في ألوان الفنانين حسن صندوقة ومالك أبو سلامة في معرض "الغميضة" يستعيد الزائر أطيافاً من الطفولة الفلسطينية، إذ يقدّم الفنانان الشابان لقطات بصرية لمشاهد من حارات ومنازل فلسطين لسنوات عاشها أبناء التسعينات تحديداً، بالقرب من الجبال والشوارع والرسوم المتحركة على شاشة التلفاز العائلية في الصالة.
فيحمل "الغميضة"، والذي يحتضنه جاليري باب الدير في مدينة بيت لحم، إيحاءات عدّة عن حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وعليه، ارتأت قيّمة المعرض ومديرة الجاليري، رولا دغمان، أن تستخدم لعبة الاختباء الشهيرة بين أطفال فلسطين عنواناً يجمع نتاجات الفنانيْن، في إشارة تتجاوز مفهوم الحنين إلى الماضي لتصبح مواجهة مباشرة مع آثار الحرب المستمرة على قطاع غزة، فتتحول "الغميضة" من ممارسة طفولية بريئة إلى دلالة مؤلمة على الاختفاء القسري؛ فبينما يختبئ الصغار في اللعبة ليتم العثور عليهم، يختفي في الواقع نسيج الحياة اليومية من بيوت وأشياء وعلاقات فجأة ودون إنذار، مما يجعل استعادتها أمراً مستحيلاً ومضنياً، وفقاً لرؤية دغمان.
يتجلى هذا الطرح من خلال أسلوبين يتقاطعان ويختلفان في نمط لوحات صندوقة وأبو سلامة، حيث يركز الأول، على التفاصيل المنزلية المنسية والأشياء الصامتة، في توثيق لمشاهد من داخل الصالة والمطبخ وغرفة النوم والألعاب، في المقابل، تأتي أعمال الثاني بإعادة تشكيل لسنوات البراءة ومغامراتها في الأماكن المفتوحة، كالشارع والحقل والجبال، بينما يتقاطع كلاهما في البحث عن فرصة لاستعادة هذه اللحظات الثمينة وتدوينها بألوان زاهية رغم ما تحمله من ألم.

الطفولة كملاذ من التهديد الوجودي
يعد هذا المعرض التجربة الأولى لأبو سلامة، يصفها بالتجربة "المشحونة بالعواطف"، يضيف: "شعرت بسعادة غامرة حين رأيت تفاعل الناس وتأثرهم بالأعمال، حيث استرجع الزوار معي ومع زميلي حسن مشاهد من ذاكرتهم الخاصة، فكانت لحظات استذكار لطيفة وذات أثر عميق في نفوسنا وفي نفوس الجمهور".
أبو سلامة، (1998، بيت ساحور)، فنان بصري حاصل على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة المعاصرة من جامعة "دار الكلمة". يجمع ما بين الإبداع الفني والعمل التربوي المجتمعي، حيث يعمل مدرباً وميسراً في تطوير مناهج تربط الفن بالتطور النفسي والتعلم الجماعي، وكانت هذه نقطة الانطلاقة للوحاته الثمانية المعروضة في "الغميضة"، إذ بدأ المشروع يتشكل من خلال عمله مع الأطفال لمدة عامين قبل الحرب على غزة ٢٠٢٣، حيث كان يستخدم منهجاً تربوياً يعتمد على النمو النفسي الحركي. في حديثه لـ "رمان"، يؤكد أبو سلامة أن هذه التجربة كانت "بمثابة مرآة لما عشناه نحن وما يعيشه الأطفال اليوم، لكن الرؤية اتضحت أكثر بعد الحرب، فعدت بذاكرتي إلى الأماكن التي نشأت فيها، متنقلاً بين طفولتي في بيت ساحور حيث ولدت وسكنت، وقريتي فقوعة في جنين التي كنا نتردد عليها باستمرار، فجاءت الأعمال مزيجاً بين شكل المكان في المنطقتين".
كما يوضح أبو سلامة أن التقاطات لوحاته نبعت من شعور بالتهديد الوجودي الذي يعيشه الفلسطينيون، مما دفعه للعودة إلى الأشياء المحيطة به في محاولة للحفاظ عليها أو التعبير عن الحنين إليها. يقول: "بما أن المستقبل يبدو مجهولاً أو قد يكون أسوأ، فقد وجدت في الطفولة أصدق مرحلة يعيشها الإنسان، فهي الفترة الأكثر براءة وبعداً عن قسوة العالم المعاصر وما يشهده من قتل وتوتر. من خلال هذه الأعمال، أحاول فهم كيف نواصل حياتنا وسط هذا القلق الدائم، موثقاً ذكريات بقيت محفورة في الذهن لتكون انعكاساً للواقع الذي نعيشه".
ويشير أبو سلامة إلى أن وطأة الحرب والإبادة فاقمت مشاعره ودفعته للانقطاع عن العمل لفترات، لكنّه استجمع قوته من الشعور بضرورة "إخراج شيء ما للعلن". فهو يؤمن أن الفن في زمن الحروب قد لا يكون أولوية لمن يبحث عن النجاة وتأمين لقمة العيش، لكن الاستمرار في ممارسة الدور كفنان أو طبيب أو مهندس هو بحد ذاته تحدٍ للظروف القاسية، ولذلك سعى لتوثيق هذه اللحظات من الصبا المسلوب مرتكزاً على إيمانه بأن كل عمل صادق يترك أثراً معنوياً يتجاوز القيمة المادية، على حد تعبيره.

"الفن هيكل المجتمع"
أما صندوقة (1998، القدس)، وهو فنان بصري حصل على درجة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية، فبدأت فكرة المعرض تتبلور في ذهنه منذ فترة طويلة، كما أخبر "رمّان".
يحاول صندوقة في هذا المعرض الابتعاد عن النمط "السياسي الثقيل والمعقد"، وقرر أن يجعل من هذه المجموعة من لوحاته تتجه نحو موضوع سياسي لكن بأسلوب يتسم "بخفة الظل"، كما يصفه، مبتعداً عن رسم الشخصيات البشرية أو الحيوانات، ومنصرفاً نحو الطبيعة الصامتة والأدوات التي يتعامل معها يومياً كالمطبخ والصالة والتلفاز والكنبة والسرير وغيرها.

ويبين صندوقة أن حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة أوقفت قدرته على الإنتاج لفترة، حتى قرر خلال العام ٢٠٢٥ أن يبدأ بتنفيذ مشروعه في توثيق مشاهد من منزل الطفولة. يقول صندوقة: "في البداية، اعتقدت أن ظروف الحرب والدمار تجعل من الحديث عن الطفولة والذكريات نوعاً من الانفصال عن الواقع، لكنني أدركت لاحقاً أن هذا هو الوقت الأنسب للتركيز عليها، وأردت أن تكون الطفولة مركز أعمالي باعتبارها نقطة الانطلاق والأساس لتكوين شخصية الإنسان.".
ولا يخفي صندوقة أنه واجه صراعاً داخلياً حول جدوى الحديث عن ذكريات الطفولة في ظل الموت والدمار، لكنه استعاد ثقته من وظيفته كفنان؛ فهو يؤمن كما يخبرنا أن مهمة الفنان هي لفت الانتباه لأهمية التفاصيل التي يعيشها الفلسطينيون قبل أن تتحول إلى أحلام بعيدة المنال. "ورغم أن الاهتمام الثقافي يتراجع في الأزمات، إلا أنني أؤمن أن الفن هو هيكل المجتمع، وهو أداة للبناء وللعلاج النفسي، والمحتل يسعى دائماً لهدم هذه الثقافة لتسطيح وعينا وإشغالنا بالتفاهات"، يضيف صندوقة. وبناء على ذلك، يأمل أن يساهم الفن في "كسر قبضة الجهل الثقافي التي يفرضها الاحتلال".
يذكر أن معرض "الغميضة" يستقبل الزوار في جاليري باب الدير في مدينة بيت لحم حتى ٢٠ أيار ٢٠٢٦.

