<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>علي زبيدات - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/fgbjgfbmnkjrommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/fgbjgfbmnkjrommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 10 Jan 2026 09:38:05 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>علي زبيدات - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/fgbjgfbmnkjrommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>تأملات لسانية في معاني الهيمنة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37180</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[علي زبيدات]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 02 Jan 2026 17:59:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37180</guid>

					<description><![CDATA[<p>تتصدّر كلمة الهيمنة في العقود الأخيرة الخطاب الثقافيّ والسياسيّ والإعلاميّ العربيّ، حتّى غدت من أكثر المصطلحات تداولًا في الحديث عن النفوذ، والسلطة، والتأثير، والعلاقات غير المتوازنة بين الدول أو الجماعات أو حتّى الأفراد. ويكاد المتابع يلحظ أنّ الكلمة باتت تُستخدم على نحو يكاد يكون مترادفًا مع السيطرة القهريّة، أو الغلبة المفروضة بقوّة المال أو السلاح [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37180">تأملات لسانية في معاني الهيمنة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>تتصدّر<span style="font-weight: 400;"> كلمة </span>الهيمنة<span style="font-weight: 400;"> في العقود الأخيرة الخطاب الثقافيّ والسياسيّ والإعلاميّ العربيّ، حتّى غدت من أكثر المصطلحات تداولًا في الحديث عن النفوذ، والسلطة، والتأثير، والعلاقات غير المتوازنة بين الدول أو الجماعات أو حتّى الأفراد. ويكاد المتابع يلحظ أنّ الكلمة باتت تُستخدم على نحو يكاد يكون مترادفًا مع السيطرة القهريّة، أو الغلبة المفروضة بقوّة المال أو السلاح أو المعرفة، الأمر الذي ولّد في الوعي المعاصر انطباعًا راسخًا بأنّ “الهيمنة” لا تعني سوى التسلّط والاستحواذ. غير إنّ هذا المعنى الذي شاع اليوم لا ينسجم تمامًا مع تاريخ الكلمة في العربية، ولا مع جذرها اللغوي ومعانيها الأولى، ولا مع طبيعة حضورها في النصوص المقدّسة والمعاجم التراثيّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتنبع أهمّية الوقوف عند هذا المصطلح من أنّه يمثّل منطقة التقاء بين </span>الدلالة التراثية<span style="font-weight: 400;"> التي حملت معاني الرعاية والحفظ والأمان، و</span>الدلالة الحديثة<span style="font-weight: 400;"> التي قد تكون مُتأثّرةً بالترجمة عن اللغات الأوروبيّة، خاصة بعد انتشار مصطلح </span><span style="font-weight: 400;">Hegemony</span><span style="font-weight: 400;"> في الفكر السياسيّ الحديث، ما جعل اللفظة العربيّة تحمل أثقالًا مفهوميّة لم تكن ضمن حقولها الأصليّة. وهكذا صار المصطلح ساحةً تتجاور فيها طبقات متراكبة من المعاني، بعضها نابع من تاريخ العربيّة، وبعضها الآخر وافد يحمل معه حزمة من الأفكار حول السلطة والوعي والبُنى الثقافيّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تظهر كلمة </span>الهيمنة<span style="font-weight: 400;"> اليوم في طيف واسع من الخطابات، فهي تُستعمل في الإعلام لوصف النفوذ السياسي والعسكري للدول الكبرى، كما في عبارات مثل </span><span style="font-weight: 400;">هيمنة القوى العظمى على النظام الدولي</span><span style="font-weight: 400;">، وترد في التحليلات الاقتصاديّة للدلالة على احتكار الأسواق أو تدفّق رأس المال، وفي النقاشات الثقافيّة عند الحديث عن تأثير نماذج معرفيّة غربيّة على إنتاج المعرفة في العالم العربيّ، بل تمتدّ إلى الحقول الاجتماعيّة لوصف علاقات غير متوازنة بين الفئات أو المؤسّسات، حتّى غدت الكلمة إطارًا تفسيريًا جاهزًا يُستدعى كلما طُرحت مسائل السلطة أو التأثير أو اللامساواة، الأمر الذي يعكس حضورها الكثيف ومرونتها المفهوميّة في الخطاب المعاصر.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الجذور السامية القديمة للكلمة وإعادة قراءة معناها</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحين نعود خطوة إلى الوراء، خارج حدود العربيّة، لملاحقة أثر اللفظة في اللغات الساميّة الشقيقة، نجد أنّ الكلمة التي تشبه صيغة </span>هيمن <span style="font-weight: 400;">أو جذرها</span> همن<span style="font-weight: 400;"> في الآرامية والعبريّة قد أثارت اهتمام الدارسين منذ أوائل القرن العشرين. فاللفظة الآرامية </span>hmnʼ<span style="font-weight: 400;">، ومعادلها العبري </span>ḥammān / חמן<span style="font-weight: 400;">، كانت تُفسَّر طويلًا في النقوش والآثار التدمريّة على أنّها </span>مِبخرة<span style="font-weight: 400;"> أو «أداة بخور» تُستخدم في الشعائر الدينيّة. وقد ترسّخ هذا الفهم بعدما قدّم </span>هارالد إنغولت<span style="font-weight: 400;"> قراءة مبكّرة لنقش تدمريّ على مذبح محفوظ في متحف آشفمولين بأكسفورد، ورأى أنّ الكلمة تشير إلى حامل البخور المصوَّر على جانب المذبح. ثم تبنّى باحثون لاحقون هذا الرأي، لتستقرّ اللفظة بهذا المعنى في عدد من المعاجم التفسيريّة الكبرى المختصّصة باللغات الساميّة الغربيّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غير أنّ هذا التفسير لم يصمد أمام مراجعة لغويّة وأثريّة أدقّ. فقد أعاد </span>حن يان دريفرس <span style="font-weight: 400;">فتح الملفّ في دراسة متخصّصة، مستفيدًا من اكتشافات أثريّة جديدة في معبد الإلهة اللات في تدمر، ولاحظ أنّ السياقات النقشيّة نفسها تُحيل إلى </span>وحدة معماريّة كاملة<span style="font-weight: 400;"> وليس إلى أداة صغيرة. فالصيغ التي تتحدث عن «صنع» الـ </span>hmnʼ<span style="font-weight: 400;"> و«إهدائه» هي صيغ تُستخدم عادةً في تدمر للدلالة على منشآت دينية قائمة بذاتها، مثل البَهو والمصلّى الداخلي، لا على أدوات تُحمَل باليد. كما إنّ الكتل الحجريّة التي تحمل النقوش تشير إلى بناء ذي حجرة داخليّة، يقف أمامه مذبح في الهواء الطلق، وهي معطيات لا يمكن أن تنطبق على «مِبخرة». ومن هنا خلص دريفرس إلى أنّ معنى الكلمة هو </span>مصلىً صغيرًا أو موضعًا مقدسًا مُسوَّرًا <span style="font-weight: 400;">داخل حرم المعبد.<sup class="modern-footnotes-footnote modern-footnotes-footnote--hover-on-desktop ">1</sup></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتزداد أهمية هذا التصحيح حين نلاحظ أن دريفرس ربط الكلمة بجذر ساميّ يفيد الحماية والإحاطة، لا بالجذر الذي يفيد الاحتراق أو التبخير. وهنا يبرز التقاطع مع العبرية بصورة جلية؛ إذ تُعَدّ كلمة </span><span style="font-weight: 400;">חומה</span><span style="font-weight: 400;"> (ḥomāh)، بمعنى السور أو الجدار الحامي، من أبرز النظائر السامية التي تُلامس هذا الحقل الدلالي. فهذا الربط لا يقوم على التشابه الصوتي وحده، بل على الوظيفة الطقسيّة والمعماريّة المشتركة: مكان يفصل بين المقدّس وما حوله، ويحميه بجدارٍ أو إحاطةٍ تشكّل حَدَّهُ ورمزيته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويتعمّق هذا الحقل الدلالي أكثر حين ننظر في العربية إلى كلمة حِمى -وهي من الجذر نفسه- التي تعني المنطقة المحميّة الممنوعة على غير أهلها، سواء كانت أرضًا أو موضعًا ذا قداسة. فالصلة بين ḥmnʼ الآرامية وḥomāh العبرية وحِمى العربية هي علاقة بنية تصوّرية تشترك فيها اللغات الساميّة: التحصين، الإحاطة، المنع، الحفظ، والحماية. ومن ثمّ يبدو أنّ الدلالة القديمة لهذا الجذر تدور في فلك رعاية الموضع المقدّس وإحاطته بسياج يحميه، قبل أن تتطور في العربية لاحقًا إلى معنى الإشراف والحفظ، ثم في العصر الحديث إلى معنى السيطرة والنفوذ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّ إعادة قراءة هذا الامتداد السامي القديم لا تساعد فقط على تصحيح خطأ دلالي شائع، بل تفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة تطوّر الكلمات عبر الثقافات والطقوس والعقائد. فالهيمنة، في صورتها الأولى في اللغات السامية، لم تكن قهرًا أو استحواذًا، بل </span>إحاطةً بالحماية<span style="font-weight: 400;">، ورعايةً للحدود، وفصلًا بين المقدس والعادي. وهذه الفكرة -على قدمها- تُمهِّد الطريق لفهم التحولات اللاحقة في العربيّة حين انتقلت الكلمة من فضاء الحماية إلى فضاء السلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا عدنا إلى السياق العربي الخالص، بدا جذر </span>أمِنَ<span style="font-weight: 400;"> من الجذور المركزية في بناء الدلالة المتعلّقة بالطمأنينة، والرعاية، والحفظ. فهذا الجذر في العربية -كما في اللغات السامية الأخرى- يحمل معنى زوال الخوف ووجود</span> <span style="font-weight: 400;">الحماية، وهو المعنى الذي نجده في “الأمْن”، و“الأمان”، و“المؤتمن”، و“المأمَن”. ومن اللافت أن المعاجم العربية التقليدية كثيرًا ما تربط مفهوم الأمن بـ“المكان المحميّ”، وهو ما يتلاقى مع فكرة </span>الحِمى<span style="font-weight: 400;"> في العربية، أي </span><span style="font-weight: 400;">المنطقة المصونة التي تُمنع على غير أهلها</span><span style="font-weight: 400;">، سواء كانت حرماً دينيًّا، أو حمى قبليًّا، أو أرضًا لا يجوز تجاوزها. وهذا الامتداد الدلاليّ -الذي يجمع بين الحماية والمعنى المكاني- يقربنا أيضًا من معنى </span>السور<span style="font-weight: 400;"> في اللغات السامية الأخرى مثل العبرية </span>חומה (ḥomāh)<span style="font-weight: 400;">، ما يعزز الفكرة أنّ الجذر السامي المشترك يدور حول </span>الحفظ، والحدّ، والإحاطة، والرعاية<span style="font-weight: 400;">.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ضمن هذا الإطار، فهم القدماء الكلمة </span>همن<span style="font-weight: 400;"> بوصفها امتدادًا من جذر </span>أمِن<span style="font-weight: 400;"> بعد تحوّلات صوتية وصرفية دقيقة. وقد تناول </span>محمد الطاهر ابن عاشور<span style="font-weight: 400;"> هذا الاشتقاق في كتابه التحرير</span><span style="font-weight: 400;"> والتنوير</span><span style="font-weight: 400;"> مناقشًا أقوال اللغويين العرب في أصل الكلمة. يذكر ابن عاشور أنّ </span>المُهَيْمِن<span style="font-weight: 400;"> في لغة قريش يعني </span><span style="font-weight: 400;">الرقيب</span><span style="font-weight: 400;">، وفي لغة بقية العرب يعني </span><span style="font-weight: 400;">الحافظ</span><span style="font-weight: 400;">، ما يدلّ على ارتباط الكلمة بوظيفة </span>الإشراف والحامية. <span style="font-weight: 400;">وهو معنى ينسجم تمامًا مع السياق القرآني الذي ترد فيه اللفظة وصفًا لله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الحشر 23).  ووصفًا للقرآن الكريم: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (المائدة 48).<sup class="modern-footnotes-footnote modern-footnotes-footnote--hover-on-desktop ">2</sup> </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويرى ابن عاشور أنّ هذا المعنى ينسجم مع الاشتقاق من فعل </span>آمَنَهُ عليه<span style="font-weight: 400;"> أي </span><span style="font-weight: 400;">استحفظه إياه</span><span style="font-weight: 400;">، لأنّ الرقابة والحفظ هما </span>لازم<span style="font-weight: 400;"> الاستئمان، أي أثره الدلالي الطبيعي. ومن هنا تأتي دقّة القلب الصوتي؛ إذ يوضح ابن عاشور أنّ العرب قصدوا من هذا التحويل أن ينشئوا صيغة مستقلّة تُفَرّق بين «مؤمن» بالمعنى العقدي وبين الصيغة التي تؤدّي معنى الرعاية والإشراف، حتّى لا يلتبس المعنى الدينيّ بالمعنى اللغويّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويرى ابن عاشور أنّ هذا القلب -على ندرته- ليس غريبًا على العربية، فقد جاء نظيره في تحويلهم </span>أراق<span style="font-weight: 400;"> إلى </span>هَرَاق<span style="font-weight: 400;">، كما نقل ذلك </span>الجوهري<span style="font-weight: 400;"> في </span><span style="font-weight: 400;">الصحاح</span><span style="font-weight: 400;">. وهذا المثال يقوّي إمكان وقوع التحويل من </span>مُؤَأْمِن<span style="font-weight: 400;"> إلى </span>مُهَيْمِن<span style="font-weight: 400;">، خصوصًا حين تكون الحاجة المعنوية قائمة لإنشاء صيغة ذات وظيفة دلاليّة مخصوصة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا يُفهَم «المهيمن» على أنّه </span>القائم بالحفظ والرعاية والإشراف المُطَمْئِن<span style="font-weight: 400;">، وهو معنى يتّسق مع أصل الجذر (أمِنَ) الذي يقوم على نفي الخوف وإثبات السكينة، ومع المعنى الساميّ القديم المتعلّق بالإحاطة والحماية، كما رأينا في الآراميّة والعبريّة. وهكذا تتقاطع الدلالة اللغويّة مع الدلالة النصّية: فالله تعالى «مهيمن» على خلقه أي رقيبٌ حافظٌ، والقرآن «مهيمن» على ما سبقه من الكتب أي شاهدٌ أمينٌ ورقيبٌ على ما تضمّنته من الحقّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويعزّز هذا التوجّه الاشتقاقي ما يورده الزبيدي في "</span><span style="font-weight: 400;">تاج العروس"</span><span style="font-weight: 400;">، إذ يذكر من شواهد الاستعمال قولهم: "هَيْمَنَ الطيرُ على فراخه"، أي رفرف عليها وحماها. وهذا المثال -على بساطته- يعكس بُنية دلالية مطابقة لما ينتج عن الاشتقاق من الجذر أمِنَ؛ فالفعل هنا يدلّ على الإحاطة الحامية، والرعاية المعنوية، والرقابة المشفوعة بالعطف، وهي جميعها لوازم معنويّة ظاهرة لمفهوم الأمن.<sup class="modern-footnotes-footnote modern-footnotes-footnote--hover-on-desktop ">3</sup>  ومن ثمّ تعضد هذه الشواهد المعجميّة ما ذهب إليه ابن عاشور واللغويّون قبله من أنّ صيغة المهيمن تقوم في أصلها على معنى الاستئمان والاستحفاظ قبل أنْ تستقرّ في دلالة الرقابة والحفظ، بما يربط بين التحوّل الصوتي في الكلمة والدلالة الساميّة المشتركة التي تجمع فكرة الحماية والإحاطة.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>التحوّل الدلالي الحديث نحو معنى السيطرة والنفوذ وتأثير مصطلح Hegemony</strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع الانتقال إلى العصر الحديث يتبدّى تحوّل دلالي لافت في كلمة </span>الهيمنة<span style="font-weight: 400;">؛ إذ انتقلت من مجالٍ واسع تنتظم فيه معاني الحفظ، والرعاية، والإحاطة، والأمان -وهي جميعًا ظلالٌ متجانسة مع أصلها الساميّ والعربيّ- إلى مجالٍ جديد تُستعمل فيه الكلمة للدلالة على النفوذ، والتسلّط، والتحكّم البنيوي سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة. وليس هذا التحوّل انتقالًا بسيطًا من معنى إلى آخر، بل هو قفزة دلاليّة تثير أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة: كيف تتبدّل الكلمة من فضاء الأمان إلى فضاء السيطرة؟ ومن الحماية إلى القدرة؟ ومن الرعاية إلى الغلبة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويبدو أنّ جزءًا من هذا الانزياح يمكن إدراكه في ضوء الاحتكاك العميق بالمصطلح الغربي </span>Hegemony<span style="font-weight: 400;">، الذي اكتسب حضورًا واسعًا في الفكر السياسيّ، ولا سيّما في التحليل الماركسيّ والغرامشي. فمن اللافت أنّ هذا المصطلح، على الرغم من اختلاف جذره الإغريقيّ، يحمل في بنيته الصوتيّة إيقاعًا قريبًا من كلمة </span>هيمنة<span style="font-weight: 400;">، وهو تقارب لا يصنع علاقة اشتقاق، ولكنه قد يخلق نوعًا من </span>الاستعداد النفسيّ<span style="font-weight: 400;"> لتلقّي اللفظة العربية بمعاني السلطة والنفوذ والغلبة، خاصة عندما تُستخدم بوصفها الترجمة الأشيَع للمفهوم السياسيّ الغربيّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإزاء هذا التداخل، لا يمكن الجزم بأنّ التحوّل الدلالي كان نتيجة مباشرة لهيمنة المصطلح المترجَم، أو أنّه تطوّر داخليّ في بنية الاستعمال العربيّ الحديث؛ فربما كان الأمر نتيجة التقاء عاملين: أوّلهما سياق سياسيّ وثقافيّ أصبح فيه الحديث عن السيطرة والقوة مركزيًّا، وثانيهما التقارب الصوتيّ والإيقاعيّ الذي ساعد على استثمار الكلمة العربية في هذا الحقل الجديد من الدلالات. ومن هنا تنشأ غرابة المسار: كلمة جذورها المتوارثة تشير إلى الحماية والطمأنينة، تتحوّل اليوم إلى حاملٍ لمعانٍ تقف على النقيض تمامًا مثل الغلبة والتغوّل والسيطرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولعلّ هذا الانزياح يكشف عن ظاهرة لغوية أوسع: أنّ الكلمات لا تبقى أسيرة أصولها الدلالية، وأنّ الحقول السياسية والثقافية قادرة على إعادة تشكيل المفاهيم لتخدم حاجات عصرها، حتّى وإن كان ذلك على حساب الانسجام التاريخي للفظ. وربما كان من المشروع أن نتساءل -دون ادّعاء جواب نهائي- هل نحن أمام تطوّر طبيعي في تاريخ المصطلح، أم أمام استيرادٍ دلالي أُقحِم على الكلمة بفعل الترجمة والتثاقف، أم أمام تفاعل معقّد بين الاثنين؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومهما يكن، فإنّ هذا التحوّل يظلّ علامة بارزة على قدرة اللغة العربية على امتصاص مفاهيم جديدة وإعادة صوغها، لكنه يظلّ أيضًا دعوة لإعادة تأمّل المسافة بين </span>الهيمنة الحامية<span style="font-weight: 400;"> في أصلها، و</span>الهيمنة القهرية<span style="font-weight: 400;"> في معناها الحديث، تلك المسافة التي لا تزال مفتوحة للتفكير.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;">هوامش</span></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;Han J. W. Drijvers, “Aramaic HMNʼ and Hebrew HMN: Their Meaning and Root,” Journal of Semitic Studies 33, no. 2 (1988): 165–179</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;محمد الطاهر ابن عاشور. التحرير والتوير. تونس: الدار التونسيّة للنشر، 1984. يُنظر في تفسير الآيتيْن المذكورتيّن.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;مُرتضى الزُُبيدي. مُعجم تاج العروس من جواهر القاموس. دمشق: دار الفكر، 1994. ج. 18. ص. 588.</div><p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37180">تأملات لسانية في معاني الهيمنة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;بذرة التين المقدسة&quot;: سمكة من الكذب وحوت من الحقيقة </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35873</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[علي زبيدات]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 17 Jul 2025 08:07:14 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35873</guid>

					<description><![CDATA[<p>فيلم بذرة التين المقدّسة (The Seed of the Sacred Fig) هو أحدث أعمال المخرج الإيراني محمد رسولوف، عُرض لأول مرة في الدورة 77 من مهرجان كان السينمائي في مايو 2024، ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصّة، وكان من بين أكثر الأفلام إثارة للجدل في هذه الدورة بسبب خلفيته السياسية وظروف إنتاجه. أُنجز الفيلم سرًّا داخل إيران، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35873">&quot;بذرة التين المقدسة&quot;: سمكة من الكذب وحوت من الحقيقة </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">فيلم بذرة التين المقدّسة (The Seed of the Sacred Fig) هو أحدث أعمال المخرج الإيراني محمد رسولوف، عُرض لأول مرة في الدورة 77 من مهرجان كان السينمائي في مايو 2024، ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصّة، وكان من بين أكثر الأفلام إثارة للجدل في هذه الدورة بسبب خلفيته السياسية وظروف إنتاجه. أُنجز الفيلم سرًّا داخل إيران، في ظلّ منع رسمي للمخرج من العمل والسفر، وقد اضطرّ لاحقًا إلى الهروب من البلاد قبيل عرض الفيلم في المهرجان. يروي الفيلم قصّة عائلة إيرانية من الطبقة الوسطى، تتكوّن من أب يعمل محققًا في جهاز قضائي تابع للنظام، وأم وابنتين في مرحلة الدراسة، تعيش في ظلّ تصاعد الاحتجاجات الشعبية في إيران عام 2022. تتعقّد الأمور بعد اختفاء مسدس الأب من المنزل، ما يهدّد مستقبله المهني ويزرع الشك داخل العائلة، فيُخضع زوجته وابنتيه لتحقيقات قاسية، تنقل العنف السلطوي من الشارع إلى قلب البيت. ومع تصاعد الضغط والتوتر، تنكشف التصدّعات العميقة في علاقات الأسرة، وتنهار صورة الأب الراعي لتُستبدل بصورة الجلّاد، في سردية مأساوية تكشف كيف يُعيد النظام إنتاج قمعه داخل أدقّ البُنى الاجتماعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتميّز الفيلم بكونه دراما سياسية–عائلية، تُعرض من منظور داخلي حميم، وتتناول تداعيات احتجاجات "امرأة، حياة، حرّية" التي انطلقت عقب مقتل مهسا أميني عام 2022. الفيلم من بطولة ميثاق زارع في دور الأب، إلى جانب سهيلا گلستاني ومهسا رستمي، ويمزج بين التصوير الروائي والمشاهد الوثائقية، إذ يدمج لقطات حقيقية من التظاهرات داخل السرد الدرامي، ما يُكسبه طابعًا تسجيليًا مؤثّرًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الفيلم من إنتاج ألماني–فرنسي–إيراني مشترك، ويمتدّ لحوالي 168 دقيقة، وقد لاقى اهتمامًا واسعًا من النقّاد حول العالم، سواء في المهرجانات أو في الصحافة السينمائية، واعتُبر واحدًا من أقوى الأصوات السينمائية في مواجهة الاستبداد السياسي والديني في إيران المعاصرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حَظي الفيلم بكمٍّ كبير من النقد، بفعل ما أثاره من أسئلة شائكة حول السلطة وممارساتها القمعيّة. وقد تباينت القراءات بين من رأى فيه إدانة شجاعة للنظام، ومن اتّهمه بالتماهي مع سرديات جاهزة تخدم أجندات خارجية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أَتَفِقُ مع قدرٍ غير قليل من النقد الذي وُجّه إلى فيلم </span><i><span style="font-weight: 400;">بذرة التين المقدّسة</span></i><span style="font-weight: 400;"> بوصفه عملاً يتماهى، بوعي أو بدونه، مع الإجماع الغربي في تصوير إيران من زاوية استشراقية محمّلة بالحكم الأخلاقي المسبق. وقد عبّر عدد من النُّقّاد عن هذا التوجّه بنقد لاذع للفيلم، معتبرين الفيلم مجرّد «ريبورتاج أوروبي» مدعوم بمشاهد تمثيلية، يُشبع رغبات جمهور مهرجانات غربي يتعطّش لكلّ ما يُدين النظام الإيراني، لا من منطلق سينمائي، بل سياسي وأيديولوجي. في هذا السياق، يُصبح رسولوف "إيرانيًا جيّدًا" في عرف الغرب: معارضًا، مقموعًا، ناطقًا بلغة الضحيّة القابلة للتكريم ما دامت لا تُخالف سرديّة المركز الأوروبي، الذي يمنح جوائزه لأولئك الذين يُعارضون أنظمتهم حين تكون هذه المعارضة مُتناغمة مع مصالحه وتصوراته.<sup class="modern-footnotes-footnote modern-footnotes-footnote--hover-on-desktop ">1</sup></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع ذلك، فإنّني أختار، في هذا المقال، أن أتناول </span><i><span style="font-weight: 400;">بذرة التين المقدّسة</span></i><span style="font-weight: 400;"> بصفته نصًّا سرديًّا نابعًا من قلب بنية اجتماعية ونفسية مضطربة، لا بوصفه منتجًا لمجرد التصدير السياسي أو مطابقة لتوقّعات الجوائز. سأقرأ الفيلم باعتباره مرآة لزمن إيراني متشظٍٍّ، وبنية عائلية مأزومة، وسردية سينمائية تختبر العلاقات بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والضمير، من زوايا قد تتقاطع أحيانًا مع النقد السالف الذكر، لكنها تسلك أيضًا مسارات تحليلية موازية تضع الفيلم في قلب سياقه المحلي، لا في واجهة السوق الدولي فحسب.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>بندقية تشيخوف، الرنجة الحمراء ومسدّس الابّ</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بندقية تشيخوف مصطلح سردي - قصصي شهير، يُنسب إلى الكاتب الروسي أنطون تشيخوف، وينُصّ على أنّ كلّ عنصر يُقدَّم في النص يجب أن يكون له دور وظيفي لاحق في تطوّر الحبكة. صيغته الأشهر تقول: "إذا وُضعت بندقية في المشهد الأول، فيجب أن تُطلق في المشهد الأخير". هذا المبدأ يُعارض الزينة السردية غير الضرورية، ويؤكّد على أهمية الاقتصاد الدرامي والترابط الداخلي بين التفاصيل الصغيرة والنتائج الكبرى في السرد. أي أنّ كل تفصيل يُقدَّم مبكّرًا لا بدّ أنْ يُستثمر لاحقًا ليُحدث توترًا أو تحوّلًا في مجرى الأحداث.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُقدَّم المسدس الذي يُسلَّم للأبّ "إيمان" في مشهد مبكّر من الفيلم بوصفه أداة لحمايته الشخصية بعد ترقيته، لكنه ما يلبث أن يختفي من المنزل، ليصبح هذا الغياب نقطة انطلاق لتحوّل السرد بأكمله نحو التوتّر والانهيار. وفقًا لمبدأ بندقية تشيخوف، لا يكون المسدس مجرد تفصيل واقعي مرتبط بالترقية، بل هو الزناد الرمزي الذي يُفجّر الصراع الداخلي داخل الأسرة، ويُعري هشاشة الثقة بين أفرادها. اختفاء المسدس يُشعل سلسلة من الشكوك والاستجوابات، ويحوّل المنزل إلى محكمة مغلقة، تُمارَس فيها سلطة النظام عبر الأب ذاته. هكذا يتحقّق من خلال المسدس المعنى العميق لبندقية تشيخوف: ليس بوصفه أداة تُطلق رصاصة، بل شرارة تُطلق الانهيار الكامل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتجاوز مبدأ "بندقية تشيخوف" في هذا الفيلم حدود العنصر الملموس، كالمسدس، ليصبح تقنية سرديّة تتسلّل إلى الإشارات الضمنية والحوارات والمواقف العائلية، فيُزرَع في ذهن المتلقي توقّع معين يتم خداعه لاحقًا بانحراف الحبكة. وهنا نقترب أكثر من مفهوم "الرنجة الحمراء (</span><i><span style="font-weight: 400;">Red Herring</span></i><span style="font-weight: 400;">) "، وهو مصطلح يُستخدم لوصف تفصيل خادع أو مضلّل يُقدَّم عمدًا داخل السرد ليصرف انتباه المشاهد عن المسار الحقيقي للأحداث أو عن المفاجآت المقبلة. هذه التقنية تُستخدم لإثارة التوتر، وتعميق الغموض، ودفع المشاهد لتبنّي تأويلات مبكرة سرعان ما يثبت خطؤها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهو تمامًا ما يحصل في الفيلم، الذي يوظّف الـ"رنجة الحمراء" لا بوصفها تفصيلًا عابرًا، بل آليةً سرديةً متقنة تُضلّل المُشاهد وتستثمر في افتراضاته المسبقة. يُهيّئ السرد، من خلال لغة الشخصيات وسلوكها ونمط تفكيرها، جميع الشروط التي تدفعنا للاعتقاد بأنّ اختفاء المسدس ما هو إلا مؤامرة داخلية من أحد أزلام النظام، ربما لتوريط "إيمان" أو مراقبته قبيل ترقيته. نُصوّر الحدث كجزء من لعبة استخباراتية قذرة مألوفة، وتُستثار لدينا آلية التعاطف الكامل مع البنتين، اللتين نُبرّئهما من التهمة كما بُرّئ الذئب من دم يوسف، وننحاز إليهما ليس بدافع عاطفي فحسب، بل لانحياز عقلاني قائم على ظنّ راسخ ببراءتهما، إذ يقدّم الفيلم سير الأحداث بطريقة تُرسّخ هذا الاعتقاد وتُبعد الشبهة عنهما منطقيًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكنّ المفاجأة تأتي – وإن بتلقين فجّ – حين نكتشف أن المسدس سرقته بالفعل إحدى البنتين، فتنهار كلّ تأويلاتنا المريحة، ونُضطر لمساءلة نزعتنا التآمرية التي غذّاها الفيلم نفسه. وهنا يُمكن القول إنّ الخداع لا يكشف فقط عن التواءات السرد، بل يُوجّه أيضًا نقدًا مبطنًا للمُشاهد، الذي تعوّد على أنماط تفكير شمولية ترى في كلّ أزمة يدًا خفية، وتُغفل إمكانية الفعل الفردي النابع من الداخل. هذا الالتفاف الذكي يُحوّل "الرنجة الحمراء" من خدعة حبكوية إلى أداة تأمل سياسي وأخلاقي.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>رمزيّات الفيلم في ثلاث ملاحظات تأويليّة</b></span></p>
<ol>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">الإضاءة المعتمة كتعتيم سياسي ونفسي: يسود الفيلم مناخ بصري قاتم، غلبت عليه الإضاءة المعتمة والظلال الثقيلة، بما يُمكن تأويله كإشارة مباشرة إلى حالة التعتيم التي تحاصر المجتمع الإيراني نتيجة سياسات المنع والتقييد والمراقبة. إلا أنّ هذا التعتيم ليس خارجيًا فقط، بل يتسرّب إلى الداخل العائلي؛ فالصراع الذي انفجر داخل المنزل يعود في جوهره إلى كبتٍ طويل لما تفكّر به البنات وما يؤمنّ به، والذي ظلّ مرفوضًا وغير مرئي. في أحد المشاهد الدالة، تحاول الأم، رغم شدّتها على بناتها، إقناع الأب بمحاورتهن وفتح مساحة للحوار بدلًا من تجاهل أفكارهن، لكنه يرفض قائلاً: </span><i><span style="font-weight: 400;">"سيدخلن الجامعة وينسين كل هذا"</span></i><span style="font-weight: 400;">. هكذا يُقدّم الفيلم التعتيم لا حالة سلطوية فقط، بل آلية قمع داخلية تُمارس باسم الحماية.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">في اختيار أن تكون الابنة الأصغر هي من سرقت المسدس، وليس الشابة الجامعية التي كان تمردها أكثر وضوحًا، يكمن تفكيك ضمني للتوقّعات السردية التقليدية. فالفيلم يوحي بدايةً أنّ طلقة المواجهة ستُطلقها الفتاة الأكبر "ريزفان"، لكنه يُفاجئنا بأن الجنون الضروري للمواجهة جاء من الأصغر سنًا "سناء"، في تأكيد على أن الجيل الجديد، الذي نشأ في ظلّ القمع الكامل، هو الأكثر قدرة على كسر حاجز الخوف، وتجاوز التردّد، وفتح باب الصدام المباشر مع السلطة.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">المشهد الأخير-المتاهة، السلاح، والسقوط: رغم أن النهاية جاءت مباشرة وفجّة في دلالتها، إلا أنها تحمل شحنة رمزية لافتة: الأب يلاحق بناته في مكان أشبه بالمتاهة، حيث تتقاطع الأزقة وتضيق الممرات، في صورة تُحاكي ضياع السلطة في مطاردة جيل لم يعُد يمكن تطويعه. تُخرج سناء المسدس أخيرًا، لتُواجه والدها في إعلان رسمي للتمرّد والرفض، ليس فقط للسلطة الأبوية، بل للنظام القيمي الذي يمثلّه. وينتهي المشهد بسقوط الأب في حفرة تُدفن عليه، كإشارة واضحة إلى أن الشرّ المُمَأسس – مهما بدا راسخًا – مصيره الزوال أمام تمرّد صادق وبلا خوف.</span></li>
</ol>
<p>&nbsp;</p>
<p><iframe title="THE SEED OF THE SACRED FIG - Official Trailer" width="800" height="450" src="https://www.youtube.com/embed/A3P53zHCPJU?feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>بسمكة صغيرة من الكذب يمكنك اصطياد حوت كبير من الحقيقة (مثل صيني)</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه المقولة تختصر المفارقة التي يبني عليها الفيلم صورته عن العائلة والنظام. في البداية، يُقدَّم لنا بيتٌ محافظ، متماسك، لا يحتكم للعنف أو الصدام المباشر، حتّى بعد بعض النقاشات الحادّة، وأب بدا صبورًا، متفهّمًا، متجنبًا الانفعال، وأم تُظهر علاقة دافئة مع زوجها. غير أنّ ما يتكشّف لاحقًا، خصوصًا في الثلث الأخير من الفيلم، يُظهر أن هذا البناء العائلي لم يكن سوى قشرة هشّة، تخفي تحته شخصية أبوية عصابية، وعائلة عانت طويلًا مع الإذعان والرضوخ والخوف من المواجهة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقدان المسدّس ليس مجرد حبكة درامية أو "كذبة صغيرة" تُخفيها سناء، بل شرارة تُفجّر ما كُنس طويلًا تحت السجادة. هو ما يكشف النظام على حقيقته في لحظاته الحرجة، لا مآلًا محتملًا، بل طبيعةً أصيلةً. كما قالت الأم "نجمة" لبناتها في لحظة اعتراف صريحة: </span><i><span style="font-weight: 400;">"كنتُ أحاول ألّا ترين وجه والدكنّ الحقيقي."</span></i><span style="font-weight: 400;"> هذا "الوجه" ليس فقط وجه رجل فقد صوابه، بل وجه نظام سياسي إذا اهتزّت أركانه انقلب على أقرب الناس إليه، ولهذا فإنّ الفيلم، برأيي، لا يكتفي بنقد نظام سياسي بعينه، بل يُوجّه سهامًا حادّة إلى بنية الدولة الحديثة نفسها، التي تحتكر العنف وتُمارس التسلّط وتسحق كلّ من يقف في طريقها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأب في الفيلم يُحيل أيضًا إلى جوهر مفهوم الدولة الحديثة ذات الطابع السلطوي، حين تتسلّل إلى الحيّز العائلي وتُعيد تشكيله بوصفه امتدادًا وظيفيًا لها. حيث الأب تمثيل للفرد الذي أُخضِعَ وشُكِّلَ وفق منطق الدولة الحديثة التي تحتكر العنف وتُمارس سلطتها بأدوات نفسية واجتماعية، تتجاوز الأجهزة الأمنية لتستقرّ في سلطة الأب وفي موقعه داخل بُنية الأسرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي هذا الإطار، يُظهر الفيلم كيف تُسهم الدولة في تشكيل العائلة وتوجيهها، لا عبر أجهزتها القمعية فقط، بل من خلال تكامل السطوة السياسية مع الخطاب الديني والضبط الاجتماعي، وانخراط الجميع في منظومة اقتصادية–طبقية استهلاكية تُعيد إنتاج الطاعة مقابل الامتيازات. فالعائلة في الفيلم تبدو مستعدّة لتقديم كلّ أشكال التنازلات بما في ذلك الصمت، القبول بظلم الناس، وقمع الأبناء في سبيل ترقية الأبّ -الذي هو بدوره يوقع مراسيم الإعدام ظُلمًا- إلى منصب أعلى يتيح لهم الانتقال إلى بيت أكثر اتساعًا في حيّ راقٍ، إذ تتحوّل الترقية الإدارية إلى وسيلة تهذيب للضمير، والمسكن الأفضل إلى مكافأة على الخضوع، والتماهي مع النظام إلى شرط للعيش بكرامةٍ ماديةٍ واجتماعية. هكذا تُشكّل الدولة الأسرة وتعيد إنتاج ولائها، لا بالتهديد المباشر فحسب، بل بإعادة تعريف الطموح والنجاح ومعنى الحياة الكريمة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>الهوامش</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;يُنظر: سليم البيك، "فيلم «بذرة التين المقدس»… الفجاجة تبطل القصة"، القدس العربي، 17 نوفمبر 2024،</div><p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35873">&quot;بذرة التين المقدسة&quot;: سمكة من الكذب وحوت من الحقيقة </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-08-23 01:22:45 by W3 Total Cache
-->