نشرت بالإنكليزية في ٨/١٢/٢٠٢٥ في "proteanmag" وترجمها للعربية عبد الكريم حداد.
تَفترِضُ الحكايةُ التقليدية للتعليم فكرة الاستمرارية. تُعلّمين الطلاب وتتعلَّمين منهم، ثم تمرّ السنوات، لتلتقي بأحدهم عن طريق الصدفة، ربما في يومٍ تكونين فيه بشعرٍ غير مُصفّف، أو حجابٍ غير مُرتّب. تتبادلان ابتسامةً سريعة وبعض مستجدات الحياة، ثم تمضين وفي قلبك فخرٌ بمسيرتهم، ووخزةُ انزعاجٍ لِما مرّ من العمر. تَفترِضُ هذه التجربةُ التعليميةُ وجود الزمن والأمان ورفاهية النمو. كأنها تفترض أن الزمن سيمنح المعلم والطالب مستقبلًا يلتقيان فيه مجددًا، لكن الأمور هنا في فلسطين تأخذ مسارًا مختلفًا. في ظل وجود الاحتلال، يبرز تعليم آخر؛ تعليمٌ يشوبه الانقطاع المستمر، والمحو، ونفاد الصبر، وتُلقّنُه آلة المشروع الاستعماري. ومن خلال التأمّل في كتابات شيرين فوسوغي، توصّلتُ إلى تصوّر هذه المنهجيّات المتقابلة بطريقة معيّنة. إن حياة وموت طالبي، عودة هذالين، تمثلان التجسيد الأقصى لهذا الصدام العنيف بين نهجين في التعليم: الأول يهتم بالعمل التراكمي والصبور لبناء العوالم، والآخر مُلتزِمٌ بالعمل المحموم، الذي تُديره الآلة، لتدمير هذه العوالم.
كنتُ أدرّس عودة مساق الأدب الإنجليزي حين كنتُ محاضرة بديلة في جامعة الخليل في ربيع عام 2017. ما زلت أذكر مكان جلوسه وابتسامته النقية. مرت السنوات، ثم أصبحنا أصدقاء على منصة فيسبوك. وعندما رأيت جهوده الدؤوبة لدعم مجتمعه في مسافر يطا، أرسلت له رسالة قلت له فيها: "أنا فخورة بك وبالعمل العظيم الذي تقوم به". لقد كان عودة معلّمًا وناشطًا مجتمعيًا وأبًا لثلاثة أطفال، وقد وثّق وكتب عن العنف الاستعماري الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون والسلطات الإسرائيلية في مجلات عديدة من ضمنها مجلّة +972 كما شارك أيضًا مستشارًا في إنتاج الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة الأوسكار، لا أرض أخرى (No Other Land).
عاش وعمل في قرية أم الخير، هذه القرية الصغيرة كانت ملاذًا لعائلات بدوية لاجئة، أُخرجت من عراد في النقب خلال نكبة 1948. تقع أم الخير ضمن تجمع يضم تسع عشرة قرية فلسطينية تشكل في مجموعها مسافر يطا، ذلك التجمع البدوي في مرتفعات الخليل الجنوبية، ضمن المنطقة المصنفة "ج" في الضفة الغربية المحتلة، والخاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية. هنا، تتكشف الحياة في ظل محو مستمر حيث تحاصرها المستوطنات الإسرائيلية من كل جانب.
في ثمانينيات القرن الماضي، صنّفت إسرائيل هذه الأرض كـ"منطقة إطلاق نار918" عسكرية، لتصبح فيما بعد مسرحًا لما يعيشه السكان بوصفِهِ تطهيرًا عرقيًا بطيئًا: هجوم مزدوج يجمع بين عنف الدولة الممنهج والعنف اليومي للمستوطنين الذين يكتسبون جرأتهم من وجود الجنود حولهم. لهذا السبب، فإن الحياة في مسافر يطا، كما عاشها عودة، تمثل ممارسة المقاومة في أبسط صورها اليومية ضد نظامٍ صُمّم للإقصاء.
جاءت الأخبار كما اعتدنا عليها أن تأتي، رسالة عبر تطبيق واتساب في مساء يوم الاثنين. كانت الرسالة من صديقي عيسى عمرو، كتب فيها يقول بأن عودة قد قُتِل، أطلق عليه النار أحد المستوطنين. كانت الرسالة لحظةً مُحطّمةً للعالَم، لكنها أيضًا كانت تأكيدًا وحشيًا آخر على أننا جميعًا نعيش في مرمى النيران. بات العقل اليوم معتادًا على تدفّقٍ لا ينقطع من الأخبار المحزنة، لكن الجسد يعرف ما هو أعمق من ذلك. وجدت نفسي أجلس، وكأن الجلوس كان الردّ الوحيد الممكن أمام سيلٍ جارفٍ من الحزن، وتركتُ الدموعَ تتدفّق. بصفتي مُعلمتَه، شعرتُ أن جزءًا مني قد فشلَ في حمايته.
بعد مضي شهر على رحيل عودة، استطعت أخيرًا أن أصل إلى مسافر يطّا برفقة مجموعةٍ من الزائرين. كان عليّ أن أرافق ناشطين دوليين واسرائيليين، إذ لم يكن من المرجّح أن يُسمح لي، كفلسطينية، بالدخول لو ذهبت إلى هناك بمفردي. لقد حظيت بشرف الجلوس إلى عائلته. تحدّثوا عن عودة كابنٍ وزوجٍ محبّ، وصديقٍ رائع، وعمودٍ فقري لمجتمعه، فكانت كلماتهم تُؤكّد كل ما كنت أشعر أنه عليه بالفعل. وسط حُزنهم، ائتمنوني على قصصهم، وكثيرٌ من تفاصيل هذه الحكاية مِمّا رووه لي، في لحظات مشتركة من التذكّر والشهادة.
اسم عودة يحمل معنى "العودة". وفي ظل هذا الواقع، كانت حياته رفضًا عمليًا لأسطورة العودة كحدث فردي مؤجل في مستقبل بعيد. بالنسبة له، كانت العودة تكمن في الأفعال اليومية التي تمنح الحياة، أفعال متأصلة في لحظة الحاضر بكل تفاصيلها: تعليم اللغة الإنجليزية وطلاء جدران المدرسة وشراء الخضروات للعائلات المحتاجة والاجتماع مع الشباب في المركز المجتمعي ولعب كرة القدم مع الأطفال والترحيب بالزائرين وتوثيق القصص بكاميرته. كان يمارس بادئة "إعادة" بلا كلل، يومًا بعد يوم، مرارًا وتكرارًا: العودة إلى الأرض والمساعدة في إعادة بناء ما هُدم وإعادة الالتزام تجاه أطفاله الثلاثة ومجتمعه. وكأب، بدا أنه يشعر بمدى قصر وهشاشة الحياة هنا؛ فغالباً ما تظهره صوره وهو يحتضن أطفاله، ملوحاً للكاميرا.
لقد جسّد عودة التعاطف والإرادة الخلّاقة لبناء وصون الممارسات المجتمعية القائمة على الحب والرعاية، وهي السمة التي تميز طالب الأدب الحقيقي ، من بين أمور أخرى. خلال حديثه مع شبكة الزيتون الأخضر-غرين أوليف للتضامن، أخبر الداعمين الدوليين: "أحيانًا ستجدون أنفسكم في مواقف ستشعرون فيها بالوحدة، وهو حقًا أصعب شعور على الإطلاق"، لكنه لم يكن وحيداً: فعلاقاته الأخلاقية، المستمدة من ارتباطه بالأرض والمجتمع، جعلته يرحب بالجميع، رافضًا الانقسامات التي يفرضها الاحتلال. وكان بإمكانه أن يرى ما يتجاوز معاناته الخاصة. قال ذات مرة: "نحن أهل هذا المكان، لسنا ضد أي أحد". "لسنا ضد أي ألوان أو جنسيات أو ديانات… نحن ننظر إلى الجميع كبشر، ونريد منهم أن ينظروا إلينا بالمثل…". وهو انفتاح ورحمة ميزا عودة وأديا إلى استضافته المنتظمة لناشطين ولزائرين من كل أنحاء العالم، وكانت أيضًا وسيلته لجعل مجتمعه يشعر بوحدةٍ أقل.
كان عودة مدركًا للقواعد الخفية التي تحكم عمله في الدفاع عن قضيته: كان عليه أن يكون فلسطينيًا بدرجة تكفي ليُسمع صوته، لكن ليس أكثر من اللازم كي لا يربك عالمًا يفرض على الضحايا الكمال، هذا التوازن الدقيق العبثي كان جزءًا من معركته اليومية. وكان تحت وطأة ما تسميه الكاتبة والمعالِجة لارا شيحي "التوثيق القسري" (coerced documentation) ، وهي حالة يُضطر فيها الفلسطينيون إلى تسجيل تجريدهم من ممتلكاتهم — ليس باختيارهم، بل بحكم الضرورة. في مسافر يطّا، كان هذا يعني أن على عودة المخاطرة برفع كاميرته في وجه الجرافات والجنود، وهو يعلم أنه بالنسبة للمستعمر وللكثيرين في العالم، إذا لم تكن هناك لقطات مصورة، فكأن العنف لم يحدث أصلا. المبدأ واضح: إذا لم تتمكن من تقديم أدلة لا يمكنهم دحضها، فأنت غير موجود في عالمهم.
ومع ذلك، رفض عودة أن يكون مؤرشفا سلبياً لمحو وجوده، ورغم أن حجة شيحي تركز على الكلمات "المكثفة" (pressurizing words)، واللغة المنطوقة والمكتوبة "كأدوات منهجية"، فإن المبادئ التي صاغتها تمتد أيضاً إلى التوثيق المرئي الذي يقاوم سيطرة السرد الاستعماري الاستيطاني. أظهر تصوير عودة ما تسميه إحدى مُراجِعات شيحي "إلحاحاً لتكثيف" الشهادة. لقد حول الإكراه إلى أداة منهجية لاختبار الواقع. في نظام ملتزم بالتشويه الأيديولوجي، أو "تزييف الواقع"، وإنكار وجود الفلسطينيين أو ملكيتهم للأرض، لم تكن كاميرا عودة تستجدي الاعتراف فحسب؛ بل كانت تجابه الأكذوبة. لقد أصرت على أن شجرة الزيتون كانت هناك، والبيت كان هناك، والحياة كانت هناك.
كان يعيش المفارقة القاسية لوعد الفائدة لاحقًا (the promise of a later utility), أي الرجاء بأن تُسهم شهادته يومًا ما في إحقاق العدالة. ومع ذلك، لم يقف مترقّبًا لذلك اليوم الذي قد لا يأتي ومن خلال إضافة هذه الضغوط إلى الإطار السردي، جعل من توثيقه، كما عبّرت إحدى مُراجِعات شيحي، فعلًا من "اليقين بالحياة" التي كان يحياها، وبدا وكأنه يدرك ذلك تمامًا. في إحدى لقاءاته، قال عودة: " عليك ألا تيأس. قد تتأخر النتائج سنوات طويلة، طويلة جدًا، لذا عليك أن تتحلى بالصبر". واختتم كلامه قائلاً: "إن العيش في أم الخير يحتاج إلى الصبر والأمل معًا: لا يمكنك أن تحيا بلا أمل".
كان يتجلّى أمله الدائم حتى في أحلك لحظات الهزيمة. قبل وقت قصير من اغتياله، تم منعه من دخول الولايات المتحدة لإجراء جولة خطابية بدعوة من كنيس يهودي. احتُجز هو وابن عمه لساعات في لوس أنجلوس قبل أن يخبرهما أحد الضباط، رغم صلاحية تأشيرتهما، بأنه غير مرحب بهما وأن عليهما المحاولة مرة أخرى لاحقًا. كان أول ما فعله عودة هو أن اتصل بزوجته، هنادي، ليس فقط ليبلغها بالخبر السيئ، بل أيضًا مع إصراره على شراء هدية لها من المطار. وعند عودته إلى فلسطين، جدد جواز سفره فورًا، وكأنه يجدد عهده بأن يُسمع صوت شعبه، رغم كل ما يمكن أن يواجهه من إذلال بيروقراطي متعمد. تلك الوثيقة الجديدة، ذلك جواز السفر الهش الذي كان يرمز إلى حياة معلّقة وهشّة، لم يُستخدم أبدًا.
في يوم الاثنين، 28 تموز، أقدم مستوطن إسرائيلي مسلّح على تجريف أراضي القرية بواسطة جرافة، مدمّرًا أشجار الزيتون بشكل منهجي. وحين حاول أهل القرية التصدي للمستوطن، ورشقوا الجرافة بالحجارة، استخدم المستوطن شفرته لضرب أحمد هذالين، مما أفقده وعيه على الفور. وتصاعد الاعتداء مع وصول ينون ليفي، مستوطن يدير شركة هدم، ووجه سلاحه مهدداً أحد الرجال اللذين كانوا يوثقون الهجوم. في الفيديو، تتردد صرخات أهالي القرية بالعربية؛ رجل واحد يصر على الآخرين قائلاً: "ارجعوا"، ثم يواجه المستوطن متحدياً: "طخني (أطلق عليّ النار)". إنه أعزب، ويريد أن يضحي بنفسه بدلًا عن الآباء. هذه هي لغة شعبٍ يجبر على العيش على الحافة، قَلِقٍ إلى درجة تجعله يفضّل يقين الفعل على انتظار المجهول. في الفيديو نرى ينون ليفي يلوح بسلاحه ويوجه تهديدات مستهترة للعائلات ثم فتح النار صوب مركز القرية. ومن بين الذين كانوا في مرمى النار، كان هناك أربعة أطفال صغار وذلك وفقاً لرواية جاسبر ناثانييل. اخترقت رصاصة صدر عودة هثالين، الذي لم يكن جزءًا من المواجهة المباشرة، بل كان متواجدًا قرب المركز المجتمعي، المكان الذي اعتاد أن يعلم فيه الأطفال. سقط على أرض ساحة اللعب في قلب المجتمع الذي كرّس حياته لخدمته.
وفي فيديو صوّره عودة بنفسه، وقبل أن ينقطع المشهد حين أصبح الشاهد شهيدًا، يمكن سماع صوت ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات، حمودة، الصغير والواضح. وفي خضم الفوضى، يرتفع صوته بشكل محموم قبل أن يغرق في البكاء: "يا رب" يكررها بحرقة بين لحظة وأخرى؛ ورغم غيابه عن الكاميرا، يمكن تخيله يراقب والده وهو ينزف. إنها صرخة فطرية ودعاء بريء موجه إلى السماء، لكن الصغير لا يدرك أن الرب قد استُبدل وأعيد تعريفه في عيون المستوطن.
بالنسبة للمستوطنين، يعد إيمانهم بسيادة حقوقهم التي ادّعوها لأنفسهم على الأرض بمثابة سلطةٍ أعلى، سلطةٍ تفوق في نظرهم قيمة حياة حمودة وحياة والده. ويستمدّ مشروع الاستيطان، في جزءٍ منه، زخمه من أيديولوجيا "الكوكيّة" القائمة على أفكار الزعيم الصهيوني الحاخام أبراهام إسحق كوك، والتي قام ابنه تسفي يهودا وأتباعه بتطرّيفها أكثر وبالنسبة لأتباع "الكوكيّة"، تُفهم القداسة من خلال ثالوثٍ يقوم على: أرض إسرائيل وشعب إسرائيل والتوراة. ويُنظر إلى الثلاثة على أنّهم متلازمون؛ فالأرض لا تتقدّس إلا بشعبٍ يهودي يعيش وفق التوراة، ولا يتحقّق الخلاص إلا بالسيطرة الكاملة على الأرض. وهذا يمثل تحوّلًا عن الثالوث اللاهوتي السابق: الله، التوراة، الشعب. والنتيجة هي دمج امتلاك الأرض بالإرادة الإلهية، أو حتى إلغاء الفارق بينهما تمامًا. فالمستوطن لا يصغي لأمر إلهي؛ بل ينفّذ ما يقنع نفسه به بأنه حق إلهي في الأرض. في تلك اللحظة، ابتلع الرجل، الساعي إلى بناء مملكته الخاصة، رجاء الصبي الموجه إلى السماء، وقد شوهِدَ ينون ليفي بعد ذلك بوقت قصير يضحك مع مستوطنين آخرين وجنود بينما كانت رئتا عودة تنهاران.
هرع إليه طالب طب أمريكي محاولاً إنقاذه، فيما ظل عودة واعيًا في لحظاته الأخيرة. كان صوته يخفت تدريجيًا، في الوقت الذي كانت فيه المشهدية تزداد فظاعة؛ إذ تجمع عدد أكبر من المستوطنين والجنود الإسرائيليين الذين كانت تتداخل ضحكاتهم وأحاديثهم مع أنفاسه الأخيرة. وحتى وهو يحتضر، كانت آلة العقاب الجماعي قد باشرت بالعمل. جاءت القوات الإسرائيلية إلى القرية، متجنّبةً بعناية أيّ شاهدٍ فلسطيني. جُمِع الأهالي كقطيعٍ داخل منطقةٍ مسوّرة، بينما كان الجنود يصغون إلى ينون ليفي وهو يشير إلى من زعم أنهم راشقو الحجارة، ليُعتقَلوا على الفور. وفي نهاية المطاف، نُقِل عودة وحيداً في سيارة إسعاف إسرائيلية إلى مركز "سوروكا" الطبي في بئر السبع دون أن يسمح لأيٍّ من أفراد عائلته بمرافقته. في البداية، أفادت الأخبار بأنه ما زال على قيد الحياة، في ومضة أمل عابرة لتخدير الناس، قبل أن يؤكد خبر وفاته في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم.
في تلك الليلة، لم يُترك أهل قرية أم الخير، المثقلون بالحزن والتعب وحيدين. اقتحم الجنود القرية، ومصابيحهم اللامعة تمزق عتمة البيوت وتكشف وجوه الحزانى، ومن بينهم وجه زوجة عودة، هنادي، التي وجدت الجنود في غرفتها. رحلوا بعد أن بثوا الرعب في قلوب الأهالي وخطفوا مزيدًا من الرجال بذريعة الاستجواب. وفي اليوم التالي، وعندما حاول أهالي القرية إقامة مراسم تأبينية لابنهم الذي بقي جثمانه محتجزاً لدى الاحتلال، اقتحم الجنود أيضًا هذا الفضاء الحزين. انتظر الجنود حتى تجمع الناس ثم اقتحموا المكان وأمروا، عبر مكبر الصوت، كل من لا يقيم في أم الخير أن يغادر واقتحموا أيضاً المكان المخصص للنساء. كانت الفتيات الصغيرات يرتجفن، إحداهن أغلقت أذنيها وأخرى صرخت: "شفت جندي معه قنبلة (رأيت جنديًا معه قنبلة)" وأمّ تحتضن طفلها بكل ما تبقى فيها من قوة، فيما الجنود المقنعون يفتشون المكان بجنون. شاركتني إحدى الأمهات قائلة: "أحدث أطفالي دائماً أن لا وجود للوحوش، ثم يرون الجنود، كيف يمكنني إقناعهم الآن؟"
يوضح الكاتب عبد الجواد عمر أنَّ هذا العنف المستمر يسلب الوقت اللازم للحزن ويُحرم الناس من حقهم في تأمل الفقد. وكما يشير عمر، يحتاج الحداد إلى زمن "مُدّة" (durée) لاستيعاب الحزن ، لكن الفلسطينيين يعيشون فقداً متكرراً ومستمراً يجعل من الحداد الحقيقي أمرًا شبه مستحيل. قال لي أحد الناشطين: "كنت أفكر مع نفسي، حتى في التراجيديات اليونانية، لم يحدث شيء كهذا".
لم ينتهِ العنف مع الرصاصة؛ بل استمر في البنية المنهجية للإفلات من العقاب التي أعقبتها. في نهاية المطاف، أفرج عن ينون ليفي وحُكم عليه بالإقامة الجبرية لفترة قصيرة بينما بقي الفلسطينيون قيد الاحتجاز. لم يستطع جنون آلة الإرهاب تحمل حتى وجود الموتى، إذ تكمن قوة الشهيد في استمراره بالتدريس بعد الموت. ومن أجل مواجهة تلك القوة، لم تتوقف بيداغوجيا الإرهاب عن العمل: بعد موته، واصل عودة بناء العوالم، فيما واصل الاحتلال تحطيمها. وفي اليوم التالي تمامًا، عادت الجرافة إلى الأرض، مستأنفة مهمتها المحمومة. والدة عودة، خضرة، التي يرمز اسمها إلى الخضرة والعلاقة العميقة بالأرض، سألت بصوت مكسور ودموعها تنهمر: "لماذا فقد ابني حياته إذًا؟ أهكذا، فقط لتعود الآلة مرة أخرى؟".
تم اعتقال العديد من أفراد عائلة عودة في الأسبوع التالي لاغتياله، واستُجوبوا لأيام دون محامٍ، بينما صودرت هواتفهم. وخلال هذه الفترة، عرض محقق على أحد أقارب عودة فيديو الحادث، وسأله مرارًا: "ألا ترى أن ينون كان خائفًا؟". لقد كان المعنى المبطن واضحًا: لقد خاف، فأطلق النار. هذا هو جوهر الصراع: للمستعمر الحق في خوفه، أما المستعمَر فعليه تحمل تبعاته، حتى الموت. هذا ما يسميه الباحث أحمد كابل "التلاعب أو التضليل المعرفي"(epistemic gaslighting) ، حيث يُفرض تفسير المعتدي على الحدث المشهود، مما يدفع الضحية للتشكيك في حقيقتها الخاصة.
حتى في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل للسيطرة على حزنهم، يواصل أهل أم الخير التمسك بمعاييرهم الخاصة للكرامة بثبات. يعتبر حجز جثث الشهداء شكلًا من أشكال "العنف على الموتى" (necroviolence)، يمدّ سيطرة الكيان على الفلسطينيين حتى بعد الموت. إن احتجاز جثث الشهداء تمثل محاولة محسوبة للقضاء على المساحات الجماعية للمقاومة التي تخلقها مراسم الدفن غالبًا. (ملاحظة المحرر: احتجاز الجثث الفلسطينية يُعد ممارسة شنيعة ومنهجية من قبل السلطات الإسرائيلية. ومن المعروف أن مئات الجثث الفلسطينية على الأقل محتجزة فيما يُسمّى بـ"مقابر الأرقام."). وفي خطوة احتجاجية، بدأت والدة عودة وستون امرأة من القرية إضرابهم عن الطعام. وبعد عشرة أيام، ومع تصاعد الضغوط، تراجعت السلطات الإسرائيلية عن موقفها جزئيًا، لكنها فرضت قيودًا صارمة لمنع التعبير عن الحداد الجماعي. حيث أُغلقت جميع الطرق الأخرى المؤدية إلى القرية في محاولة لمنع أي مشاركة أو تضامن خارجي، مع السماح فقط لأهالي قرية أم الخير بالحضور. وعلاوة على ذلك، حُرِمّت عائلته من الحق في دفنه في مقبرة العائلة والأجداد، وبدلاً من ذلك، أُجبرت العائلة على دفنه في مقبرة منفصلة، تحدّد موقعها من قبل الاحتلال.
وبعد موكب قصير انطلق من منزل شقيقه إلى المدرسة التي كان يدرّس فيها، حمل أهالي أم الخير جثمانه الملفوف بالعلم الفلسطيني عبر التلال. تحول تحديهم الصاخب إلى ما يسميه عبد الجواد عمر "خيانة للحزن" يُجبر فيها الفلسطينيون على الاحتفال في جنازات الشهداء، ليس لنسيان الألم، بل لحرمان مضطهديهم من متعة مشاهدة هزيمتهم. ويكتب هنا: "إنّ الحداد"، بالنسبة للفلسطينيين، قد يكون "نوعًا من الخيانة، خيانة تعبّر عن وعي جماعي يدرك استحالة الحداد الحقيقي تحت نير سلطة غير متكافئة." وبدل ذلك، عليهم أن "يحوّلوا الحزن إلى مطالبة أو مظلمة."
إلا أن خضرة المُصابة برضوضٍ في يدها بعد مواجهة مع جندي وبروح غير منكسرة، فقد دفنت ابنها.
هنا، تقدم كلمات محمود درويش شهادة إضافية على قوة موت الشهيد:
يا أصدقاء الراحل البعيد،
لا تسألوا: متى يعود؟
لا تسألوا كثيراً،
بل اسألوا: متى
يستيقظ الرجال؟
تعيد القصيدة صياغة فكرة العودة، ليس كسؤال عن الزمن، بل كتحدٍ للوعي السياسي. أما عودة الشهيد فهي عودة لا نهاية لها، وهي قدرة متجددة تتجاوز قدرة الآلة على السيطرة عليها.
كان قتله صدىً مُحزنًا. فـعمّ عودة، الحاج سليمان الهثالين، الناشط السلمي الشهير، قُتل في كانون الثاني 2022، بعدما دهسته شاحنة تابعة للشرطة الإسرائيلية وجرّت جسده على الأرض لأمتار عدة. يكشف التوازي بين استشهادهما عن الاستهداف المنهجي للقيادة الفلسطينية في مسافر يطا. كلاهما استُهدف لالتزامهما بأخلاقيات المجتمع وفاعليتهما السياسية. استشهد الحاج سليمان أثناء محاولته منع حملة مصادرة سيارات في القرية، بينما استشهد عودة وهو يوثق مصادرة الأراضي. وفي كلتا الحالتين، كان القسوة متعمدة ومتماثلة. أظهر استشهادهما أن القوة المحتلة تعتبر أي وجود فلسطيني، مهما اختلفت أساليب مقاومته، تهديدًا يجب القضاء عليه. المستوطنون يكرهون كل ما يفيض بالحياة؛ يسعون لتسطيح الأرض والقلوب، ليسرقوا حتى بريق العيون. إنها استراتيجية تستهدف جذور المجتمع وفروعه على حد سواء. وبقتلهم للحاج سليمان، الشيخ، حاولت آلة القتل قطع الصلة بالذاكرة التاريخية. أما اغتيالهم لعودة، الشاب، فقد سعت آلة القتل إلى اغتيال المستقبل. يكشف هذا الاستهداف المزدوج عن منطق المشروع الاستعماري المروّع، الذي يدرك أنّه يجب سحق الأمل بكل أشكاله.
كان عودة قد رثى عمّه، كاتبًا أنّ أمّ الخير شعرت باليتم دون حكمته. أما اليوم، فنحن نرثيه، واجه كلا الرجلان آلة القتل، وتركا ينزفان على الأرض.
يستمر حمودة في الذهاب إلى مكان استشهاد والده، ويقول للأطفال الآخرين: "سقط أبي، لكنه سيقوم مرة أخرى". بالنسبة له، سيعود والده، قائماً كالذي ينبعث من الموت. وفي الوقت نفسه، يحاول ابن عودة الأكبر، وطن، الذي يحمل اسمه معنى 'الوطن'، أن يفهم ما لا يُفهَم. سأل والدته: "لماذا لم يدخل أبي البيت ويغلق الباب؟" إن سؤال وطن هو منطق طفل يحاول استيعاب حدثٍ تحركه العنف واللاعقلانية الأسطورية. وهو لا يعلم أن الأساطير، كما كتب درويش، "تطرق أبوابنا"، إن لم تكسرها. وذات مرة، وصف درويش الصراع في فلسطين التاريخية بأنه معركة بين ذاكرتين: "ذاكرةٍ تاريخية، وذاكرةٍ أسطوريةٍ سلبية". وفي الذاكرة الثانية، يقول درويش في موضع آخر: "نُجبَر على العودة إلى الأساطير الجافية التي لا مكان لنا فيها".
في جوهرها، تنبع عجلة الآلة المحمومة من هشاشتها الداخلية وانعدام أمانها. المستعمِر، المثقَل بهشاشة ادّعائه، لا يجد ما يسنده سوى ماضٍ مؤسطَرٍ يصنعه بيديه، لتبرير مشروعه. هذه هي المواجهة التي سمّاها محمود درويش: "الذاكرة التاريخية" الفلسطينية في صدامٍ مع "الذاكرة الأسطورية السلبية" للمستوطن، تلك التي تحجب الوصول إلى التاريخ الحقيقي. أساطير "ترفض تعديل حبكتها"، وتختار بدلًا من ذلك "تعديل الواقع بالجرافات". هنا، لم تعد الجرافة أداة بناء فحسب، بل تحولت إلى أداة اختارتها الأسطورة لتعيد كتابة التاريخ. يحتاج هذا المشروع إلى التدمير والعنف، فالجرافة والرصاصة تمحوان الذاكرة التاريخية وتفرضان الأسطورة السلبية.
بيداغوجيا الرعب للآلة ليست استثناء؛ بل هي درس يومي، درس تعلمته في اليوم نفسه الذي احتفل فيه العالم بفيلم شارك عودة في صنعه. في اليوم الذي فاز فيه فيلم لا أرض أخرى بجائزة الأوسكار في شهر آذار، كنت وابن عمي في طريقنا من الخليل إلى رام الله. أنا الآن أُدرّس في جامعة بيرزيت، بينما يعمل هو في مجال التأمين. وعندما اقتربنا من مستوطنة بيت إيل، وجدنا بوابة الحاجز مغلقة. توقفنا قليلاً وأخرجنا هواتفنا، لنتصفح مجموعات واتساب للحصول على تحديثات الطريق. وتقريباً على الفور، طلب الجنود مفاتيح السيارة، وطلبوا منا أن نبقي هوياتنا في أيدينا والتقطوا صورًا لوجوهنا بجانبها. أما ابن عمي، فكان يسأل مرارًا بالعبرية إذا كنا قد ارتكبنا أي خطأ. "لا"، كرر الجندي بتوتر ونفاذ صبر. سألته بالإنجليزية عن سبب احتجازنا، لكنه اكتفى بالقول إنه لا يستطيع إخبارنا. هذه هي بيداغوجيا الاحتجاز التعسفي والحواجز: دروسها تأتي خلال انعدام القابلية للتنبؤ، من لحظات اللامتوقَّع التي تعلّق الزمن، فتتحوّل الحياة الفلسطينية إلى صيغة شرطية دائمة. إنها الاستعمار المنهجي للزمن الفلسطيني نفسه، شكلٌ من "الإضعاف الزمني" حيث يُصنَع زمنُنا مُفتّتًا وبطيئًا، بينما زمن المستوطن يبقى متصلًا وسريعًا وكأن الأرض نفسها تسير على نبضين متناقضين (بوار؛ طويل-سوري، كما ورد في كابل). تعلمنا الآلة بأنه لا قيمة لوقتنا ومستقبلنا وحياتنا.
انتظرنا طويلاً، وبعد نحو ساعتين، طلب الجندي هواتفنا. اعترض ابن عمي، لكن الجندي رد بصوت بارد قائلًا إنه إذا جادلنا ورفضنا، فسنبقى محتجزين هناك طوال اليوم. أمرنا باتباع جيبه إلى موقع جديد مفتوح. لاحقًا، طلبت من الجنود السماح لي بمغادرة السيارة للتبول. وبدون وجود حمام، اضطررت للعثور على مكان في العراء، بمرافقة جندية. وبحلول ذلك الوقت، كانت قد فاتتني بالفعل محاضرتي الأولى.
وعند عودتي إلى السيارة، ولدى ملاحظتها لدموعي الصامتة، قالت الجندية: "لن يتم احتجازكم طوال اليوم". أجبتها: "وما الفائدة؟ أنت لا تريني كإنسانة أصلًا، أليس كذلك؟" كانت تلك المرة الأولى التي أخوضُ فيها سجالًا بلاغيًا مع بندقية. في اللحظة التي تركت فيها السؤال معلقًا، تذكرت إحدى طالباتي التي احتُجزت في الاعتقال الإداري. قالت لي إنها كانت تضطر لاستخدام شوكة لتسريح شعرها، وأنها طلبت مرة الفوط الصحية مستندةً إلى اتفاقية جنيف الثالثة، ليرد الجنود بالضحك. لم تضحك هذه الجندية بل أجابت بنفاد صبر: "اسمعي، اسمعي، أنا فقط أنفذ الأوامر".
أتعلمين من كان أيضًا مجرد منفذ للأوامر؟ قبل أن أتمكن من قول ذلك بصوت عالٍ، تدخل ابن عمي، شاعراً بتصاعد التوتر الذي كان يملأ المكان، وقال بلغة عبرية فصيحة: "نحن لا نريد سوى السلام". فأجابت: "وأنا أيضًا". إن هذه المحادثة، التي ربما يحمل كل طرف فيها فهماً مختلفاً تمامًا لنفس المفهوم، هي لغة الآلة في أقصى درجات سخائها. لا يهم أن صورة السلام لدى الآلة تعتمد على تدمير سلامنا.
احتُجزنا لنصف ساعة أخرى بينما كان الجنود، يتصرفون كالمراهقين ويمازحون بعضهم البعض. أخيرًا، أومأ أحدهم، ربما بعد أن وصله إشعار على هاتفه. أعادوا لنا مفاتيح السيارة وسمحوا لنا بالمغادرة.
هذا نظامٌ يحتاج إلى اليأس الفلسطيني ليبقى قائمًا. إن هذا النهب المستمر للحياة يسبّب ما يسميه فيكتور شماس "إبادة الكينونة" (onticide): تدمير معنى شعبٍ ما وإرادته في الاعتناء بالعالم. أتذكر أن أحد زملائي قال لي مرة: "طالما يشتكي الطلاب، فهذه علامة جيدة. هذا يعني أنهم يهتمون، وأن هنالك شيئًا يخصهم يحتاج إلى التغيير، يعني أنهم يفكرون في المستقبل هنا. أخشى اليوم الذي لن يهتموا فيه ببساطة". وفي الواقع، تحت وطأة هيكل إبادي مستمر، وبفشل العالم بأسره عن إيقاف هذه المجازر، اضطر كثير من الناس، لا سيما في غزة، إلى الانسحاب من العالم ومن الممارسات العادية للحياة، بما في ذلك التعليم. هذا التبليد المُتعمّد للاهتمام، هذا القتل للإمكانيات والأحلام والانتماء، هو عمل المستعمِر الذي يمضي بلا رادع، ومدعوم ومؤازَر من منظومة كاملة مع إفلات تام من العقاب.
إذاً، ما هي إذن بيداغوجيا المستعمِر؟ إن منهجه الدراسي لا يُوجَد في الكتب، بل في الأفعال. إنه تدمير ما يقارب جميع مباني المدارس وكل الجامعات في غزة، إلى جانب الهجمات المتكررة على حرم الجامعات في الضفة الغربية، والدوريات التي تدخل إلى داخل جامعة الخليل، واستخدام حرم كلية خضوري كقاعدة عسكرية، والغارات المستمرة على بيرزيت حيث يُضرب الحراس وتُقتحم مساحات الطلاب. هو القتل المستهدف لألمع الطلاب والمحاضرين. إنها الصهيونية كما وصفها أباهر السقا ب"السرب القاتل"، مقتبسة في مقال أحمد كابل عن البيداغوجيا والشهادة: ليست مجرد إبادة جماعية، بل إبادة المكان والمعرفة والذاكرة والتعليم، في عملية قهر شاملة.
لقد استوعب المستوطنون منهجية المستعمر جيدًا، حتى أنهم تعلّموا بأنفسهم عبارات عربية فقط ليتمكّنوا من إهانة الفلسطينيين والسخرية منهم. إنه واضح في المستوطنين الذين يتعلمون العربية ليتمكنوا من الصراخ على خضرة، والدة عودة، من وراء السياج قائلين لها: "ابنك مات". إنه عندما يرسم وطن سيارة شرطة وإسعاف بدلًا من البيت والشمس ليصبح الموت رمزًا بدل الحياة. إنه عندما يخدع الإسرائيليون ممازحين أهلهم بشأن جمع المال لغزة، مستمتعين بردود الفعل الغاضبة والتجريد من الإنسانية بلا مبالاة. إنه عندما يقتحم الجنود المدارس ويضربون المعلمين أمام طلابهم، ويُحرم طلاب ومعلمو المدرسة في أم الخير من معلمهم المفضل وزميلهم العزيز.
هذا يعيدنا إلى البيداغوجيات المختلفة والزمنيات المتقاطعة التي نعيشها. تعمل الآلة الاستعمارية في زمن محموم وخطي: زمن الإشعار الفوري والتصعيد السريع والرصاصة القاتلة. إنها عجولة في ذعرها مقتنعة أن وجودها لا يمكن تأمينه إلا بتدمير عوالم الآخرين. تصنع حاضرًا أبدياً من الأزمات، حيث الماضي يُعاد تشكيله كأسطورة مزيفة والمستقبل يُغلَق كخيار محظور. يكشف عنفها الهوسي، بدل أن يبيّن قوتها، عن هشاشتها العميقة، وهو خوفٌ يلثم القوة ليوهمها بالدوام.
بيداغوجيا عودة، أو بيداغوجيا العودة، تسكن زمنًا مختلفًا عن زمن الآلة الاستعمارية. إنه زمن دائري وتراكمي، زمن السكان الأصليين والفلاحين والأسلاف. إنه زمن زرع شجرة زيتون سيحصدها الأحفاد. إنه في أمل عودة بأن ابنه، وطن، سيُسمّي ابنه عودة، ليصبح اسم الأخير "عودة وطن". إنه الصبر الذي تحدث عنه عودة، المتجذر في معرفة أن الشفاء هو تجدد وأن الأمل، كفصول السنة، يعود. تفهم هذه البيداغوجيا أن القوة الحقيقية لا تكمن في جنون سرعة الآلة، بل في العمل الثابت والصبور وفي التفاصيل اليومية التي تبني عالماً يليق بالحياة البشرية وغير البشرية. إنه درس بطيء وصعب، وكما تثبت عودة عودة المستمرة، فهو درس يستحيل محوه.
نحن كمعلمين، نجد أنفسنا أمام صدام البيداغوجيات، صدام يضع أمامنا مهمة اختيار أي منها سنتبنى ونغذي. وكما تشير المُرَبِّية حنان حبشي، التدريس في عالم تغمره اللامساواة العميقة يشبه التنقل في مشهد حيث "البيداغوجيا لا تنتقل بالتساوي". بالنسبة لها، فإن تقييد الأمان يعيق الخيال وقدرة الشخص على تصور إمكانيات مختلفة، أكثر من تأثيره على الذكاء. وهكذا، تصبح مهمتنا أكثر من مجرد تقديم منهج؛ علينا "مواجهة الأنظمة التي تكبّل الخيال"، وإلا، كما تُحذّر، "ستكون كل خطة دراسية سجلًا للامساواة التي لا يمكن لأي معيار تقييم (rubric) أن يُقيّمها".
أن أكتب عن هذا الأمر، وأن أدرّس قصة عودة، هو رفض لتلك اللامساواة. إنه الإصرار على أن ما يبنيه عودة في العالم، مهم. في فلسطين، كلمة 'شهيد' ليست تمجيدًا للموت، بل اعتراف بأن من قُتلوا على يد الآلة يواصلون الشهادة، مقلقين الأحياء بحضورهم الذي لا يُمحى. تطالبنا كلمات عودة صراحة وتخبرنا: "لا تكونوا مجرد متضامنين مع الفلسطينيين، بل تحركوا لتحقيق عدالتهم. افعلوا شيئًا من أجلهم. تحركوا. أوقفوا كل الهجمات". إنها دعوة للانتقال إلى الفعل. وكما يختتم أحمد كابل قوله، "فالشهادة هي ضرورة تربوية تفرض العبء الأخلاقي والعملي للقدرة على الإحساس أو الإدراك (sense-ability)، والقدرة على الاستجابة (response-ability)، والفعل". إنها الشهادة الأخلاقية كبيداغوجيا عامة، تتيح للطالب والمعلم أن ينزعجا، وأن يُفكّكوا ما تعلّموه (unlearn)، وأن 'يرفضوا ترتيب الحياة الهرمي'، حتى يأتي اليوم الذي تنتقل فيه البيداغوجيات بالتساوي.
