تتصدّر كلمة الهيمنة في العقود الأخيرة الخطاب الثقافيّ والسياسيّ والإعلاميّ العربيّ، حتّى غدت من أكثر المصطلحات تداولًا في الحديث عن النفوذ، والسلطة، والتأثير، والعلاقات غير المتوازنة بين الدول أو الجماعات أو حتّى الأفراد. ويكاد المتابع يلحظ أنّ الكلمة باتت تُستخدم على نحو يكاد يكون مترادفًا مع السيطرة القهريّة، أو الغلبة المفروضة بقوّة المال أو السلاح أو المعرفة، الأمر الذي ولّد في الوعي المعاصر انطباعًا راسخًا بأنّ “الهيمنة” لا تعني سوى التسلّط والاستحواذ. غير إنّ هذا المعنى الذي شاع اليوم لا ينسجم تمامًا مع تاريخ الكلمة في العربية، ولا مع جذرها اللغوي ومعانيها الأولى، ولا مع طبيعة حضورها في النصوص المقدّسة والمعاجم التراثيّة.
وتنبع أهمّية الوقوف عند هذا المصطلح من أنّه يمثّل منطقة التقاء بين الدلالة التراثية التي حملت معاني الرعاية والحفظ والأمان، والدلالة الحديثة التي قد تكون مُتأثّرةً بالترجمة عن اللغات الأوروبيّة، خاصة بعد انتشار مصطلح Hegemony في الفكر السياسيّ الحديث، ما جعل اللفظة العربيّة تحمل أثقالًا مفهوميّة لم تكن ضمن حقولها الأصليّة. وهكذا صار المصطلح ساحةً تتجاور فيها طبقات متراكبة من المعاني، بعضها نابع من تاريخ العربيّة، وبعضها الآخر وافد يحمل معه حزمة من الأفكار حول السلطة والوعي والبُنى الثقافيّة.
تظهر كلمة الهيمنة اليوم في طيف واسع من الخطابات، فهي تُستعمل في الإعلام لوصف النفوذ السياسي والعسكري للدول الكبرى، كما في عبارات مثل هيمنة القوى العظمى على النظام الدولي، وترد في التحليلات الاقتصاديّة للدلالة على احتكار الأسواق أو تدفّق رأس المال، وفي النقاشات الثقافيّة عند الحديث عن تأثير نماذج معرفيّة غربيّة على إنتاج المعرفة في العالم العربيّ، بل تمتدّ إلى الحقول الاجتماعيّة لوصف علاقات غير متوازنة بين الفئات أو المؤسّسات، حتّى غدت الكلمة إطارًا تفسيريًا جاهزًا يُستدعى كلما طُرحت مسائل السلطة أو التأثير أو اللامساواة، الأمر الذي يعكس حضورها الكثيف ومرونتها المفهوميّة في الخطاب المعاصر.
الجذور السامية القديمة للكلمة وإعادة قراءة معناها
وحين نعود خطوة إلى الوراء، خارج حدود العربيّة، لملاحقة أثر اللفظة في اللغات الساميّة الشقيقة، نجد أنّ الكلمة التي تشبه صيغة هيمن أو جذرها همن في الآرامية والعبريّة قد أثارت اهتمام الدارسين منذ أوائل القرن العشرين. فاللفظة الآرامية hmnʼ، ومعادلها العبري ḥammān / חמן، كانت تُفسَّر طويلًا في النقوش والآثار التدمريّة على أنّها مِبخرة أو «أداة بخور» تُستخدم في الشعائر الدينيّة. وقد ترسّخ هذا الفهم بعدما قدّم هارالد إنغولت قراءة مبكّرة لنقش تدمريّ على مذبح محفوظ في متحف آشفمولين بأكسفورد، ورأى أنّ الكلمة تشير إلى حامل البخور المصوَّر على جانب المذبح. ثم تبنّى باحثون لاحقون هذا الرأي، لتستقرّ اللفظة بهذا المعنى في عدد من المعاجم التفسيريّة الكبرى المختصّصة باللغات الساميّة الغربيّة.
غير أنّ هذا التفسير لم يصمد أمام مراجعة لغويّة وأثريّة أدقّ. فقد أعاد حن يان دريفرس فتح الملفّ في دراسة متخصّصة، مستفيدًا من اكتشافات أثريّة جديدة في معبد الإلهة اللات في تدمر، ولاحظ أنّ السياقات النقشيّة نفسها تُحيل إلى وحدة معماريّة كاملة وليس إلى أداة صغيرة. فالصيغ التي تتحدث عن «صنع» الـ hmnʼ و«إهدائه» هي صيغ تُستخدم عادةً في تدمر للدلالة على منشآت دينية قائمة بذاتها، مثل البَهو والمصلّى الداخلي، لا على أدوات تُحمَل باليد. كما إنّ الكتل الحجريّة التي تحمل النقوش تشير إلى بناء ذي حجرة داخليّة، يقف أمامه مذبح في الهواء الطلق، وهي معطيات لا يمكن أن تنطبق على «مِبخرة». ومن هنا خلص دريفرس إلى أنّ معنى الكلمة هو مصلىً صغيرًا أو موضعًا مقدسًا مُسوَّرًا داخل حرم المعبد.1Han J. W. Drijvers, “Aramaic HMNʼ and Hebrew HMN: Their Meaning and Root,” Journal of Semitic Studies 33, no. 2 (1988): 165–179
وتزداد أهمية هذا التصحيح حين نلاحظ أن دريفرس ربط الكلمة بجذر ساميّ يفيد الحماية والإحاطة، لا بالجذر الذي يفيد الاحتراق أو التبخير. وهنا يبرز التقاطع مع العبرية بصورة جلية؛ إذ تُعَدّ كلمة חומה (ḥomāh)، بمعنى السور أو الجدار الحامي، من أبرز النظائر السامية التي تُلامس هذا الحقل الدلالي. فهذا الربط لا يقوم على التشابه الصوتي وحده، بل على الوظيفة الطقسيّة والمعماريّة المشتركة: مكان يفصل بين المقدّس وما حوله، ويحميه بجدارٍ أو إحاطةٍ تشكّل حَدَّهُ ورمزيته.
ويتعمّق هذا الحقل الدلالي أكثر حين ننظر في العربية إلى كلمة حِمى -وهي من الجذر نفسه- التي تعني المنطقة المحميّة الممنوعة على غير أهلها، سواء كانت أرضًا أو موضعًا ذا قداسة. فالصلة بين ḥmnʼ الآرامية وḥomāh العبرية وحِمى العربية هي علاقة بنية تصوّرية تشترك فيها اللغات الساميّة: التحصين، الإحاطة، المنع، الحفظ، والحماية. ومن ثمّ يبدو أنّ الدلالة القديمة لهذا الجذر تدور في فلك رعاية الموضع المقدّس وإحاطته بسياج يحميه، قبل أن تتطور في العربية لاحقًا إلى معنى الإشراف والحفظ، ثم في العصر الحديث إلى معنى السيطرة والنفوذ.
إنّ إعادة قراءة هذا الامتداد السامي القديم لا تساعد فقط على تصحيح خطأ دلالي شائع، بل تفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة تطوّر الكلمات عبر الثقافات والطقوس والعقائد. فالهيمنة، في صورتها الأولى في اللغات السامية، لم تكن قهرًا أو استحواذًا، بل إحاطةً بالحماية، ورعايةً للحدود، وفصلًا بين المقدس والعادي. وهذه الفكرة -على قدمها- تُمهِّد الطريق لفهم التحولات اللاحقة في العربيّة حين انتقلت الكلمة من فضاء الحماية إلى فضاء السلطة.
إذا عدنا إلى السياق العربي الخالص، بدا جذر أمِنَ من الجذور المركزية في بناء الدلالة المتعلّقة بالطمأنينة، والرعاية، والحفظ. فهذا الجذر في العربية -كما في اللغات السامية الأخرى- يحمل معنى زوال الخوف ووجود الحماية، وهو المعنى الذي نجده في “الأمْن”، و“الأمان”، و“المؤتمن”، و“المأمَن”. ومن اللافت أن المعاجم العربية التقليدية كثيرًا ما تربط مفهوم الأمن بـ“المكان المحميّ”، وهو ما يتلاقى مع فكرة الحِمى في العربية، أي المنطقة المصونة التي تُمنع على غير أهلها، سواء كانت حرماً دينيًّا، أو حمى قبليًّا، أو أرضًا لا يجوز تجاوزها. وهذا الامتداد الدلاليّ -الذي يجمع بين الحماية والمعنى المكاني- يقربنا أيضًا من معنى السور في اللغات السامية الأخرى مثل العبرية חומה (ḥomāh)، ما يعزز الفكرة أنّ الجذر السامي المشترك يدور حول الحفظ، والحدّ، والإحاطة، والرعاية.
ضمن هذا الإطار، فهم القدماء الكلمة همن بوصفها امتدادًا من جذر أمِن بعد تحوّلات صوتية وصرفية دقيقة. وقد تناول محمد الطاهر ابن عاشور هذا الاشتقاق في كتابه التحرير والتنوير مناقشًا أقوال اللغويين العرب في أصل الكلمة. يذكر ابن عاشور أنّ المُهَيْمِن في لغة قريش يعني الرقيب، وفي لغة بقية العرب يعني الحافظ، ما يدلّ على ارتباط الكلمة بوظيفة الإشراف والحامية. وهو معنى ينسجم تمامًا مع السياق القرآني الذي ترد فيه اللفظة وصفًا لله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الحشر 23). ووصفًا للقرآن الكريم: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (المائدة 48).2محمد الطاهر ابن عاشور. التحرير والتوير. تونس: الدار التونسيّة للنشر، 1984. يُنظر في تفسير الآيتيْن المذكورتيّن.
ويرى ابن عاشور أنّ هذا المعنى ينسجم مع الاشتقاق من فعل آمَنَهُ عليه أي استحفظه إياه، لأنّ الرقابة والحفظ هما لازم الاستئمان، أي أثره الدلالي الطبيعي. ومن هنا تأتي دقّة القلب الصوتي؛ إذ يوضح ابن عاشور أنّ العرب قصدوا من هذا التحويل أن ينشئوا صيغة مستقلّة تُفَرّق بين «مؤمن» بالمعنى العقدي وبين الصيغة التي تؤدّي معنى الرعاية والإشراف، حتّى لا يلتبس المعنى الدينيّ بالمعنى اللغويّ.
ويرى ابن عاشور أنّ هذا القلب -على ندرته- ليس غريبًا على العربية، فقد جاء نظيره في تحويلهم أراق إلى هَرَاق، كما نقل ذلك الجوهري في الصحاح. وهذا المثال يقوّي إمكان وقوع التحويل من مُؤَأْمِن إلى مُهَيْمِن، خصوصًا حين تكون الحاجة المعنوية قائمة لإنشاء صيغة ذات وظيفة دلاليّة مخصوصة.
بهذا يُفهَم «المهيمن» على أنّه القائم بالحفظ والرعاية والإشراف المُطَمْئِن، وهو معنى يتّسق مع أصل الجذر (أمِنَ) الذي يقوم على نفي الخوف وإثبات السكينة، ومع المعنى الساميّ القديم المتعلّق بالإحاطة والحماية، كما رأينا في الآراميّة والعبريّة. وهكذا تتقاطع الدلالة اللغويّة مع الدلالة النصّية: فالله تعالى «مهيمن» على خلقه أي رقيبٌ حافظٌ، والقرآن «مهيمن» على ما سبقه من الكتب أي شاهدٌ أمينٌ ورقيبٌ على ما تضمّنته من الحقّ.
ويعزّز هذا التوجّه الاشتقاقي ما يورده الزبيدي في "تاج العروس"، إذ يذكر من شواهد الاستعمال قولهم: "هَيْمَنَ الطيرُ على فراخه"، أي رفرف عليها وحماها. وهذا المثال -على بساطته- يعكس بُنية دلالية مطابقة لما ينتج عن الاشتقاق من الجذر أمِنَ؛ فالفعل هنا يدلّ على الإحاطة الحامية، والرعاية المعنوية، والرقابة المشفوعة بالعطف، وهي جميعها لوازم معنويّة ظاهرة لمفهوم الأمن.3مُرتضى الزُُبيدي. مُعجم تاج العروس من جواهر القاموس. دمشق: دار الفكر، 1994. ج. 18. ص. 588. ومن ثمّ تعضد هذه الشواهد المعجميّة ما ذهب إليه ابن عاشور واللغويّون قبله من أنّ صيغة المهيمن تقوم في أصلها على معنى الاستئمان والاستحفاظ قبل أنْ تستقرّ في دلالة الرقابة والحفظ، بما يربط بين التحوّل الصوتي في الكلمة والدلالة الساميّة المشتركة التي تجمع فكرة الحماية والإحاطة.
التحوّل الدلالي الحديث نحو معنى السيطرة والنفوذ وتأثير مصطلح Hegemony
ومع الانتقال إلى العصر الحديث يتبدّى تحوّل دلالي لافت في كلمة الهيمنة؛ إذ انتقلت من مجالٍ واسع تنتظم فيه معاني الحفظ، والرعاية، والإحاطة، والأمان -وهي جميعًا ظلالٌ متجانسة مع أصلها الساميّ والعربيّ- إلى مجالٍ جديد تُستعمل فيه الكلمة للدلالة على النفوذ، والتسلّط، والتحكّم البنيوي سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة. وليس هذا التحوّل انتقالًا بسيطًا من معنى إلى آخر، بل هو قفزة دلاليّة تثير أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة: كيف تتبدّل الكلمة من فضاء الأمان إلى فضاء السيطرة؟ ومن الحماية إلى القدرة؟ ومن الرعاية إلى الغلبة؟
ويبدو أنّ جزءًا من هذا الانزياح يمكن إدراكه في ضوء الاحتكاك العميق بالمصطلح الغربي Hegemony، الذي اكتسب حضورًا واسعًا في الفكر السياسيّ، ولا سيّما في التحليل الماركسيّ والغرامشي. فمن اللافت أنّ هذا المصطلح، على الرغم من اختلاف جذره الإغريقيّ، يحمل في بنيته الصوتيّة إيقاعًا قريبًا من كلمة هيمنة، وهو تقارب لا يصنع علاقة اشتقاق، ولكنه قد يخلق نوعًا من الاستعداد النفسيّ لتلقّي اللفظة العربية بمعاني السلطة والنفوذ والغلبة، خاصة عندما تُستخدم بوصفها الترجمة الأشيَع للمفهوم السياسيّ الغربيّ.
وإزاء هذا التداخل، لا يمكن الجزم بأنّ التحوّل الدلالي كان نتيجة مباشرة لهيمنة المصطلح المترجَم، أو أنّه تطوّر داخليّ في بنية الاستعمال العربيّ الحديث؛ فربما كان الأمر نتيجة التقاء عاملين: أوّلهما سياق سياسيّ وثقافيّ أصبح فيه الحديث عن السيطرة والقوة مركزيًّا، وثانيهما التقارب الصوتيّ والإيقاعيّ الذي ساعد على استثمار الكلمة العربية في هذا الحقل الجديد من الدلالات. ومن هنا تنشأ غرابة المسار: كلمة جذورها المتوارثة تشير إلى الحماية والطمأنينة، تتحوّل اليوم إلى حاملٍ لمعانٍ تقف على النقيض تمامًا مثل الغلبة والتغوّل والسيطرة.
ولعلّ هذا الانزياح يكشف عن ظاهرة لغوية أوسع: أنّ الكلمات لا تبقى أسيرة أصولها الدلالية، وأنّ الحقول السياسية والثقافية قادرة على إعادة تشكيل المفاهيم لتخدم حاجات عصرها، حتّى وإن كان ذلك على حساب الانسجام التاريخي للفظ. وربما كان من المشروع أن نتساءل -دون ادّعاء جواب نهائي- هل نحن أمام تطوّر طبيعي في تاريخ المصطلح، أم أمام استيرادٍ دلالي أُقحِم على الكلمة بفعل الترجمة والتثاقف، أم أمام تفاعل معقّد بين الاثنين؟
ومهما يكن، فإنّ هذا التحوّل يظلّ علامة بارزة على قدرة اللغة العربية على امتصاص مفاهيم جديدة وإعادة صوغها، لكنه يظلّ أيضًا دعوة لإعادة تأمّل المسافة بين الهيمنة الحامية في أصلها، والهيمنة القهرية في معناها الحديث، تلك المسافة التي لا تزال مفتوحة للتفكير.
هوامش
- 1Han J. W. Drijvers, “Aramaic HMNʼ and Hebrew HMN: Their Meaning and Root,” Journal of Semitic Studies 33, no. 2 (1988): 165–179
- 2محمد الطاهر ابن عاشور. التحرير والتوير. تونس: الدار التونسيّة للنشر، 1984. يُنظر في تفسير الآيتيْن المذكورتيّن.
- 3مُرتضى الزُُبيدي. مُعجم تاج العروس من جواهر القاموس. دمشق: دار الفكر، 1994. ج. 18. ص. 588.
