُدُوش</span></p>
<p dir="rtl">ولقد جال بخاطري أن أُسني في القيروان، لعمومِ صفائها ونقيِّ هوائها، وعَليلِ صباحها وطيبِ مسائها، ومشمول أُنسِها في فضيضِ الرِّيف، ومعهود عرسها المُقامِ بين الشِّتاءِ والصَّيف، فلقد أجدبت روحي بغربتها وبغت عليها السِّنينُ العجاف، ثمَّ شذَّ عليها الأليفُ، فما لبثَتْ في موضعٍ زاد عليها من ذلك إلَّا وكان مرادها كرًّا وفرًّا إليها وإلى فاس. </p>
<p dir="rtl">وأستغربُ امتناع الحكَّام عن أن يكون بين فاس وتلمسان والقيروان ما يسري بالعباد إليها ليلاً أو نهارا، ففي فاس، بَنَتْ فاطمةٌ القيروانيَّة أوَّل جامعةٍ بها فسميَّت جامع القروِيِّين بمسمَّاها ، فكان ذلك منها عزمُ النَّفس بناءً واقتدارَا، ثمَّ تلتها مريمُ بجامع بعدوة الأندلس، وفي تلمسان وفاس فضلُ بعضٍٍ على بعض، تعليمًا واعتبارَا، ولقد وقفتُ على أضرحةٍ كثيرةٍ لعلماء مغاربةٍ بالقيروان، وهي أضرحةٌ بحجمِ زاويةٍ صغيرةٍ في بناءٍ مستقلٍّ قد أوصِدَ بابهُ بمفتاحٍ مُغلِقٍ، وقد كان فيه من السِّعة لو افْتُتِحَ للنَّاس لكان أصلح لهم في تحفيظِ نفرٍ من الصِّبيان القرآن. فلا تزال هذه المدنُ باسطةً جناح العلم على رؤوسِ المريدين، وعاقدةً إليهم بحزام أولي الألباب من الأولياء المنسيِّين، الذين اصطبَروا أنفُسَهُمْ إليها على ما ضاق من المسالكِ، بغية إصابة حقائق الممالك. </p>
<p dir="rtl">ولقد جمعت فاسُ بجانبين منها بلدين أوَّل أمرِها؛ الأندلس والقيروان، فسمَّيتا بالعدوتين؛ عُدوة الأندلسيِّين وعدوة القيروانيِّين، وقد شيَّدهما عام 192 هـ- 808 م إدريسُ الأصغر نعَّم الله روحَه برحمته الواسعة، وذلك لمَّا توافد عليه هؤلاء، فأراد تيسيرَ حالهم، وجمعَ أهاليهم، وإكرامَ وفادتهم، فجعل لهم مدينة فاس مقامًا كريما وأرضًا تطيبُ لأوَّلهم وآخرهم.</p>
<p dir="rtl">وهلِ الفتحُ أن تفتِّشَ في قوارع الطَّريق عن مُؤدَّى إلى موصِلكَ دون حاجةٍ مكلِفَةٍ إلى ذلك أو أتعابٍ مُتلفة، أم أن تُعينَ القدمَ على اكتشافِ الطَّريق الذي اختفت فيه مريرتُه، بعدَ أنْ جَسَتْ غَضيرَتُهُ وتبيَّنت وَتيرتُهُ ؟</p>
<p dir="rtl">إنَّ هذه الطَّريق التي استوت بين شرقٍ وغرب وجنوبٍ وشمال، وبين بحر وصحراء وتلٍّ وجبال، قد ضاعت بعد سقوط غرناطة، فتقطَّعت السُّبُلُ بين الرِّباط والجزائر وتونس، وبين طنجة ووهران وبنزرت، وبين فاس وتلمسان والقيروان، وانفلتت عرى الأسباب بين مراكش وغرداية وجربة، ولم تبق من هذه المدنِ إلا الأسماءُ نعرفها كما كانت تعرفها الجمالُ وهي تقود القوافل في الصَّحراء. </p>
<p dir="rtl">وإنَّ تعبيد الطَّريق من جديد بينها لَهُوَ أسهلُ ممَّا وجدَهُ عليه الأسلافُ، ومما تداولت عليه بينهم الأعراف، فليس من حاجة إلَّا إلى عقدِ نيَّة لمِّ شملِ الذين فرَّقتهم الهزيمة، وشدِّ بذلك إزارِ العزيمة، والمضيِّ في ضمِّ ما تشتَّت من الصِّدامات العاطلة، وتناثرَ من الدَّعاوى الباطلة. </p>
<p dir="rtl">وأستذكِرُ تلك الطَّريق وأنا فتًى، إذ لم تكُن لدينا إلَّا ما يتَّسعُ لرِجْلٍٍ واحدَةٍ حتَّى نصل بيتنا القصيَّ في مزرعتنا ببضرابين، وقد كان واجبًا علينا بعد كلِّ حرثٍ للأرض فصلَ الخريفِ، أن نمشي على التُّراب لعدَّة أيَّام حتَّى يتعبَّد بأقدامنا الطَّريق، ويهون أمامنا الطِّين الرَّقيق، وكان يقتضي ذلك منَّا أسبوعين، فنسمِّي ذلك بالمريرة. </p>
<p dir="rtl">وما أصعب رسمها في بداياتها، فلقد كانت القدمُ تتلكَّأ بين جانبينِ موحِلَينِ أحمرين، وترتطمُ بالكومات على جهتين اثْنَتين، فيصيرُ المشيُ فاترًا، والخاطرُ نافرًا، إلى أن يَستبِدَّ الحَذْوُ بالأرض فتتَّضحُ حوافُّها الجدعاءُ حتَّى ترى الجُعْل عابرًا أمامك بينها كسيزيفٍ مقلوب، والزُّخاليَّاتِ كأنَّها عرباتٌ موعودَةٌ بحمرةٍ كاللَّهب.</p>
<p dir="rtl">ثمَّ ترى الأرضَ تهتزُّ بعد ارتفاع سنابلِها فتخضَرُّ، فتنتشر بين أحشائها بقعٌ من اليعضيدِ ذي اللَّون الفاقع، والأقحوان المنثور كمسكٍ لونُها المرمريّ الناصع، وبعد حُوَّةِ اخْضِرارِهَا تصفَرُّ، ثم بعد اصْفِرارِها يُجَزُّ حبُّ البُرِّ المحصود، حتى يصير عَصْفُهُ على عَصْفٍ في تبنٍ منضود. </p>
<p dir="rtl">فكأنَّما بين هذه العناصر التي تختلف باختلاف القادمِ والبائد، وبين هذه الأركان التي تأتلف فيها المشاهد، يكاد معدن الطَّريق لا يتغيَّر برفع القدمِ وخفضِها، إنَّما الذي يغيِّره اجتثاثُ الأتربةِ من أرضِهَا، فتعود الأقدام إلى سالفِ مَهْدِها و سابق عهدها. لكنَّ الطَّريقَ بعد حرثه الثَّاني لا يكونُ إلَّا يَسيرَ التَّعبيد، وسهلَ التَّجْديد، كأنَّما قد ألِفَ منْشأهُ بما كان عليه، ثمَّ اسْتَجْمَعَ موطئَهُ لِما صار إليه.</p>
<p dir="rtl">وليست المشاهدُ إلا ما مرَّ على شمال إفريقيا من بلاء التَّاريخ، وسطْوَة الفرقةِ، وجبروت الأنفس الحاقدة، فعزَّت الأركانُ، وتعالتِ الأقدامُ على أن تضعَ موضعَ خطوِها في الأرضِ لرسمٍ جديد.</p>
<p dir="rtl">والعودةُ إلى القيروان إنَّما هي من هذا الأمر، فلا يأبه لها من أرخى في نفسِه عنوةً مطالَ النِّسيان ، ومكَّن في الذَّات من جُحُودها بالنُّكران، إنَّما تُؤتَى خالصةً للمدينِ بنفسه للتَّاريخ والحاضر والمستقبل. ولقد حظيتُ ورفيقي الكنزي بوجود قيس العامريّ معنا، وهو الذي قضينا معه ظهيرة بأكملها نستنجدُ بالتَّاريخ لولوجِ الرُّسوم بعد أن ناءَ زئيرُها واستتبَّ زفيرُها، فأخذنا إلى قلب المدينة القديمة حيث هندسةُ المدينة معلَّقةٌ على الجدار في شكل لوحة تفسيريَّة لطريقة بنائها. </p>
<p dir="rtl">وبينما تُحيطُ المنازل ذات الجدران العالية بالجامعِ الذي يظهرُ في قلب المدينة عظيمًا من جهاتِه الثَّلاث، فتنظرُ إليه كأنَّه يجذِبُها نحوَهُ جذبَ العيونِ لعاشقها، ثمَّ تمدُّ بفضل رسوم دروبِها بيدٍ خالصةٍ تُطيع له بالأمر والولاء، نرى صومعتَهُ المهيبة تُطلُّ على جبَّانةٍ بأجداثٍ اِبيضَّت كأقحوانٍ ملتئمٍ في جرَّة خضراء، فتبدو كأنَّها حارسةٌ على الأحياء والأموات معًا. </p>
<p dir="rtl">وإذا كان جامعُ القيروان هو أوَّل البيوت، وأوسطُ الثَّلاث، ورابعُ الجهات، فإنَّه في كلِّ ناحيةٍ من الدُّروب، يقومُ مسجدٌ في طرفِ العينِ التي إذا ابتدأت دربًا، رأتهُ بآخرِهِ، وإذا عاجَت ربضًا ألْفَتْهُ في سائِرِهِ، جُوَيْمِعَاتٌ تكادُ لا تَقدرُ على ضمِّ أكثر من مئة رَجُلٍ، تستقرُّ بين زواياها ووسطَها أعمدةٌ أوتِي بها من قرطاج وروما والقسطنطينيَّة، ولا نقصد ههنا العواصم، إنَّما نقصدُ ما أنشأتهُ فجلبَ النَّاسُ منها ما قامت بها حضارتُهم، واستقَرَّت به سياسَتُهُم، وهل يوجدُ أعمق من الأعمدة الجاسيات رمزًا وأبعدها دلالةً عندما نرى بالعين الشَّاهدة حتَّى اليوم أولئكَ الذي بنوا مساجدهم بغير أعمدةٍ صنعوها، ورفعوا مآذن بغير حجارة نحتوها، فلكأنَّهم لم يتوانَوْا عنْ شيءٍ تنشُصُ به كالغيم رؤوسُهُم وتعزُّ به في الفضلِ نفوسُهُم إلا أخَذُوا به أخذَ اقتدار، دون ملامةٍ أو اعْتذار. </p>
<p dir="rtl">وإذا كان الإسلام لم يحمل من عمدِ شمال إفريقيا سوى ما استقرَّ فيها من القوَّة والحكمةِ والسَّندِ، بقوَّة الأرض التي حملته، وصبر التِّلال التي أسندته، فإنَّ لا أحد يستطيع أن يتصوَّر كيف جيئ بالأعمدة من مدنٍ بعيدةٍ ولا يستطيع على حملها آنذاك حامل، إن لم يكن قد وُجدت بالقيروان مدينة رومانيَّةٌ أو بمحاذاتها، ولقد رأيت على أحد أعمدة جامع عقبة بن نافع صليبا منقوشًا على عمود، وأغلب الظَّنِّ أن يكون قد أوتي به من معبدٍ مسيحيٍّ قريب. ويقول البكري، إنَّ حسّان قد هدم جامع عقبة إلا المحراب، وبناه وحمل إليه السَّاريتين الحمراوين الموشّاتين بصفرة (...) لم ير الرّاءون مثلهما، من كنيسة كانت للأوّل في الموضع المعروف اليوم بالقيسارية بسوق الضرب. ويقولون إنّ صاحب القسطنطينية بذل لهم فيهما قبل نقلهما إلى الجامع زنتهما ذهبا، فابتدروا الجامع بهما. ويذكر كلّ من رآهما أنّه لم ير في البلاد ما يقترن بهما. </p>
<p dir="rtl">وتلفُّ هذه القصَّة كثيرٌ من الأساطير والخرافات، فالبكري قد وضع هذا الخبر أو نقله من مصدرٍ كان يريد استبعاد خطر الفاطميِّين من أن يسارعوا إلى مسجد القيروان فيهدِّموه، فنقلوا أخبارا واهيةً تزيدُ من هيبته رهبا، وتجهل قيمة محرابه بزنة ساريتيهِ ذهبًا. وفي هذه القصَّة ما يمنحنا سندًا في حلِّ مشكلاتِ الامكنة، وتحديد ما بينها من مسافات وأزمنة، فلطالما تكون الازمنة بمسافاتها دليلا مشتملا على الأمكنة ومزاراتها ، فمسافة ذهاب الخبر إلى القسطنطينيَّة وإيابه المحسوم هي نفسها ما تقتضيه عندما تُجلب السَّاريتان إلى الجامع من الموضع المزعوم. </p>
<p dir="rtl">ويكاد يضطربُ العقلُ عندما يرى في مساجد المسلمين مثل صليبٍ في عمود، وهو أمرٌ توارثه العربُ بمجيئهم لمَّا أخذوا من المسيحيِّين جَلَدَهُمْ وصَبرَهُم، ولقد سمعت في ملتقى بإشبيلية أنطونيو بيلايز روفيرا، وهو أستاذٌ بجامعة غرناطة يتعجَّبُ وهو يلقي محاضرته عن أصل الورق واستخدامه في مملكة غرناطة النَّصرية قائلاً إنَّ بعض نسخ القرآن يظهر على طرف صفحاتها المقدودة من ورقٍ جنويٍّ صليبٌ، وهو يَعُدُّ هذا تناقضًا في رأيه، فكيف يقبلُ المسلمون بقراءة القرآن على ورقٍ توشِّحُ أعلاهُ علامة التَّثليث. وفي الواقع، لم ينتبه أنطونيو بيلايز روفيرا إلى أنَّ المسلم باستطاعته إقامة صلاته بالكنيسة إن تطلَّب الأمرُ، ولو كانت كلُّها تماثيل وصلبان. </p>
<p dir="rtl">ولعلَّ مساجد تونس أكثر المعابد بأقاليم شمال إفريقيا من ضمَّت إليها بيُسرٍ عجيب بقايا ثقافة كان وجهها مكِبًّا على الاندثار، فهاهو جامع الزَّيتونة قد اختلَفَ النَّاسُ في تسميتِه، فمنهم من قال إنه كان على ربوة فيها زيتون، ومنهم من قال إنَّه كان كنيسةً ضمَّت ضريح القدِّيسة أوليفيا، وأوليفيا تعني بالعربيَّة الزَّيتونة. وإنَّني إذ أرجِّح التَّأويل الثَّاني، فإنَّني أستبعد أن يكون معبد توناس عامرًا بشجر الزَّيتون، فالبناء الرُّوماني يستبعدُ الشَّجر وسط ساحات المعابد وما جاورها اتِّقاءً لشرِّ الحروب الخادعة والرَّزايا التي إذا نزلت لا توفي أحدًا بحصَّةِ الفرار منها. </p>
<p dir="rtl">ومن الجوامع من كان قديمًا مشكاة للتَّعليم الدِّيني الرُّوحي، إذ أُسِّست على شكلِ زوايا لتدريس القرآن، وللأسف، فقد هذا النَّوع من البناء دوره الفلسفي في العودة بالمجتمعات إلى سابق العهد بالرُّوحانيَّات، والأدلُّ على ذلك والبيِّن فيه فراغُه من المرتادين والمريدين، وبيانُه عن الدَّور المنوطِ بها في الزَّمان القديم. وتستحقُّ هذه الدُّور أن تكون في وقتنا الحاضر محجًّا عالميًّا للدِّراسات الدِّينيَّة الثِّيُولوجيَّة. ففي زمن الرَّقميَّات، تتحوَّل هذه المعابد والزَّوايا إلى مراكز للبحث في الدِّراسات المغاربيَّة والإفريقيَّة والمتوسِّطيَّة أوَّلاً والعالميَّة ثانيًا، وورشات لإقامة الكتَّاب واشتغال المؤلِّفين، وفضاء لتشجيع التَّرجمات الدِّينيَّة إلى لغاتٍ عدَّة، ومعاهد منفتحة على التَّواصل مع تراث العلماء الدِّينيِّين العالمِيِّين وجديدهم لاسيما مع أولئك الذين لهم في الاسلام الغربي فضلٌ في الذَّهابِ بفكره إلى أبعاد صوفيَّة وروحانيَّة جديدة كما هو الحال مع روني غونون وغيره. </p>
<p dir="rtl">ولقد عرفت مراكش هذا النَّوع من تحويل البيوت التَّقليديَّة إلى بيوتٍ لإقامة الكتاب، كما هو الحال مع رياض دونيز ماسون الذي تمَّ تحويله إلى فضاء لدراسات الأديان المقارنة. ولقد عقدتُ في دونيز ماسون كتابًا ظهرت لي فيه الأهميَّة التي ينبغي أن يحظى بها هذا النَّوع من المدن التَّاريخيَّة في تنشيط الحركة العالميَّة للدِّراسات الدِّينيَّة. </p>
<p dir="rtl">ولزاوية سيدي عبيد الغرياني أن تعطي مثل هذا النَّظر؛ ففيه بعدان، ظاهريٌّ كما هو محرابها القائمُ ببهوٍ مفتوحٍ على الشَّمس، وباطنيٌّ كم هو محرابُها الثَّاني القائمُ بقاعةٍ في الجهة المغطَّاة. وما دامت أعمدتُه قائمةٌ في صلابة الرُّخام، وتيجانُهُ ثابتةٌ على المقام، فإنَّها قادرة على تجاوز محنتها وإعادة بعث ماء الحياة بسحنتها.</p>
<p dir="rtl">بدأ العطشُ يدبُّ في نفس الكنزي وفي نفسي، فاستكنَّا في المقهى المقابل إلى جرعةٍ باردةٍ ذكَّرتني بقريتي ببضرابين التي أنعم الله عليها ببئرٍ عجيبةٍ بمدخلها، بجنب الولِّيِّ سيدي عبد القادر، فقد كنَّا، تيمُّنا بالبرودة أيَّامَ القيظ، نتزاحم والنَّحل العطِشُ تلك الـحنفيَّات الثَّلاث التي لم تنقطع يومًا. استلقيت أعلى الشُّرفة على الأريكة، مقابل زاوية سيدي عبيد الغرياني، وألوانُ العلَّاني كطير أبابيل تتخطَّف الأرواح من بين غُرَزِ بساطه المفروشِ للبيع. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20867">في وصل القيروان الثاني من بيت الولاية العالي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في وَصل القيروان من بيت الولاية العالي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20841</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[الهواري غزالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 15 Apr 2022 05:12:06 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%8a-%d9%88%d9%8e%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>[ذِكرٌ]: وَبُعِثْتُ أقْتَفِي هجرَتِي لِلقَيْروَانِ وَقَد سَبَتْنِي في لَظَاهَا أغْبرَا قَرَّتْ بهَا الأعْيَانُ مُنْقَلَبًا وَجَادَتْ في زَوَاياهَا الولايَةُ عَنْبَرَا وطَوَى المَغِيبُ ثِيابَهُ خَوْفًا عَلَيْهَا، من قَنَادِيلِ الصَّبَاحٍ أنْ تُنْشَرَا وتَآلَفَتْ وتَخَالَفَتْ حَتَّى اشْتَهَتْ نَفْسِي بِهَا قَدَحًا وَخَمْرًا مُحْضَرَا النَّاسُ في غَفْوِ الدُّجَى تِطْوَافُهُم، وأنَا بِرَابِعَةٍ أطُوفُ تَحَسُّرَا ثَمِلُ المَسَاكِنِ أَشْتَكِي أطْلالَهَا، قَدْ ضَلَّ مَنْ أمْسَى [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20841">في وَصل القيروان من بيت الولاية العالي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">[ذِكرٌ]:</span></strong></p>
<p dir="rtl">وَبُعِثْتُ أقْتَفِي هجرَتِي لِلقَيْروَانِ وَقَد سَبَتْنِي في لَظَاهَا أغْبرَا</p>
<p dir="rtl">قَرَّتْ بهَا الأعْيَانُ مُنْقَلَبًا وَجَادَتْ في زَوَاياهَا الولايَةُ عَنْبَرَا</p>
<p dir="rtl">وطَوَى المَغِيبُ ثِيابَهُ خَوْفًا عَلَيْهَا، من قَنَادِيلِ الصَّبَاحٍ أنْ تُنْشَرَا</p>
<p dir="rtl">وتَآلَفَتْ وتَخَالَفَتْ حَتَّى اشْتَهَتْ نَفْسِي بِهَا قَدَحًا وَخَمْرًا مُحْضَرَا</p>
<p dir="rtl">النَّاسُ في غَفْوِ الدُّجَى تِطْوَافُهُم، وأنَا بِرَابِعَةٍ أطُوفُ تَحَسُّرَا</p>
<p dir="rtl">ثَمِلُ المَسَاكِنِ أَشْتَكِي أطْلالَهَا، قَدْ ضَلَّ مَنْ أمْسَى يَهِيمُ تَذَكُّرَا</p>
<p dir="rtl">فلكَمْ أصَاخَ لِصَوْتِهَا وَجْدِي ولَيسَ له شِفاءٌ بِالعَزَائِمِ لوْ بَرى</p>
<p dir="rtl">قدْ عَرَّفَتْنِي بالهَوى حتَّى رَمَتْنِي فوقَ نَارٍ، شَقِيًّا مُنْكَرَا</p>
<p dir="rtl">فَوَلِجْتُ قلبي حِينَها أسْتَوقِفُ الأسرَارَ : مَهْلًا يا نَدِيمًا مُخْبِرَا</p>
<p dir="rtl">قَدْ نُبْتَ في أسْوَارهَا حَسَنَ الشَّذَا وأَتَيْتَ قَلْبًا مُغرَمَا مُتَأخِّرَا</p>
<p dir="rtl">هَذَا المُدَامُ يُضَمِّخُ الأروَاحَ وَالأشْوَاقَ ما لِي لا أراهُ أَحْمَرَا</p>
<p dir="rtl">كانَ في صَهْبَائِهِ عِتْقٌ عَلَى مَا لاحَ لي بِبُثَيْنَةٍ يَا مَعْمَرَا</p>
<p dir="rtl">فأجَابَنِي بِالصَّمتِ يُشْفِقُ في الهَوى: لا عِلْمَ لِي، فانْظُرْ إذًا؛ ماذَا تَرى ؟</p>
<p dir="rtl">فَتملَّكَ الأوْصَالَ نَزْعٌ من مَهِيبِ مُرَادِهِ لمَّا دَنَا وَتَفَكَّرا </p>
<p dir="rtl">فَعَدَوْتُ صَوبَ العَارِفِين كأنَّنِي شُهُبٌ تُطَارِدُ فِي عَفارِيتِ الثَّرى</p>
<p dir="rtl">وقرَأْتُ مِنْ تَارِيخِهِمْ هَجَرَاتِنَا، وسَمِعْتُ في أذْكَارِهِمْ مِمَّا جَرَى</p>
<p dir="rtl">لكِنَّني لَمْ أعْثُرْ فِي رَصَدِ الهَوَى ما ضلَّ صاحِبُكُمْ عَلَيْهِ ومَا دَرَى</p>
<p dir="rtl">فإذَا بِصومَعَةٍ عَليْنَا أذَّنَتْ، تَالله ما أخْطَأْتَ نجْمًا في السُّرَى</p>
<p dir="rtl">فَذُرَاكَ تَغْبِطُهَا جِبَالٌ صُرَّ فيهَا من طُيُورِ أَرْبَعٍ كَيْ تحْضُرَا </p>
<p dir="rtl">حُلِّيتَ ثَوبَ الشَّاهِدِين علَيَّ إذْ أنْسَتْهُمُ الأَزْمَانُ مِنْ أنْ أذْكَرَا</p>
<p dir="rtl">فأنَا لمكَّةَ غِبْطَةٌ، زَيْتونَةٌ وُسطَى، ومِشْكَاةٌ أضاءَ بها الوَرى</p>
<p dir="rtl">وأنَا لِيَثْربَ هِجْرَةٌ أخْرَى، فَأُوتِي الأولِيَاءَ مَثَابَةً كَيْ أُنْصَرَا</p>
<p dir="rtl">وأنَا لِقُدْسِ في شِعَابِ الحُزْنِ صُلْبُ التَّائِهينَ إذَا أقَاموا في الكَرى</p>
<p dir="rtl">وأنَا مَدائنُ صِالِحٍ، خِصْرٌ لأنْدَلُسٍ على رِيحٍ، أنَا أمُّ القرى</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">[حَضْرَة]:</span></strong></p>
<p dir="rtl">القيروان أمّ المدن، وهندساتُها صلبُ العمران، وما تجاوزت مدينةٌ في المغرب أقصاه وأدناهُ أو في الأندلسِ أقدمِها وأحدثِها مَعْمَرَةً إلا وفيها ما تدين به لها. والدَّاخل إليها مثلي كمن يدخل إلى مدينة شهريار، بسماءٍ لا تضيق أبدا، بشمسٍ مصنوعة من زيت الأحلام القديم، بألوان تصطبغ بها جدرانات بيوت سندباد، بصنيعٍ من اليدِ يبهرُ الرّائين وهم يستفتون في الأسعار، برائحةِ القوافل التِّجارية الواردة من صحراء إفريقيا، وبزوايا الأولياء وأضرحة العلماء مستقرًّا وافيًا للشُّهود. </p>
<p dir="rtl">وإذ نلج البهو الكبير، تتهافت إليك الأصوات تهافتَ الطُّيور على أوَّل ما نضج من تين الصَّبيحة البكور؛ ضجيج من الأرواح تترك ظلَّها أمامك لتسرع إلى الغيب باحثة عمن سبقتها إليه، تترامى في دواخلك أطيافُها الزَّائرة وهي تتجه نحو الزَّاوية اليمنى أقصى البهو، لتعلن تسليمها بقدرها أمام الله. </p>
<p dir="rtl">وكما عادة السَّائحين بالنَّظر، أنهمر كمطر اللَّيل في هدوء مقتفيا أثرَ الأرواح فأجد نفسي داخل غرفة الضَّريح أين يرقد سيدي الصَّحبي. والصَّحبي هو صياغة أخرى لمفردة الصَّحابي، والمقصود به أبو زمعة البلوي؛ الذي يعد مأثرة القيروان ودليلَ تاريخها القديم، وهو رجل حضر بيعة الشَّجرة التي جمع فيها نبيُّ الاسلام رجالَه لتقديم العهد الجماعي بالوفاء للدَّعوة وبالصَّبر على الموت أمام القتلة من قبيلة قريش، وذلك شهر فيفري من عام 628 الموافق لذي القعدة للسَّنة الهجرية السَّادسة. ولقد توفِّـي أبو زمعة البلوي بعد 28 عامًا من بيعة الشَّجرة، سنة 654 للميلاد إثر معركة خاضها مع جيوش المسلمين ضدَّ البيزنطيين في عين جلولة الواقعة على نحو ثلاثين كيلومتر غرب القيروان.</p>
<p dir="rtl">ولقد بنى هذا المعلم الديني المهيب حمُّودة باشا المرادي سنة 1663م، فجعله أقساما؛ كعادة البنايات العثمانية؛ فجزء منه للتَّدريس، وجزء منه للضِّيافة وتوفير الظُّروف للاقامة، وجزء لتخزين الجبايات والموارد، وجزء آخر للضَّريح الذي تتجلَّى فيه كفاءةُ اليد الأندلسيَّة وقد وجدت على ظاهرها ما يزيد من ولعها بمنفاها الرَّحيم وفي باطنها ما يشدُّها بحنين العاشق السيِّء الحظِّ للأندلس. </p>
<p dir="rtl">أدخل حيث الضَّريح، أقرأ  الفاتحة على روح صاحبه وعلى روح من عظّم بناءً منزله الأخير، وأتابع في سلسلة التَّاريخ راجعا من إشبيلية إلى نفسي مشهدَ الزِّليج الذي تختلط ألوانُه بالظِّلال، أين تجتلي الزَّخرفةَ النّجميةَ العيون، والنَّقشَ الجصّيَّ للأكوان، أمَّا خشب الباب الأحمر اليانع فهو الوحيد الذي يمتزجُ  بشعاعات الضَّوء المتسرِّبة من بعيد.</p>
<p dir="rtl">ما عدا تلك القبُّة التي تتوِّجنا بشكلها الدَّائري كملوكٍ ونحن تحتها، فإنَّنا ندخل المربَّعات، الواحدة داخل الأخرى، فمربَّع المدينة القديمة للقيروان، ثم مربَّع المزار، ثم مربَّع البهو الذي يحيط بالغرفة، فمربَّع غرفة الضَّريح، فمربَّع الشبَّاك المحيط به، ثم مربَّع الضَّريح نفسه، وأمَّا أنا، فقد كنت أتجوَّل في مربَّع أقلَّ حجما من كل هذه المربَّعات، إنَّه مربَّع الزلِّيج، الذي تنصهر فيه ألوان الجنان الفردوسية، من خضراء الهدهد إلى حمراء الدِّيك وزرقاء الطَّاووس. </p>
<p dir="rtl">الزِّليج في تونس هو مربَّعها العالي ورُبعها الغالي، ولقد لقيت فيه وحده عالما يسيح فيه النَّاظر المبتهج بالفنون والأشكال، وهو ذكرُ الروح لعشقٍ يحتفي لوصاله بالعين. وتمتلك تونس مصانعَ للزلِّيج بنابل، وتغطي بهذه الصِّناعة كاملَ متطلَّبات عمرانِـها التَّقليدي المقصودِ بالتَّجديد، فهي تسعى به لسياحتها أن يكون  مشهدُها في العين رائقًا وسحرُها عند المتأمِّل فائقًا، فلا تصير الجدران بالزِّليج إلا على هيئة ما كانت عليه قبل بلائها، فتطرب النَّفس المنبهرة بما هو بين القديم البالي والجديد التَّالي.</p>
<p dir="rtl">أرقب من النَّافذة إلى الدَّاخل، فإذا صراخ حادٌّ وبكاء لألم فاجع يمتزجان في منعةٍ من التريّث بالزَّغاريد العالية، تتلوهما همهماتٌ وقد ضمّ إيقاعَها تهليلٌ وتبريك، أدرك لتوّي أنَّني أشرف من هذه الطَّاقة على أطفال في عمر السَّادسة مبطوحين على ظهورهم، وهم يشهدون الختّان بمقصّه يوفي الأدوار بحق الله. المختونون حينها قد خرجوا بدمعهم النَّازف وقد أوفوا ولاءهم للختّان وأمدّوا له بالبقاء على عهد البيعة تحت الشَّجرة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">[سُلُوك]:</span></strong></p>
<p dir="rtl">أمام دَرَجِ بئر برّوطة الذي يتوسَّط مدينة القيروان العتيقة غير بعيد عن سُرادِقُها الطَّويل، وقفتُ والكنزي في طابور ننتظرُ الدُّخول إليه تحت غضب الشَّمس التِّي بدأت ترسل لفحاتِها تباعًا على رؤوس الوالهين، أتحسَّس -أنا القادم من باريس- مشهدَ المدن الأوروبية التي بُنيت بمحاذاة الأنـْهر، وأقول لله درُّ الـمَغاربيِّين؛ يبنون كذلك مدنا في الصَّحراء على أنهرٍ لا تظهر للعيان؛ أنهرٍ باطنيةٍ تقضي للحواسِّ كاملَ يفاعتها. وكذلك رأيت بالقنادسة ببشَّار في عزِّ مَصِيفِ رمضان، سنواتٍ خلت، نافورةً قرب الجامع ينسكبُ منها الماء انسكابًا، كما لو أنَّ الماء ينبعُ من أرضٍ تليَّةٍ، بينما يتعذَّرُ على مستكشف القنادسة وهو يلجُها الايمان بأقلِّ قطرةِ يمكن أن يستعين بها من ماءٍ شروب. كانت نافورتها الصَّامدة تتقدَّم إلينا كامرأةٍ تزفُّ لك بأسباب يديها عروسَ الضِّيافة والكرم، فالطَّريق من بشَّار إلى القنادسة زمنَ القيظِ أكثرُ قساوةً ممَّا يتقدَّمها من طرقِ الشَّمال، لكنَّ الوقوف على تلك الرَّبوة حيثُ الزَّاوية تعتليها وصومعتها الكبيرة ستجعلُكَ تشتمُّ رائحة الرُّطوبة وتتجسَّس بشعيراتِ ظاهرِ اليدِ برودةً عجيبة بفضل ما يتركُه الماءُ المنعِشُ الذي يغتسلُ به المسفرون عن قلوبهم بالوصول.</p>
<p dir="rtl">ولقد بتُّ في كثيرٍ ممَّا رأيت أنعمُ حين ولوجي مدن الصَّحراء بمنبع الماء الذي لا يكون إلاَّ على بوَّاباتها القديمة،كأنَّه فاصلٌ زمَنِيٌّ بين أيَّام السَّفر ويوم الدُّخول، إنَّه عهدٌ يُقضى بين الضَّيفِ والـمُضيف، فمن شرب ماءَ المدينة، سلمَ أهلُها منه، فإنْ ألحقَ بهم الأذى، اِنتقمَتْ منه بَركةُ ذلك الماء. </p>
<p dir="rtl">وللماء الباطنِ ذي الخفاءِ العجيب، في القيروان، أساطيرُ وخرافاتٌ؛ فمن مغاربِيِّي تونس من يقول إنَّه ماءٌ يفيض بمجراه من حيث منبعُ زمزم بمكّة، وقد سمعت أنّ رجلا فقد خاتمه في حجّه بهذا البئر المقدّس ثم ما لبث أن وجده وهو يستسقي من بئر برّوطة، فانظر كيف ينتقل خاتم الولاية ولو مجازا من مكّة إلى القيروان؛ فعلى هذا من أوجب على نفسه النَّظر فيها كما ينظر إلى مكّة أو يأخذ بها رابعة الثَّلاث كما جرت عليها عادة تسمياتها.  </p>
<p dir="rtl">وتوجد هذه البئرُ بطابق علويٍّ في بيتٍ بُني كأنَّه زاويةٌ أو مقام؛ فإذا عزمتَ على دخوله للسّقيا وجبَ عليك الصّعود إليه أوّلا؛ كأن الماءَ في هذي البلادِ قد أحيطَ بما تحاطُ به مرتفعاتُ المعابدِ ومناوئُ الأديارِ من تقديسٍ وتبجيل. </p>
<p dir="rtl">ومن العجيب أيضا، أن ترى، وأنت تغْمُرُ بروحك هذه الدَّار، ناقةً تدور حول البئر وسط البهو، لا يمسَّها أحدٌ بسوء، يستتبِعُها دَيْرَانيٌّ ناشئٌ، فتدور مع دائرتها عجلتان؛ إحداهما تنبعث والأخرى تطغى، فينهلُّ الماء باردا في جرارٍ نُذرت للوافدين، معقُودٌ بفخَّارها وشاحُ أروَى التي قامت بها بغدادُ، وتُؤتَى إلى النَّاس موضوعةً بالشُّرب السَّائغ المهلِ لا دسٌّ ولا تكذيب، فيغلبُ عليّ الظَّنُّ بالمدائن وأحداثها؛ فأنظر في المشهد، فيُلقى في سرّي أنَّ القيروان إنما هي شِقٌّ لأمّ القرى، على التُّخوم الأخيرة من حاضرة الحجاز وقراها، وأن بها ما يكفي الانسان من شرّ العقار وتأثيم النَّفس بمخالفة الوعود؛ وما جاء على ناقة صالح من ثمود؛ فلم أر مشهدًا صالحيًّا قد تكرَّر في ثوبِ المؤمنين إلا بناقة القيروان، إذ أنَّ في جدبها تُعطي النوقُ الماء، حين تعفّ بصبرها، وتستعجلُ العطشى برجزها الدؤوب، وثمودُ في خيرها، قد جيئ  لناقتها بالسّقيا فوَدَجَتْ وتينَ العهود.</p>
<p dir="rtl">ولقد أخبرَنَا قيس عمري وهو رجل عارف بخبايا هذه المدينة وزواياها أن برّوطة كلمة أطلقها الأندلسيون على هذه البئر، وهي مفردة مركَّبة من بئر وروطة، وروطة تعني بالموريسكية الاسبانية العجلة، ويوجد في مناطق أخرى من شمال إفريقيا من لا يزال حتى الآن ينطق العجلة باسمها الفرنسي رودة. ولعل في هذه القصَّة ما يجعلنا نستنتج احتمالاً أن من قام بإدخال العجلة واستحداث تقنية استخراج الماء سريعا من البئر هم الأندلسيون.</p>
<p dir="rtl">ولقد جرت بنا الدُّروب سريعًا، بعدما غابت في المكان عيناي، إلى حيث جامع عقبة، فاستقام بنا الموطيءُ عند الأعراس واستقَرَّت بنا مسامعُنا عند جلبة النَّاس بأفراحها، فكثيرٌ من عائلات القيروان من يعقد أبناؤها قرانَهم هذه الأيام تبرّكًا بالمولد النَّبوي؛ فتكون لهم الزِّيارةُ للزَّوايا والجوامع وقبور الأولياء. وتبتهج هذه العائلاتُ كعادة ما توجبه الأعراس، بثياب تقليدية يُستحدث طرازُها حسب ما تقرُّ به الأعين في العام؛ فترى الولدانَ والبناتِ وقد تحلَّوا بها في الثنيَّات، والثَّنيَّة مفردة يستخدمها مغاربيّو تونس للدَّلالة على الطَّريق، وهي مفردة يثربيَّةٌ تغنَّى بها الأنصارُ عند استقبالهم لنبيِّ الإسلام وهو راجعٌ إليها. </p>
<p dir="rtl">وَإذا لم تكن في تونسَ ثنيَّةٌ للوداعٍ، فالثَّنيَّات التي عرفتُها قد جُعلت للقاء قلبي فيها. ولقد سرّ عيني بهذا لباسُ بناتٍ يُضيء بمجيءِ الشَّمس، تثنَّى عودُهُنَّ لها وانثنى قلبهنُّ إليها، فإذا توارت عنهُنَّ خلف الغمام، خفّت نصاعةُ الثَّوبِ فتحوَّل إلى القتامة قليلا، بينما شعَّت على وجوههنَّ معكوسُ الجدران المدهونة بماء الجِير. فأيُّ لقاءٍ هذا للضَّوءِ عندما تستوي على صدريَّة اللِّباس زركشاتٌ مذهبَّةٌ، لتدلَّ على فَيْئ القيروان الذي كان من التِّجارة وما أُجْزِلَ على أبنائها من العطاءِ والأرزاق والنِّعمِ. (يُتْبَع).</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20841">في وَصل القيروان من بيت الولاية العالي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>معمار تونس في الفن التجريدي لكاندينسكي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20742</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[الهواري غزالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 03 Jan 2022 09:14:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d8%af%d9%8a-%d9%84%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%b3%d9%83/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في الدَّرب الرئيس للمدينة العتيقة بتونس المسمّى بنهج الباشا، أين تتقابل ببدايته زاويتا سيدي بن عروس وسيدي الكلاعي، وتتناظر فيه بشكل دقيق صومعتا جامع مراد باشا وجامع الزيَّتونة، مدَّت إليَّ الصُّدفة يدَهَا لاكتشاف ورشة كاندينسكي خلف باب أخضر كباب أولياء التّصوف، أين تنبعث روائح القهوة العربية المخلوطة بمذاق الهال وبعطور النَّراجيل المنبعثة من رواق الشّواشين [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20742">معمار تونس في الفن التجريدي لكاندينسكي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">في الدَّرب الرئيس للمدينة العتيقة بتونس المسمّى بنهج الباشا، أين تتقابل ببدايته زاويتا سيدي بن عروس وسيدي الكلاعي، وتتناظر فيه بشكل دقيق صومعتا جامع مراد باشا وجامع الزيَّتونة، مدَّت إليَّ الصُّدفة يدَهَا لاكتشاف ورشة كاندينسكي خلف باب أخضر كباب أولياء التّصوف، أين تنبعث روائح القهوة العربية المخلوطة بمذاق الهال وبعطور النَّراجيل المنبعثة من رواق الشّواشين وأين المطاعم تعرض لزبائنها الأطباق ذات النّكهة التّقليدية التّونسية.</p>
<p dir="rtl">يختبئ خلف هذه الورشة التي تتصدّرها لوحةٌ تخليديَّةٌ مصدرٌ مهمٌّ يسمح بتقديم فهم عميق لتأثيرات الثَّقافة المغاربيَّة على الفنِّ التَّجريدي الأوروبي الحديث عموما وبطرحِ تأويلٍ قريب من الواقع لهذه التأثيرات نفسها على تجربة كاندينسكي على وجه الخصوص، إذ يشيرُ النَّقد الغربي نسبياً إلى مساهمتها في تحويل هذا الأخير نحو هذا النوع من الفنِّ لاسيما بعد إقامته بتونس، كما هو الحال نفسه أيضا مع بول كلي منظِّر المكعَّبات وغيرهما. </p>
<p dir="rtl">ولد فاسيلي كاندينسكي في موسكو عام 1866، ينحدر من أصول منغوليَّة وسيبيريَّة، هاجر من روسيا لأسباب سياسية بعد أن سُلبت منه ثروته التي ورثها عن أبويه. وقرَّر في عمر الثَّلاثين أن يتفرَّغ للفنِّ بميونيخ التي استقرَّ فيها مع زوجته آنيا تشيمياكينا. عاش لفترة بين ميونيخ وباريس أين توفيَّ عام 1944. <br />
<img decoding="async" alt="" height="324" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/لوحة-تخليدية-كاندينسكي3-2.png" style="float:left" width="200"></p>
<p dir="rtl">ولقد سافر بتاريخ 25 ديسمبر 1904 برفقة الفنَّانة والمصوِّرة التَّعبيريَّة الألمانيَّة غابرييل ميتنر إلى تونس أين رسم الفنّانان، في ظرف ثلاثة أشهر، لوحاتهما بين دروب المدينة العتيقة وشوارعها، وأنشآ العديد منها على شواطئ حلق الواد وأعالي جبل المنار وبسوسة والقيروان قبل أن يعودا إلى ميونيخ.</p>
<p dir="rtl">ولقد شاءت الصُّدف بعد عودتي إلى باريس أن أزور معرضا فنيًّا في ذكرى تخليد هذا الفنَّان، وهو معرض نظَّمته مكتبة كاندينسكي بمركز بومبيدو بقلب باريس وقامت بنشره على شبكة النت بالتَّعاون مع محرك البحث گوگل؛ قسم فنون وثقافة تحت عنوان "في خصوصيَّات كاندينسكي الحميميَّة". وتعدُّ هذه التَّجربة الأولى من نوعها فيما له علاقة بعرض أعمال الرَّسَّام التَّشكيلي، الذي يمتد ما بين 10 فيفري 2021 إلى غاية 31 ديسمبر 2023. </p>
<p dir="rtl">يتناول هذا المعرض الرَّقمي بالاضافة إلى توفير أرشيف الرَّسَّام، (مراسلات، شهادات، وثائق إداريَّة وغيرها) نقاطا من سيرة حياته وأهم محطّاتها بالصُّور، عرضا للَّوحات في قاعة افتراضية، مداخلةً مع أنجيلا لامب وهي محافِظة مركز بومبيدو لأعمال الفنِّ الحديث، وجوانبَ أخرى يمكن اكتشافها من خلال "<a href="https://www.centrepompidou.fr/fr/programme/agenda/evenement/HktCkbI?fbclid=IwAR3ToMofiaEOZoFliuAUoTqW9xS7q-_YcS0xzMDCgHIuUbeg0HSkBk8HG0M" target="_blank" rel="noopener">هذا الرابط</a>".</p>
<p dir="rtl">ولقد تمَّ التَّركيز في هذا المعرض على ثنائية الرَّسم والموسيقى لديه، ففي حالته، يعتقد المختصّون أن المعنى الناشئ عن السّمع مرتبط عنده بالمعنى الناشئ عن النظر، فالأصوات والألوان متواشجة في روحه الفنيّة ومترابطة جدًّا. كان يستقبل في ظاهرة نورولوجية عصبيَّة لا إرادية معانٍ مختلفةً كما لو أنَّها معنى واحد، وهي ظاهرة تسمَّى عند علماء النَّفس بالسِّنيستيزيا (Synaesthesia)، حيث يميِّزُ فيها صاحبها الأصوات باللَّون والألوان بالصَّوت. كان بمقدور كاندينسكي رؤية الموسيقى والنَّظر إليها كما حدث له ذات مرَّة وهو يصغي لمعزوفة فاغنر المسماة لوهانگرا(Lohengrin de R. Wagner) ، فهل الفن التّجريدي هو حاصلٌ معرفي للتّشكيل بين عالمي الموسيقى والألوان؟</p>
<p dir="rtl">إنَّ التفسيرات التي يقدمها المختصُّون لا تبدو -من وجهة نظري- واضحة جدًّا عندما يتعلَّق الأمر بالفنِّ التّجريدي، لكونه فنًّا معقَّدًا ومفتوحًا في آنٍ معًا على التَّأويلات الذَّاتية والموضوعيَّة على حدٍّ سواء. وهو فنٌّ لا يمنع الاجتهاد في تقديم محتوى موضوعي لطابعه التَّجريدي، بقدر ما يجعلُ من مادَّة الأشكال والألوان رهينة تحليل مرتبط بطريقة توليدها فقط. </p>
<p dir="rtl">إلا أنَّ المعرض قدَّم في الواقع صورة كاملة عن كاندينسكي بطريقة علميَّةٍ تقريبًا واقترب كثيرا من طبيعة عمله الرَّائد. فمقاربة المعرض لأعماله ليست مقاربة بصريَّة فحسب، إنَّها مقاربة صوتيَّة ونفسيَّة وثقافيَّة وتاريخيَّة أيضًا. لقد تدخَّل المهتمُّون بكاندينسكي في هذا المعرض بصياغة نصٍّ وجيز وعميقٍ يختصر بدقَّة حياة الفنَّان، وقد اعتبروا مرحلة إقامته بتونس فرصة ليختبر كاندينسكي صفاءها اللَّوني وهندساتها المختلفة. إنَّ خليجِها المغطَّى بمثل هذا الضَّوء الخاص والألوان المبهرة ابتداءً من لون الأبواب الأزرق إلى لون الجدران البيضاء، يجعل من تونس تجسيدًا كاملا للشَّرق بالنِّسبة إليه. لقد اهتمَّ كاندينسكي فيها بالفنون التَّطبيقية وأُعْجِب بالتَّجريد الزُّخرفي للمدن القديمة الذي يتجلَّى في قرطاج وسوسة والقيروان أيضًا. على شاطئ البحر، رسم كاندينسكي مناظر بحرية مصغَّرة، كما رسم مناظر للشَّوارع التي تغمرها أشعة الشَّمس بنسيجٍ تتزايدُ كثافته بوضوح. لقد منحت الرِّحلة التونسيَّة كاندينسكي، في خطوة أساسية لمساره، فرصةً أجرى من خلالها تحوُّلاتٍ جريئةً لأسلوبه، لاسيما نحو التَّفكيك التَّدريجي للبناء الموضوعي وعلاقته بالرَّسم. </p>
<p dir="rtl">ولقد ركّز المعرض الافتراضي على أهمِّ لوحاته الفنيَّة التِّي تحمل عنوان -أصفر، أحمر، أزرق- أين ربط بعض المناطق فيها بمقاطع صوتيَّة وموسيقيَّة. وتسمح لنا افتراضية المعرض بسماع الألوان والخطوط من خلال التفاعل مع هذه الَّلَّوحة عن طريق الشاشة.<br />
<img decoding="async" alt="" height="198" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/صومعة2-2.png" style="float:left" width="200"></p>
<p dir="rtl">تنقسم هذه اللَّوحة إلى عالمين متناظرين، عالم من الألوان المائيّة الزَّرقاء الباردة ذات الأشكال المنحنية الدَّائريَّة المتداخلة، وعالم آخر من الألوان النّاريَّة السَّاخنة ذات الأشكال الهندسيَّة والمستقيمة الدَّقيقة. وتنقسم اللَّوحة أيضًا بحسب الطَّبائع إلى مناطق باردة ويابسة، ومناطق أخرى حارَّة وجافّة. يعبِّر النِّصف الأول من اللَّوحة عن العالم الغربي، فيما يبدو العالم الشَّرقي في النِّصف المقابل. ودون الخوض في العالم الغربي أين الصَّليب بلونه الأحمر القاني يحتلُّ مركزه، سنحاول تقديم تحليل موجز للعالم الشَّرقي الواقع جنوبا في المناطق السَّاخنة. </p>
<p dir="rtl">إن العارف بالخبايا الفنيَّة والعمرانيَّة لمدينة تونس العتيقة سيدرك أن صومعة الزَّيتونة التي أعيد بناؤها سنة 1894، أي قبل عشر سنوات من مجيء كاندينسكي، ستحتلُّ مركز النِّصف الثَّاني من مشهد اللوحة، وهي صومعة ذات لون بنيٍّ أصفر كانت تطلُّ ولا تزال على باب ورشة كاندينسكي نفسه. </p>
<p dir="rtl">ولا يمكن إغفال هذا النَّوع من الأشكال الصَّومعية المربَّعة القصيرة ذات التَّقليد المرابطي الموحِّدي ونحن نتأمَّل شكل أبواب البيوت التونسيَّة القديمة التي في معظمها تكون قصيرةً أيضًا. ويعود هذا التَّقليد العمراني إلى أصوله الممتزجة بين الثقافتين الأمازيغية والعربيَّة، ففي بني مزاب بغرداية مثلاً، تُنْشَأُ الأبواب في ارتفاعها بنصف طول الرَّجل، وكذلك في قصبة الجزائر وفاس ومراكش وفي سيدي بوسعيد كما هو واضح في الصُّورة التَّمثيليَّة الواردة بهذا المقال. ولقد رأيتُ في غرناطة منذ سنوات، بيوتًا بشوارع البيَّازين تحتفظ بهذا النَّوع العمراني القديم. وفي الواقع، فإنَّ هذا التَّقليد يمنع العابرين بالشَّارع استراقهم للنَّظر إلى الدَّاخل، ويجبرُ في الوقت نفسه الضُّيوف أوَّلا على إحناء رؤوسهم ثمَّ غَضِّ طرف أعينهم قبل ولوج البيت.</p>
<p dir="rtl">ولا غرابة أن تجلب هذه الصَّومعة، بصوت مؤذِّنها المتكرّر خمس مرَّات يوميًّا، كلَّ اهتمام كاندينسكي المرهف للصَّوت والمكتشف حينها للشّرق وألوانه. سيحيل هذا الصّوت كاندينسكي إلى استخدام الخطوط التي تتجلَّى في شكل متوازٍ أمام رأس الصَّومعة الأزرق السَّماوي الرُّوحي أين يتداخل الصّوت والخطُّ واللَّون معا. ولقد ربط المعرض اللَّون الأصفر -بناء على كتابات كاندينكسي نفسه- بآلة البوق، الأحمر بآلة الكمان والأزرق بآلة الأورغان التي تُستخدم في الصَّلوات الدِّينيَّة بالكنائس. وإذا ربطنا بين الأصفر وآلة البوق، فإنَّ الأصفر لا يعدو أن يكون في الواقع قريبًا من المكان الذي يصدر منه صوت الآذان عند المسلمين في هذه اللَّوحة، كأنَّه صوتٌ يصبحُ أقوى لارتفاعه بفضل عُلُوِّ المنارة على ورشة كاندينسكي والبنايات الأخرى. <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="119" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/زليج-أبيض-وأسود1-2.png" style="float:left" width="200"></p>
<p dir="rtl">يوضِّح الروبورتاج الذي أعدَّته قناة "آرتي" بعنوان "موسيقى الألوان عند كاندينسكي" بأنَّ النِّقاط والخطوط تملك محتوى إيقاعيًّا يشبه إيقاع الطُّبول، وهو ما جعل الملحِّن أنطوان بارتان (Antoine Bertin) يتأوَّل بعض مناطق لوحة كاندينسكي وفق موسيقى التِّكنو ذات الوقعات الصَّاخبة والايقاعات الحازمة. إلاَّ أنَّ مصدر إلهام كاندينسكي لا يُستبعد أن يكون سمفونيًّا وهو الذي تبدو آثاره على غنائيَّة رسوماته الغارقة في الحلم.</p>
<p dir="rtl">تتجلّى في اللّوحة، بالجانب الشّرقي منها دائمًا، أشكالٌ هندسيَّة شرقيَّة جدًّا كشكل الأقواس التي تحيط بفناء جامع الزَّيتونة، وبفناءات البيوت التَّقليدية الحفصية والعثمانية معا. وللتَّفريق بين العهدين، سيلجأ كاندينسكي إلى الاشارة باللَّونين الأسود والأبيض إلى الزَّمن العثماني الذي استخدم اللّونين في تزيين الأقواس كما هو الحال في المدرسة الباشيَّة الواقع أمام حمّام القشَّاشين خلف جامع الزَّيتونة. ويسمَّى هذا النَّوع من الجلِّيز بجناح خطيفة، حيث يُتَّخذ بعدا مربَّعًا يزيَّن به الدَّرجُ ومثلَّثيًّا أيضَا في حركيَّةٍ متماوجة تسمح بتزيين التُّربات وبلاط الأضرحة والمدافن.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="98" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/عفصة1-2.jpg" style="float:left" width="100"></p>
<p dir="rtl">ونجد هذين اللَّونين المتباينين أيضًا في أنواع أخرى من الزِّلِّيج، كما هو الحال في مربَّع عَفْسَة السِّيْد وهو الشَّكل الذي اُسْتُوحيَ ممَّا يتركه أثرُ وقعِ قدمِ الأسد على التراب. وعفسة السِّيد هي واحدة من أكثر القطع شيوعًا في تونس، حيث تأخذ شكل النَّخل وأوراق الأقنثة ذات اللَّون البرتقالي. ويستخدم كاندينسكي هذا الزِّليج لإثارة جانب من الألوان في لوحاته التَّجريديَّة. لنلاحظ مثلا، في اللَّوحة المعنيَّة بالنِّقاش، أنَّ الصّومعة تشقُّها أرجوانة أسفلها بألوان ثلاثة: الأبيض والأسود والبرتقالي.</p>
<p dir="rtl">وإذا كانت قراءَتُنا لهذه اللَّوحة انطباعيَّةً، فإنَّها تستوحِي آليَّة التَّأويل فيها من منطلق وجود كاندينسكي بتونس ومجاورته لأكثر الهندسات اِستقامةً وأحسنها رسمًا ونقصد في ذلك جامع الزَّيتونة، بالإضافة إلى تمركزه بين ضريحين يُحْدِثُ الزَّائرون فيهما يوميًّا ضوضاء غير منتظمة، وهي ضوضاءٌ إذا ما اختلطت بالأذان وجلبة السُّوق وضجيج المارَّة فإنَّه ستنبثقُ عنها ألوانٌ دافئة تقابلُ -إن لم نقل تغطِّي- مساحة البرودة العاطفيَّة التي كان يعاني منها بعد خروجه من موسكو واستقراره بميونيخ ثمَّ باريس، وهي برودَةٌ فضَّل تلوينها بالأزرق في مقابل جهة الشَّرق من اللَّوحة.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20742">معمار تونس في الفن التجريدي لكاندينسكي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إعادة التَّرجمة وصناعة الإحساس: في ترجمة واسيني الأعرج لـ «الطَّاعون»</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20627</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[الهواري غزالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 10 Sep 2021 12:35:16 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8e%d9%91%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%b5%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ad%d8%b3%d8%a7%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%b1%d8%ac/</guid>

					<description><![CDATA[<p>لعلَّ اللغة العربيَّة هي أهمُّ لغةٍ ترجمت إليها رواية «الطَّاعون» من حيث الكمّ على الأقل، فلقد ترجمت لأربعِ مرَّات، في حين ترجمت الرواية نفسها إلى الانجليزيَّة مرَّتين، من قِبل ستويارت جيلبار سنة 1948، والثانية من قبل روبن هوس سنة 2001. وستصدر قريباً الترجمة العربية الخامسة عن منشورات دار الجمل في بيروت، في إطار مشروع متكامل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20627">إعادة التَّرجمة وصناعة الإحساس: في ترجمة واسيني الأعرج لـ «الطَّاعون»</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">لعلَّ اللغة العربيَّة هي أهمُّ لغةٍ ترجمت إليها رواية «الطَّاعون» من حيث الكمّ على الأقل، فلقد ترجمت لأربعِ مرَّات، في حين ترجمت الرواية نفسها إلى الانجليزيَّة مرَّتين، من قِبل ستويارت جيلبار سنة 1948، والثانية من قبل روبن هوس سنة 2001. وستصدر قريباً الترجمة العربية الخامسة عن منشورات دار الجمل في بيروت، في إطار مشروع متكامل يستعيد فيه الروائي واسيني الأعرج أعمال ألبير كامو الكاملة تقريبًا في ترجمة إلى العربيَّة.</p>
<p dir="rtl">ولعلَّه من المهم جدًّا عدم إغفال هذا الجانب الاستثنائي لتجربة واسيني الأعرج مقارنة بمختلف تجارب المترجمين الأخرى من قبيل تجربة كوثر عبد السلام البحيري (1981 - المؤسسة العامة للتأليف والترجمة، مصر)، وسهيل إدريس (1981-دار الآداب، لبنان)، وعبد الرحمن مزيان (2013-تلانتيقيت، الجزائر)، ويارا شعاع (2016-نينوى، سوريا)، وسامي قباوة (2017- دار المؤلف، الأردن)، وهي كما يقول واسيني: " تفتقر في مجموعها إلى شيء واحد، ذلك الإحساس الذي يسبق الترجمة ويعطيها قوة داخلية متساوقة مع اللحظة التاريخية التي نعيشها، بل ويبرر عودة النص الأصلي من خلال الترجمة الجديدة: شعرية الخوف والخطر المتربص بالجميع، الذي يمرّ عبر اللغة".</p>
<p dir="rtl">فما الذي يمكن استنتاجه من عبارة" شعرية الخوف والخطر المتربص بالجميع" التي تقترن لدى واسيني الأعرج بترجمة رواية «الطَّاعون»؟ وما هو الفرق الذي نستطيع ترصُّدَهُ بين الترجمات السَّابقة وإعادة التَّرجمة لديه، ما الذي تغيَّر بينهما وتحت أيِّ طائل قرَّر المترجم إعادة التَّرجمة؟ هل يعود القرار إلى فكرة مفادها أنَّ المترجم الأوَّل يكون قد أخفق جزئيًّا أو كليًّا في عمله؟ أم أن إعادة الترجمة إنَّما هدفها التَّصحيح والتَّحسين فقط؟ أم أنَّ ما تفيده عبارة شعرية الخوف تشير إلى فهم مختلف لترجمة رواية «الطَّاعون»؟</p>
<p dir="rtl">في الواقع، لا بدَّ أن نشير قبل الإجابة عن هذه الأسئلة إلى ذلك الصَّدى الذي أحدثته رواية «الطَّاعون» عندما أقبل القرَّاء عبر جميع أقاليم العالم على اقتنائها بعد انتشار فيروس كورونا سنة 2020، وذلك محاولة منهم لفهم هذه الظاهرة التي تعبِّر عن كيفية مجيء الموت عن طريق الهواء. لقد تحوَّلت الرواية حقًّا إلى معيارٍ لقياس فضاعة ما بدأت تتركه عاصفة الكورونا خلفها، على الرَّغم من أنَّ ألبير كامو المنكر على الوجود عبثيَّته كان قد كتب روايته اِستلهاما من خياله المحض، فهو لم يعش أبدًا طاعون وهران، إنَّما أصيبت منطقة وهران بهذا الوباء بين 1850 و1860، أي قبل كتابة الرواية بمائة سنة.</p>
<p dir="rtl">وإذا كانت أحداث روايته تعبِّرُ عن تجربة واقعيَّة أو تدلي بحقائق صحيحة عن هذا العالم الأسود رغم كونها خياليَّة، فإنَّ ما ستضيفه ترجمة جديدة لها في زمن يتَّسمُ بطاعون حقيقي كما هو الحال في هذا الزَّمن قد تكون له نوعية مستثناة. في الواقع، وانطلاقا من تجربة واسيني الأعرج بالدَّرجة الأولى، فإنَّه يمكننا اعتبار تعليقاته المنشورة في "القدس العربي" في مقال بعنوان شعرية الوباء (13-أبريل 2021) بيانا أساسيًّا لوجه جديد في عالم التَّرجمة. </p>
<p dir="rtl">يتعرَّض واسيني الأعرج في هذا المقال إلى ثلاث نقاط رئيسيَّة تطوف حول مفهوم التَّرجمة:</p>
<p dir="rtl">أوَّلاً: إنَّ الإحساس لا يمكن ألا يكون حاضراً في الترجمة: فرواية الطَّاعون لم تعد حالة لغوبة ولكنها صارت حقيقة ماديَّة مجسدة نعيشها اليوم بخوف عير مسبوق، فـ"ـنحن نعيش -كما يقول واسيني- زمن الوباء جسداً وروحاً، ولهذا سيكون إحساسنا مغايراً حتماً، لأننا جزء من العملية ومهددون في كل ثانية بالمحو بسبب الوباء، (...). لا أبالغ إذا قلت إني أترجم حالياً هذه الرواية بإحساس الموت المسبق.</p>
<p dir="rtl">ثانيًا: مشاهد الموت اليومي التي تؤسس لعلاقة جديدة مع الترجمة.</p>
<p dir="rtl">ثالثًا: انتظار الترجمة لقارئٍ مهيَّئٍ سلفا بأحاسيس الخوف نفسها.</p>
<p dir="rtl">في هذه الثلاثية التي تجمع حصرًا إحساس المترجم من جهة، والمشهد الباعث على الإحساس المشترك والقارئ ذي الاحساس نفسه من جهة أخرى، تصبح إعادة الترجمة مشروعا ضروريًّا جدًّا. فتفاعليَّة القارئ تكاد تكون مضمونة، فضلاً عن كون المشاهد الموصوفة في الرواية تعكسها على أرض الواقع المشاهد الفظيعة لوباء الكورونا، أمَّا إحساس المترجم فهو مدار الإشكال. إنَّ الملفت لانتباه المختصِّ في التَّرجمة خصوصًا هو مقولة واسيني بخصوص ترجمة الرواية بإحساس الموت المسبق، وهنا ستكمن الإجابة عن الأسئلة التي قمنا بطرحها أعلى المقال. </p>
<p dir="rtl">إذا اختلفت وجهات النَّظر بخصوص موضوع إعادة الترجمة، فإنَّ أهم ما يفيدنا في هذا المقال هو تلك الوجهات التي تنظر إلى التَّرجمة من الجانب العاطفي. فرأي ميشونيك مثلاً، لن يفيدنا في تعميق فهم القارئ لتجربة واسيني الأعرج، إذ تعتبر أنَّ إعادة التَّرجمة إنَّما تخلق انسجاماً يربطها بالواقع اللغوي الجديد المستخدم، بما يسمح فيما بعد برصد تاريخانية للترجمة عن طريق النُّصوص. لكنَّ لغوته قبلهُ رأيًا آخر، فهو يرى أنَّ اللًّغة لا تتبنِّي مفردات جديدة، بل تتبنَّى عن طريق التَّرجمة إحساسا جديدًا أيضا، (أنظر أنطوان برمان، محنة الغريب، 1984-96). </p>
<p dir="rtl">ومقارنة بهذا الرَّأي، يكاد يكون بيان واسيني الأعرج المنشور في "القدس العربي" متطابقًا مع ما طرحه غوته. فالاحساس -في كلِّ مرَّة تعاد فيها التَّرجمة- سيتجدَّد، مثلما تتجدَّد قراءاتنا لها، قدوةً بتغيُّر قراءاتنا للنص الأصلي التي تتغيَّر معها -هي أيضا- أحاسيسُنا، فالقراءة ليست واحدة والاحساسُ أيضًا. إلَّا أن مكمن الاختلاف في تجربة واسيني موجود في حدث الرواية بالدرجة الأولى وما ينشره من إحساس جديد متطابق مع أزمة كورونا. وكما أشار إليه واسيني الأعرج في حوارٍ مع إذاعة باريسيَّة فـ"ـإن اللّحظة التاريخية التي نعيشها تبرر عودة النص الأصلي من خلال ترجمة جديدة".  </p>
<p dir="rtl">على هذا النَّحو، أثبتت ترجمة رواية «الطاعون» المتعدِّدة أن النصوص الكلاسيكية لا تتقادم، وإنما تصبح شابة ويافعة وجديدة بمجرد ترجمتها بل تصبح أكثر يفاعة بمجرَّد عودة موضوعها الأساسي الى الواجهة. وكثير من بين القرَّاء الفرنسيِّين -على سبيل المثال- من يعود إلى رواية ياسمينة خضرا "سنونوات كابول" اليوم تزامنا مع عودة طالبان إلى الواجهة السياسيَّة بأفغانستان. </p>
<p dir="rtl">تسمح لنا مقارنة التَّرجمات -من جهة أخرى- بقياس درجة وفاء المترجم للنَّص الأصلي، ومن المحتمل -كما يرى أنطوان برمان- أن تكون التَّرجمات الأولى قد حاولت قدر ما أمكن الوصول إلى تحقيق حالة من الانسجام بين القارئ والترجمة، متخلِّيةً عن أساسيَّاتها المستعصية عن الترجمة لصالح الثقافة الثَّانوية، بينما من المفترض أن تكون الترجمات الأخيرة -كما هو الحال في ترجمة واسيني- التجربة الأكثر تطابقاً مع النَّص الأصلي ووفاءً له. في هذه الحالة بالضبط، سيأخذ الجانب العاطفي كلَّ أبعاده في التَّرجمة، وستجلَّى ظهوره بشكلٍ أقوى. </p>
<p dir="rtl">وفي الواقع، سيتميز واسيني الاعرج بمقاربة عاطفيَّة واجتماعيَّة معًا في ترجمته أعمق من تلك التي ألَّف بها ألبير كامو روايته. فألبير كامو لم يشهد بعين الواقع فظائع الطَّاعون مثلما عاينه بحواسِّه كلِّها المترجم، حيث يصبح الواقع بكل هيجانه المخيف المُلهِم الأساسي للإحساس بالألم عند الترجمة عوض أن يكون النص هو الباعث على ذلك. ستصبح الترجمة ههنا أكثر تفاعلاً مع الواقع منها مع الرواية.</p>
<p dir="rtl">ومن اللائق ألّا نغفل عما يقوم به واسيني الاعرج عموماً من استعادة أحاسيسه النوستالجيَّة بالعودة إلى وهران في رواياته الاخيرة، فوهران هي المدينة التي لا تزال تسكن بعنفوانِ تفاصيلِها ذاكرتَه، هي ألمُهُ، وغربتُه واكتشافُهُ أيضًا. لنتذكَّر روايته "الغجر يحبّون أيضا"، التي تمتدّ فيها الأحداث خلال سنة 1956 بين شوارع مدينة وهران، وانطلاقاً من خبايا عالم مصارعة الثيران بين الماتادور خوسي أورانو والمغنية الغجرية الرّاقصة أنجيلينا أموندين، ينتهي الأوّل مقتولا بقرني ثور في ساحة الكوريدا، وتسقط الثانية تحت رصاص المنظّمة السرية أمام فندق مارتيناز إبَّان السنوات الأخيرة للجزائر قبل انتهاء الثَّورة.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20627">إعادة التَّرجمة وصناعة الإحساس: في ترجمة واسيني الأعرج لـ «الطَّاعون»</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>سيف الرّحبي في سجال مع ظلاميّي العقل</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20603</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[الهواري غزالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 15 Aug 2021 17:12:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b3%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%91%d8%ad%d8%a8%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%ac%d8%a7%d9%84-%d9%85%d8%b9-%d8%b8%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d9%91%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>بعدما اطَّلعتُ على مقال لحمد الصبحي المنشور بصفحته الخاصَّة "عندما تُرجَم الحداثة ويسيل اللعاب"، والذي يذكر فيه ما يتعرَّض له الشاعر سيف الرحبي العماني حالياً من قذف في تجربته الأدبية واستنقاص مقصود من كل ما قدمه للإنسانية من عطاء كبير، تذكرت تلك الموجة الظلامية التي كانت ولا تزال تطال المثقفين والشعراء من المحيط إلى الخليج، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20603">سيف الرّحبي في سجال مع ظلاميّي العقل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">بعدما اطَّلعتُ على مقال لحمد الصبحي المنشور بصفحته الخاصَّة "عندما تُرجَم الحداثة ويسيل اللعاب"، والذي يذكر فيه ما يتعرَّض له الشاعر سيف الرحبي العماني حالياً من قذف في تجربته الأدبية واستنقاص مقصود من كل ما قدمه للإنسانية من عطاء كبير، تذكرت تلك الموجة الظلامية التي كانت ولا تزال تطال المثقفين والشعراء من المحيط إلى الخليج، كتلك التي عرفناها في دمشق، والقاهرة ونعرفها في الجزائر اليوم. </p>
<p dir="rtl">في الواقع، لا يمكن لقارئ باللغة العربية وهو يتصفح دواوين الشاعر سيف الرحبي أن يواصل القراءة دون أن تلفت انتباهه مواصفات الفضاء العماني المدهشة. فطريقته في توصيف فراغ الأقاصي بما فيها من كائنات متخفية وظاهرة تجعل القارئ يمتلئ بخيال يدرك أنه ليس له به سبيل على اكتشاف هذا العالم الأسطوري والخرافي إلا من خلال سيف الرحبي.</p>
<p dir="rtl">لا أعتبرُ شخصيّاً سيف الرحبي شاعراً عادياً يبني مثل بقية الشعراء جسراً لبلد مثل سلطنة عمان مع العالم، إنه رئيس تحرير مجلة "نزوى" التي باتت تقليداً عربياً متعارفاً عليه بين أوساط المثقفين والكتاب والأدباء الذين يقيمون في دول متفرقة بين أمريكا وأوروبا وآسيا والعالم العربي. وهي مجلة تعد إرثاً حضارياً متفوقاً لسلطنة عمان وصرحاً اشتدّت جداراته منذ اقتحامها عالم الثقافة المطبوعة. </p>
<p dir="rtl">ولعل اجتماع الشعر في سيف الرحبي بإدارته لمجلة "نزوى" جعله رابع قامة بعد سهيل إدريس صاحب مجلة "الآداب" اللبنانية وبعد محمود درويش صاحب مجلة "الكرمل" الفلسطينية وأدونيس صاحب مجلة "مواقف". ولقد امتدت هذه القامة أكثر وارتفعت -لحسن الحظ- في وقت انهارت فيه المقومات الثقافية للعالم العربي بالموازاة مع التدمير الذي طال الإنسان جرّاء الحروب والثورات المجانية. ولا بدّ من التذكير أن صنع مجلة ثقافية عالمية تجعل من الاختلاف هدفا ومن الطليعية مبتغى في بلد مثل سلطنة عمان لأمرٌ في غاية الصعوبة والعسر، فإنجاز مجلة بحجم مجلة "نزوى" أصعب في مسقط من صنع هذه المجلة في عاصمة مثل بيروت أو بغداد أو دمشق أو حتى الجزائر والرباط. فهذه العواصم بحكم تواجدها على احتكاك دائم بالعالم ساعدت المجلات على الانتشار سريعاً. أما مسقط، فهي تبعد عن أن تكون مثل هذه العواصم -جغرافياً على الأقل- محجّاً للأدباء. أضف إلى ذلك، انكفاءَ البلد على إرث سلفي ديني، وجغرافيا قصية تبتغي حماية نفسها من كل دخيل. </p>
<p dir="rtl">ولقد جعل سيف من مسقط عاصمة افتراضية قوية للحركة الأدبية العالمية، فبالرغم من قلة زيارة الأدباء العالميين لها والإقامة فيها عرباً أو غيرهم، إلا أنها من خلال مجلة "نزوى"، فرضت مسقط نفسها كعاصمة أدبية تضج بالأفكار، والترجمات، والنصوص الجديدة، والمقالات النَّقدية والتَّاريخيَّة، ومختلف المناهج التي بفضلها يُقاربُ الكتَّاب الظواهر الأدبيَّة على اختلاف أنماطها وأقاليمها. إنَّ دور المجلَّة -على خلاف الكتاب، يكمن في نقله السَّريع لكلِّ حداثات العالم الأدبيَّة والفنيَّة وما يستجدُّ منها على السَّاحة الثقافيَّة. وبذلك، تكون مسقط قد انتقلت من خلال سيف الرحبي خلال عقود قليلة من مجرد مكانٍ تحتلُّ موقعَهُ عاصمة سياسية واقتصادية لبلد عربي إلى حضن زمنيٍّ يتسع لكل أدباء العالم القدماء منهم والمحدثين. </p>
<p dir="rtl">ولعلّ من ينظر في شعر سيف الرحبي، سيكتشف إنسانا ينظر بعين متذمِّرةٍ من العالم، لكن هذه العين هي نفسها من تصبح مبتهجَةً عندما تنظر بنظارات مجلة "نزوى"، حيث تمنح النور إلى العالم بتعددية مواضيعها واختلاف الرؤى فيها والفنون والثقافات والعوالم، لكأنما سيف الرحبي شخصان؛ أحدهما شاعر متشائم وثانيهما رئيس مجلة متفائل جداً. ولقد حرص هو نفسُهُ في الجهتين معا على محاربة الظلامية التي تسبّبت في انهيار العالم العربي منذ كتاباته الأولى كما لو أنه كان يشاهد البذور الأولى وهي تتناثر هنا وهناك، لاسيما وأنه أقام في بلدان مختلفة من العالم العربي وعرف دقائق تفاصيله من السياسة إلى الثقافة مروراً بالمجتمع وعرف أزماته بعدما تبين أصولها وطبيعتها. </p>
<p dir="rtl">وبعد مرور عقود من السنوات، يتبيّن بكل وضوح، أن شفافية فكر سيف الرحبي التي تكشف عن كنه خاطره وطبيعة سريرته قد ساهمت إلى حد بعيد في رسم خريطة شعرية خاصة بسلطنة عمان وحدها وخريطة أخرى خاصَّةٍ بجيل مخضرم، تتمدد أطراف كلتيهما إلى كون الإنسانية الفسيح. </p>
<p dir="rtl">وبشهادة النقاد والأكاديميين، فإن تجربته قد نقلت إلى العالم الشعري لوناً جديداً بلون الوعول التي تسرح في الجبال، وهي تجربة تعي جيداً أن إعطاء لون جديد للشعر يحمل في طياته رمز إعطاء الحياة للوجود والمساهمة في صنعه كما يفعل فحول شعراء العالم. وإذا كان ما يتعرض له شاعر من مقام سيف الرحبي من مضايقات فكرية -دون أن يكون ذلك، ولو من غير قصد، من صميم النقد الأدبي- فإنما ينبئ هذا عن نوع من السقوط القادم الذي ينبغي التحذير منه، فالسقوط في اتهام المثقفين قد يأخذ أبعاده الاجتماعية والسياسية سريعاً في ظل عدم وجود نية واضحة في ترتيب توازن تُرجح فيه كفّة وازنة على أخرى فارغة.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20603">سيف الرّحبي في سجال مع ظلاميّي العقل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-07-25 20:42:55 by W3 Total Cache
-->