فلتكن المقاطعة السينمائية، وبفتح العينين لا إغماضهما

Susan Sarandon

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

المقاطعة الفعّالة حركة لا لحظة. تحتاج إلى وعي جماعي، وإلى توجه واضح، وإلى قيادة تعرف ما تريد وأين تذهب. لا يمكن لكل فرد أن ينتقي ما يقاطعه وفق مزاجه الخاص، ثم يُسمّي ذلك تضامناً. التضامن الحقيقي مُكلف ومُنظَّم ومبني على معرفة.

للكاتب/ة

وكل ما دون ذلك مجرد ضجيج. المقاطعة المُعلَّلة، المحددة، المبنية على مشاهدة ومعرفة، هي التي تصنع تاريخاً. هذه حرب ثقافية، وستُسجَّل في تاريخ السينما. والقضية الفلسطينية تستحق أكثر من لفتات رمزية يسهل تجاهلها، تستحق حججاً لا يمكن دحضها.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

21/06/2026

تصوير: اسماء الغول

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

شفيق طبارة

ناقد سينمائي، يكتب في عدة صحف ومجلات عربية، يغطي سنويا عدداً من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية. عمل كمدير فني لمهرجان "نورينت" في سويسرا. ويعمل مستشاراً فنياً لعدد من شركات الإنتاج العربية والعالمية. أصبح هذا العام مصوت دولي لجوائز الغولدن غلوب.

في كل لحظة تهتزّ فيها البوصلة الأخلاقية، تتبدّل وظيفة الثقافة من مساحة للطمأنينة إلى خطّ تماس. وهذه اللحظة بالذات نعيشها الآن. فمهرجانات السينما، تلك البنى المصقولة بعناية، التي نُصرّ على تخيّلها كجزر محايدة تجمع ما تفرّقه السياسة والحروب، تحوّلت، شاءت أم أبت، إلى إحدى ساحات الصراع الأكثر حساسية في زمننا. منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تزايد الضغط على مهرجانات الأفلام الدولية لإعادة النظر في السينما الإسرائيلية، حتى بات من المستحيل تجاهله. ففي مهرجان البندقية سنة 2024، وقّع أكثر من 300 مخرج وفنّان رسالة مفتوحة يطالبون فيها المهرجان بسحب فيلمي «عن الكلاب والرجال» («On Dogs and Men»)، للمخرج داني روزنبرغ و «لماذا الحرب» («Why War») للمخرج عاموس غيتاي. متهمين كلا العملين بـ«تبييض الإبادة الجماعية بالفنّ». وفي وقت سابق من هذا العام، سحب اثنا عشر مخرجاً أفلامهم من مهرجان مرسيليا الدولي للفيلم (FID Marseille) بين 7 و12 يوليو/تموز 2026، بدلاً من المشاركة في المهرجان مع المخرج الإسرائيلي نداف لابيد الذي دُعيّ للانضمام إلى لجنة التحكيم.

للمقاطعة، كأداة، تاريخ مشروع وجذور راسخة. في ثمانينيات القرن الماضي، حين كان نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لا يزال قائماً، رفض عدد من أبرز صانعي السينما الأمريكيين عرض أفلامهم في ذلك البلد. وقّع مارتن سكورسيزي وسبايك لي وجوناثان ديمي وسواهم على رسالة إلى الرئيس رونالد ريغان عام 1987، طالبين منه دعم المقاطعة. وجاء في البيان المشترك لديمي وسكورسيزي: «بات جلياً أن المقاطعة وسحب الاستثمارات هما الوسيلتان السلميتان الأخيرتان المتاحتان لتحقيق التغيير الاجتماعي في جنوب أفريقيا». لم يصف أحد ذلك بالـ«الكسل الفكري». ولم يتّهم أحد سكورسيزي بمعاداة الفنّ. بل سجّل التاريخ موقفهم باعتباره شهادة أخلاقية في لحظة فارقة.

المقارنة مع ما يجري اليوم ليست دقيقة في كل تفاصيلها، لكنها ليست سطحية أيضاً. حين وقّع أكثر من خمسة آلاف عامل في صناعة السينما على تعهد «عاملون في السينما من أجل فلسطين» في سبتمبر 2025، ومن بينهم سوزان سارندون وأفا وخافيير بارديم ويورغوس لانثيموس وغيرهم. كانوا يستحضرون هذا الإرث بوعي كامل، مؤكدين أن مقاطعتهم ليست موجّهة نحو الأفراد، بل نحو المؤسسات الإسرائيلية المتورطة في التطبيع مع الإبادة. المنطق واحد: حين تُغلق القنوات الدبلوماسية، وحين يصمت المجتمع الدولي، تصبح الثقافة آخر ساحة يمكن فيها أن يُترجَم الموقف الأخلاقي إلى فعل.

ولفهم ما يجري في المهرجانات، علينا أن نعترف بحقيقة بسيطة، المهرجان ليس فضاء محايداً، ولم يكن كذلك قط. المهرجان انتقاء، والانتقاء فعل سياسي. لعقود، كافحت السينما الفلسطينية لدخول هذه الفضاءات، لا لغياب الأفلام ولا لضعف القصص، بل لأن الهياكل المؤسسية للسينما العالمية بُنيت وفق نظام ثقافي غربي حسم ميوله مسبقاً، لصالح السردية الإسرائيلية. لم يكن هذا الخلل صدفة. والسابع من أكتوبر لم يخلق هذا الخلل، بل كشفه أكثر. وما تفعله حركة المقاطعة في أفضل حالاتها هو رفض السماح بالتستر على هذا الكشف. إنها تقول: لا يمكنكم عرض معاناة الفلسطينيين والسينما الإسرائيلية جنباً إلى جنب كأنهما متكافئان.

لهذا السبب، قضية لابيد توضيح لا تناقض. لابيد «معارض» للسياسة الإسرائيلية. لكن المخرجين الذين أرادوا الانسحاب من مرسيليا لم يكونوا يحكمون على توجهاته الشخصية، بل كانوا يطرحون حجة. أن وجود أي مخرج إسرائيلي، مهما بلغت انتقاداته لحكومته، يُعدّ في المناخ الراهن شكلاً من أشكال التطبيع. الحرية الفنية حقيقية وتستحق الدفاع عنها. لكنها لم تكن مطلقة قط ولم تعش بمعزل عن التاريخ. ما يحدث اليوم في المهرجانات ليس نهاية التبادل الثقافي، بل بداية إعادة التفاوض على شروطه. هذه الشروط كتبها أصحاب النفوذ لوقت طويل. المقاطعة مطالبة بإعادة كتابتها، حتى تُعامَل السينما الفلسطينية لا كموضوع لضمير السينما الإسرائيلية، بل كمركز لسرديتها الخاصة.

ولكن، من جهة أخرى، إنّ أنجح أشكال المقاطعة ليست تلك التي تُغمض عينيها وتُدير ظهرها، بل تلك التي تجلس في القاعة، وتُشاهد، وتخرج بحجة لا يمكن دحضها. المقاطعة الحقيقية لا تخاف من الفيلم، بل تواجهه. المقاطعة التي لا تعرف لماذا تقاطع ليست موقفاً، بل أداء. المقاطعة التي تتحوّل إلى أداة للشعور بالتفوق الأخلاقي على الآخرين لا تخدم القضية، بل تُضعفها، لأنها تمنح الخصم الحجة الأسهل: أنتم لا تحاربون سياسة، أنتم تحاربون هوية.

المقاطعة الفعّالة حركة لا لحظة. تحتاج إلى وعي جماعي، وإلى توجه واضح، وإلى قيادة تعرف ما تريد وأين تذهب. لا يمكن لكل فرد أن ينتقي ما يقاطعه وفق مزاجه الخاص، ثم يُسمّي ذلك تضامناً. التضامن الحقيقي مُكلف ومُنظَّم ومبني على معرفة. وكل ما دون ذلك مجرد ضجيج. المقاطعة المُعلَّلة، المحددة، المبنية على مشاهدة ومعرفة، هي التي تصنع تاريخاً. هذه حرب ثقافية، وستُسجَّل في تاريخ السينما. والقضية الفلسطينية تستحق أكثر من لفتات رمزية يسهل تجاهلها، تستحق حججاً لا يمكن دحضها. شاهدوا الأفلام. احضروا العروض. ثم تكلّموا، وحدّدوا، وأدينوا.

نعم السينما سياسية: بيان السينمائيين في مهرجان مارسيليا دعما للمقاطعة

الكاتب: شفيق طبارة

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع