<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>صالح الحاج صالح - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/356rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/356rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:42:59 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>صالح الحاج صالح - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/356rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>حَبّابة فاطم... </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21194</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[صالح الحاج صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 11 Apr 2023 08:19:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d9%8e%d8%a8%d9%91%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d9%81%d8%a7%d8%b7%d9%85/</guid>

					<description><![CDATA[<p>فاطِم وليسَ فاطمة، لا أذكر بكلِّ الديرة من مجايلات حبّابة فاطِم من تحمل اسم فاطمة، كلهن فاطِم وفطُومة.. حبّابة فاطِم ثالث زوجات جدي، وأَصغرهنَّ، قصيرة القامة، لها وجه مستطيل مليء بالوشوم،هلالي وسط الجبين، ووشام يغطي كامل الشفة السفلى ورثاميات أسفلها، وغمازة على طرف كل عين، ولها أنف أقنى يعطي لوجهها الصرامة..كانت، دائماً، تلبس ثياباً أطول [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21194">حَبّابة فاطم... </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">فاطِم وليسَ فاطمة، لا أذكر بكلِّ الديرة من مجايلات حبّابة فاطِم من تحمل اسم فاطمة، كلهن فاطِم وفطُومة.. حبّابة فاطِم ثالث زوجات جدي، وأَصغرهنَّ، قصيرة القامة، لها وجه مستطيل مليء بالوشوم،هلالي وسط الجبين، ووشام يغطي كامل الشفة السفلى ورثاميات أسفلها، وغمازة على طرف كل عين، ولها أنف أقنى يعطي لوجهها الصرامة..كانت، دائماً، تلبس ثياباً أطول من قامتها، ربما لقصرٍ في قامتها ولا تجد من لديها قناعةً بخياطةِ ثيابٍ لامرأة لديها من الأولاد والأحفاد ما يفوق دزينتين بخياطةِ أثواب لامرأةٍ بحجم بنتٍ صغيرة، أوهي تقصّدَت خياطة أثوابٍ طويلةً لتبدو كالملكات اللواتي يجرجرن أذيال أثوابهنَّ على الأرض. لكن أذيالاً ملكية في قرية كلّ ما فيها ترابٌ بتراب، هو أمرٌ مشين، حيث الهواء محمّل بالتراب وقلما يصفو، والدور مبنية باللُّبن "طين مجفف وتبن" لتتحول إلى ترابٍ بمجرد الاحتكاك بها، والتراب في ظل الدور وفوقه يحلو الجلوس في الضحى وعند العصر بعد رشه بالماء، ومن هنا، من أذيال أثوابها التي تجرجرها على الأرض، نالت لقب "سحسولة" كمعايرةٍ لها من ضُرَّتِها زوجة جدّي الثانية.</p>
<p dir="rtl">لا أكاد أذّكر حبّابة فاطم بدون سيجارتها، سيجارة غازي رفيعة كذيلِ فأر؛ فمنذ الفجر، وقبل أن تخبِز الخُبزَ وتَخضَّ الخاثر، تحمل إبريق الشاي، إبريق شينكو أزرق له سلسلة ذهبية تربط الغطاء عبر مفصل مع حامل الإبريق الذي له شكل قوس. إبريق حبّابة فاطِم هذا رافقها في طيلة جلساتها الصباحيِّة لسنواتٍ وسنوات، ولمّا تآكل طِلائه وأصبح عبارة عن إبريقٍ من التنك ينزُّ من قاعه ويشرشر من بلبولته، حلّ محله إبريقاً من الستالنس، ومع أول رشفة شاي من إبريقها الجديد تبدأ بالشكوى من طعم الشاي الذي تغير ولم يعد كالسابق .</p>
<p dir="rtl"> وما أن تجلس إلى إبريقها حتى تبدأ بلف السجاير، وتدخينها، وتنضديها في صفطٍ فضي سميك أكل الصدأ بعضَ أطرافه.. تدخين حبّابة فاطِم ليس إدمان فقط، بل هو متعةٌ وعشق، وهو أقرب لطقسِ عبادةٍ يتكرَّر أداءه كل يوم من أيام عمرها، بنفس الطريقة بذات الوقت دون أي تغيير. طقسٌ يبدأ بفضِّ السِّجل الورقي الأزرق والأبيض لباكيت الغازي، وبإصبعي يديّها الإبهام والشاهد تضغط على السجل المنفرد حتى يستقيم، ثمّ تفرد محتواه وتفليه، تنقي الأعواد الخشنة بصبرٍ وأناة، تنثر عليه رذاذ الماء بطرف إصبعها الشاهد، وبيدها الأخرى تقلِّبه، تَنْثر وتقلِّب، وبين نثرٍ وتقليب تتلمس كومة التُتِن حتى تأخذ كفايتها، ثمّ تصر الكومة بمنديلٍ تخرجه من جيب صايتها(1) بحرصٍ شديد كأنها تلف كنزاً، تدس صَرّة التُتن تحت فخذها أو تحت قاعدة الصوبيا في الشتاء، كي يسهم الدفء بتغلغل الرطوبة بشعيرات التبغ. تنتظر دقائق قبل فتح صرتها، تتلمس التتن وتشمه، وتشمه ثانيةً وثالثةً بعمق، تتنهد ويعلو وجهها علامة الرضا، وتدحو التتن في الصَّفط .. وبالإضافة لمتعة وعشق حبابة فاطم لسيجارة الغازي، هي حربها التي خاضتها ضد جدي، وكسبتها، وكسرت بها صورة جدي الذي لا يستطيع أحداً التدخين بحضوره، حتى من قبل بعض مجايليه، ليس فقط لقدرته على إقناعهم باعتبار التدخين مكروه من منطلقٍ ديني، وهو مقدّرٌ له من قبلهم في هذا الجانب، وإنما لصلافته وجبروته إضافةً. أمّا الجيل الأصغر، جيل أبي والأعمام، المدخنون منهم، كانوا يسارعون بإخفاء علب التتن بدسها تحت الوسائد أو برميها أمام الأكبر سناً أثناء حضوره الخاطف إلى الأُوضة.</p>
<p dir="rtl">حرب حبابة فاطم هذه مع جدي بدأت عندما شاهدها مع ضُرَّتها، زوجة جدي الثانية، اسمها فاطم أيضاً ، تدخنان معاً بالخفية، رغم المناقرة الدائمة بينهما، فهما قلما تجتمعان على أمر سويةً. تقدّم منهما بهدوءٍ وهما مشلولتان لظهوره المباغت أمامها، أخذ من الأولى سيجارتها ومعسها على بلجمها(2)، وتقدم من الثانية التي قالت فيما بعد أنها تبولت على نفسها ومعس سيجارتها على بلجمها أيضاً، وغادر دون أن يقول شيئاً .</p>
<p dir="rtl">مرت أيام، وربما أشهر حتى ظهر جدي مرة أخرى أمام زوجتيه وهما تدخنان، جمع زبل البغال ودحا فميهما به، وهددهما بالطلاق، إن لم تكفا عن "التجعيب" ! </p>
<p dir="rtl">حَرِدت حبابة فاطم إلى بيت أهلها، وتكرَّر حَردها إثر كل مرة تعاقب فيها على التدخين.. لا أعرف كم مرة حَرِدت ؟ لكن في النهاية استسلم جدي بتواطىءٍ غير معلن. هي تدخن دون أن يراها، وهو يعلم ولا يعلم. أمّا ضُرتها التي تبولت على نفسها، تقرّبت من جدي بإطاعته خلال حَرَدِ حبابة فاطم وبعد عودتها. تركت "التجعيب" والتزمت الصلاة في وقتها، وخارج وقتها، ولمّا سُئِلت لماذا تقضين وقتاً طويلاً في الصلاة. تقول: أقضى ما فاتني من صلواتٍ، حتى أصبحت صلاتها مَضْرَب مثل من مجايلاتها بالقول لأحدهم/نّ "صلاتك صلاة فاطم الأحمد، صلاة لعبدالله الحاج صالح مو لله".</p>
<p dir="rtl">وحبّابة فاطم هي صَرّارَة الأحفاد؛ فجميعنا، الجيل الثالث من العائلة وُلِدنا على يدها، ويقال أنها كانت تَصُرَّ مولودها بنفسها. وعندما كبرنا وأصبحنا نخجل من الوقوف عُراةً بحضورها في عتبة الباب للغسيل كانت تعاير من يخجل منها ( خجلان مني ، ليش ما تدري إنو آني أول من شفت .. وضربتك على ..) . </p>
<p dir="rtl">إشرافها على كل ولادات نساء القرية وبعض الجوار، وولاداتها المتكررة. إرهاقها وأتعبها، مما جعلها تبدي رغبةً في التوقف عن الإنجاب، وأسَرّت بذلك لبعض النساء الولودات مثلها، وعرضت عليهن أن يتوقفن عن الإنجاب، ولها قول في هذا (الحَبَل غيلة(3)، هد حيلنا،احنا بساس/ قطط ولا بني آدمين؟) ومن أجل ذلك جرّبت وصفات لمنع الحَبَل حتى كادت إحدى وصفاتها تودي بحياتها عندما لاكت معدة خروف ولد ميتاً، ويقال أنها اكتشفت أنّ علك زهر القطن ومصّ رحيقه يوقف الحَبَل، فجمعت منه الكثير، جففته، وحلّ محل علك البطم .. لم تنجب بعدها! وعممت وصفتها على نساء القرية لمن تريد التوقف عن الولادة، لكن من غير المؤكد حقيقة توقفها عن الإنجاب، هل كان لوصفتها دور، أم لتجاوزها سن الإنجاب، أم الحُجب والتعاويذ التي كانت توصي عليها . </p>
<p dir="rtl">مع توقف حبابة فاطم عن الإنجاب، تفرغ جَدّي كليةً إلى خلوته مع كتبه، وهي تسيَّدت شؤون العائلة. تذهب إلى المدينة لشراء الكسوة، وتَزْهِب(4) بناتها عند الزواج. هي من يقرِّر كم من الخراف تباع بعد فطامها نهاية فصل الربيع، وكم شوال قمح يبقى بذاراً للسنة القادمة ولمونة الطحين والبرغل، ولها الكلمة الفصل في تزويج أبنائها وبناتها، والأهم من كل هذا أنها تحرّرَت من الاتفاق المضمر مع جدّي بشأن التدخين، وأصبح تدخينها علناً،وأطلقت يدها في تأمين مونتها من دخان الغازي حيث كان هناك كروزات منه بين طيات المفارش وفي الخزن وحتى شِوَنِ الطحين والبرغل. </p>
<p dir="rtl">وبما أن دوام الحال من المحال بخلو البيت الكبير المزدحم من الأبناء والبنات بالزواج. ولم يبق إلا أصغرهم، وكان مرحاً وكريماً ومغامراً ومبذراً في نفس الوقت، مما تسبب في تبذير أغلب ما كان تملكه عائلة جدي من أغنام وأراضٍ ولم يبق إلا القليل. تمحورت حياة حبابة فاطم حول أمرين: رعاية وحماية حفيدةً لها من إحدى العمّات التي ترمّلت بعد زواج قصير، أقل من سنة، وتأمين حاجتها الدائمة إلى التُتن. </p>
<p dir="rtl">ومن أجل الحفيدة التي كانت تبلغ من العمر ثماني سنوات عندما تزوجت أمها ثانية وابتعدت عنها إلى السعودية، خاضت حبابة فاطم حربها الثانية مع أعمام الحفيدة، الذين نالوا قراراً من المحكمة برعاية الحفيدة من قبل أهل الزوج بعد زواج الأم.</p>
<p dir="rtl">كنا شهوداً سلبيين على ما كانت تقوم به حبابة فاطم في حربها الثانية، مع توقع خسارتها لصالح أعمام الحفيدة. بينما هي كانت تعاند وتقول: لن أترك ابنتي تِتْربى يتيمة، وتعيش غريبة حتى في بيت عم من أعمامها،كي تخدم زوجته، وتقول : صحيح هم أعمامها لكنهم لا يعرفونها ولا تعرفهم.</p>
<p dir="rtl">بدايةً لم تترك جاهةً أو وساطة مع الأعمام إلا واستخدمتها، لكن بدون فائدة.. لم يقف أحد مع حبابة فاطم، والكل لامها على قاعدة أن البنت لأهلها، لأهل الأب، وسمعت من القريب والبعيد، كلام كثير عن العرف والقانون، وأنّ مكان البنت عند أهل الأب، وعليها التسليم بذلك، ومن المستحيل أن يترك أعمام الطفلة ،بعد زواج الأم، تتربى خارج الأسرة التي تنتسب إليها وإلا سيعتبرعار، والأفضل أن تتركها ولا تتعلق بها كثيراً.</p>
<p dir="rtl">لم تتراجع ولم تستسلم..ولم يتوقع أحداً أنها تستطيع كسرعرف سائد، وقرار قضائي باللجوء إلا سلطةٍ أقوى. بدايةً لم يكن واضح من دفعها لذلك، نصيحة من أحد أم حالة يأس وفرصة أخيرة، أم مثلما قالت: "من أجل هاليتيمة المسيكينة،الله فتح عليّ، ودلني على الطريق".</p>
<p dir="rtl">الطريق الذي قادها طيلة أسابيع للمرابطة أمام مكتب المحافظة.وعلى الدرج المؤدي إلى مكتب المحافظ وفي الممر الواصل لمكاتب موظفيه سمعت عشرات المرات وعوداً دون جدوى، وعود بوعود بوعود، تعالي بكرا، الأسبوع القادم المحافظ مشغول بالتدشين، في الأسبوع التالي نحجز لك موعد، لديه اجتماع، سافر إلى العاصمة، لو جئت قبل ساعة، تعالي نهاية الدوام ..</p>
<p dir="rtl"> وهي لا المَسْكنة فتحت لها باب، ولا الرجاوي حننت قلب الموظفين أولاد الكلب عليّ ،كما تقول. وقالت :كلما حكيت لأحدهم قصتي،يدير وجهه ويضحك، يتشاور مع ربعه ويندارون إلي ويتغامزون (بسيطة ياحجة المحافظ بس يفضى يروح برجليه يجيبلك حفيدتك ويوصلها لعندك على البيت) وتضيف بشيء من الأسى، أعرف كانوا يتمطعزون عليَّ/ يسخرون مني، ويمكن يشوفون قصتي مع اليتيمة مالها طعمة؛ فهي عند أعمامها بالأخير، ويمكن كان يظنون أني مجنونة، ومايدرون إنها جمّار القلب بنت بنتي. </p>
<p dir="rtl">قالت وهي تشعر بزهو الانتصار: يوم ويومين وخمسة، وعشرة، وشهر.. وأنا أُصَبِحهم بوجهي، يطردوني من الممرات وأبواب المكاتب، وألجأ إلى الرصيف المقابل انتظر دخول المحافظ أو خروجه، أرابط على الرصيف، ومستعدة أبيت هناك مادام الصفط مليات تتن. يمكن بعد شهر قال لي ابن حلال من الحراس( يا حجة لاتتعبين حالك مافي فايدة، ونصيحة مالك إلا الذهاب إلى بيته، وأنتِ وشطارتك )..ذهبت، وتكرر نفس قصة الموظفين، هالمرة مع حرس البيت، على انقلعي من هين..روحي بعيد..لا تقعدي هنا..ممنوع.. كل يوم أطرد، وكل يوم أحكي مع حالي وأقول: سجن ما راح يسجنوني، وفلقه ما راح يضربوني، ولنشوف أنا ولا هم. </p>
<p dir="rtl"> وبالأخير طفر مني أحد الحراس، وقال: هناك بعد طلوع الشمس، كل يوم، يقضي السيد المحافظ وقتاً في الحديقة.. هناك، فتحة بالسياج .. شايفتها؟ احكي معه من هناك، وأنتِ وحظك ،إمّا على السجن أنا وأنتِ أو يسْمع منك. </p>
<p dir="rtl">في اليوم التالي ومن الفتحة، صبّحت عليه، وقلت: طالبتك ! صفن قليلاً وكأنه متفاجئ أو لم يفهم عليّ . كررت عليه: طالبتك ياسيادة المحافظ وداخله على الله وعليك ؟ .. أشار أن أدخل من الباب، ودخلت، وحكيت له القصة من أولها إلى آخرها .. لم يعدني بشيء، فقط ، سال عن الأسماء والمكان، وبعد أسبوع أرجعها أحد أعمامها، وهو يعاتبني "نحن أهل ، لماذا شكيتينا إلى المحافظ!" </p>
<p dir="rtl">بقيت حفيدة حبابة فاطم بحضنها حتى زواجها.</p>
<p dir="rtl"> تغيرت الدنيا كثيراً، وأيضاً تغيرت حبابة فاطم، وشاخت، لكنها بقيت محافظة على جلستها الصباحية مع إبريق الشاي وباكية الغازي.وأصبحت جلستها الصباحية بالمشراقة شتاءً وفي ظل إحدى الدور صيفاً تلم بعض الأحفاد المتواجدين، النميمة على الآباء والأمهات والأعمام والأخوال والخالات والعمات ملح الحديث المشترك، من خلال تلك الجلسات الصباحية مع حبابة فاطم وحول ابريق شاييها انكشف جزء من التاريخ السري المسكوت عنه في العائلة، الذي كان يشكل حرجاً من المعيب الحديث عنه، من حالات العشق والكره إلى الزلات والألقاب السرية،وحتى الضغائن والحرد والزعل والكونات العائلية أصبحت على بساط أحمدي كما يقال؛ فالأحفاد الذين تلقوا في طفولتهم من الحبابات قصص الجن والسعالي، واستمتعوا بها، يتلقون في كبرهم قصص أفراد العائلة حتى إذا كانت مخجلة، ويتعظون منها. </p>
<p dir="rtl">في تلك القعدات التي نلتمَّ بها حول ابريق شاي حبابة فاطم بقيت سيجارة الغازي رفيق لايفارق، ولم تفارقه حتى يوم وفاتها، وكنا نحاول اقناعها بتدخين ولو سيجارة واحدة مما ندخن وكان جوابها الدائم ( قدي ، ليش هذا الذي تشربونه تُتن؟ ) </p>
<p dir="rtl">عندما توفيت حبابة فاطم -رحمها الله- كنت على بعد 3000 كم في الإمارات حيث أقيم، ومع تمنياتي لها بالرحمة تمنيت لو يدفن معها باكيت غازي رفيقها الدائم .</p>
<p> </p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">(1)الصاية : لباس تقليدي وهي عبارة عن رداء طويل تلبس فوق الثوب مفتوحه من الأمام ،لا تغلق، ولاتبطن ولها أكمام "أردأن " واسعة وتنتهي بشريط طويل .يعقد أشريطة الأردان مع بعض خلف الظهر، غالباً تخاط الصاية بقيطان حرير من نفس لون قماش الصاية.<br />
(2) البلجم / بلاجم .. الشفاه .<br />
(3) غيلة: غيالة : حبل المرأة وهي لاتزال مرضعة لطفل.<br />
(4) الزّهاب : تجهز العروس من قبل أهلها بالملابس والحلي ومفارش النوم وصندوق خشبي ، لاحقاً أصبح الصندوق خزانة </span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21194">حَبّابة فاطم... </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حَبّابة أمونة، مخزن الحكايا</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21109</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[صالح الحاج صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 18 Jan 2023 09:36:41 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d9%8e%d8%a8%d9%91%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d8%a3%d9%85%d9%88%d9%86%d8%a9%d8%8c-%d9%85%d8%ae%d8%b2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%8a%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أم والدتي، اسمها قرين اسم آمنة، وآمنة اسم أم والدي التي لا ذاكرةً لي عنها، وحتى والدي ليس لديه إلّا ذاكرةً فقيرةً عن أُمِّه. قال مرة لما سألته عنها: مرِضَت بعد ولادة عمك محمد. عمّك محمد كرَدَها. وأضاف مازحاً ""كُصْتو چـلْحَه". نقلوها إلى حلب حيث توفيت ودفنت هناك. أسأل: تعرف مكان قبرها؟ قال: زرت قبرها [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21109">حَبّابة أمونة، مخزن الحكايا</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">أم والدتي، اسمها قرين اسم آمنة، وآمنة اسم أم والدي التي لا ذاكرةً لي عنها، وحتى والدي ليس لديه إلّا ذاكرةً فقيرةً عن أُمِّه. قال مرة لما سألته عنها: مرِضَت بعد ولادة عمك محمد. عمّك محمد كرَدَها. وأضاف مازحاً ""كُصْتو چـلْحَه". نقلوها إلى حلب حيث توفيت ودفنت هناك.</p>
<p dir="rtl">أسأل: تعرف مكان قبرها؟ قال: زرت قبرها مرتين مع جدّك، وحاولت في مرة ثالثة عندما كبرت، ولم استدل على القبر.</p>
<p dir="rtl">أمّا حبّابة أمونة التي عاشت طويلاً فكانت عمشاء مقوسة الظهر تدبّ على الأرض بخطوات واهنة بطيئة. يقولون إن والدتي ورثت منها لون عينيها الأخضر الزيتوني، لكننا حقيقة لم نر بوضوح لون عيني حبّابة أمونة، إذْ غالباً ما كانتا مزرورتين يسيل منهما دمعٌ تتلقاه بمِمَشّه "محرمة" لا تفارق يدها. </p>
<p dir="rtl">تزور حبابة أمونة بيتنا مرة كلّ شهر أو كثر قليلاً ، تأتينا قادمةَ من بيت خالي الوحيد الباقي على الحياة في القرية المجاورة لقريتنا.</p>
<p dir="rtl">تقول أمي: وهي تعاين جهة الشمال عندما يلوح لها سوادٌ يعتلي الضهرة التي تختفي خلفها قرية خالي. (روحوا تَلَقُوا حبّابِتكم.. مسكينة ما تجْدِّي طريقها) </p>
<p dir="rtl">اش عرفك إنها حبّابة أمونة ؟ نسأل</p>
<p dir="rtl">هي.. هيّ، قلبي يقول هي. تجيب بيقين.</p>
<p dir="rtl">طَلب أُمي هذا يُستجاب فوراً، لا يعقبه تأففٌ ولا حَرد. نتدافع للقائها ركضاً. أمّا هذه المرة، همست لأمي بعد ما تأكدت أنّ لا أحد غيري سمعها (أنا رايح يوْوم.. لا تقولي لِحدا!)</p>
<p dir="rtl"> نَجحت في التسلل ولم يلحق بي أحد. مع كل خطوةٍ ألتفت لأتأكّد، وبكل خطوةٍ أمني النفس بالحصول على قطعة سكرٍ إضافية، من ذلك السكِّر الذي له شكل دوائر أو أصابع. سكّرنا المخطط بخطوطٍ متناوبةِ بين الأحمرِ والأبيض، سكرٌ هشٌ طيّب المذاق، يتحلّب الريق من رؤيته وأحياناً حتى من تصوره، من أجله نترقب الباعة الجوّالين ونفرح لمجيئهم، ومن أجله أيضاً نسرق البيض ونجز الصوف من ظهر الأغنام المصابة بالجرب؛ لنبادله بقطع السُّكر هذه.كنّا نرى فيه، شخصياً لا أزال، أنه حلوى الجنّة الذي وعد بها الله عبادهِ الصالحين .</p>
<p dir="rtl">في منتصف الطريق وعلى كتفِ الوادي قبل أن نلقاها، يغرينا التراب الناعم الدافئ للِّعبِ به وذلك برفع أثوابنا إلى المنتصف، ونطبع بمؤخراتنا العارية أختاماً على شكل خُفِّ جمل. يومها أُعجبني الشبه الشديد بين الطبعة التي تركتها وخفّ البعير، وخطر ببالي استغفال حبّابتي مستغلاً عدم امتداد نظرها إلى أبعد من بضعة أمتار، قلت: شفتي البعير حبّاب، هذاك هو، مر من هنا..وحتى شوفي هذا أثر چِدمه!</p>
<p dir="rtl"> طبعت على خدي قبلاً رطبةً. جالت بعينيها الكليلتين الأفق حاجبة ضوء الشمس بيدها (لا والله يا وليدي..البعيّر تركته بالبيت! هذا أَثر طويـ..ك) تقصد "بالبعيِّر" كنية عائلة زوجها، جَدْ أمي. لم أفهم قصدها، ولما سألتها، أجابت أنه اسم جد أمك!</p>
<p dir="rtl">أبهرني الاكتشاف الذي أسمعه أول مرة أنّ جدّ أمي اسمه بعيّر، ونويت نشر اكتشافي بين إخوتي! وعند لحظة وصولي للبيت مصطحباً حبابتي سألت أمي: يووم صحيح جدك اسمه بعيير؟ </p>
<p dir="rtl">لم تعجبها النبرة الساخرة. وقالت اسمه بعيّر، مو بعيير.</p>
<p dir="rtl">اسم جدّ أمي شكل مادة لمناكدتها أحياناً، وللمزاح مع حبابتي. خاصة عندما يلف الحزن الحبابة متذكرة من رحلوا، شاكيةً العجز، طالبةً من الله أن يعجّل بأخذ أمانته. نسألها: إن كان البعير هو من جاء يخطبها لابنه؟ وهل خطر ببالها أول وهلة بما أن الأب بعيراً سيكون العريس كّعُوداً ؟ ونضيف تصوري حبّاب لو أنك متزوجة كعوداً! تنهي فصل المزاح هذا بإخفاء ابتسامة خفيفة بالمحرمة التي لا تفارق يدها وتقول: اتركوا الميتين بقبورهم. </p>
<p dir="rtl">تلك المرة لم أسال حبابتي أمونة كم يوماً ستبيت عندنا، ولا عن الخرّافات التي ستحكيها لنا، فقد تعلق كياني كله بلحظة حصولي على مكافأة استقبالها، منتظراً أن تمدّ يدها إلى جيب قِطْشِ الجوخ الواسع الذي ترتديه طيلة أيام السنة كي يدفئ عظامها كما تقول، وتخرج السُكّرة.. مرّ دهرٌ قبل أن تمد يدها إلى جيبها، ومرّ دهرٌ آخر وهي تعالج إبرة المِرقز التي تغلق الجيب، ودهر ثالث لتخرج الصَّرة من عمق الجيب. صَرّة حبابتي رافقتها طول حياتها التي نتذكرها، قد تتغير بعض محتوياتها، لكنها دائماً موجودة في الجيب، ودائما تحتوي على خيوط متشابكة، ومكحلة صغيرة تكوي بكحلها عينيها الدامعتين أبداً، ومسبحة طويلة تنتهي بشرشبةٍ خضراء. داخل الصرّة هناك صرَّة صغيرة أخرى فها مونتها من علك البُطُم. عندما لاح لي اللون السحري الأحمر والأبيض لقطع السُّكر من بين مخزون صرتها سال لعابي، وبحصولي على قطعة منها دسستها فوراً في فمي. وفوراً أيضاً تندمت على لهوجتي. أخرجتها. سكرتي الآن بقبضة يدي الملوثة بالتراب، أشد عليها بقوة خوفاً أن تفلت من يدي. أتخيل أني أقرطها حتى النهاية، وأجفل. يا لطيف كيف لسكرتي أن تنهي بهذه السرعة؟ لا، لن أقرط سُكّرتي، سأمصّها. أعاود مصّها وإخراجها والعَصَّ عليها بباطن كفي، مرة وثانية وثالثة. حتى ذابت في فمي.كاد قلبي ينفجر حزناً وأسفاً، وكتعويضٍ لا يعوِّض ألحس ما عَلق بباطن كفي من أثر حلاوة السُكّرة ومن التراب.</p>
<p dir="rtl">لحبابة أمونة رائحة الخضيرة والحنّة. من لحظة وصولها تضعها أمي في طِشت الغسيل، وهي كطفلة صغيرة تقعي مستسلمة ممسكةً بأطراف طَّشتِ الغسيل عندما بقشط جلدها كيس الحمام شاكية من الصابون الذي دخل عينيها. بعد تنشيفها تضع أمي رأس حبابتي في حضنها، تمشط شعرها بالمشط الخشبي الخشن ثم بمشط عظم ناعم لإزالة الصئبان، كل ذلك يتم وهن يتبادلن الحديث عن الحال والأولاد والعمر الذي يجري بسرعة، ويتحليْن بالنميمة عن زوجة خالي. بعد الحمام تلبسها أمي ثوب كودري كحلي اللون بورودٍ صفراء ناعمة، ثم تدوف الحنة وتحني شعرها وشعر حبابتي. تجمّلان بالحنة أظافر أصابع اليدين والقدمين وباطن الكف وكعبي القدمين لإخفاء التشققات. وتفيض رائحة الحنة مالئةً البيت، هذا الطقس يتكرر بشكل دائم كلما جاءتنا حبابة أمونة. </p>
<p dir="rtl"> بعد الحمام والحنّة تغفو حبابة أمونة على بساط ملفوفة الرأس بخرقٍ كي تَمْتصَّ ماء الحنة الزائد، وتتحول أمي النشيطة كنحلةٍ إلى أميرة مرفوعة الرأس متصلبة العنق، تمس مساً خفيفاً قطرات ماء الحنة المنزلقةِ خلف أذني الحبابة وعلى رقبتها بخرقة بيدها لتنشفها. تتجول أمّي في مملكتها بهدوء، تنظر إلى موجودات مملكتها من أعلى محاذرة الاحتكاك بها، مكرمةً نفسها استراحة قصيرة حتى تجف الحنة. كنت أحب لحظة أمي هذه .</p>
<p dir="rtl">إغفاءات حبابة أمونة القصيرة تتكرر عدة مرّات في النهار. تغفو في المشراقة أو بجانب الصوبة شتاءً، وفي ظل الدور ضحىً وعند العصر في الصيف. وقبل غفوتها تحرص على إبقاء داسومتها ومسبحتها بمأمنٍ. داسومة حبابتي مصنوعة بالكامل من الجلد المدبوغ والمصبوغ بلون فضي معتم ونعل مسطح بدون كعب. فهي تخشى عليها من كلب البيت الذي يحرسها ويهرُّ بكسلٍ، كلما اقترب منها أحد. حارسها الأمين هذا تجذبه أحياناً رائحة الجلد فيسحب الداسومة ويلوكها. أمّا مسبحتها ذات الـتسع وتسعين حبة، والمصنوعة من خشب الزيتون المطهم برائحة الخضيرة فيحلو لنا اللعب بها، وشم رائحتها. ونستخدمها أحياناً كلوح حساب بإنقاص عدد معين من حباتها لنحزِر الباقي، هذه المسبحة هي الشيء الوحيد الذي ورثته أمي من أمها، حافظت عليها بحرصٍ شديدٍ لفترة طويلة حتى بعد أن فُقدت بعض حباتها، وكلما تلف خيطها أعادت لضمها بخيطٍ جديد. تقول هذه من رائحة أمي ستبقى معي مادمت على ظاهرة الدنيا. </p>
<p dir="rtl">أحياناً يترافق صحو حبابة أمونة من إغفاءاتها المتكررة على صوت الراديو، راديو سانيو بجلد لامعٍ برتقالي اللون، كان مفخرة العائلة؛ فقد حظيّ عند شرائه بمباركاتٍ أكثر مما يحظى به مولودِ جديد، وعندما يسأل أحد عنه أو يبدي إعجابه، يعتدل أبي في جلسته وهو يحتضنه معدداً مزاياه. يقول: أهم ما في هذا الراديو أن بطارياته ببطنه، وبه موجتان، وله صوت صافي بدون تشويش بسبب هذا الأنتيل، ويمد يده ويعدل الأنتيل المطوي على السطح الأعلى للراديو ويسحبه على طوله. كنّا ندلل راديونا حقّاً. أمي نسجت له كيساً من الصوف الملون الجميل بشراشبٍ تتدلى أسفله، وحاملٍ كي يعلّق على الحائط حتى لا تطاله أيدينا. ولم يكن مسموحاً لأحد منا باستخدامه علناً إلا أبي وأخي الأكبر، لكن كانت هناك دائما فرصة لاستخدامه بغيابهما. </p>
<p dir="rtl">تصحو الحبابة من إغفاءتها على صوت الراديو. تسأل إن كان هذا المغني، أي مغني، فيما إذا كان هذا فريييد الذي يغنّي؟ تقصد فريد الأطرش! أظن أنها لم تحفظ اسماً لمطرب غيره.</p>
<p dir="rtl"> لا حبّاب مو فريد.. </p>
<p dir="rtl">أريد أسمع فريييد. حِطْلي الراديو على فريد ! </p>
<p dir="rtl">الحضور الكبير لحبابة أمونة في ذاكرتنا هو في الحكايات والخرّافات التي كانت تحكيها لنا في ليالي الشتاء الطويلة. كنا وما إنْ ينصرف أبي إلى الأوضة، حتى نبدأ بتملقها كي تحكي لنا. فتتحجج بالتعب وبذاكرتها التي لم تعد تعي شيئاً، بينما نشرع نحن بتنشيط ذاكرتها بتعداد أسماء الحكايات و الخرّوفات التي نحب سماعها.</p>
<p dir="rtl">نقول خورفينا على بورزان أبو الحيل، تقول نسيتها. </p>
<p dir="rtl">جمل غيدا، تقول: طويلة وما تخلص للصبح. </p>
<p dir="rtl"> بوينيص أو تاووز : هذنّ يخوِّفن والدينا ليل.</p>
<p dir="rtl"> الشاطر حسن، محمد ابن أمي وأبوي، سعلوة حبابة غبنة العطية... هي تتحجج، ونحن نلح. أحياناً كان ينتابنا شيء من الخوف والحزن أن تكون حبابتي فعلاً نسيت خروفاتها؛ فمن يصدق أو يتصور الحبابة -أي حبابة- دون حكايات وخرافات! </p>
<p dir="rtl"> هذه المناورة والمساومة تتكرر دائماً لتنتهي بفصل التشويق الذي نرتاح له كإعلان لبدء الحكايا. تقول: "أخورفلكم خويريفه، وإذيناتكم مقيريفه إچا الواوي وأكلها؛ قلت : ليش يا واواي؟ قال أنا واوي والعصا تضربني؛ قلت ليش يا عصا؟ قالت: أنا عصا والنار تاكلني؛ قلت ليش يا نار؟ قالت آني نار والسيل يطفيني؛ قلت: ليش يا سيل…" نشكو لأمي المشغولة بإعداد القاورقة "البوشار" على بابور الكاز، أو رثو جورب لتتوسط لنا لتنهي حبابتنا هذا المونولوج، الذي كنا نتصور أنها تستطيع أن تستمر إلى الصبح، في سماع أشياء تشكو لها، تبتسم أمي وتبقى محايدة ومشغولة بما بين يديها.. أخيراً عندا تقول حبابة أمونة : هناك وانتم سالمين. نرد بصوت متحفز مع حوحزة في المكان للالتصاق بها، وأنتِ سالمة حبّاب.</p>
<p dir="rtl">(كان في كل حكايا وخرّافات حبابة أمونة، سمعناها مرّات ومرّات، وفي كل مرّة كأننا نسمعها لأول مرّة، لكن الحكاية التي تعنونها حبابة أمونة بحكاية "الوِلِيدة محمد" وتقول عنها أنها حكاية حقيقية، ومحمد هذا لا يزال يعيش على ظاهرة الدنيا في مكان لا تعرفه حتى جن الأرض، طفش من ثأر قبيلة الجن لقتله ابن ملكهم، وتعهدهم بمحو دابر ذريته. تلك الحكاية لا تزال حية في وجداني. </p>
<p dir="rtl">تقول حكاية "الوليدة محمد" وهي حكاية بقلب حكاية، بدأت عندما اشترط والد البنت التي أحبها "محمد" وأحبته ليرضى تزويجه منها أنْ يذهب إلى خربة "الگُعود" المسكونة بقبيلة من الجن والسعالي ليلاً، ويغرس في أعلاها خنجره. قال له سأنتظر رجوعك هنا، في مجلسي هذا، حتى شروق الشمس، إن رجعت؛ قالها هامساً. تعتبر ابنتي زوجةً لك على سنة الله ورسوله، والحاضرين شهود. شرطي هذا، هو سياگ "مهر" ابنتي. </p>
<p dir="rtl">يقال أنه لم يجرؤ أحد قبل "الوليدة محمد" بالاقتراب من الخربة، ومن تجرأ على ذلك اختفى ولم يظهر له أثر أبداً، وأنّ الخربة مسكونة بقبيلة كبيرة من الجن، محاطةً بالأشواك والعاقول والبِّلان، تتحول إلى أُبرٍ ومُخطٍ وأخلّه متى اقترب انسيٌّ منها، ويتحول ترابها إلى جير يغلي ويفور تصعد منه أبخرة ودخان يعمي العيون. هناك تصفر الريح، ويسود همس وبربرة وأنين بألسنة غير مفهومة تجعل من أشجع الشجعان يفقد عقله. هذا ما كان يعرفه الوليدة محمد ويعرفه كل من عاش في الديرة. </p>
<p dir="rtl">عندما وصل محمد إلى أطراف الخربة ألقى السلام قائلاً "السلام عليكم يا أهل الأرض" بناءً على نصيحة همس له بها أحد الحاضرين، وأضاف الهامس له نصيحة أخرى، سترى أمك وأبوك وأقاربك وجيرانك يطلبون العون، إياك أن تحوِّل عن فرسك أو تنظر بعين أحد منهم، في هذا سلامتك! </p>
<p dir="rtl">أتاه الصوت رداً على السلام (لو كلامك سبق سلامك لكنت أكلتك وكرگَطت عظامك). خطى محمد خطوة الأولى في الخربة فلقي والده يطلب منه شربة مي كي يسترد روحه التي تفارقه؛ فلم يلتفت إليه. الخطوة الثانية استقبلته أمه فاتحةً ذراعيها لتحضنه، وهي تقول له هلا بوليدي ابن بطني، اللي رضع حليب صدري؛ فعبر من خلالها. في الخطوة الثالثة ظهرت له حبيبته وهي تغمز له أن يتبعها إلى خلوةٍ، تجاوزها ولم يلتفت إليها. في الخطوة الرابعة استنجدت به أُخته من حيفٍ يلحق بها... في الخطوة الخامسة والسادسة والعاشرة والعشرين والثلاثين، كان يظهر له عم وخال وجد وأخ وصديق، كل منهم يطلب شيئاً، وعند الخطوة الأربعين، وهو يغرز خنجره في الأرض، شعر بثقل قفز على كتفه وخنقه، ومن حلاوة الروح التي شعر أنها لا بد مفارقته، تشهدّ بالشهادتين، عندها ظهر له ما كان يخنقه "رجلي تيسٍ أسود". استجمع شجاعته واستل سيفه وبضربة واحدة قطع رجل التيس، ولما خف الضغط استدار وضرب العنق وقطعه وحمل الرأس وعلقة بركاب فرسه؛ فسمع فور تعليقه الرأس صوتاً ينادي: منصوور يا منصووور، فرد الرأس المقطوع (منصور مصرور على رِكاب الفرس، منصور معلّگ على حارچ الفرس) عند هذا الرد من الرأس المقطوع وهو ذروة الحكاية، تبسمل أمي وتحوقل، تضرب بباطن كفها كتفها الأيمن ثم الأيسر، تمسح بيد صدرها فوق القلب وبيدها الأخرى تمسّد رأس أقربنا إليها وهي تردد "بسم الرحمن الرحيم، اللهم اجعل ذكرهم خفيفٌ علينا".وهنا أيضاً يبلغ خوفي مداه. أحب خوفي هذا من الحكاية وأعشقه. خوفي يتيح لي أن أدفن نفسي بحضن أمي أو حبابتي.</p>
<p dir="rtl">يعود الوليدة محمد حاملاً الرأس المقطوع، ويرميه وسط الحاضرين، تدور عينا الرأس بمحجريهما على الحاضرين طالبة حسوة ماء، مقابل كنز مخبوء فيه مال أكثر من مال قاروون، لكن لم يجرؤ أحد إعطاءه الماء، عندها يخرج فحيح من الرأس قبل انطفاء العينين موجهاً كلامه للجميع سنقطع دابر ذريتكم إن بقي هذا بينكم، طارفاً بعينيه اتجاه محمد. يتشاور القوم ويطلبوا من محمد أن يأخذ عروسه ويرحل من الديرة. وإلى الآن لا يعرف أحداً أين ذهب.</p>
<p dir="rtl">نسأل حبابة أمونة إذا شاهدت مرة سعلوة، وكيف هو شكلها؟ تصمت وكأنها تحاول تذكر شيء وبصوت واهن تقول "اليوم ما عاد في جن ولا سعالو، الناس هي صارت جن، الجن والسعالي اختفت من يوم فَلحت الناس الگاع ، والگاع اللي تُفلح بسكة حديد لا تسكنها السعالو. الحديد والسعالو ما يجتمعو، وهذه الإبرة – إبرة المرقز – تحميني، وما ضل حدا إلا ومعاه إبرة مسكِّر بها زيجو.. من يومها أصبح لدي اعتقاد أن من يحمينا من السعالي أُبر المرقز التي تشبكها لنا الأمهات بدل أزرار أثوابنا الضائعة.  </p>
<p dir="rtl">كنت في المرحلة الثانوية عندما توفيت حبابة أمونة، رحمها الله ،على بعد 80 كم .لم أحضر مأتمها، وأول ما خطر ببالي سؤال الندامة الذي لم نسأله لحبابة أمونة. كيف عرفت اسم فريد ولماذا أحبت أغانيه؟<br />
 </p>
<h4 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">الكوچر: أو الانتجاع، الذهاب لطلب الكلأ في موضع فسيح يكثر فيه العشب.<br />
قطش: يشبه الجاكيت، للنساء والرجال، غالباً يكون من الجوخ <br />
الزيج: فتحة الثوب عن الصدر .</span></h4>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21109">حَبّابة أمونة، مخزن الحكايا</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>العم خليل</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21005</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[صالح الحاج صالح]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 10 Oct 2022 12:49:30 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85-%d8%ae%d9%84%d9%8a%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>تقول الرواية الشفهية المتناقلة في العائلة، أنّ العم خليل، ابن عم والدي، تاه في ليليةٍ شتويةٍ باردة في بريَّة الجولان  لمدة أربعة أيام بلياليها عندما كان يرعى بغالاً للجيش، تاه ولم يعرف طريق العودة إلى القطعة العسكرية التي يخدم بها، ولمّا وجدوه كان فاقداً عقله! شهر كامل حتى وصلت البرقية التي تقول "على ولي أمر [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21005">العم خليل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">تقول الرواية الشفهية المتناقلة في العائلة، أنّ العم خليل، ابن عم والدي، تاه في ليليةٍ شتويةٍ باردة في بريَّة الجولان  لمدة أربعة أيام بلياليها عندما كان يرعى بغالاً للجيش، تاه ولم يعرف طريق العودة إلى القطعة العسكرية التي يخدم بها، ولمّا وجدوه كان فاقداً عقله! شهر كامل حتى وصلت البرقية التي تقول "على ولي أمر الجندي خليل ...، والده ...، والدته ... القدوم لاصطحابه لأنه لم يعد مؤهلاً لإكمال واجبه في الجندية".</p>
<p dir="rtl">بهذا الاختصار الشديد تُخْتَم الرواية العائلية والرواية الرسمية حياة شباب العم خليل، أما بقية حياته التي أدركناها، فترة "جنونه" وما تلاها، كانت تقع تحت أبصارنا وأسماعنا. حياةَ رجلٍ ممسوس، مربوط القدمين بمربط فرس حديدي يُخَشخش أثناء تجواله في القرية على غير هدى، وفي بعض المساءات وهي كثيرةٌ على كلّ حال، كان عويله وصُراخه يخيفنا، عندما يجتمع عليه أشقاؤه وأبناء عمومته بتكبيله وشدِّ وثاقه، وضربِه بعصا مقروءٍ عليها لطرد الجن من جسده بناءً على وصفةٍ مجربةٍ من الشيخ علي وكيل الطريقة القادرية بالمنطقة، والشيخ علي هذا، ومريدوه، اختصوا بإقامة الموالد النبويّة، وطرد الجن من الأجساد التي تسكنها بالرقى الشرعية، ومعالجة عقر النساء، وعقم الرجال، وحل المربوط منهم عن زوجاتهم، هذا رغم أن الشيخ علي بحد ذاته، كان عقيماً، ولم ينجب أبداً من زوجاته الثلاث. </p>
<p dir="rtl">وكان لوصفة الشيخ علي ملحقاً فيما يخص إخراج الجن التي تأبى الخروج من الأجساد التي تسكنها بالرقى الشرعية وذلك بإقامة مولد يوم أربعاء، وفي نهاية المولد كان يُمدَّد العم خليل وتنزع عنه ثيابه ويغطى نصفه الأسفل بعباءة الشيخ، ثم يضرب بِـگُردَته (١).</p>
<p dir="rtl">كنّا نرى نَصْل السيف الحاد يغوص في بطن العم خليل مع تمتمات الشيخ علي التي لا نفهم منها سوى اللّازمة التي تنهي بها، الله حي، الله حي، الله حي، الله حي لتصبح أحي ... أحي ... أحي ...، مجاريةً سرعة نصل السيف الذي يعلو ويهبط على بطن العم خليل بسرعة البرق وبانتهاء تلك الحَنْدَه يتم رصد البطن بإبهام الشيخ المبلل برضابه، عندها يقوم العم خليل مترنحاً كالمخمور دون أي أثر يظهر على جسده. أَعجزنا فهم ذلك رغم يقيننا أن گُـردَة الشيخ كانت تغوص في البطن. ويفسِّر مريدو الشيخ أنّ الـگُردَة  لا تسبب ألماً للأجساد التي تُفنى وتتحول إلى ترابٍ عندما يتوفاها الله، وأثرها يقتصر على الروح المبتلاة والمعذبه  بها حتى تثوب إلى رشدها، وعلى أجساد الجن الناريَّة التي يصيبها الهلع من ضربات گردَة الشيخ المصحوبة بتمتماته فتخرج مولولةَ، أو يرصدها ويحجزها في أقماع السَّماسِم إلى يومٍ معلوم، وأَنسب وقتٍ لذلك بعد مغيب الشّمس عندما تلوبَ الجِن والسَّعالي باحثةً عن أجسادٍ غير محصنةٍ بتمائِمَ لتبيتَ فيها!</p>
<p dir="rtl">في تلك المساءات التي يُضرب فيها العم خليل ويعلو عويله، كُنّا نَتلطى بأمهاتنا المبسملات المُحوقلات ممسكين بأذيال أثوابهن، مستعجلين قراءة المعوَّذات التي حفظناها بسن ٍمبكرةٍ، دون سواها، كي نحتمي بها من سكان الخرائِب عندما ندخلها أثناء اللَّعب في النَّهار، ومن الخوف عند الخروج للتبول في اللَّيالي المظلمة. </p>
<p dir="rtl">رواية الأهل هذه رافقتنا، لعدة سنوات، نحن الجيل الثالث من العائلة، جيل المدرسة حسب تسمية أهلنا لنا، مدحاً وسخريةً بنفس الوقت، قد أربكتنا لصعوبة فهمنا لها، ولمخالفتها منطق تصوِّرنا عن الجِّن الذي نحسبه لا يجرؤ على ولوجٍ جسدٍ تمّت حمايته بحجبٍ وتمائمَ مخاطةً بالمهد منذ الولادة، ومدلاةٍ بشريطٍ أخضر في الرقاب، ومنها الكثير،عادةً، ما يكون مدفوناً عند عتبات الأبواب وبين طيّات المفارش. روايتنا التي تصورناها عن العم خليل، وعن سبب جنونه، والذي لم نكن نَحسبهُ بالأصل في ذلك الوقت أنَّه عمّاً من الأَعمام، ولم نكن نعرف أنّ اسمه خليل، وكان اسمه عندنا "أبو علي المهبول" أوالمهبول فقط. </p>
<p dir="rtl">روايتنا تلك عن العم خليل تقول أنّ سعلوةً، ظهرت له على شكل امرأة فائقة الجمال، تزوجته لجماله وفتوته، حسب بعض إنحيازاتٍ في الرواية الشفهية عن فترة شبابه قبل ذهابه للجنديَّة، وأنّ هذه السِعلوّة التي أُعجبت به تزوره كلَّ ليلةٍ وتنام معه، وله منها أولاد يعيشون معها تحت الأرض بعيداً عن الأعين، ولا يستطيع أحدٌ رؤيتهم إلا هو، ولتأكيد روايتنا، صدّقنا كلّ ما عنَّ على بالِ أحدنا قصةَ اخترعها لتوّه. مثلاَ يقول أحدنا: (تِدْرون لمّا نشوف المهبول يسولِف حالو، ويزعل، ويضرب ويضحك ويصرخ.. هو لا يسولف حالو ولا شي، هو يسولف أولاده، ولما يضرب الهوا يضرب أولاده) ويُعقّب آخر (وتدرون ليش يضربون المهبول عند غيبة الشمس؟ حزركم مشان شنهو؟ مشان ما تفوت السعلوة جوّاه) "أي داخله".</p>
<p dir="rtl">أمّا عن إجبار العم خليل على  المبيت في قاووش البغال مقروناً بها و فوق روثها لسنواتٍ وسنوات، فكانت لدينا قناعة بأن رَبْطِه بمرابطَ الخيول والبغال والحمير أمرٌ لا بدّ منه لحمايته من السِّعلوّة التي لحست عقله، ولا توجد طريقة أخرى لإبعادها من المبيت بجانبه،إلّا هذه، وذلك بعد فشل المَوالِدَ المقامة من اجله، وإبطال مفعول عشرات الحجب المتدلاة برقبته والمعلقة بثيابه، لسببٍ لا يعلمه إلا الله، ونذهب بتهويماتنا بعيداً لاعتقادنا أنّ البِّغال والخيول تَهْجِس حضور الجنّ والسَّعالو إلى المكان، وتبدأ بالنخير والرَّفسِ حتى تغادر تلك الكائنات غير المرئية المكان ويخيب مسعاها، أو تُفْلَت تلك من مرابطها كما حدث أكثر مرّة وهي تسحل العم خليل ورائها..</p>
<p dir="rtl">ولكي نجعل لروايتنا وتهويماتنا شواهد قارةً في أذهاننا، يؤلف من خاف من الخروج ليلاً للتبول في ليالي الشتاء المظلمة قائلاً:</p>
<p dir="rtl">– من سَمِع دربكة ‌البغال ونخيرَ الأفراس ليلة البارحة؟ </p>
<p dir="rtl">- شو صار؟ </p>
<p dir="rtl">-البغال انفلتت من مرابطها ...أكيد السِّعلوة كانت عند "المهبول"</p>
<p dir="rtl">- أي والله ،أنا سمعت الدربكة.</p>
<p dir="rtl">- وأنا!</p>
<p dir="rtl">- وأنا!  </p>
<p dir="rtl">كنا نخافه، ونرهبَ جانبه رغم أَنّه لم يلحق أذى بأّيٍّ منَّا، بل نحن من كان يلحق الأذى به، أحياناً.</p>
<p dir="rtl">من قال أنّ الصِّغار أبرياء وغير عدوانيين عندما يستطيعون ؟</p>
<p dir="rtl">كنّا كلما اقترب بتجواله من مكان لعبنا يهمس من يراه أولاً (اهربوا، چَاكم المهبول).</p>
<p dir="rtl"> لحظتها تغوص أقدامنا في وحلٍ لا نستطيع الفِكَاك منه بسهولة، ويعلو صراخنا مستنجدين، صراخٌ لا يخرج من حناجرنا من شدة الخوف، ومن استطاع الانفلات من وحل الوهم، ويصبح آمناً يبدأ يرمي الحجارة على العم خليل، خاصةً إذا كان خارج بصر الحبّابة زهرة، والدة العم خليل وحاميته. </p>
<p dir="rtl">أحياناً كُنّا نتراهن على من لديه الجرأة على نترِ  زَرَدِ الحديد الذي يسحله وراءه ويَتَسبب في تعثره، والمرّات القليلة الذي استطاع أًحدنا فعل ذلك، يكون العم خليل ساهماً بالنظر إلى صورته المنعكسة في ماء آلگُوْلَة (٢). ومنْ تجرأَ  ونتر الزَّرد يصبح البطل، هو من يقرر اللعب ومكانه.</p>
<p dir="rtl">في محيط آلگولة، مرآته السحريَّة، كان العم خليل يطوف حولها طيلة النهار، متأملاً وهادئاً وهاذياً بكلام غير مفهوم، جاراَ وراءه زَرَدَ الحديد، وأحياناً يتوقف ليخاطب من خلال سطح مائها كلّ الموجودات التي تنعكس صورها في الماء. </p>
<p dir="rtl">أمام مرآته السّحرية تلك يتدفق منه الكلام بلا رابط. يصيح علينا أن لا نخوض بالماء كي لا نصاب بالبرد، ومن لا يرتدع يفحش عليه بالكلام بأمه وأهله، وبنفس الوقت يرفع عينه إلى السماء إذا مرت غيمة عابرة انطبعت صورتها في مرآته السحرية ويخاطبها آمراً. إلى أين تذهبين؟ هناك گاعي "أرضي". اذهبي وأمطري فوقها، ثم ينفجر ضاحكاً بصوتٍ عال متابعاً حماراً ينزو على أنثاه، مقلداً حركته باستخدام عصاه التي يحملها  لذود الكلاب عنه، وأحياناً يهم بالركض وراء قطة دخلت مجال مرآته السِّحرية وبعد خطوتين يفقدها ويبحث عنها في الماء ولا يجدها.</p>
<p dir="rtl">يَتَعكّر مزاجه ويندفع إلى الماء ضارباً سطحه بعصاه، أو يلتقط حجراً ويرميه على  رأس أحد المكلفين بإعادة عقله عندما تظهر صورته في الماء، عند قدميّه. ولمّا تتشوه الصورة وتَنْطَعِج ملامحها نتيجة تموّج الماء تكون تلك أسعد لحظات يومه، ويخاطب الصورة بانتشاء ملاكم حطم وجه غريمة ( تِستاهل يا كلب، كَسَّرت راسك) وحين يعاود الماء ركوده وتستعيد الصورة ملامحها من جديد، يجنّ جنونه، يرفسها  بقدميّه ويُباطُحها  مُتَمَرغِلاً معها بالطين (كلب، رجل  الشر..، ابن القح..، آني ماني  مهبول، آني ما ني مهبول ).</p>
<p dir="rtl"> آلگـولة عالمه الخاص الذي يستطيع التحكم به، عالم خاضِعٌ بالكامل لإرادته، لا أحد هنا يقاطعه أو يعترض على قولٍ يقوله، أو يعبأَ بسبابٍ يلفظه، وأيضاً لا أحداً يبقى بمجال رؤيته إذا لم يرغب بوجوده، يقول للصورة:انقلع..ويخطو خطوةً واحدةً ليختفي الذي ظهر أمامه على سطح الماء. وبخطوة وراء أخرى يستطيع رؤية من يرغب بمعرفة ماذا يعمل إلى أن يختفي داخل إحدى الدور المحيطة بمرآته السحرية. أما النساء اللاتي يظهرن في مرآته، سواء كنّ من القريبات أو البعيدات، وخاصة إذا كانت إحداهن تلقي بماء الغسيل على التراب أمام بيتها، أو تحمل سطل ماء على رأسها قادمةً من البئر، ينادي عليها باسمها أو لقبها بصوتٍ عال ( يا فلانة، مبيّن أنك امْعَرْسَّة بالليل، كيَّفتي مو؟) مناداته هذه لها ردة فعل واحدة من كلِّ النساء( مهبووول ما عليك عتب .. الله يسامحك ) مع ابتسامة خفيفة تغطيها بطرف الهبريّة(٣).</p>
<p dir="rtl">في تجواله اليومي حول آلگولة يظل نظره مصوباً بشكلٍ دائم إلى ما بين قدميه أو إلى سطح مائها، باحثاً عن شيءٍ ضاع منه، عن حياةٍ فقدها ربما، عن أهله، عن عالمه المحطّم. أحيانا يبدأ بالنواح والنّدب واللطم كامرأة فقدت زوجها للتو، ثم يتوقف فجأةً صافناً متمعناً بصورته المنعكسة في الماء كأنّه اكتشفها لتوِّه، وقد يستهويه أحياناً أن يكون فارساً ممتطياً حصاناً في وسط الماء، وأحياناً يتحول بسلوكه إلى طفل يعبث بكل ماتَطاله يده؛ فمرّة استطاع إدخال رأسه بِنُصِيّة(٤) الحَبِّ. أعجبه الحال، وهو يسمع صدى صوته كأنه يتكلم من جوف بئر. طاف قليلاً متباهياً بتاجه متعثراً بكل خطوة يخطوها، ولمّا ملّ من لعبته وأراد التخلص من النُصيّة أعجزته كل الحيل بإخراج رأسه حتى دَلَّتهُ ابنة أخيه على جابية البئر(٥) وقادته إليها ، ضرب النصيّة بالجابية، مرّة وثانية وثالثة .. حتى تكسر خشبها وانفكَّ عنها طوق الحديد، وخرج بجروح تملأ وجهه ورأسه. </p>
<p dir="rtl"> في كل مرة يكلِّ من الدوران حول آلگـولة يقعي على طرفها بعد أن يعاين سمتاً تظهر فيه الحبَّابَة زهرة، أمه، التي تجلس كل يوم في نفس المكان على سجادتها وبيدها سبحتها ذات التسع وتسعون حبة تراقبه وتدعو له، هنا ترق نظرته ويهدأ باله، ومن تحت ردنِ ثوبه ناصل اللون يخاطب انعكاس صورتها في الماء : يُوومْ جوعان. وهي بغريزتها بدايةً وبخبرتها مع مرور الوقت تُدرك جوعه؛ فترسل له خبزاً يضعه في حضنه، ويبدأ بلوك الخبز والنودان على حافة الماء، هاذراً بما يعنّ على باله.</p>
<p dir="rtl"> هنا عند طرف آلگـولة ومائها العكر سَرَد العم خليل قصته، سردها لشراغيف الضفادع، ولصور القطط والكلاب، للغيوم المارّة، وللوحل الذي يتمرغل فوقه، قصته التي لم يحكيها لبشري، قصته التي لم تكتمل في أذهاننا إلا بعد سنوات بعد تجميع أجزائها المتناثرة ووضعها في سياق متسلسل ومفهوم، قصةً فيها الكثير من الغرابة، كحكاية، لكنها حياتهُ، حياة العم خليل .</p>
<p dir="rtl"> كان يسرد قصته ووجعه وألمه، ونحن نفسِّر أنه يتكلم مع زوجته السعلوة وأطفالها، ونتعوّذ من الشياطين التي ملأت روحه، وإخوته وأبناء عمومته يضربونه في المساء، بالعصا المقدسة، كي يخرجوا الجنَّ من جسده.</p>
<p dir="rtl">قال في هذيانه للماء العكر المتجمع من أمطار الشتاء، الله يسامح أختي " خزنه" هي السبب، أيقظتني بعويلها وهي تهز كتفي، اقعد يا خليل، اقعد يا مسخّم أبويَ مات، رأيتها بعينيَّ التي سيأكلهما الدود تشق زيجَ ثوبها وتندب. صحت عليها لما اندلق صدرها من شق الثوب، ورأيتها تخمش وجهها وتنتف شعرها صارخةً (أبويا مااات يا خليّل، أبونا مات..) وركضت مولولة نادبة. تحفزتُ بالرَّكض ورائها قبل أن تغيب عني، ولحقت بها بعد رَمشة عين، لكن التفاتةً واحدة كي أتخلص من الطرف الآخر لزرد البغل الذي ألفه حول يدي كي يوقظني في حال جفلت البغال الأخرى، وهي عادة اكتسبتها منذ الصِّغر بسرقة غفوة أثناء رعي الأغنام والدواب. تلك الالتفاتة أضاعت أختي عن ناظري، واختفت كأنها جنيّة، وأنا بين مصدِّقاً ما رأيت ومكذباً كنت أسبح بعرقي رغم البرد وفمي جاف. عاد صوت أختي الذي لا أزال اسمعه إلى الآن  صارخاً بي (أبي مات يا خليل.. أبونا مات.. الحقني يا مسخّم ، أُركض أُركض أبي مات ..أركض) أتبع صوتها ودبيب خطاها، أَركض منجوماً. يأتيني صوتها من اليمين فأغدّ السير نحوه، من الأمام فأركض لألحق بها، يأتي الصوت من الخلف واليسار فأتبعه، صوتها يحثني على الركض، أركض وأتعثر، أركض وأركض. أنا منذ الصغر أركض، أركض وراء الأغنام والماعز، أركض لأمنع الخراف والجداء من الإختلاط بأمهاتها قبل حَلْبِها، أركض خلف الخيول عندما تفلت من مرابطها مستجيبة لرائحة الأفراس المحمولة بالهواء، وظللت أركض وراء بغال الجيش كي لا تشرد وتضيع، أحياناً أسوطها عندما تحرن وأندم على ذلك.</p>
<p dir="rtl">وقال للماء :أذكر يوم سوقي للجنديّة مع ثلاثة من أبناء الديرة كأنه يوم حشر، النساء يندبن، وأمي تبكي وهي  تخاطب أخي وتلومه ( لماذا لم تدفع عنه البدل ؟ أنت دفعت البدل، وأعفوك من الجنديّة. ابن عمو دفع البدل وما راح الجنديّة.. ليش هو مو أخوك، وله حصة مثل حصتك ؟ بس الله يسامح الحجي سلَّمك كل شيء وقعد كل النهار ينود ويقرا قرآن، ليش القرآن بالقراءة؟ ولّا بالرحمة؟ )</p>
<p dir="rtl">تقطع لومها وشكواها، وتحضنني (مع السّلامة يا خليّل، مع السّلامة ). أَخواتي المتزوجات جِئن للوداع مع أولادهن وأزواجهن، حشد كبير من الرجال واجمون ويفركون أيديهم ببعضها، يدورون حول أنفسهم ويرددون بلا توقف (لا حول ولا قوة إلا بالله) أو ينشغلون بنهر النساء على عويلهن ليظهروا أنهم غير مبالين.</p>
<p dir="rtl">وعندما لاح غبار البوسطة في الأفق الشرقي زاد العويل، ومع اقترابها أكثر وأكثر تحول العويل والنواح إلى ندب ولطم، بعض الرجال تلثَّم بطراف محرمة المركزيت(٦) ليخفي دمعةً نزلت غصباً. وعند توقف البوسطة أمام الحشد مدّ نرسيس الأرمني -مالك البوسطة وسائقها - رأسه وقال : (عرب أنت مهبول، هذا زلمة رايح عالجنديَّة مو رايح يموت، هذا يروح ما يفهم يرجع يفهم). </p>
<p dir="rtl">وقال: هناك في ديرة غير ديرتنا التي نعرفها، سألونا من له دراية ومعرفة برعي البغال وسوقها، قلت أنا، وتمّ تكليفي بها، وقال القائد، بعد أن بصمت على ورقةٍ هذه البِغال أصبحت بعهدتك، تحافظ عليها وترعاها وتسوقها ليلاً كل يومين مرَّة إلى أعلى، إلى ذاك التل، هل تراه؟. تذهب ليلاً  وتعود في الليلة التالية. هناك نبني "حصناً" نراقب منها اليهود، وقال سننقل هذين المدفعين إلى المكان بعد انتهاء البناء. بصمت على ورقة عُهدة تضم أربع بغال، وقلت لنفسي يا أبو علي صحيح البِغال هي البِغال هنا وهناك، لكن هذه بغال الحكومة ليست بغال أهلك، أهلك يسامحونك إذا مرض بغل أو ضاع، أمّا هذه البغال هي جندي مثلها مثلك كما قال القائد. </p>
<p dir="rtl">مرَّت أشهر وأنا أرعى بغال الحكومة، ألفتها وألفتني، وبمجرد شمِّها لرائحتي أو سماع صوتي تتبعني. لم تعد تحرن معي  مثلما تفعل مع الآخرين، ولم أفقد إلا واحداً منها عندما تعثّر ودقت سبطانة مدفع قائمته الخلفية. قلت للضابط أستطيع تجبيره، لم يقتنع وأطلق رصاصةً بين عينيه. </p>
<p dir="rtl">كانت ليلة باردة، وكل شيء حولي كان أسوداً بلون الكُّحل، السماء سوداء والأرض سوداء، الحجارة سوداء والبغال التي أرعاها لونها أسود، منذ مجيئي إلى هذا المكان وأنا أرعاها في الليل والنهار، دربتها على حفظ الطريق الذي نسلكه، وكانت هي من يقودني بطريق العودة إلى المكان. إلا تلك الليلة التي أيقظتني بها أختي "خزنه" ولحقت بها، ليلةَ  ضاعت بغالي وضعت، عدت باحثاً عنها ولم أجدها، درت في العِتْمة ولم أجدها. البرد جمَّد أطرافي، والخوف من شرودها تجاه اليهود شلّ تفكيري. صوت دبيب حوافرها يتناهى إلى سمعي ويجرني نحوه، وعويل أختي مع أصوات بكاء ونواح واستغاثة تحوّل إلى فحيح في أذني جعلني أدور في المكان وحول نفسي. لا أذكر كم لبثت في الركض باتجاهات مختلفة تلك الليلة، ولا كم ليلة ضِعْت. ليلتان ثلاث وربّما أربع ليالي. وعندما وجدوني وأنا أرعى العشب من الجوع، أحاطوا بي ضربوني و كبلوني وقالوا لي يا فراري يا خائِن أين البغال؟ وقرروا أنني بعتها لليهود! </p>
<p dir="rtl">وقال: وجدتُ نفسي في السَّاحة بين خيام المعسكر وأذني اليمنى مدقوقة بمسمارٍ على عمود العلم. لم أستطع التزحزح من مكاني، وكل حركة كانت تسبب لي ألماً شديداً، وكان هناك دم جامد يمتد أسفل أذني. أمنيتي أن أجلس. أحاول الجلوس، لكن الألم يرجعني إلى الغيبوبة وفقدان الوعي. أصحو وتعاودني الرغبة في الجلوس، وبدون أي محاولة وبمجرد مرور الرغبة بالجلوس في  خاطري، يغمى عليّ وأدخل إلى غيبوبة جديدة، ومرة بعد مرة بين رغبة بالجلوس وفقد الوعي، هذيت أو حلمت أن تدَقْ أذني وأنا جالس، لكنهم ضحكوا مني في الحلم وقالوا ( خاين، باع بغال الجيش لليهود ويريد الجلوس)  وأغرقوني بالبُصاق. بعدها لم أجرؤ حتى على طلب الذهاب إلى الخلاء، فسال ماء دافئ  أدفأ قدميّ المتجمدتين من البرد للحظات، ولا أذكر لماذا أغرقوني بالماء بعد أيامٍ من صلبي على عمود العلم وهم يغطون أنوفهم؟</p>
<p dir="rtl">لم ارتعب، وربما لم أصحو لأدرك ما أنا به كي أرتعب، كانت الجبال ترقص حولي، والحجارة السوداء تكلمني، وكنّا أنا وثلاثة بغال نطير في السماء، قدماي تلامسان الأرض، أحياناً، أجفل من برودتها وأعاود الطيران مع  البغال الثلاث باحثاً عن البغل الرابع، وكانت الغيوم تسقط عليّ، عندما جاء ملكان ومدداني على فراشٍ قطعا يديّ ورجلي وأدفآها، وأطعماني طعاماً لم أذقه بحياتي.</p>
<p dir="rtl">أحياناَ في ذروة هذيانه المحموم يَجْفَل ويلمّ قدميه. يتزحزح من مَطرحِه طاوياً جسده. ويدفن رأسه بحضنه. يلتقط حجراً وبجمع يديه يضرب رأسه حتى يدميه. ويبدأ بجعيرٍ مخيف. هاذراً (مو آني، مالي علاقة، لم أفعل شيئاً، هذا دم، هذا دم كثير،هذا دم كثير) مشيراً إلى ماء آلگولة.</p>
<p dir="rtl">وبراحة كفه يسدّ  أُذنه المَصْلومة والمُكَرمَشه كقطعة دهنٍ امتصها الذُّباب.</p>
<p dir="rtl"> نتجمد من الخوف وتهبط قلوبنا من جعيره، وفجأةً ينهض ويرفس سطح الماء بقدمه، صارخاً (يا كلاب هذا دم، هذا دم كثير، غطوا الدَّم بالتراب!.. حرام غطوا الدَّم بالتراب! ادفنوا الدم كي لا تلعقه الكلاب..الكلاب تَنْكَلِبْ إذا لعقت الدم، غطوا الدّم مثل دم أضاحي العيد، هذا دم ادفنوه بالتراب وأنا مو مجنون)</p>
<p dir="rtl">عندما يدخل في نوبته هذه  كنّا نسدّ آذاننا، كما يسد إذنه المَصْلومة، ونتمنى أن يهدأَ ويصمت، ليس تعاطفاً ورأفةً بحالهِ وإنما صمته يُذهب خوفنا.</p>
<p dir="rtl"> فجأةً ينهدُّ كما ثار متابعاً هذيانه مواصلاً تَذَكُّر ماذا جرى له. وقتها لم يكن أحداً يعرف أنه ارتحل بدون بغاله  قبل شهرٍ من ضياعه وضياعها، مع مدفعين بشاحنةٍ إلى اتجاه آخر غير اتجاه التَّلّة التي يُبنى فوقها الحِصن، وبمسافةِ أبعد منها وأعمق، إلى الوراء، إلى الداخل، إلى طرف مدينة السويداء.</p>
<p dir="rtl">تَذكُّر تختلط  فيه أصوات قذائف المدافع والطائرات مع نواح أخته ودربكة حوافِر البغال وعويل القتلى، لينتهي بنجمٍ أخضر يقوده ويسير به على وجه الماء، ويضعه على طرف آلگـولة غافياً كجييفةٍ حملها الماء من مكان بعيد، وألقاها على حافته، وعندما تبدأ الكلاب بنهش الجيفة الملقاة، يستفيق. </p>
<p dir="rtl">تذكُّرهُ هذا الذي يتكرر كل يوم في الصحو أثناء تجواله حول آلگولة ويأتيه في أحلامه ،رواه مرة ً لجدي بعد سنواتٍ وسنوات على شكل حلمٍ يزوره بشكل متكرر كي يكتب له حجاباً. </p>
<p dir="rtl">خلال سنوات إخضاعه والعمل على إعادة عقله كان يتم إخفاءه في قاووش البِغال ومنعه من الخروج نهائياً خاصةً عندما يوجد ضيوف في الأوضة؛ فمن العار على العائلة أن يكون لديها رجل مجنون! </p>
<p dir="rtl">في مكان إخفائه هذا عن الأعين الغريبة، كنا نَتَلصص عليه ونراقبه حذرين ممنين أنفسنا أن نحظى ولو مرة واحدة برؤية زوجته السعلوة وأولاده، لم يحالفنا الحظ، لكن مرة رأيناه وقد عرى نصفه الأسفل برفع ثوبه إلى الأعلى مباعداً ساقيه عن بعضهما، ويده تهتز بحضنه بحركةٍ سريعةٍ، كنا متأكدين أن السعلوة بحضنه لكننا لا نستطيع رؤيتها، ولمّا انهمد واستلقى على ظهره كاشفاً لنا ماذا كان يهز بيده، أدركنا ما كان يفعل. وكشيءٍ غامضٍ لم ندرك مبعثه انتابنا شعور بالخجل والعيب، خاصةً، لمشاركة مجايلاتنا البنات في تلصصنا ورغبتهن في رؤية السعلوة أيضاً، التي لم تكن  لحظة انهماده، وخرجنا من مشاهدتنا تلك بإحساسٍ مبكر أننا نغادر سن الطفولة.</p>
<p dir="rtl">بعد مرور وقت لم نَتَبيّنه تماماً لانشغالنا بهموم جديدة،مثل كتابة الوظائف المدرسية وتكليفنا برعي البَهْم(٧) في الربيع، والمشاركة بالحصاد ودرس البيادر في الصيف، وارتقاء مخاوف جديدة سيطرت على حياتنا كالخوف من أستاذ المدرسة الذي استقرّ الأوضة، وكأن الله سلطه علينا فقط ليراقب لعبنا، وينغص حياتنا داخل المدرسة وخارجها، كما كانت السعالي تؤرق حياتنا ليلص ونهاراً. في هذا الوقت تمَّ التخلي عن ربط العم خليل بزَرَد ِالحديد، ولم يعد أحداً يضربه، وأصبح كائناً غير مرئي لا يثير اهتمام أحد، وتحوّل هو إلى شخص هادئ زائغ النظر، يهرب من النَّظر في وجه مُحدِّثه، ويَكُدَّ بأي عمل يتم تكليفه به دون أي اعتراض منه، يطيّن الدور، ويَدْرس البيادر ويسقي القطن، واعفي من الرعي والعناية بالبغال والأغنام والكدش باتفاق ضمني.</p>
<p dir="rtl">ولمّا آنسناه وآنسنا ورحنا نلتقي به، نحن نرعى أغنامنا، وهو يسقي القطن، كان لدينا أملٌ بعد تخلينا عن فكرة ضَبْطه بمعاشرة السّعلوّة أنْ نرى أذنه المصلومة. </p>
<p dir="rtl">في البداية كنّا حذرين من الاقتراب منه، فذاكرتنا مليئة بالخوف منه، لكنه بادرنا ذات مرة وأوما لنا عندما كنا نبحث عن أعشاش الصَّعو والقطا على كتف الوادي الذي يفصل بين مكان الرعي وحقل القطن الذي يسقيه، اقتربنا منه مترددين. </p>
<p dir="rtl">قال لنا:الصَّعو يبني عشَّه عند أسفل نباتات القندريس والبِّلان والعاقول، ليحتمي بها، وعندما تهجس الصَّعوةِ اقتراب خطرٍ من عُشّها، تفرّ من المكان، وتُحلِّق عالياً، ثمّ تخرًّ مهاجمة الخطر المقترب من عشّها. أما القطا لا تبني أعشاشاً، هي تبعد الحصى والحجارة برجليها وجناحيها ليصبح المكان تراباً ناعماً تبيض فوقه. وبقدرة الله بيضها بلون المكان. عيون الناس لا تستطيع التفريق بين بيض القطا والحصى المحيطة بالمكان. والقطاة تظل راقدة على بيضها، ولا تراها إلا عندما تدرج مسرعةً من مكانها عندما يقترب منها أحد، وتبدأ بمناورة تفوز فيها بشكلٍ دائم، فهي بدايةً تدرج على الأرض بتثاقل لتلحق بها، وعندما تقترب منها تفرُّ لمسافة قصيرة ثم تعاود التًدّرج لخطوات قليلة، ثم تفر وتدرج حتى تبعد الخطر عن مكان عشُّها.</p>
<p dir="rtl">وقال عندما تجدون عش قطاةٍ أو صَعوة أعلِّمكم كيف تربطون " الجلاعيط " في أعشاشها حتى تكبر. شَغَفَنا بما قاله أبعد عنا توجسٍ منه،وأصبحت مناداته "بعمو خليل " تجري على ألسنتنا كأنها لم تكن إلا ذلك.</p>
<p dir="rtl">طيلة سنوات عمره التالية لفترة "جنونه" فُرِضَ عليه العيش كرجلٍ فاقد الأهلية، وتم تبصيمه على توكيلٍ لأصغر إخوته بالتصرف بحصته من الأرض التي ورثها من أبيه، وكلما أراد أخاه بيع قطعةً من أرض العم خليل، يروّج أنّه وجد له عروساً درويشه مثله. تباع الأرض ويُقبض ثمنها ولا تظهر العروس الدرويشه.</p>
<p dir="rtl">في نهاية ربيع عام 1989، في يوم شاركت السماء في أسوء ما لديها، بإثارة غبار كثيف تحوّل فيه النَّهار إلى ليل، ضاق صدر العم خليل المنهك بفعل الربو وبفعل المتعة الوحيدة التي حصل عليها طيلة حياتة ، باكيت غازي يومياً ، توقف قلبه ومات.</p>
<p dir="rtl">أثناء غسل جسده قبل دفنه رأينا لأول مرة أذنه المصلومة والمكرمشة كجلد حبة تين جاف، وفي وسطها ثقباً يخرج منها شعر أسود كثيف.</p>
<h5 dir="rtl">
<strong>هوامش</strong></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(1)الـگُـردة: سيف قصير النصل  مكتوب عليه "الشهاب الثاقب " </span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(2) آلگـولة: أرض منخفضة وسط القرية تمتلئ بمياه أمطار الشتاء وتستمر حتى نهاية الربيع.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(3) الهِبريّة : غطاء رأس للنساء، مصنوع من الحرير، له عدة ألوان </span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(4)النُصِيّة:مكيال للحبوب، وهي عبارة عن وعاء خشبي دائري الشكل، محاط طرفه الأعلى بسوارٍ من حديد، ويقطع قطرها الأعلى شريط حديدي أيضاً .</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(5) الجابية حوض متطاول من الإسمنت أو الصخر المنحوت؛ يُملأ بماء البئر لسقي الدواب والخيول.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(6) المركزيت: اسم ماركة لغطاء الرأس الرجال في الصيف، أبيض اللون رقيق القوام، يستبدل بالجمدانة الزرقاء أو الحمراء في الشتاء.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">(7) صغير الضان ( ذكور وإناث ) .. وكنّا نطلقها على صغار الأغنام والماعز، عندما يتم فصلها عن أمهاتها طيلة النهار ويسمح لها مرتين أو ثلاث بالاختلاط مع الأمهات نصف ساعة كل مرة للرضاعة.   </span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21005">العم خليل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-17 07:16:02 by W3 Total Cache
-->