عن المسافة بين ليبيا واسرائيل: في محاولة لترتيب معارفنا

Second Quartet Opus 1 by Kamal Boullata - 37 x 37 cm - 1994

20/09/2026

تصوير: اسماء الغول

عبدالله البياري

كاتب وباحث من فلسطين

عبدالله البياري

في نوفمبر/تشرين الثاني 1961، وقف المعماري الإسرائيلي تسفي ملتزر أمام الملكة إليزابيث الثانية والأمير فيليب، يعرض عليهما تصميمًا مقترحًا لمبنى البرلمان في سيراليون (الصورة 1). لم يكن المشهد مجرد لقاء بين معماري وملكين حول مبنى حكومي في دولة أفريقية نالت استقلالها حديثًا. ما كان معروضًا على الطاولة في حينه كانت صورة إسرائيل عن نفسها: دولة فتية تملك خبرةً قابلة للتصدير في البناء والتخطيط والتنمية.

في الصورة الثانية أدناه يظهر المعماري الإسرائيلي أرييه شارون محاورًا مسؤولًا نيجيريًا بشأن جامعة إيفي، التي أصبحت لاحقًا جامعة أوبافيمي أوولوو. لم يكن شارون معماريًا عابرًا في تاريخ إسرائيل. فقد قاد إعداد أول مخطط قومي للدولة، وأسهم في تحويل الاستيطان والهجرة ومصادرة الأرض وتوزيع السكان إلى مسائل تخطيطية تبدو تقنية ومحايدة. وفي نيجيريا، أُعيد تقديم هذه الخبرة نفسها بوصفها معرفةً مناسبة لبناء دولة أفريقية ما بعد استعمارية.

يصف الجغرافي الإسرائيلي أورون يفتاحئيل آرييه شارون بأنه أبو الصهيونية المعمارية، مشيرًا إلى مركزيته هو وأرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، ومهندس صبرا وشاتيلا، مشيرًا إلى كليهما بالشارونين. بينما تقرأ أيالا ليفين هذه المشروعات الإسرائيلية بوصفها جزءًا من "المخيال الاستيطاني الاستعماري" الذي وجّه النشاط المعماري الإسرائيلي في أفريقيا بين الأعوام 1958 و1973. إذ لم تصدّر إسرائيل إلى سيراليون ونيجيريا مباني جاهزة فحسب؛ صدّرت موقعًا معرفيًا أيضًا. قدّمت نفسها بوصفها دولة من الجنوب، خرجت من الاستعمار وتستطيع مساعدة دول أخرى خرجت منه، بينما أخفت هذه الصورة أن خبرتها في "تعمير الأرض" و"استيعاب السكان" و"التحديث" تشكلت بالأساس داخل عملية اقتلاع الفلسطينيين وإعادة هندسة فضائهم، ومجالهم الحيوي والرمزي والمادي، لكن من أين ومتى يبدأ الاقتلاع هنا؟

(المصدر: كتاب "Architecture and Development" من تأليف أيالا ليفين، صدر عام 2022 عن جامعة ديوك)
(المصدر: كتاب "Architecture and Development" من تأليف أيالا ليفين، صدر عام 2022 عن جامعة ديوك)

لعلنا نختار لحظة أخرى فارقة أخرى هنا بغايات توضيح البنية العلائقية:

 حين سقط حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المغربية عام 2021، صرح أحد نجوم التحليل السياسي على الشاشات العربية وشبكات التواصل الاجتماعي؛ أن هذا السقوط كان ثمنًا لمواقف الحزب التطبيعية مع إسرائيل، ولم يخطر بباله أن يتأمل -ولو قليلًا- السياق المحلي لأداء الحزب الحاكم، ومدى نجاحه أو فشله في مسائل أساسية مثل التعليم والصحة والصناعة والزراعة والعدالة الاجتماعية، والبطالة، البنية التحتية، وغيرها!

أيهما أقرب لنا معرفيًا؟

الأمر ذاته حين تكون معرفة العدو منفصلة عن، وفي بعض الأحيان لها أولوية، على معرفة الذات، بكامل تعدداتها وتنوعاتها. 

قد تكون ليبيا أقرب إلى فلسطين جغرافيًا وتاريخيًا، ومع ذلك تبدو أبعد عنها معرفيًا. يعرف كثير منا أسماء السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، وخرائط الانتخابات الأميركية، والفروق بين لهجات مدن وجغرافيات أمريكية لم نزُرها؛ لكن معرفتنا بليبيا تتوقف غالبًا عند النفط والقذافي والحرب الأهلية، ومجموعة من الصورة ذات الشكل الاستشراقي عن المجتمع الصحراوي. تغيب ليبيا التي قاومت الاستعمار الإيطالي، وليبيا المدن الصحراوية وتقنيات العمران المتكيفة مع المناخ، وليبيا إبراهيم الكوني وما يسميه "أدب الخلوة" ولغة الصحراء التي خصص لها معجمًا فذًا!

ليست المشكلة أننا نعرف إسرائيل أو أميركا أكثر مما ينبغي، بل أننا نعرفهما من داخل نظام يجعل حضورهما معيارًا لما يستحق المعرفة. لذلك لا يكون السؤال: هل نختار معرفة العدو أم معرفة الذات؟ الاختيار نفسه زائف. فلا يمكن معرفة القوة التي تواجهنا من دون معرفة المواقع التي نواجهها منها، ولا يمكن تفسير أثر إسرائيل في المغرب أو نيجيريا أو فلسطين إذا حُوِّلت هذه المجتمعات إلى خلفيات صامتة لفاعلية إسرائيلية مطلقة، وغير مُفكر فيها.

من أين يأتي هذا التأثير الأمريكي علينا، ويتغلغل في مونولوغاتنا الفلسطينية، والفلسطينية العربية، عن العدو والحليف، أمام الآخر الإسرائيلي أو الأمريكي أو أي آخر، أيًا كان. أعتقد أن هذه اللحظة هي لحظة سابقة على اللحظة التي اختارها شاعرنا الراحل محمود درويش في قصيدته "سيناريو جاهز"، التي كتبها في نفس العام الذي مات فيه 2008.

يقول مطلع القصيدة:

لنفترض الآن أنَّا سقطنا،

أنا والعدو،

سقطنا من الجوِّ

في حفرةٍ ...

فماذا سيحدث؟

يبدأ الشاعر قصيدته بافتراض سقوطه وعدوه في حفرة واحدة. تبدو الحفرة مكانًا يسلب الطرفين امتياز الموقع ويضعهما أمام ضرورة مشتركة: الخروج أو انتظار الإنقاذ. غير أن الاشتراك في الحفرة لا يمحو اختلاف الطريق إليها. لا يسقط المستعمِر والمستعمَر من السماء نفسها، ولا يحملان معهما الموارد والذاكرة والقدرة ذاتها. هنا يفيد تمييز إدوارد سعيد بين "الأصل" و"البداية": البداية ليست نقطة بريئة تسبق التاريخ، بل فعل دنيوي يصنع شروطه ومنهجه. السؤال، إذن، ليس فقط ماذا يحدث بعد السقوط، بل: من أين بدأ كل طرف سقوطه؟ ومن امتلك أصلًا القدرة على تعريف الحفرة؟

المسافة المعرفية وموقعية النظر

لا تُقاس المسافة المعرفية بين مجتمع وآخر بعدد الكتب أو الأخبار المتاحة عنه، بل بالقوى التي تنظّم حضوره في المخيال، وتحدد المفردات التي ندركه بها، والزاوية التي ننظر منها إليه. فالإعلام والسينما واللغة والجامعة ومراكز الأبحاث والمدارس لا تعكس عالمًا مكتملًا يقع خارجها؛ إنها تشارك في ترتيب العالم وبناء علاقاته المتنوعة والمركبة، فتجعل بعض الأمكنة مركزًا للمعنى، وبعضها الآخر هامشًا أو فراغًا أو موضوعًا مؤجلًا ينتظر أن يفسّره المركز، أو أن يأتي – إن أتى بعده-. بهذا المعنى، لا تكون المسافة بين ليبيا وإسرائيل مسافة جغرافية، بل نتيجةً لاقتصاد سياسي للمعرفة: إسرائيل، مثل الولايات المتحدة، تمتلك من المؤسسات والصور والخطابات وشبكات الترجمة والتمويل، والعداوة، ما يجعلها حاضرة في وعينا حتى حين نريد مقاومتها، بينما تبقى ليبيا، مثل أجزاء واسعة من أفريقيا والعالم العربي، غائبة إلا في صور النفط والصحراء والحرب والفشل السياسي، وكوميديا الدكتاتور.

واللغة داخل هذا الاقتصاد ليست أداة محايدة لنقل المعرفة؛ بل تحمل معها تصنيفًا مسبقًا للعالم، وتحدد ما يمكن أن يظهر بوصفه مفهومًا حديثًا أو جديرًا بالمعرفة. يبيّن نغوجي واثيونغو أن الاستعمار اللغوي لا يكتفي بإحلال لغة المستعمِر محل لغة المستعمَر، بل يفصل لغة التفكير والتعليم والارتقاء الاجتماعي والتخيل عن لغة الحياة اليومية والذاكرة الجماعية. (1) ينشأ عن هذا الفصل ذاتٌ تتعلم أن ترى نفسها من خارجها: لا تنعدم قدرتها على الكلام (بل بالعكس أحيانًا)، لكنها تضطر إلى المرور عبر لغة ومؤسسات ومعايير ومنظومات معرفة، لم تصنعها كي يصبح كلامها قابلًا للاعتراف. لذلك لا تكمن هيمنة الإنجليزية في انتشارها وحده، بل في تحولها إلى بوابة للجامعة والمنحة والنشر والترجمة والسفر والوجاهة المهنية. إنها لا تمنح الأسماء للأشياء فقط؛ تمنح بعض الأسماء قابليةً أكبر للتداول والتصديق. لكن اللغة لا تعمل منفردة. فالسينما والمنصات والموسيقى والأخبار والثقافة الشعبية تصنع ألفةً يومية مع المركز. تعلّمنا أسماء مدنه، وإيقاع شوارعه، ولهجات سكانه، وتفاصيل حياته المنزلية، قبل أن نمتلك معرفة مماثلة بمدن تقع داخل مجالنا الجغرافي والتاريخي، فنعرف اللهجات الأمريكية والبريطانية قبل أن نعرف اللهجة الليبية أو المغربية. وما يبدو انفتاحًا على العالم قد يكون، في جانب منه، انفتاحًا انتقائيًا على العالم كما رتّبته صناعة الثقافة، ورأسماليتها. تشير إيلا شوحاط وروبرت ستام إلى أن المركزية الأوروبية في السينما والإعلام لا تتحقق فقط بحضور الشخصيات الأوروبية والغربية، بل كذلك من خلال توزيع القدرة على النظر والسرد والحركة: يحتل الغرب موقع الذات التي تسافر وتكتشف وتفسّر، بينما تظهر بقية الشعوب بوصفها مشهدًا أو مشكلة أو خلفيةً لفعل غيرها.(2) ليست الصورة السينمائية، إذن، تمثيلًا لاحقًا للعالم؛ إنها إحدى التقنيات التي يُنتج العالم من خلالها بوصفه مركزًا وأطرافًا.

وتستكمل الجامعة ومراكز الأبحاث هذا الترتيب حين تحول التفاوت في القوة إلى تفاوت في سلطة التسمية. فالجامعة لا تقرر ما الذي نعرفه فحسب، بل من يحق له أن يظهر بوصفه منتجًا للمعرفة، ومن يبقى "حالةً دراسية" أو مخبرًا محليًا أو مزودًا للبيانات. في الدراسات المتعلقة بفلسطين مثلًا، كثيرًا ما تتحول الخبرة الفلسطينية المعاشة إلى مادة أولية تجمعها مؤسسات أو باحثون محليون، ثم يعاد تركيبها داخل جامعات الشمال في لغة نظرية تحصل على الاعتراف والاستشهاد والتمويل. هذه ليست سرقة مباشرة بالضرورة؛ إنها بنية تقسيم للعمل المعرفي: يحتفظ طرف بالمعاناة والمعلومة والوصول إلى الميدان، بينما يحتفظ طرف آخر بالمفهوم والتأليف والقدرة على التعميم. هنا تتقاطع الاستعمارية المعرفية مع ما يمكن تسميته "الرأسمالية المعرفية". فالمعرفة لا تتداول خارج علاقات السوق، بل تتحول إلى قيمة قابلة للقياس عبر التصنيفات والاستشهادات والمنح والمشروعات والشراكات والاستشارات. 

"معرفة العدو" أم التمركز حوله وإنتاج الذات من خلاله؟

قد يُقال إن معرفة اللهجات الأميركية، والفروق الثقافية بين الولايات، وبنية المجتمع والاقتصاد الأميركيين، أولى من معرفة ليبيا أو نيجيريا أو المغرب، لأن "معرفة العدو واجبة". تنطوي هذه العبارة على جزء صحيح يصعب إنكاره: فمن موقع فلسطيني يواجه استعمارًا استيطانيًا تدعمه الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، تصبح معرفة مؤسسات القوة الأميركية، وتحالفاتها، واقتصادها السياسي، وصناعة سلاحها، وآليات إنتاج خطابها، ضرورةً من ضرورات المقاومة. لكن العبارة تخفي انتقالًا غير مبرهن عليه؛ إذ تنتقل من ضرورة المعرفة الاستراتيجية بالعدو إلى منح مجتمعه وثقافته وتفاصيل حياته اليومية أولوية معرفية على مجتمعات أخرى. وبين الأمرين مسافة لا يجوز اختزالها. فمعرفة بنية القوة التي تواجهنا شيء، وتحويل عالم هذه القوة إلى مركز نقيس انطلاقًا منه قيمة كل معرفة شيء آخر. فليست كل معرفة بالولايات المتحدة معرفةً لازمة لمواجهتها، مثلما أن معرفة ليبيا أو نيجيريا أو المغرب ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الفراغ من دراسة العدو، أو التحرر. السؤال ليس ما إذا كانت معرفة المجتمع الأميركي مفيدة؛ فهي كذلك بلا شك. السؤال هو: كيف أصبحت أولويتها بديهية إلى هذا الحدّ؟ ومن رتّب لنا درجات الأهمية هذه؟ ولماذا تبدو معرفة الفروق بين لهجات نيويورك وتكساس، أو الساحل الشرقي والغربي، أو رموز ثقافة البوب، أو تفاصيل الحياة الجامعية الأميركية، علامةً على الثقافة والانفتاح على العالم، بينما تُعامل معرفة الطوارق في ليبيا، أو الهوسا واليوروبا في نيجيريا، أو البنى اللغوية والطبقية في المغرب، بوصفها معرفةً محلية ضيقة؟ لا تفسر الضرورة السياسية هذا التفاوت وحدها؛ بل تكشف أيضًا نجاح المركز الأميركي في تقديم تفاصيله الخاصة بوصفها تفاصيل العالم، وفي تحويل خبرته التاريخية المحدودة إلى معيار كوني للإدراك، وتعريف المهم والأقل أهمية.

لقد صنعت السينما والمسلسلات والموسيقى والمنصات الرقمية والإعلام هذه الألفة قبل أن نصوغ لها تبريرًا نضاليًا. فنحن لا نبدأ عادةً من قرار واعٍ بأن نعرف العدو، ثم نجمع المعرفة الضرورية عنه؛ بل نجد أنفسنا، منذ الطفولة، داخل عالم صوره وأصواته ومدنه ولهجاته. نعرف شكل المدرسة والضاحية والمحكمة والجامعة الأميركية، ونفهم الإشارات الثقافية المتبادلة بين سكانها، لأن صناعة الثقافة كررتها حتى بدت معرفةً طبيعية لا تحتاج إلى تفسير. يوضح إدوارد سعيد أن الثقافة ليست مجالًا منفصلًا عن الإمبراطورية، بل من الحقول التي تروي فيها القوة قصتها عن نفسها وعن الآخرين، وتحوّل موقعها الخاص إلى مركز سردي للعالم.(3) وتبيّن إيلا شوحاط وروبرت ستام أن المركزية الأوروبية في السينما والإعلام لا تعمل فقط من خلال تشويه صورة الشعوب غير الغربية، بل من خلال توزيع متفاوت للقدرة على النظر والسرد والحركة: يحتل الغرب موقع الذات التي تكتشف وتفسّر، فيما تظهر بقية المجتمعات بوصفها مشهدًا أو مشكلةً أو خلفية لفعل غيرها.(4)

بعد ذلك يأتي خطاب "معرفة العدو" ليمنح الألفة التي صنعتها الهيمنة تبريرًا سياسيًا. وهنا تكمن المفارقة: ما دخل وعينا بفعل التفوق الثقافي والتقني للرأسمالية الأميركية وبنيته الاستهلاكية واقتصادها السياسي والرمزي، يعاد تقديمه باعتباره اختيارًا واعيًا تفرضه المقاومة والنضال. تتحول مشاهدة المركز المستمرة إلى يقظة سياسية، ويُمنح استهلاك تفاصيل حياته معنىً نضاليًا لا يحمله بالضرورة. لا يعني ذلك أن السينما الأميركية أو معرفة لهجات المجتمع الأميركي عديمة القيمة؛ بل يعني أن فائدتها لا تمنحها أولوية مطلقة، وأن شيوعها ليس دليلًا على ضرورتها. فكثير مما نعرفه عن أميركا لا نعرفه لأننا اخترناه وفق حاجاتنا، بل لأن أميركا امتلكت القدرة المادية على جعل عالمها قابلًا للتعميم والاستهلاك، وأقحمته في حياتنا اليومية.

تؤدي اللغة دورًا مركزيًا في إنتاج هذه القابلية. فالإنجليزية ليست مجرد وسيلة للوصول إلى معرفة محايدة، بل هي جزء من البنية التي تحدد ما يظهر بوصفه معرفةً أصلًا. يميز نغوجي واثيونغو بين اللغة بوصفها وسيلةً للتواصل واللغة بوصفها حاملةً للثقافة والذاكرة التاريخية، ويرى أن الاغتراب الاستعماري يحدث حين تنفصل لغة التفكير والتعليم والتقدم الاجتماعي عن لغة الحياة اليومية للجماعة المستعمَرة.(5) لا تفرض اللغة الاستعمارية أسماء جديدة على الأشياء فحسب؛ إنها تعيد ترتيب علاقة الذات بالعالم، فتجعل المعرفة القادمة من المركز أكثر قابليةً للتصديق والتداول والتماهي، بينما تحتاج المعرفة المنتجة في اللغات المحلية إلى الترجمة والتزكية الخارجية كي تُعامل بوصفها معرفةً عامة.

وحين نعتمد هذا الاقتصاد السياسي حتى وإن استخدمناه لنقد المركز، ومواجهة "العدو" (كما يحلو للبعض أن يقول) قد نبدأ من الخريطة التي رسمها هو للمشكلة. تصبح إسرائيل هي المدخل إلى معرفة نيجيريا، وتصبح الولايات المتحدة المدخل إلى فهم المغرب، ولا تظهر ليبيا إلا حين تتحول إلى ساحة لتدخل غربي. بذلك لا نعرف هذه المجتمعات من تاريخها وأسئلتها وصراعاتها الداخلية، بل من اللحظة التي تدخل فيها مجال رؤية المركز. هنا يظهر الفرق الجوهري بين معرفة تقاوم العدو ومعرفة تتمركز حوله. المعرفة الأولى تدرس الولايات المتحدة وإسرائيل داخل شبكة علاقاتهما بالعالم: رأس المال، والتسليح، والاستعمار، والجامعة، والإعلام، والتحالفات المحلية والإقليمية. أما الثانية فتتعامل معهما بوصفهما عالمًا مكتفيًا بذاته، ثم تجعل بقية المجتمعات هوامش لا تظهر إلا حين تتصل بهما، فتصبح معرفة ليبيا أقل أهمية من جغرافيا اللهجات الأمريكية. ندرس أفريقيا عندما تبحث إسرائيل عن النفوذ فيها، ونقرأ المغرب عندما يطبّع معها، ونتذكر ليبيا حين تتدخل فيها الولايات المتحدة أو أوروبا. وحتى نقدنا لتمدد المركز الغربي إنما يعيد تثبيته بوصفه الفاعل الوحيد، بينما تظهر المجتمعات الأخرى مجرد مسارح لأفعاله.

لذلك فإن معرفة إسرائيل في أفريقيا من دون معرفة أفريقيا لا تنتج إلا معرفةً بإسرائيل. إنها تخبرنا بقدرة الدولة الإسرائيلية على تصدير خبراتها وشبكاتها، لكنها لا تفسر الشروط السياسية والاقتصادية التي دفعت دولًا أفريقية حديثة الاستقلال إلى التعامل معها، ولا الخيارات التي امتلكها الفاعلون الأفارقة، ولا الصراعات التي دارت داخل هذه المجتمعات حول معنى التنمية والدولة الحديثة. وبالمثل، فإن تفسير خسارة حزب العدالة والتنمية في المغرب من خلال موقفه من التطبيع وحده لا يكشف مركزية إسرائيل في السياسة المغربية بقدر ما يكشف مركزيتها في وعي المُحلل؛ إذ تتحول إسرائيل إلى سبب جوهراني يحجب أداء الحزب في الحكم، والبنية السياسية للدولة، ومسائل التعليم والصحة والبطالة والعدالة الاجتماعية.

يسمي بوافنتورا دي سوزا سانتوس تدمير المعارف التي تنتجها الشعوب الخاضعة للاستعمار أو نزع الشرعية عنها «إبادةً معرفية»، مؤكدًا أن العدالة الاجتماعية العالمية لا يمكن فصلها عن العدالة المعرفية.(6) على هذا الأساس، لا يكون جهلنا بليبيا أو نيجيريا أو المغرب مجرد نقص فردي في القراءة، بل أثرًا لتقسيم عالمي للعمل المعرفي: تنتج بعض المجتمعات التجربة والمواد الخام، بينما يحتفظ المركز بحق بناء النظرية وتحديد ما يستحق المعرفة. لا يعني ذلك أن ليبيا ونيجيريا والمغرب تؤلف “ذاتًا” واحدة نقية يمكن وضعها في مواجهة الغرب. فلكل مجتمع تاريخه وتفاوتاته وصراعاته، كما أن الموقعية الفلسطينية لا تتطابق مع موقعيات العرب أو الأفارقة جميعًا بالضرورة. يعيش الفلسطيني علاقة استعمارية استيطانية مباشرة، بينما يتكلم الباحث العربي من مواقع متباينة تحددها الدولة والطبقة والجنسية واللغة وعلاقته بالمؤسسات الغربية. لكن معرفة هذه المجتمعات تزعزع الخريطة التي تجعل الغرب ذاتًا عارفة، وبقية العالم موضوعات متفرقة لمعرفته. وهي تفتح إمكان إنتاج علاقات معرفية أفقية بين المجتمعات المستعمَرة وما بعد الاستعمارية، من دون محو اختلافاتها أو ردّها إلى هوية حضارية متجانسة و/أو جوهرانية.

بالنسبة إلى الفلسطيني، لا تتعارض معرفة العدو مع معرفة الذات والجوار؛ بل تشترط إحداهما الأخرى. لا يستطيع الفلسطيني تجاهل إسرائيل أو الولايات المتحدة، لأنهما تدخلان ماديًا في شروط حياته وفي تنظيم الأرض والحركة والحياة والموت. لكنه لا يستطيع معرفة موقعه إذا جعل العدو المصدر الأساسي للمفاهيم والخرائط والأسئلة. وقد نبّه فانون إلى أن الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على المجال المادي، بل يعيد تنظيم اللغة والرغبة ومعايير الاعتراف داخل الذات المستعمَرة نفسها. يحقق الاستعمار انتصارًا معرفيًا حين يصبح مركز المخيال الذي يفكر المستعمَر من خلاله، حتى في لحظة مقاومته؛ أي حين ننشغل بما يقوله المستعمِر عن نفسه وعنا إلى درجة نفقد معها القدرة على رؤية علاقات وتجارب لا تمر عبره.(7)

من هنا يبدأ تمرين الانعكاسية المناهضة للاستعمار. لا يسأل هذا التمرين: لماذا نعرف عدونا؟ بل يسأل: أي معرفة نحتاجها عنه؟ ومن أي موقع ننتجها؟ وما الذي نحجبه حين نجعله مركز انتباهنا؟ وهل تساعدنا هذه المعرفة على تفكيك سلطته، أم تمنحه حضورًا إضافيًا داخل وعينا؟ لا تكون معرفة العدو تحررية لمجرد أن موضوعها هو العدو؛ تصبح تحررية حين تُنتج انطلاقًا من أسئلة المستعمَرين، وترتبط بمعرفة تاريخهم ومجتمعاتهم وعلاقاتهم بالعالم، وتعيد وضع العدو في حجمه التاريخي بدل أن تحوله إلى أفق يحيط بكل شيء.

لهذا ليست معرفة ليبيا أو نيجيريا أو المغرب بديلًا أخلاقيًا عن معرفة إسرائيل أو الولايات المتحدة، وليست الدعوة إلى معرفة الجوار دعوةً إلى الانغلاق أو تمجيد القرب الجغرافي، أو حتى انفصال عن المعرفة المناهضة للاستعمار، على المستوى البراغماتي. المسألة هي مقاومة احتكار المركز لحق ترتيب العالم بالنسبة إلينا. فإذا أصبحت ثقافة العدو ولهجاته وتفاصيل حياته أولى بالمعرفة لمجرد أنه الأقوى، فإننا لا نكون قد عرفناه كي نتحرر منه؛ نكون قد قبلنا منطقه الأول: أن تتحدد قيمة الأشياء والأمكنة والثقافات بحسب قربها منه. معرفة العدو واجبة، نعم؛ لكن معرفة العالم من خلال العدو وحده ليست مقاومةً له، بل أحد الآثار الأعمق لاستمرار سلطته.

"كنيس الخراب": نقد الصهيونية من داخل مكتبتها؟

يمثل كتاب "كنيس الخراب: الصهيونية والاستيطان والعمارة" للباحث والمعماري المصري المجتهد أحمد حمدي عبد العظيم نموذجًا كاشفًا للمفارقة التي ناقشناها سابقًا. صدر الكتاب عن دار مدارات للأبحاث والنشر سنة 2024، في لحظة تواجه فيها فلسطين، ومعها لبنان والمنطقة، حربًا إسرائيلية تتقاطع فيها الإبادة البشرية مع التدمير المنهجي للمدن والبنية التحتية وشروط الحياة. وتنبع أهمية الكتاب من أنه لا يعامل العمارة الصهيونية بوصفها تاريخًا للأساليب والأشكال، بل يربطها بإنتاج الاستيطان وبناء الدولة وتنظيم الأرض والسكان. كما يجمع بين المقاربة المعمارية والعمرانية والتحليل التاريخي والسياسي، ويستند إلى طيف واسع من الوثائق والأرشيفات والمراجع. بهذا المعنى، يقدم الكتاب مساهمة عربية مهمة، بل نادرة، في نقل العمارة الإسرائيلية من حقل الوصف الجمالي والتقني إلى حقل تحليل القوة الاستعمارية، المكانية.

لكن فرادة الكتاب لا تعفيه من مساءلة شروط إنتاج معرفته. على العكس، تجعل هذه المساءلة أكثر ضرورة؛ لأن المشكلة لا تقع خارج حجته المناهضة للصهيونية، بل داخل الجهاز المرجعي الذي تبني الحجة من خلاله سلطتها. يعتمد الكتاب، في القسم الأكبر من بنائه النظري والتاريخي، على مراجع إسرائيلية وغربية، من دون أن يجعل المؤسسات واللغات والشروط السياسية التي أنتجت هذه المعرفة موضوعًا للنقد بالقدر نفسه. لا تكمن المشكلة في استخدام هذه المراجع؛ إذ لا يمكن دراسة العمارة الصهيونية من دون العودة إلى الأرشيف الإسرائيلي وإلى ما أنتجه المعماريون والمؤرخون والجغرافيون الإسرائيليون والغربيون. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المعرفة، بما تحمله من تصنيفات وحدود حقلية ومواقع مؤسسية، إلى نقطة الانطلاق الطبيعية للتحليل، بينما تغيب مساءلة الكيفية التي أصبحت بها الأكاديميا الإسرائيلية والغربية المرجع الأكثر شرعيةً حتى للخطاب الذي يريد تفكيك الصهيونية. إن الاعتماد على مصدر إسرائيلي وغربي لا يعني تبني موقفه السياسي، مثلما أن الاستشهاد بباحث غربي لا يجعل الكتاب استعماريًا. لكن الحياد الظاهري للمصدر لا يلغي موقعه داخل علاقات إنتاج المعرفة. فالأرشيف الإسرائيلي، مثلًا، ليس مخزنًا بريئًا للوثائق؛ إنه جزء من جهاز الدولة الذي حفظ بعض الوقائع، وسمّى الفاعلين والأمكنة، وأخفى وقائع أخرى، ونظّم إمكان الوصول إليها. وكذلك لا تتحول الدراسات الإسرائيلية النقدية تلقائيًا إلى معرفة مناهضة للاستعمار لمجرد أنها تنتقد الاستيطان أو التخطيط الإثنوقراطي (كما يفعل أورين يفتاحئيل). فقد تظل الدولة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي والفاعلون الصهاينة مركز السرد، فيما يظهر الفلسطيني بوصفه نتيجةً لفعلهم: مُهجّرًا، أو مُصادَر الأرض، أو موضوعًا للضبط الديموغرافي، لا منتجًا للمكان والمفهوم والمعرفة.

تتجلى هذه المشكلة على نحو أوضح في الغياب شبه الكامل عن الكتاب للإنتاج الفلسطيني والعربي الذي تناول الصهيونية من خلال الأرض والعمارة والتخطيط والقانون والجغرافيا والذاكرة. ولا ينتقص تسجيل هذا الغياب من فرادة الكتاب أو من قدرته على تفكيك الآلة المكانية والمعمارية للاستعمار الإسرائيلي؛ بل يضع هذه المساهمة المهمة في مواجهة الحقل المعرفي الذي كان يمكن أن تحاوره وتوسّع امتداداته. فقد راكم باحثون وممارسون فلسطينيون وعرب، من مواقع مؤسسية وتخصصات ولغات مختلفة، معرفةً لا يجوز اختزالها في "شهادة محلية" على أفعال الاستعمار، لأنها أسهمت في إنتاج المفاهيم والمناهج التي يمكن التفكير من خلالها في الأرض والقانون والعمران والحركة والذاكرة. يمتد هذا الحقل من أعمال أحمد أمارة ونبيه بشير ومنصور نصاصرة في الأرض والقانون والتاريخ، إلى مساهمات راسم خمايسي (الذي يرد اسمه في المراجع مرة واحدة فقط!) وعروة سويطات (صاحب مشروع إعادة إحياء الركام في حيفا) وهبة يزبك في التخطيط والتحولات الحضرية، وأعمال عمر جابري سلامنكا وناصر أبو رحمة في البنية التحتية والحركة والاستعمار؛ كما يشمل ما قدمته نورا عكّاوي وساندي هلال وسعاد العامري وخلدون بشارة في العمارة والتهجير والممارسة المكانية، وهنيدة غانم وهمّت زعبي وفلسطين نايلي في الذاكرة والمكان والتحول الاجتماعي، وسليم تماري في التاريخ الاجتماعي للمدينة والعمران. ويضاف إلى ذلك إنتاج رنيم عياد وأباهر السقا وندى أبو سعادة ومهند حديد ويوسف طه، فضلًا عن دراسات نورهان أبو جدي في الإبادة العمرانية ضمن السياق الاستعماري الاستيطاني والتي استبقت حرب الإبادة على غزة في التنبيه إلى ديناميكية وعضوية فعل الإبادة في الآلة الاستعمارية الصهيونية، وأبحاث عبد الرحمن كتانة في تاريخ العمارة المحلية، ولا سيما عمارة نابلس، وإعادة الإعمار ومصائر المدن الفلسطينية، وعبد الرحيم الشيخ ومباحثه عن العلاقة بين المكان والثقافة واللغة، وحسين البرغوثي، إلى جانب باحثين وباحثات آخرين لا تسمح هذه الإشارة المختصرة بحصرهم. لا تكمن دلالة هذا الغياب في عدد الأسماء غير الواردة فحسب، بل في استبعاد تقاليد معرفية كان من شأن حضورها أن ينقل الفلسطيني من موقع موضوع العمارة الاستعمارية والمتلقي لآثارها إلى موقع المنتج للمفهوم، والمؤوّل للمكان، وصاحب السلطة على رواية تحوله.

وهنا لا ينبغي اختزال النقد في المطالبة بحصة تمثيلية لأسماء فلسطينية داخل البيبليوغرافيا. فالمراجع لا تتساوى في وظيفتها داخل النص. قد يحضر الباحث الفلسطيني مرة أو مرتين بوصفه مصدرًا لمعلومة عن قرية أو مخطط أو سياسة مصادرة، بينما تُمنح المراجع الغربية والإسرائيلية سلطة تعريف المفاهيم الكبرى: الحداثة، والاستيطان، والأمن، والتخطيط، والدولة، والعمارة القومية. عندئذ يكون الفلسطيني حاضرًا بوصفه حاملًا للخبرة أو مزودًا بالمادة، لكنه غائب بوصفه صاحب نظرية ومنتجًا لمفاهيم قابلة للتعميم والمراكمة في إحداث عصيان معرفي. لذلك لا يكفي أن نسأل: كم باحثًا فلسطينيًا ورد في الكتاب؟ بل ينبغي أن نسأل: أين ورد؟ ولأي غرض؟ وهل استُدعي لإثبات واقعة محلية، أم لتشكيل المنهج وتحديد السؤال وإنتاج المفهوم؟

من هذه الزاوية، تصبح قائمة المراجع وثيقةً موازية لمتن الكتاب. إنها لا تخبرنا فقط بما قرأه المؤلف، بل تكشف الجغرافيا التي منحها سلطة إنتاج المعرفة. ترى الجغرافية النسوية السوداء كاثرين ماكيتريك أن الحواشي والمراجع ليست جهازًا تقنيًا محايدًا ملحقًا بالنص؛ إنها جزء من الطريقة التي تُبنى بها الجماعات الفكرية، وتُعترف بها بعض الأنساب المعرفية، بينما تُترك أنساب أخرى خارج مجال الرؤية.(8) وفي حوارها النظري الطويل مع سيلفيا وينتر، تربط ماكيتريك بين إنتاج المعرفة وبين النظام الذي يحدد من يستطيع أن يظهر بوصفه إنسانًا كاملًا وذاتًا عارفة؛ فتصنيفات المعرفة الحديثة ليست منفصلة عن تاريخ الاستعمار والعنصرية، بل أسهمت في إنتاجهما ومنحهما لغةً علمية وإنسانية.(9)

وفق هذا الفهم، لا تكون الإحالة مجرد اعتراف بأسبقية فكرة، بل فعلًا يعيد توزيع السلطة داخل الحقل المعرفي. كل إحالة تقيم علاقةً بين النص الحاضر ونسب فكري سابق، وتمنح هذا النسب حياةً جديدة من خلال التداول والاستشهاد والتدريس. وكل غياب متكرر يسهم، ولو من دون قصد، في إبقاء إنتاج كامل خارج حدود الحقل. لهذا يمكن لكتاب معادٍ للصهيونية سياسيًا أن يعيد إنتاج مركزية الأكاديميا الإسرائيلية والغربية معرفيًا: ينتقد النتائج الاستعمارية، لكنه يعتمد التقسيم نفسه للعمل المعرفي الذي يحتفظ للمؤسسة الغربية أو الإسرائيلية بحق إنتاج النظرية، ويضع الفلسطيني في موقع الحالة أو الضحية أو موضوع الدراسة. (وهذا ليس هو الحال مع كتابنا هنا!) يكشف ذلك شكلًا من أشكال الرأسمالية المعرفية، حيث لا تتوزع قيمة المعرفة بحسب دقتها وحدها، بل بحسب اللغة والمؤسسة وشبكات النشر والاستشهاد التي تحملها. فالعمل المنشور بالإنجليزية عن فلسطين، والصادر عن جامعة غربية، يملك قدرةً أكبر على الانتقال والتحول إلى مرجع عالمي من عمل عربي أو فلسطيني قد يكون أقرب إلى المكان وأكثر اتصالًا بأرشيفه الاجتماعي. وعندما يعيد الباحث العربي بناء مكتبته من الأعمال التي نجحت داخل هذه الدورة العالمية، فإنه قد يعيد إنتاج نتائج الانتقاء المؤسسي السابقة من دون أن يقصد: يستشهد بما جعلته السوق الأكاديمية مرئيًا، ثم يستنتج من مرئيته أنه الأكثر أهمية.

وجب التنبه إلى أن نقد هذا التراتب لا يعني تفضيل المرجع الفلسطيني لأنه فلسطيني، ولا افتراض أن القرب من التجربة يضمن صحة المعرفة. قد يعيد باحث فلسطيني إنتاج التصنيفات الاستعمارية، وقد يقدم باحث إسرائيلي أو غربي نقدًا جذريًا لها. المعيار ليس هوية المؤلف وحدها، بل موقع السؤال، وطبيعة الأرشيف شبكته التراتبية، والعلاقة بالمجتمع المدروس، واللغة التي تُصاغ بها المفاهيم، والسلطة التي يكتسبها النص داخل مؤسسات المعرفة. غير أن رفض الاختزال الهوياتي لا يبرر تجاهل التفاوت البنيوي: فحين يغيب إنتاج الفلسطينيين جماعيًا عن كتاب موضوعه استعمار مكانهم، لا يعود الغياب مجرد مصادفة ببليوغرافية، بل يصبح سؤالًا عن شروط رؤية هذا الإنتاج والاعتراف به.

هنا تتضح المفارقة التي يمثلها "كنيس الخراب"، على فرادته. إنه كتاب مهم في نقد الصهيونية المعمارية، لكنه يتيح لنا في الوقت نفسه رؤية مدى اعتماد هذا النقد على المكتبة التي أنتجتها الصهيونية والأكاديميا الغربية عنها. وهو لا يفشل بسبب هذا التناقض؛ بل يكشف معضلة أوسع يعيشها البحث العربي المناهض للاستعمار: كيف نستخدم أرشيف المستعمِر ومعرفته النقدية من دون أن نجعلهما بداية المعرفة ونهايتها؟ وكيف نقرأ ما أنتجته الجامعات الغربية والإسرائيلية، لا باعتباره سلطةً جاهزة، بل بوصفه معرفةً متموضعة ينبغي وضعها في حوار وصراع مع المعارف الفلسطينية والعربية؟

لا تستهدف هذه الملاحظة التقليل من قيمة الكتاب، بل دفع منطقه النقدي خطوة إضافية. فإذا كانت أطروحته تبرهن أن العمارة ليست بناءً محايدًا، فإن قائمة المراجع ليست هي الأخرى بناءً محايدًا. العمارة ترتب الأجساد والأمكنة وحقوق الحركة؛ والبيبليوغرافيا ترتب الأصوات والسلطات وحقوق إنتاج المفهوم. وكما يمكن لمبنى حديث وجميل أن يؤدي وظيفةً استعمارية، يمكن لنص مناهض للاستعمار أن يحتفظ، داخل هندسة مراجعه، بمركزية المؤسسة التي يعارضها. تبدأ القراءة المناهضة للاستعمار حين نقرأ الكتاب ومكتبته معًا: ما يقوله النص، ومن سمح له النص بأن يتكلم، ومن جعله مادةً للكلام، ومن تركه خارج الجدار.

هكذا تعيدنا مكتبة "كنيس الخراب" إلى السؤال الأول: ما الفاصل بين ليبيا وإسرائيل؟ إنه ترتيب معرفي يجعل العدو أقرب إلينا من جوارنا، ويمنحه سلطة الحضور حتى داخل النص الذي يقاومه. إسرائيل هي العدو الاستعماري المادي، لكن مقاومتها تظل ناقصة إذا بقيت المرجع الذي نعرف من خلاله فلسطين والعرب وأفريقيا، ونرتب العالم من خلاله. ليست معرفة العدو أن نجعله مركز العالم، بل أن نعيده إلى موقعه داخل عالم نعرفه نحن، ومن مواقع وأسئلة ومراجع لا يحددها وحده.

الهوامش:

  1. Ngũgĩ wa Thiong’o, "Decolonising the Mind: The Politics of Language in African Literature”, (London: James Currey, 1986).
  2. Ella Shohat and Robert Stam, "Unthinking Eurocentrism: Multiculturalism and the Media", 2nd ed. (London: Routledge, 2014).
  3. Edward W. Said, “Culture and Imperialism”, (New York: Alfred A. Knopf, 1993).
  4. Ella Shohat and Robert Stam, “Unthinking Eurocentrism: Multiculturalism and the Media”, 2nd ed. (London: Routledge, 2014). 
  5. Ngũgĩ wa Thiong’o, “Decolonising the Mind: The Politics of Language in African Literature”, (London: James Currey, 1986)
  6. Boaventura de Sousa Santos, “Epistemologies of the South: Justice against Epistemicide”, (Boulder, CO: Paradigm Publishers, 2014).
  7. Frantz Fanon, “Black Skin, White Masks”, trans. Richard Philcox (New York: Grove Press, 2008)
  8. Katherine McKittrick, “Dear Science and Other Stories” (Durham, NC: Duke University Press, 2021). يقدم الكتاب الحكاية والممارسة الإحالية والمنهج بوصفها مكونات مترابطة في إنتاج المعرفة السوداء والمناهضة للاستعمار. 
  9. Sylvia Wynter and Katherine McKittrick, “Unparalleled Catastrophe for Our Species? Or, to Give Humanness a Different Future: Conversations,” in “Sylvia Wynter: On Being Human as Praxis”, ed. Katherine McKittrick (Durham, NC: Duke University Press, 2015), 9–89. 
لا تقدم وينتر “نظرية في قوائم المراجع” بالمعنى المباشر؛ إنما تطرح مقاربة لفهم نظام المعرفة الذي يحدد الإنسان والذات العارفة، ثم تحاول ماكيتريك تحليل الممارسة الإحالية نفسها.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع