الكتابة كإعمار معرفي: لماذا نكتب لغزة؟

Sunrise by Yazan Abu Salameh - 40 x 38 cm - 2026.jpg

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

غزة ليست مدينة مهدّمة؛ إنها مدينة تُعاد كتابتها كل يوم. في كل شهادة، في كل نص، في كل سطر يخرج من بين الأنقاض، تبني غزة نفسها من جديد. ليس بالحجارة، بل بالمعرفة التي تولد من الرماد. وأن نكتب لغزة هو أن نمارس الإعمار بأدوات أخرى: أن نبني ذاكرة ضد النسيان، ومعرفة ضد الجهل، وخيالًا ضد الخراب.

للكاتب/ة

أن نعيد للمكان صوته، وللناس وجوههم وكرامتهم. الكتابة ليست ترفًا في زمن الكارثة؛ إنها ضرورة أخلاقية ومعمارية في آنٍ واحد. فكما تُبنى المدن بالأيدي، تُبنى الأمم بالمعنى. وغزة، التي تهدم كل يوم، تبني نفسها كل يوم أيضًا — بالحبر، وبالكلمة، وبالكتابة التي لا تموت.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

29/06/2026

تصوير: اسماء الغول

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

سليم أبو ظاهر

وأكاديمي.

سألني أحدهم: لماذا نكتب لغزة؟

لم أجد جوابًا مباشرًا، لكنني قلت: لأن الصمت نوعٌ من الغياب، ولأن الكلمة، مهما بدت هشّة، هي آخر ما يقاوم العدم حين يتكاثر الخراب، وهي طريقتنا الوحيدة لنُبقيها حيّة فينا، حين يُراد لها أن تُمحى من العالم.

في زمنٍ يتهاوى فيه الحجر ويُمحى الأثر، تظل الكتابة فعلًا يقاوم الفناء. نكتب لأن المكان لا يُعاد بناؤه بالحجارة وحدها، بل بالذاكرة، وباللغة، وبالخيال الذي يرمم ما لا تقدر المعدات الهندسية على ترميمه. نكتب لأن غزة لا تُختزل في صور الدمار، ولا تُلخّص في أرقام الضحايا، بل تُستعاد حين نكتبها كفعل حياة.

حين يُقال "إعمار"، يتبادر إلى الذهن فورًا مشهد البناء والإسمنت والمخططات. لكن الإعمار الحقيقي، في جوهره، ليس عملية مادية فقط؛ هو أيضًا إعادة بناء للمعنى، إعادة صياغة لعلاقة الإنسان بالمكان وبذاته. وإذا كانت الحرب تدمّر المدينة، فإنها في الوقت نفسه تدمّر اللغة التي نصف بها تلك المدينة. لذلك تصبح الكتابة "بعد الكارثة" مشروع إعمار آخر، إعمار معرفي، يعيد للمدينة حضورها الرمزي في الوعي الجمعي.

كل كتابة في زمن الكارثة هي كتابة عن النجاة؛ ليست نجاة الجسد وحده، بل نجاة الذاكرة من المحو. منذ الأشهر الأولى للحرب الأخيرة على غزة، بدا واضحًا أن الدمار المادي ليس سوى واجهة لعملية أعمق: محاولة طمس المعنى، ومحو التاريخ، وتحويل المكان إلى فراغ. أمام هذا المشروع، تصبح الكلمة آخر ما يتبقى من المدينة. إنها الركام الذي يمكننا حمله دون جرافة، والبيت الذي نبنيه على الورق حين تُهدم البيوت في الواقع.

في لحظة انقطاع الكهرباء والاتصال، كتب الغزيون على دفاترهم، وعلى جدران الملاجئ، وعلى شاشات الهواتف التي تكاد تنطفئ. لم تكن تلك الكتابات ترفًا، بل حاجة وجودية؛ طريقة ليقولوا "نحن هنا". في تلك اللحظة، تحولت الكتابة إلى فعل بقاء، إلى لغة ضد العدم. ومن هنا، تتجاوز الكتابة وظيفتها الجمالية لتغدو شهادة وجود. لكن هذه الشهادة ليست محايدة؛ إنها مقاومة، فكل نص يُكتب في وجه المحو، هو حجر آخر في جدار الذاكرة.

في الأدبيات السياسية والاقتصادية، يُختزل "إعمار غزة" في مشاريع البنية التحتية، في أرقام التمويل، في مناقصات ومؤتمرات. لكن ماذا عن إعمار الوعي؟ من سيعيد بناء العلاقة بين الناس ومكانهم بعد كل هذا الانقطاع؟ من سيعيد للمدينة صورتها كحيّز للانتماء لا كمخيم مؤقت؟

الكتابة هنا ليست وصفًا للمأساة، بل استعادة للمعنى المنهار. فحين تهدم الحرب مدرسة، تهدم معها ذاكرة المكان، وتجعل من الطفولة حدثًا هشًا. وحين نكتب عن تلك المدرسة، فإننا لا نوثّقها فقط، بل نعيدها إلى الحياة في الوعي الجمعي، نحولها من ركام إلى قصة. الإعمار المعرفي، إذًا، هو إعمار الذاكرة: إعادة بناء العلاقة الرمزية بين الإنسان والمكان عبر اللغة، وعبر الحكاية، وعبر النص الذي يقاوم الاختزال الإنساني والسياسي والإعلامي لغزة.

وهنا يكمن البعد السياسي للكتابة: إنها لا تكتفي بتوصيف الخراب، بل تكشف المنظومات التي أنتجته — منظومات الاستعمار والهيمنة والمعرفة الاستشراقية. حين نكتب عن غزة بلغتنا، من داخل تجربتنا، فإننا نحررها من الخطاب الإنساني الذي يُجمّل المأساة ليخفي الجريمة، ونعيدها إلى موقعها الطبيعي: مدينة تقاوم، لا ضحية تُرثى.

الإعمار المادي يبني الحجر، أما الإعمار المعرفي فيبني الوعي الذي يجعل الحجر بيتًا من جديد. فالمبنى لا يعود مدينة إلا حين يُروى، حين يُسكن بالمعنى. وغزة ليست مجرد مكان؛ بل هي معرفة مضادة، تنتج من الهامش ما يعجز المركز عن إنتاجه. وهي درس في كيف يُعاد تعريف الإنسان والمكان والسياسة بعد الكارثة.

منذ سنوات، يحاول الخطاب الغربي أن يقدّم غزة بوصفها استثناءً: مساحة للفقر والحصار والمعاناة. لكنّ ما تُنتجه غزة من سرديات، من كتابة، من ذاكرة، هو ما يقلب هذا المنظور رأسًا على عقب. فالمدينة التي تُقصف كل يوم، تواصل كتابة ذاتها، لتقول للعالم: لستم أنتم من يروينا.

إننا نكتب لغزة، لا عنها. نكتب معها، لا فوقها. هذا التحوّل في موقع الخطاب هو جوهر الإعمار المعرفي: أن ننتزع حق الكلام من أولئك الذين حوّلونا إلى موضوعٍ للملاحظة أو الشفقة. أن نعيد بناء علاقتنا بلغتنا، وبتاريخنا، وبجغرافيتنا الرمزية. في هذا السياق، تتحول غزة إلى مختبر معرفي، إلى مفهوم فلسفي بقدر ما هي مكان مادي. فكل كتابة حولها هي كتابة عن العالم، وعن العلاقة بين القوة والهشاشة، بين الحداثة والخراب، بين التقدّم والتجريد الإنساني.

من هنا، ترتبط الكتابة بالخيال بوصفه قوة سياسية. فكل تخيّل للمستقبل في سياق الحصار هو تمرّد على منطق الاستحالة. أن نحلم في زمن الدمار، هو أن نمارس أعمق أشكال المقاومة. إننا نكتب إذن، لا لنُسجّل الماضي، بل لنصنع أفقًا جديدًا. فالإعمار المعرفي لا يعني العودة إلى ما كان، بل تخيّل ما يمكن أن يكون. ونحن حين نكتب لغزة، لا نعيد فقط سرد ما حدث، بل نحاول تخيّل ما لم يحدث بعد. بذلك تصبح الكتابة أداة لتشكيل مستقبلٍ مغاير، ولتخطيط مدينةٍ أخرى، لا في الخرائط الهندسية، بل في خرائط الوعي.

حين يفقد الإنسان بيته، تصبح اللغة بيتَه المؤقت. فيها يتكئ، ومن خلالها يعيد ترتيب عالمه المهدّم. في كلمات محمود درويش، تصبح القصيدة وطنًا حين يضيع الوطن. وفي تجربة الغزيّين اليوم، تتحول الكتابة اليومية، المنشور القصير، الملاحظة العابرة، والشهادة الصوتية، إلى أرشيفٍ جماعي. لكن هذا البيت اللغوي لا يجب أن يُختزل في العزاء. إنه بيتٌ مفتوح للمستقبل، بيتٌ يرفض الانغلاق في الحداد. لذلك فإن الإعمار المعرفي لا يسعى إلى إنتاج خطاب الضحية، بل إلى إنتاج خطاب الفاعل. إننا لا نكتب لنُرثي أنفسنا، بل لنؤكد أننا ما زلنا هنا، نصوغ لغتنا، ونشارك العالم معرفة تنبثق من الرماد.

ما يميز غزة اليوم هو أن المعرفة لم تعد حكرًا على الأكاديميا. الكتّاب، الفنانون، الصحافيون، النساء في الملاجئ، الشباب على الأنقاض — كلهم ينتجون معرفة. هذه المعرفة اليومية، المتجسدة في التجربة، هي أساس الإعمار المعرفي. وعلى النقيض من الخطابات التنموية والإنسانية التي تفصل بين "الخبير" و"الناجي"، تنشأ هنا معرفة جديدة: معرفة من الداخل، تُنتجها التجربة لا المؤسّسة.هذه المعرفة لا تسعى إلى الحياد، بل إلى الشهادة والاحتفاء بالهشاشة كقيمة إنسانية. في هذا السياق، تصبح الكتابة مساحة لتقاطع الذاتي بالجماعي، والشخصي بالسياسي، لتنتج ما يمكن تسميته بـ"الأنثروبولوجيا الحيّة"، حيث النص ليس وصفًا للحياة، بل امتدادٌ لها.

وإذا ما كان الإعمار المعرفي غير قابل للانفصال عن العدالة، فإعادة بناء المعنى هي شرط لإعادة بناء العالم، ولا يمكننا ترميم البيوت ما لم نواجه الخطابات التي شرّعت تدميرها. لذلك، فإن الكتابة ليست فقط محاولة لإعادة التوازن، بل دعوة إلى مساءلة العالم. من هنا، يغدو الكاتب شاهدًا ومهندسًا في آنٍ معًا: شاهدًا على الجرح، ومهندسًا للذاكرة. وإذا كان الإعمار المادي يحتاج إلى خرائط ومهندسين، فإن الإعمار المعرفي يحتاج إلى لغة جديدة، إلى خيالٍ لا يخاف من القول. الكتابة، بهذا المعنى، هي العدالة التي تسبق العدالة القانونية، لأنها تعيد للضحايا أسماءهم، وللمكان صوته، وللزمان استمراريته.

ولعل أخطر ما تواجهه غزة اليوم هو محاولات اختزالها وتأطيرها ضمن سرديات إنسانية عابرة، تُفرغها من سياقها السياسي والتاريخي. وبذلك فإن الإعمار المعرفي، في جوهره، هو مقاومة لهذا الاختزال. إنه مشروع لإنتاج سردية فلسطينية جديدة، لا تتجاهل الألم لكنها لا تُختزل فيه، وتربط بين التجربة اليومية والنظام الكولونيالي العالمي، بين الدمار المحلي والهيمنة المعرفية. في هذه السردية، تصبح الكتابة أداة نقدية، تقاوم الخطاب الذي يصوّر غزة ككارثة إنسانية، لتعيدها إلى موقعها الحقيقي: كارثة استعمارية مستمرة.

ربما تبدو الكتابة هشّة أمام هذا الكمّ من الدمار، لكنها وحدها ما يبقى. فحين ينهار كل شيء، تظل اللغة آخر ما يمكن ترميمه. في كل كلمة تُكتب، لبنة جديدة تُضاف إلى بيتٍ رمزيّ نعيد بناءه معًا. هذا هو الإعمار المعرفي: أن نحمل اللغة كأداة نقش وبناء، نحفر بها المعنى من جديد، نعيد ترتيب الركام لا لنُخفيه، بل لنُقيم عليه بيتًا من الذاكرة.

غزة ليست مدينة مهدّمة؛ إنها مدينة تُعاد كتابتها كل يوم. في كل شهادة، في كل نص، في كل سطر يخرج من بين الأنقاض، تبني غزة نفسها من جديد. ليس بالحجارة، بل بالمعرفة التي تولد من الرماد. وأن نكتب لغزة هو أن نمارس الإعمار بأدوات أخرى: أن نبني ذاكرة ضد النسيان، ومعرفة ضد الجهل، وخيالًا ضد الخراب. أن نعيد للمكان صوته، وللناس وجوههم وكرامتهم. الكتابة ليست ترفًا في زمن الكارثة؛ إنها ضرورة أخلاقية ومعمارية في آنٍ واحد. فكما تُبنى المدن بالأيدي، تُبنى الأمم بالمعنى. وغزة، التي تهدم كل يوم، تبني نفسها كل يوم أيضًا — بالحبر، وبالكلمة، وبالكتابة التي لا تموت.

الكاتب: سليم أبو ظاهر

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع