أزرق

مدخل في راهنية سؤال المدينة العربية: عن بيروت وغزة

AYMAN BAALBAKI, LEBANON BABYLON TOWER , 2015 Medium: Acrylic on canvas

عبدالله البياري

كاتب وباحث من فلسطين

فاستعادة المدينة العربية، في هذا السياق، لا تعني إعادة بناء ما دُمّر فقط، بل إعادة بناء القدرة على تخيلها خارج النماذج التي فُرضت عليها، وخارج الشروط التي جعلت تدميرها ممكنًا أصلًا.

للكاتب/ة

وفي هذا، ربما تكمن المفارقة الأشد: أن المدينة التي تُمحى أمام أعيننا، هي ذاتها التي تفتح أفقًا جديدًا للتفكير—ليس في نهايتها، بل في إمكانها الذي لم يُغلق بعد.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

09/05/2026

تصوير: اسماء الغول

عبدالله البياري

كاتب وباحث من فلسطين

عبدالله البياري

مدخل أول:

في العام 1790 بلغ عدد سكان لندن قرابة 740 ألفًا، بينما كان عدد سكان مدينة نيويورك في العام 1830 قرابة  197 ألفًا أو أقل قليلًا، بينما في القرن نفسه كان عدد سكان مدينة إسطنبول ما يزيد عن 600 ألف، وقبل ذلك بنحو 2500 عام، كان عدد سكان نينوى 120 ألفًا، وبابل 100 ألف. يقول أندريه جوندر فرانك في كتابه "الشرق يصعد ثانية: الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي"، أن إسطنبول كانت المدينة الأولى في أوروبا وغرب آسيا والعالم في القرن السادس عشر بعدد سكان فاق 700 ألف نسمة، في حين كانت العاصمة الصينية بكين ثاني أكبر مدينة من حيث عدد السكان في العالم في ذلك الوقت، بينما كانت القاهرة في المرتبة الثالثة بعدد سكان بلغ 450 ألف نسمة. بوصفٍ أكثر وضوحًا: من بين أكبر ثلاث مدن في العالم، كانت اثنتان من هذا الجزء من العالم والثالثة صينية، بينما باريس لم تتجاوز 125 ألف نسمة في ذلك الوقت.

السؤال: لماذا احتلت مدن نيويورك ولندن وباريس مراكزها في الدراسات الحضرية وطغت على غيرها، ولم تزل كذلك حتى هذه اللحظة؟ ولماذا يصر بعض منظرو التخطيط الحضري على استدعاء تلك المدن باعتبارها نماذج مرغوبة بل وضرورية فيهم تطور المدينة، من الناحية التاريخية وليس الحضرية فقط، ويتعامون -بجهل زنجي المنزل- عن تاريخ حضري كثيف في هذه المنطقة من العالم؟

لنا هنا أن نستدعي تقسيم هيغل -الذي تفوح منه العنصرية- لتدفق مجرى التاريخ الإنساني، بالإشارة إلى تحرير العقل والذاتية والفلسفة التقدمية، قائلًا أن التاريخ الإنسانية مر بمرحلة الطفولة في الشرق ثم الشباب المبكر في آسيا الوسطى، والشباب اللاحق في اليونان، والرجولة في روما، ثم نضج في أوروبا، بفضل الأجناس الجرمانية (هيغل 1999). وبالرغم من خفة وتهافت هذا القول، نجد له تناصًا في نظرة ماكس فيبر إلى "المدينة"، إذ يقول:

"إن المجتمع الحضري، بالمعنى الكامل للكلمة لا يظهر بوصفه ظاهرة عامة إلا في الغرب. وقد نجد استثناءاتٍ من حين إلى آخر في الشرق الأدنى (في سوريا وفينيقيا وبلاد الرافدين) ولكن في حالات نادرة وبدائية فقط" (فيبر 1958)

هل تستوي هذه المقاربة في غايتها لطرح إطار تاريخي لمسألة المدينة، دون أن تلق بالًا لتاريخ الصين الحضري التي تستضيف ربع البشرية، أو الحضارة الإسلامية العربية التي حكمت العالم لأكثر من 1200 عام (نصيب الإمبراطورية العثمانية منها فاق ال600 عام وحدها)، وما المخاطرة في الاستناد حصرًا على مقولة أن التاريخ يبدأ وينتهي في الغرب؟!

وعليه؛ إذا كان تاريخ المدينة في هذا الجزء من العالم قد أُقصي من السرديات الحضرية المهيمنة، فإن هذا الإقصاء لا يمكن اعتباره مجرد انحراف معرفي أو نقص في التمثيل، بل ينبغي فهمه بوصفه جزءًا من بنية أوسع تُنتج ما يمكن تسميته بشرطِية المحو (conditions of erasure)، فحين تُعاد صياغة التاريخ الحضري العالمي بحيث تتموضع مدن مثل لندن وباريس ونيويورك في مركزه، بينما تُدفع مدن مثل القاهرة، إسطنبول، وبغداد إلى الهامش أو تُختزل في استثناءات ناقصة أو طرفية، فإن ما يُمحى ليس الماضي فحسب، بل الشرعية المعرفية لوجود هذه المدن بوصفها مراكز إنتاج حضري ومعرفي آني ومستقبلي.

هذا النمط من المحو الإبستيمي لا يعمل في الفراغ، بل يتقاطع مع ممارسات مادية وتاريخية تعيد إنتاجه على الأرض، وتضمن له مشروعية واستدامة (ما)، تنطلق من الخطاب إلى السياسات التخطيطية والحضرية. فكما أُقصيت هذه المدن من مفهوم تاريخ المدينة، وأطره، بوصفها مفهومًا نظريًا، تُعاد اليوم صياغتها ضمن أنظمة تخطيط، سيطرة، وحرب، تفترض ضمنيًا أنها فضاءات قابلة لإعادة التشكيل، بالمحو؛ أي بالإبادة العمرانية. هنا، لا يعود العنف مجرد أداة خارجية تُمارَس على المدينة، بل يصبح امتدادًا مباشرًا لبنية معرفية سبقتْه، وحددت ما الذي يُعتبر مدينة، وما الذي يمكن التضحية به. وإذا كان هذا الإطار يبدو تجريديًا، فإن حضوره يمكن تلمّسه حتى في أكثر الأدبيات الحضرية تأثيرًا. فمثلاً، وعلى الرغم من الأهمية النظرية لأعمال ريتشارد سينيت في فهم الفضاء العام والتجربة الحضرية، إلا أن المدينة العربية تكاد تغيب بالكامل عن تحليلاته، كما هو الحال في كثير من أعمال علم الاجتماع الحضري الكلاسيكي والمعاصر. هذا الغياب ليس تفصيلاً عرضيًا، بل مؤشر على حدود الحقل نفسه، حيث تُبنى النظرية انطلاقًا من تجارب حضرية محددة، ثم تُعمَّم بوصفها نموذجًا كونيًا، في حين تُترك مدن أخرى خارج أفق التفكير، وبالتالي لا يتغير مفهوم الإبادة العمرانية حتى لو أبيدت تلك المدن، بل أن مفهوم الإبادة المعرفية يجب أن يمتد إلى  ما محي وطمس من المعارف المرتبطة بتلك المدن.

من هنا، يمكن القول إن ما نشهده اليوم من تدمير، محو، وإعادة تشكيل عنيفة للمدن العربية—من غزة إلى بيروت—لا ينفصل عن هذا التاريخ من المحو المعرفي، بل يستند إليه. فقبل أن تُمحى المدينة ماديًا، كانت قد مُحيت من الخيال النظري، وقبل أن تُستهدف بنيتها التحتية، كانت قد فُقدت مكانتها بوصفها مرجعًا حضريًا قائمًا بذاته. بهذا المعنى، فإن الإبادة العمرانية لا تبدأ بالقصف أو الهدم، بل تبدأ في اللحظة التي تصبح فيها مدينة ما غير مرئية معرفيًا، أو قابلة للاستبدال ضمن سردية حضرية لا تعترف بها، ويُجند لهذا الخطاب الكثيرين ممن أسماهم حميد دباشي المخبرين المحليين.

مدخل ثان:

في اللحظة الراهنة من الحرب على المدينة العربية، لم تعد لدينا رفاهية التفكير في المدينة العربية بوصفها فضاءً عمرانيًا يخضع لضغوط التحضر المتسارع، أو بما هي انعكاس لأزمة تخطيطية يمكن معالجتها عبر أدوات الاستدامة أو الحوكمة والشفافية، والتخطيط المجتمعي، أو مشروعات استوديوهات التخطيط الحضري، ومقاربات نزع الكولونيالية العمرانية والتخطيطية. فهذا الخطاب، الذي تبلور خلال العقد الأخير بنفس نيوليبرالي، وبخاصة بعد عام 2013 مع انكسار الحراك الثوري العربي الذي انطلق من الفضاءات الحضرية نفسها، يبدو اليوم عاجزًا عن استيعاب التحول الأعمق الذي طرأ على المدينة.

إن ما يتكشف بشكلٍ فاضح هو أن المدينة نفسها أصبحت موقعًا لإعادة إنتاج العنف السلطوي وإدامته، ليس بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل باعتباره المنطق الناظم للحياة الحضرية العربية بعد 2013. إن حالة "الحرب المؤجلة" في الخطاب الرسمي العربي—التي تُستدعى وعظيًا على هيئة "انظروا إلى العراق وسوريا"—ليست إلغاءً للحرب، بل إعادة تموضع لها، بوصفها أفقًا مؤجلًا وضروريًا لإعادة تشكيل المدينة والمواطن على السواء. وفي ظل هذا الأفق، تمرّ سياسات التخطيط الحضري العنيف بوصفها امتدادًا غير معلن للحرب، بحيث لم تعد هذه الأخيرة تُخاض على حدود المدن، بل داخلها، في شوارعها، وفي بنيتها التحتية، حيث تتحول البيوت، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء إلى أهداف مباشرة، وتُعاد صياغة الحياة اليومية تحت شروط أمنية وعسكرية متواصلة  (غراهام 2004)

ضمن هذا الإطار، يبرز مفهوم "الإبادة المدينية/العمرانية (urbicide) " لا باعتباره توصيفًا اصطلاحيًا لحالة قصوى، بل أداة تحليلية مركزية لفهم منطق العمل للعنف الحضري. فهو لا يشير فقط إلى تدمير المباني أو البنية التحتية، بل إلى استهداف المدينة بوصفها شكلًا من أشكال الوجود الاجتماعي والسياسي؛ أو العمران بالمعنى الخلدوني، بوصفه شرطًا لإمكان الاجتماع والإنتاج المعرفي. فالإبادة المدينية هي قتل ونفي الحالة المدينية، من شروطها المادية إلى بنياتها الرمزية، عبر تفكيك الروابط التي تجعل الحياة الحضرية ممكنة، من التعددية الاجتماعية إلى الفضاءات المشتركة. بهذا المعنى، لا يعود تدمير المدينة نتيجة عرضية للحرب، بل أحد أهدافها الأساسية، حيث تُستهدف المساحات التي تحتضن الحياة الجماعية بوصفها تهديدًا يجب القضاء عليه.

يتقاطع هذا الفهم مع ما يطرحه أشيل مبيبي في تحليله لأنماط السلطة المعاصرة، حيث لا يُمارس العنف فقط عبر القتل المباشر، بل عبر إعادة توزيع شروط الحياة والموت (مبيبي 2003)، وإذا كانت سياسات الإماتة، Necropolitic تشير إلى أنماط حكم تُحدد من يحق له أن يعيش ومن يُترك للموت، فإن الإبادة العمرانية تمثل امتدادها المكاني، حيث لا يُستهدف الجسد الفردي فقط، بل المجال الذي يجعل وجوده ممكنًا. فالموت هنا لا يُنتج فقط عبر السلاح، بل عبر تفكيك البنية التي تُمكّن من الاستمرار في الحياة. وفي السياق ذاته، يوضح آيال وايزمان وغيره كيف أصبحت البيئة المبنية نفسها وسيطًا للحرب، تُقرأ وتُعاد هندستها بوصفها فضاءً عملياتيًا يمكن تفكيكه وإعادة توظيفه ضمن استراتيجيات السيطرة (وايزمان 2007) غير أن ما يتجاوز هذا التحليل في الحالة العربية هو أن الاستهداف لا يقتصر على استخدام المدينة، بل يمتد إلى تفكيكها كليًا، بوصفها بنية يجب إزالتها أو إعادة تشكيلها وفق منطق السيطرة.

في السياق الفلسطيني، يكتسب هذا المنطق كثافة إضافية، حيث يقترح ساري حنفي مفهوم "الإبادة المكانية" (spatiocide)  لوصف نمط من العنف الاستعماري لا يستهدف السكان بشكل مباشر، بل يستهدف الفضاء الذي يجعل وجودهم ممكنًا (حنفي 2013). هنا، لا تكون الغاية إبادة السكان بيولوجيًا، بل دفعهم إلى الاختفاء عبر تفكيك المجال المكاني الذي يحتضنهم. غير أن هذا الشكل من العنف لا يقتصر على لحظة الحرب، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بالعنف التخطيطي، حيث تصبح مشاريع التطوير، وإعادة الإعمار، وحتى السياسات الحضرية اليومية، امتدادًا لنفس المنطق الذي يقود إلى تفكيك المدينة. بهذا المعنى، لا تعود الإبادة العمرانية حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من برامج سياسية تُمارس باسم الحداثة والتخطيط، حيث يتداخل تدمير العمران مع تدمير الإنسان ضمن عملية واحدة (بياري 2024) وهنا، تتلاشى الحدود بين الحرب والسلم، بين التدمير والبناء، إذ يمكن لمشاريع التطوير أن تعيد إنتاج أشكال مختلفة من الإقصاء والتفكيك الحضري. وبالتالي، فإن ما بدأ باعتباره طمسًا إبستيميًا للمدينة العربية ضمن السرديات الحضرية العالمية، يتطور اليوم إلى تفكيك مادي للحالة المدينية ذاتها.

غير أن هذا المسار لا يقتصر على العنف العسكري أو السياسات المحلية، بل يتغذى أيضًا من بنية أوسع لإنتاج المعرفة الحضرية. ففي ظاهرها، تُقدَّم عمليات "نقل المعرفة التخطيطية" بوصفها تبادلًا تقنيًا محايدًا، تنتقل عبره "أفضل الممارسات" من مدن مثل تورونتو وفانكوفر إلى مدن مثل عمّان وأبوظبي. غير أن هذا التصوير يخفي بنية أكثر تعقيدًا، حيث لا تتحرك المعرفة بوصفها معرفة فحسب، بل بوصفها سلطة. فهذه العمليات تتم عبر ما يُعرف بـ "وكلاء النقل"، وهم خبراء دوليون يُمنحون، في آنٍ واحد، سلطة معرفية وسلطة مؤسسية داخل المدن المستقبِلة  (خريفان وجعفر 2012). ضمن هذا الإطار، لا تدخل هذه الخبرات بوصفها خيارًا بين بدائل، بل بوصفها معيارًا يُعاد من خلاله تعريف ما يُعد معرفة تخطيطية مشروعة ومرغوبة. وحتى حين يُوصف هذا النقل بأنه "تبادل" أو "هجين"، فإن عدم تكافؤ الشروط التي يتم فيها يجعله أقرب إلى إعادة إنتاج هرمية عالمية للمعرفة، حيث تبقى المدينة العربية في موقع المتلقي، بينما يحتفظ النموذج الغربي بموقع المرجع والمقياس. بهذا المعنى، لا تُقاس المدينة العربية بذاتها، بل بمدى اقترابها أو ابتعادها عن نموذج خارجي تُفترض كونيته. وهنا، يتقاطع هذا المسار مع المحو الإبستيمي الذي سبقت الإشارة إليه، إذ لا يُقصى التاريخ الحضري العربي فحسب، بل يُستبدل أيضًا بإطار معياري يُعاد فرضه بوصفه الشكل الوحيد الممكن للمدينة.

وعليه، فإن راهنية سؤال المدينة العربية لا تشير فقط إلى تحديات النمو السكاني أو التغير المناخي أو ضعف البنية التحتية، بل إلى شرط أعمق يتمثل في كون المدينة نفسها تُعاد صياغتها باستمرار عبر أنماط متعددة من العنف—العسكري، والاستعماري، والمعرفي، والتخطيطي. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد: كيف نُخطط المدينة بشكل أفضل؟ بل: كيف يمكن للمدينة العربية أن تستمر كفضاء للحياة، في ظل شروط تُعيد إنتاجها كفضاء للسيطرة والتدمير في آنٍ واحد؟

التخطيط بما هو عنف: المدينة العربية في زمن السلم

إذا كانت الإبادة العمرانية تمثل أقصى تجليات العنف على المدينة، فإن أحد أخطر تحولات اللحظة الراهنة يكمن في انتقال هذا العنف إلى حقل يبدو، في ظاهره، نقيضًا له: التخطيط. هنا، لا يعود التخطيط أداة لتنظيم الحياة الحضرية، بل يصبح امتدادًا دقيقًا وسائلًا للعنف، يعمل ببطء، وبشرعية، وباسم التنمية، وبقبول مجتمعي اعتباطي في أغلبه. فالفارق بين الحرب والتخطيط، في هذا السياق، ليس فارقًا في المنطق، بل في الوسيلة. إن ما يميز هذا التحول هو أن العنف لم يعد بحاجة إلى لحظة تدمير صريحة، بل أصبح يُمارس عبر إعادة تشكيل الفضاء نفسه، بحيث يُعاد تعريف من يحق له أن يسكن، ومن يُدفع إلى الهامش، ومن يُمحى دون إعلان. وهنا، لا تُفهم سياسات مثل إعادة التطوير، أو التحديث، أو حتى "تحسين البنية التحتية" بوصفها تدخلات تقنية، بل بوصفها آليات لإعادة توزيع الحياة داخل المدينة، وفق منطق إقصائي.

في هذا الإطار، يمكن قراءة ما يسميه عبد المالك سيمون بالعيش بين الناس (people as infrastructure) بوصفه نقيضًا لما ينتجه التخطيط المعاصر في المدن العربية. فإذا كانت المدينة، عند سيمون تقوم على شبكات غير رسمية من التفاعل والتكافل تُبقي الحياة ممكنة رغم هشاشة البنى الرسمية (سيمون 2004)، فإن التخطيط النيوليبرالي يعمل على تفكيك هذه الشبكات، واستبدالها بأنظمة مغلقة، مُنظَّمة، وقابلة للضبط. وهكذا، لا يُعاد تنظيم المدينة فحسب، بل يُعاد تشكيل الاجتماعي نفسه، بحيث يُفقد قدرته على الاستمرار خارج الأطر الرسمية.

في مدن الخليج، يتجلى هذا المنطق بأقصى وضوح. إذ لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج مدينة حديثة، بل بإنتاج نموذج حضري مُفرغ من شروطه الاجتماعية. كما يشير ياسر الشيشتاوي، فإن هذه المدن تُبنى وفق منطق "المدينة المُعولمة"، حيث تُستورد النماذج المعمارية والتخطيطية بوصفها علامات على الحداثة، بينما يُعاد تنظيم السكان ضمن هرمية صارمة من الانتماء والإقصاء (شيشتاوي 2008). في هذا السياق، لا يكون الإقصاء عرضًا جانبيًا، بل شرطًا لإنتاج المدينة ذاتها: مدينة بلا تاريخ، بلا ذاكرة، وبلا إمكانية حقيقية للاجتماع خارج منطق السوق. (تحضرني هنا بعض النماذج لخطاب استشراقي بغيض، يطل علينا من نوافذ في مدن أمريكية وأوروبية ينادي بنسخ أفكار تلك المدن لغايات الرقي بمدننا العربية باعتبار تلك الطرائق وكأنها مفهومة طمنًا، ويجري استدعاء حتى أدوات الخطاب بشكل اعتباطي يخلو من الحد الأدنى من الوعي بالموقعية ومحاولة النقد).

أما في عمّان، فإن العنف يأخذ شكلًا مختلفًا، أقل استعراضًا، لكنه لا يقل عمقًا وأثرًا. ما يبدو وكأنه عملية "إعادة تنظيم حضري" أو "تحديث" هو، في جوهره، إعادة هيكلة طبقية للمدينة، تُعاد فيها صياغة الفضاء بما يخدم فئات محددة، بينما تُدفع فئات أخرى إلى أطراف غير مرئية. وهنا، يمكن قراءة هذه العمليات ليس فقط بوصفها إحلالًا طبقيًا  gentrification بالمعنى الكلاسيكي، بل كعملية تفكيك تدريجي للمدينة بوصفها فضاءً مشتركًا.

هذا ما تلتقطه هبة بو عكر في تحليلها لبيروت، وإدامة الحرب بما هي دينامية عملية التخطيط ككل، حيث تُظهر كيف أن التخطيط لا يعمل فقط كأداة تنظيم، بل كأداة لإدارة الصراع وإعادة توزيعه مكانيًا (بوعكر، 2018). فالتقسيم، وإعادة التطوير، وإنتاج المناطق "المستقرة" أو "غير المستقرة"، ليست مجرد نتائج جانبية، بل جزء من منطق تخطيطي يُعيد إنتاج الانقسام الطائفي والحربي بدل تجاوزه. وإذا كان هذا التحليل ينطلق من بيروت، فإنه يكشف بنية أوسع يمكن تتبعها في مدن عربية أخرى، حيث يُستخدم التخطيط لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي وفق خطوط سياسية، طائفية، أو اقتصادية.

في القاهرة، يتخذ هذا المنطق شكلًا أكثر عنفًا، حيث تُمارس الدولة دورًا مباشرًا في تفكيك النسيج العمراني، تحت غطاء "التطوير" و"إزالة العشوائيات". هنا، لا يكون الهدم استثناءً، بل أداة تخطيطية مركزية، يُعاد من خلالها إنتاج المدينة بوصفها فضاءً قابلًا للضبط والسيطرة. وما يُمحى في هذه العملية ليس فقط المباني، بل أنماط حياة كاملة، وعلاقات اجتماعية، وذاكرة حضرية متراكمة.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل هذه الحالات عن بعضها، رغم اختلاف سياقاتها. فما يجمع دبي، وعمّان، وبيروت، والقاهرة، ليس تشابهها، بل اشتراكها في خضوعها لمنطق واحد: إعادة تعريف المدينة بوصفها فضاءً قابلًا للإدارة، لا للعيش. وفي هذا المنطق، لا يكون التخطيط أداة لتحسين الحياة، بل وسيلة لإعادة توزيعها، بحيث تصبح بعض أشكال الوجود ممكنة، بينما تُقصى أخرى.

إن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يعمل دون أن يُعلن نفسه كعنف. فهو يتخفى في لغة التقنية، والتنمية، والاستدامة، وحتى "الحق في المدينة". لكنه، في جوهره، يعيد إنتاج نفس البنية التي تقوم عليها الإبادة العمرانية، وإن بوسائل مختلفة. فإذا كانت الحرب تُدمّر المدينة بشكل مباشر، فإن التخطيط يعيد تشكيلها بحيث تصبح غير قابلة للسكن لبعض سكانها، أو غير قابلة للحياة المشتركة أصلًا. وعليه، فإن الفصل بين الحرب والتخطيط يصبح غير ممكن. فكلاهما يعمل ضمن منطق واحد، يعيد تعريف من يحق له أن يكون داخل المدينة، ومن يجب أن يُدفع خارجها. وهنا، لا تعود المدينة مجرد ضحية للعنف، بل تصبح أداة لإنتاجه، وإعادة توزيعه، وتثبيته في شكلها العمراني ذاته.

غزة سرة العالم ومفتاحه

ليست غزة، في اللحظة الراهنة، ذروة مسار العنف على المدينة العربية فحسب، بل تمثل لحظة كاشفة تُعيد ترتيب أسئلتنا ذاتها. فهي لا تُظهر فقط ما يمكن أن تؤول إليه الإبادة العمرانية في أقصى تجلياتها، بل تتيح أيضًا إعادة فهم العلاقة بين المعرفة، والمدينة، والاستعمار، والرأسمالية خارج الأطر التي طالما حاصرت التفكير في المدينة العربية، كل مقاربة مفصولة بحقلها المعرفي، دون التفكير ولو للحظة بتداخل الحقول المعرفية.

في غزة، لا تُدمَّر المدينة بوصفها بنية مادية فقط، بل بوصفها تاريخًا من العلاقات الحضرية التي ربطت هذا الجزء من العالم ببعضه البعض. فالإبادة الجارية لا تستهدف مكانًا معزولًا، بل تبني على ميراث من القطع الحضري في منطقتنا، ونفي امتدادات حضرية كانت، ولا تزال، تشكل نسيجًا إقليميًا متداخلًا: بين غزة والقاهرة، بين حيفا وبيروت، بين نابلس ودمشق. هذه العلاقات—التي كانت تُنتج المدينة العربية بوصفها فضاءً مفتوحًا، عابرًا للحدود—لم تُفكك في لحظة واحدة، بل عبر مسار طويل من التدخلات الاستعمارية التي أعادت رسم الجغرافيا، وحددت الحركة، وأعادت تنظيم الفضاء بما يخدم منطق السيطرة، وباتت الآن بيد الخطاب الاستهلاكي والريعي، ليعيد بنائها خدمة لدولة الاحتلال.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم ما يحدث في غزة بوصفه انقطاعًا، بل بوصفه امتدادًا. فالإبادة العمرانية الراهنة تتقاطع مع تاريخ أطول من السياسات الاستعمارية التي عملت على تفكيك العلاقات الحضرية في المنطقة، سواء عبر الاستعمار الأوروبي المباشر، أو عبر المشاريع الاستيطانية التي أعادت تشكيل المجال المكاني على نحوٍ يُقصي إمكان الاتصال والاستمرار. وما فعلته السياسات الاستيطانية الإسرائيلية في فلسطين—من فصل المدن عن بعضها، وتفكيك شبكاتها، وتحويلها إلى جزر معزولة، من قرى وبلدات لا ترقى لأن تكون مدينة حديثة—لا يختلف في منطقه عن ما مارسته قوى استعمارية أخرى، كما في الحالة الفرنسية في الجزائر، حيث أُعيد تنظيم المدينة بما يفصل، ويُصنف، ويُخضع، وما يفعله الآن رأس المال.

غير أن ما يجعل غزة لحظة فارقة ليس فقط كثافة العنف، بل وضوحه وبنيته والقدرة الغزية على مواجهته. ففيها، تتقاطع كل المستويات التي اشتغل عليها هذا النص: المحو الإبستيمي، الإبادة العمرانية، العنف التخطيطي، ونقل النماذج الحضرية (مشاريع الاعمار أو الخطط الترامبية). إذ تُظهر غزة، بشكل لا لبس فيه، أن المدينة العربية لم تكن فقط مهمشة في النظرية، بل مستهدفة في الواقع، وأن ما قُدِّم بوصفه "تحديثًا" أو "تخطيطًا" أو "تنمية"، لا يمكن فصله عن بنية أوسع أعادت تعريف من وما يحق له أن يكون داخل المدينة، ومن يجب أن يُدفع خارجها. وعليه، فإن غزة لا تفرض علينا إعادة التفكير في الحرب فقط، بل في المدينة ذاتها: في كيف تشكلت، وكيف فُهمت، وكيف أُعيد إنتاجها ضمن علاقة غير متكافئة بين الشرق والغرب. فهي تكشف أن السؤال لم يكن يومًا تقنيًا—كيف نُخطط المدينة؟—بل كان، وما زال، سؤالًا سياسيًا ومعرفيًا: من يعرّف المدينة؟ ومن يملك حق إنتاجها؟ ومن يُقصى منها، أو يُمحى معها؟

من هنا، لا يمكن أن يكون الاشتباك مع راهنية سؤال المدينة العربية مجرد استجابة لأزمة آنية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع لإعادة النظر في موقعنا تاريخيًا من المدينة ذاتها: ليس بوصفها موضوعًا للتخطيط، بل بوصفها شرطًا للوجود. أي أن السؤال لم يعد كيف نُحسّن مدننا، بل كيف نستعيد الحق فيها—في عمرانها، وفي ذاكرتها، وفي إمكانها، وبمنطق متحرر من المركزيات المفروضة علينا باسم الحداثة وأثمانها.

فاستعادة المدينة العربية، في هذا السياق، لا تعني إعادة بناء ما دُمّر فقط، بل إعادة بناء القدرة على تخيلها خارج النماذج التي فُرضت عليها، وخارج الشروط التي جعلت تدميرها ممكنًا أصلًا. وفي هذا، ربما تكمن المفارقة الأشد: أن المدينة التي تُمحى أمام أعيننا، هي ذاتها التي تفتح أفقًا جديدًا للتفكير—ليس في نهايتها، بل في إمكانها الذي لم يُغلق بعد.

هوامش

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع