تستعد جمعية "المدى" لإطلاق مهرجانها الأول "أغاني البلد" في 26 حزيران في بلدة بيرزيت في فلسطين المحتلة. ويأتي هذا التجمع الفني المجتمعي الممول محلياً بالكامل ليتوج مسيرة ممتدة على مدار عام ونصف من العمل المستمر مع المجموعات والأطفال في مختلف البلدات والقرى الفلسطينية، مشكلاً أول إعلان علني للجمعية برؤيتها الجديدة التي انطلقت قبل نحو ثلاثة أعوام.
الأطفال يكتبون ويلحنون في بيئتهم
بدأت "المدى" مشروعها الفني "أغاني البلد" من قرية "فرخة" في محافظة سلفيت وسط فلسطين المحتلة، حيث ولدت الأغنية الأولى للمشروع وحملت اسم "قمر البلد". اليوم، تعود الجمعية إلى فرخة التي باتت تمتلك أغنيتين في رصيدها، لتنطلق منها نحو تجهيز المجموعات التي أنتجت أغانيها الخاصة على مدار الفترة الماضي، حيث عمل الفريق على بناء شراكات مباشرة مع المجتمعات المحلية خارج مراكز المدن، وصولاً إلى قرى متعددة مثل سبسطية وعين قينيا وكفر نعمة وبلعين وصفّا والجيب وبيرزيت.
استندت "أغاني البلد" على مبدأ إنتاج الأغاني بالاعتماد على الأطفال أنفسهم، حيث تقوم المنهجية على زيارة البلدة المستهدفة، والقيام بجولات ميدانية يقودها الأطفال للتعرف على معالم قريتهم، وتدوين ملاحظاتهم السمعية والبصرية ورصد الحكايات والخرافات الشعبية السائدة. ومن هذه التفاصيل، يكتب الأطفال (٨-١٥ عاماً) الكلمات والألحان بإرشاد من فريق "المدى"، ويتم التسجيل الصوتي بالكامل في بيئتهم المحلية وداخل بلداتهم، دون نقلهم إلى استوديوهات خارجية معزولة عن واقعهم. وتخلق هذه الطريقة حالة من الفخر والاعتزاز الاستثنائي لدى الأطفال عندما يستمعون إلى أصواتهم تعبر عن هويتهم ومحيطهم.
وتؤكد زينة عمرو، من فريق الجمعية في حديثها مع "رمان"، أن المهرجان يمثل فرصة استثنائية لتلتقي المجموعات المختلفة، وتستمع لإنتاجات بعضها البعض، وتتعرف على تجارب قرى وبلدات أخرى، قبل أن تعرض مواهبها أمام الأهل والجمهور الواسع في تجربة مباشرة حية فريدة على المسرح في باحات المتحف الفلسطيني في بلدة بيرزيت.
أما العرض المركزي فتم تخصيصه للأغاني الثماني التي أنتجها الأطفال بأنفسهم. كما يتضمن البرنامج عروضاً للدبكة الشعبية تقدمها المجموعات المشاركة التي تمتلك فرقاً خاصة بها، بالإضافة إلى زاوية مخصصة للأطفال الأصغر سناً تشمل ألعاب ورسم على الوجوه وغيرها من النشاطات الترفيهية.

التمويل الشعبي المستقل
يتميز مهرجان "أغاني البلد" بكونه نموذجاً عصامياً يعتمد بالكامل على الدعم الذاتي والشعبي. وتوضح عمرو أن عملية جمع التبرعات حظيت بتفاعل غير متوقع، حيث نجحت الجمعية في تأمين نحو ثلاثة أرباع الميزانية المطلوبة للمهرجان عبر شبكات أصدقاء "المدى" من الأفراد والمستقلين، ويكتسب هذا الإنجاز المالي أهمية مضاعفة كونه يأتي في ظل ظرف اقتصادي وسياسي غاية في التعقيد يمر به الفلسطينيون وفي وقت تتزايد فيه الاحتياجات المعيشية الأساسية.
وتأمل "المدى" أن تؤسس هذه التجربة لالتفاف مجتمعي حول فكرة الفن المستقل والرفض القاطع لأي تمويل أجنبي مشروط سياسياً قد يمس بالهوية الوطنية أو يتحكم بالرسالة الإبداعية للفلسطينيين، القاعدة الأساسية التي تتمسك بها "المدى" رغم كل التحديات الاقتصادية التي تواجه كافة القطاعات في الضفة الغربية وفي المحصلة تؤثر على القطاع الثقافي.
كما تشير عمرو إلى أن العديد من المجالس المحلية والمؤسسات الشريكة والأهالي ساهموا في تخفيف الأعباء اللوجستية، فتكفلت بعض المؤسسات بضيافة المجموعات، ويستعد الأهالي للمشاركة الفاعلة عبر إقامة أكشاك لبيع المأكولات الشعبية والمشغولات اليدوية والمنتوجات المحلية، مما يضفي بعداً تضامنياً وتنموياً على المهرجان.

التأثير الفردي والجمعي على الأطفال واليافعين
حسب عمرو، فإن مستويات التفاعل مع ورشات "أغاني البلد" تتفاوت بين الفئات العمرية المختلفة للأطفال واليافعين، فبينما يمتلك الأطفال الأصغر سناً اندفاعاً كبيراً وشجاعة في الارتجال الغنائي، يواجه اليافعون (فوق 12 عاماً) تحديات ترتبط بالوعي الشديد بالمحيط والتردد والخوف من الأحكام المجتمعية أو التعليقات على أصواتهم.
وقد برز هذا التحدي بوضوح في بلدتي سبسطية وعين قينيا، تخبر عمرو "رمان" أن الفريق نجح -بدعم وتوجيه من الفنان حمزة البكري- في كسر حواجز التردد بين الفتيات والفتيان مثلاً، ودمجهم في تمارين الحركة والدبكة، مما ولّد لديهم حس المبادرة والمتابعة المستمرة لمراحل التصميم والإنتاج الصوتي والمرئي للأغنيات. وفي قرية الجيب، شمال غرب القدس المحتلة، أثمر التعاون مع مجموعات اشتغلت سابقاً على التاريخ الشفوي للقرية، بجهود الحكواتي الفلسطيني الراحل حمزة العقرباوي والحكواتية إخلاص صوالحة، في إنتاج أغانٍ تعتمد بالكامل على الأمثال والقصص الشعبية المحلية المحكية، حيث أبدى اليافعون التزاماً كبيراً في ورش التلحين والتسجيل.
الاحتلال الإسرائيلي وعزل القرى والبلدات
تؤكد عمرو أن إجراءات الاحتلال العسكرية، من بوابات وحواجز، تفرض إغلاقاً محكماً يساهم في عزل القرى والبلدات الفلسطينية عن بعضها البعض وعن مراكز المدن، مما يولد شعوراً بالاغتراب والتمايز الشديد بين المجتمعات الصغيرة. وتوضح عمرو أن الأطفال مواليد العام 2016 مثلاً لم يعيشوا سوى واقع الإغلاقات والتقوقع داخل بلداتهم، مما يجعل حركتهم محدودة للغاية. وقد تسببت الظروف الأمنية واقتحامات جيش الاحتلال المتكررة، كما حدث في كفر نعمة وبلعين، وتداعيات حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ العام 2023، في تأجيل الأنشطة وتعديل البرامج مراراً لضمان سلامة الأطفال دون الاستسلام لواقع العزل.
بالرغم من إيمان جمعية "المدى" بالمساندة المجتمعية، فإن الاستمرارية تشكل تحدياً حقيقياً في ظل غياب الموارد المالية الثابتة. يعمل أعضاء الفريق في وظائف وأعمال أخرى لتأمين دخلهم، ويتطوعون بجزء كبير من وقتهم لإدارة المؤسسة ووضع استراتيجياتها. ولتخفيف الأعباء، اتخذت الهيئة العامة قراراً جريئاً بالتخلي عن مقر الجمعية لتفادي إرهاق الميزانية بالإيجارات، والتركيز على التنقل الذاتي المشترك بسيارات الأعضاء الخاصة.
وتفتح المؤسسة حالياً باب النقاش الداخلي حول إمكانية الاستفادة من تمويل القطاع الخاص الفلسطيني من خلال دوره في مشاريع "المسؤولية الاجتماعية"، شريطة الحفاظ على التوازنات وعدم إفقاد المهرجان هويته وبساطته وضمان بقاء مساحة التعلم والمرونة مفتوحة لمواجهة التغيرات المتسارعة على الأرض بقرارات وطنية جماعية ومستقلة رافضة للتمويل الأجنبي المشروط الذي سيطر على المشهد الثقافي الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة.
