المشيخة الإسلامية السورية: بضائع نخب أول وبضائع فاسدة

Tammam Azzam, Collage Series.

فرج بيرقدار

شاعر سوري

إن خطاباً كهذا، واعتبار العلمانية كفراً، والمحاولات المتتالية لفصل النساء عن الرجال في الأماكن العامة، وخطاب ألبسة السباحة والحشمة بالنسبة للنساء وللرجال، ومنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم وغيرها من التضييقات على الحريات الفردية، والتذاكي والالتفاف والخداع والمماطلة بشأن الحريات العامة،

للكاتب/ة

كيف تقنع شخصاً كهذا أن التاريخ العربي والإسلامي "بريء" تماماً من فكرة ومفهوم الحرية إلا وفق المعادلة البدائية: الحرّ نقيض العبد، وبالتالي فإن الحرية هي نقيض العبودية؟

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

22/04/2026

تصوير: اسماء الغول

فرج بيرقدار

شاعر سوري

فرج بيرقدار

لا شك أن هيئة تحرير الشام شهدت بعض التحولات المتدرِّجة على صعيد السياسة ولكن ليس على صعيد الفكر والممارسة، غير أن تلك التحولات لم تكن شاملة أو متساوقة لا فيما بين الفصائل المكوِّنة للهيئة، ولا فيما بين القيادات والقواعد، فالهيئة في الأصل تحالف يضم طيفاً من الفصائل التي شهدت مواجهات دامية، وصراعات مركّبة سياسياً وتنظيمياً، إلحاقاً وانشقاقاً وتصفيات، وإعادة فك وتركيب للعديد منها، ومصالحات وتقاسم نفوذ ومصالح مادية ومعنوية بين الفصائل والجماعات التي ثبتت في ميدان الصراع والمناورة والمساومة وبقيت ضمن موازين القوى إلى النهاية، ثم انضوت في ما أُطلِق عليه اسم "هيئة تحرير الشام" بقيادة جبهة فتح الشام/ النصرة سابقاً وزعيمها أبو محمد الجولاني، الذي تحوَّل أيضاً من هذا الاسم الحركي إلى اسمه الحقيقي أحمد الشرع.

إذن هي تحوّلات قلقة وارتيابية ومؤقتة، ولم تبلغ الرشد أو النضج أو الوحدة الاندماجية. 

مجازر الساحل في آذار والسويداء في تموز 2025، أحد الأدلة على فداحة بؤس طبيعة الهيئة، وعلى أنها ليست موحَّدة لا في التوجّهات ولا في الممارسات. ففي الوقت الذي يمكن أن تجد فيه عناصر منضبطة، يمكن أن تجد فيه عناصر منفلتة وكأنها قادمة من كوكب آخر. 

تباين أشكال ومضامين إدارة المناطق والمحافظات دليل آخر على أن الهيئة لا تزال أقرب إلى تحالف أمراء حرب منها إلى نيّة ونواة تأسيس دولة.

ومن الأدلة أيضاً ذلك التضارب في القوانين والقرارات والإجراءات، إضافة إلى الكثير من بصاق التصريحات التي يجري لحسها بسبب ردود الفعل الداخلية، والخشية مما يمكن أن تستجره من ردود فعل خارجية، هذا بدون أن نستبعد احتمال أن يكون ذلك التضارب ناجماً عن الطبيعة "الضبعية" لسياسة السلطة التي تداور  و "تخمُّ" فرائسها وتجسّ نبضها أولاً، لتختبر مدى مقاومتها أو استسلامها.

هناك من يرى أن تيار أحمد الشرع هو الأكثر تحوّلاً، وإذا افترضنا ذلك صحيحاً على صعيد قياداته، فإنه لا يصحّ على صعيد قواعده، ذلك لأن الخطاب الموجَّه لها كان سلفياً إلى حين احتلال حلب، وإذا تغيَّر الخطاب جزئياً في الطريق إلى دمشق، فإنه لم يصل إلى حد الوضوح والجزم والتأكيد والتعميم والحسم والمركزة، الأمر الذي يفسر الكثير من التخبطات والفوضى على صعيد قرارات القيادات من جهة، وممارسات القواعد من جهة ثانية.

بالطبع يمكننا أن نضيف، إلى كل ما سبق، مجموعةَ التمثيليات الارتجالية، أي التي لم تكترث بإجراء أي تدريبات، بدءاً من طريقة تنصيب الرئيس، مروراً بالإعلان الدستوري الذي أعطى الشرع صلاحيات تفوق صلاحيات الأسد في الدستور، ومع ذلك فإن خرق الشرع لإعلانه الدستوري ليس أقل من خرق الأسد لدستوره، وانتهاء بابتداع مجلس شعب لا مثيل لكاريكاتيريته في عالمنا المعاصر.

أمّا التناقض الأكبر فيتجلّى في خطاب السلطة "المُوَجْهَن"، أي ذي الوجهين أو الهيئتين، الأولى هيئة "الجنتلمان" العصري الذي يبيع للخارج بضائع ومواقف وتنازلات نخب أوّل، والثانية هيئة الشيخ الضالع في فواته التاريخي ويبيع للداخل بضائع فاسدة مرفقة بإشارات وتهديدات مدعومة بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وتوجيهات ذات إلهام ربّانيّ. ورغم أن الشيخ هو السلطة العليا في جميع الهيئات والمؤسسات، إلا أنه ليس هناك أي قانون أو مرسوم أو نص دستوري يحدِّد طبيعة دوره ومسؤولياته، أي هو مسؤول ذو مهامّ باطنية لا يعلمها إلا الله  والراسخون في السلطة، وللدقة والأمانة يجب أن أقول المشيخة بدلاً من السلطة. 

حتى الآن ليس معروفاً من هو شيخ المشايخ، أعني الشيخ الذي يعطي أوامره للقصر، وإذا لم يكن هناك من شيخ يصدر الأوامر والتوجيهات للقصر، أفيكون الشرع نفسه هو شيخ المشايخ في عموم المشيخة.

حاصله تقدم المشيخة السورية الحالية للخارج صورة مختلفة كلياً عن صورتها المطروحة في الداخل، ظناً منها أنها تستطيع الضحك على المجتمع الدولي، واستغباء سلطاته ومخابراته ومراكز أبحاثه.

نعم، خطاب إنساني حداثي رحب ومتسامح على صعيد الخارج، في حين أنه يأخذ على صعيد الداخل صيغاً وأفعالاً قوامها االشحن والتعبئة الشعبية طائفياً، والأسلمة السنِّيّة في المؤسسات والقوانين، وذلك فضلاً عن الانتهاكات والمجازر، وتشكيل لجان تحقيق ووعود بمحاكمات لم تُصدِر حتى الآن أيَّ حكم بتجريم أي متورط من مسؤولي السلطة وقادة فصائلها العسكرية والأمنية، والأرجح أنها لن تفعل إلا إذا احمرّت عين الخارج أو صدرت عنه ضغوط وتهديدات تمس وجود ومستقبل السلطة.

في الواقع هناك ما يشبه تقاسم أدوار، غير معلَن، ما بين السلطة وجزء من حاضنتها، أعني الجزء الرعاعي أو القطيعي المتمثل بالهبّات والفزعات، وبالجرب الطائفي الذي ينشره جزء آخر من حاضنة السلطة، بِرِضى السلطة وتحت أعينها، في الساحات العامة والتجمعات ووسائل التواصل الاجتماعي. السلطة تلعب دور "المُحجِّز" بين المتشاجرين، أعني المُحَجِّز الذي يقول بلسانه "لا يا شباب، اتّقوا ألله، ما بيصير هيك" ولكنه يغمز بعينه لزعرانه أن واصلوا ضرب الخصم، فأنا أمسكه لكم بحجة التحجيز. لو أرادت السلطة أن تكون جادة في وقف هذا السعار الطائفي لأوقفته على الفور. يكفي قرار واضح في هذا الشأن، ومحاكمة بضعة محرِّضين طائفيين علناً على التلفزيون، ليعضّ الآخرون على ألسنتهم.

كم حجم الغباء الذي يحتاجه المرء، ليعلن في خطابه أنه مع "الحرية الإسلامية"، ولا يقبل أي حرية غيرها، والمشيخة تبتسم في سرها وتهزّ رأسها تأييداً وتأميناً؟

كيف تقنع شخصاً كهذا أن التاريخ العربي والإسلامي "بريء" تماماً من فكرة ومفهوم الحرية إلا وفق المعادلة البدائية: الحرّ نقيض العبد، وبالتالي فإن الحرية هي نقيض العبودية؟

إن خطاباً كهذا، واعتبار العلمانية كفراً، والمحاولات المتتالية لفصل النساء عن الرجال في الأماكن العامة، وخطاب ألبسة السباحة والحشمة بالنسبة للنساء وللرجال، ومنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم وغيرها من التضييقات على الحريات الفردية، والتذاكي والالتفاف والخداع والمماطلة بشأن الحريات العامة، وتعيين الرسول برتبة قائد للأبد، إن ذلك كلّه وغيره مما لم يُنزل العصر به من سلطان، إنما هو نتاج مشيخة لا دولة، وهي تفعل كل ذلك مع أنها ما زالت في طور التمكّن والتمكين، وإذا كانت هذه "الحنجلة" هي أول الرقص، فلكم أن تتخيَّلوا ما الذي ستكون عليه الأوضاع في حال لم تجد سلطة المشايخ من يرد "فرعنتها" كما هي تفهم الفرعنة بمعناها الإسلامي، وليس بالمعنى التاريخي للفراعنة.

الكاتب: فرج بيرقدار

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع