بقيت الاستراتيجيات الدولية والإقليمة مع استنقاع الصراع في سوريا طوال 14 عاماً من الثورة والحرب، ترنَّح الأسد خلالها، وأوشك على السقوط مراراً، وإنْ شهدَ عام 2023 محاولات عربية وإقليمية حثيثة لتثبيت حكمه، وغفران جرائمه، وإعادة تعويمه سياسياً وديبلوماسياً، ولكن عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول 2023، شكّلت نقطة تحوّل إقليمية كبرى، غيَّرت استراتيجيات وحسابات كثيرة، أميركية وإسرائيلية على وجه الخصوص، الأمر الذي استدعى تحجيمَ إيران وأذرعها، وحسْمَ الصراع في سوريا لصالح الإطاحة بالأسد، ولم يكن هناك حينها أية قوة مؤهَّلة لملء الفراغ بعد الأسد سوى هيئة تحرير الشام التي أخذت، منذ 2021–2022، تبدي مرونة وبراغماتية سياسية حيال العالم الخارجي، ترافق ذلك مع قيام قائدها أحمد الشرع بتكثيف لقاءاته مع صحفيين ووسائل إعلام غربية، لتأكيد أن الهيئة لا تشكل تهديداً لأحد خارج سوريا.
لا يرشِّح لنا الواقع حتى الآن أي قوى تستطيع أن تنوب عن هيئة تحرير الشام في ضبط الوضع الداخلي وإنهاء النفوذ الإيراني وفتح علاقة مقبولة مع إسرائيل والتصدي لفلول داعش عند اللزوم، وفلول الممانعة ومروِّجي الكبتاجون.
إذن هيئة تحرير الشام الآن هي سلطة أمر واقع برضى داخلي يفضِّل حتى الشيطان على الأسد، وبرضى إقليمي وعربي ودولي تتقاطع وتتوافق فيه المصالح رغم وجود التباينات. بالطبع هذا لا يعني أن الأمور مستتبة للسلطة الحالية، ذلك لأن هناك حداً من متطلّبات الخارج لا يمكن التنازل عنها، وحداً من المتطلبات بشأن ممارسات السلطة في الداخل، فهل تشكِّل "العدالة الانتقالية" ومقتضياتها جزءاً من تلك المتطلَّبات؟
المتتبع للأخبار يدرك أن العالم لم يعد مهتماً بتسليط الضوء على المرحلة الانتقالية واشتراطاتها كما وردت في قرار مجلس الأمن 2254، وليس من مصلحة السلطة الحالية التنازلُ عن ديمومة الحكم لصالح حكم انتقالي، والنتيجة خلطة لا تستقيم مع المنطق ولا مع الادعاءات ولا مع الممارسات، وإذا استقامت مع الخارج، فمن المرجح أن لا تستقيم مع الداخل في المستقبل، غير أن الداخل ليس ضاغطاً الآن، وبالتالي فإن السلطة الحالية متحررة من قيود وضوابط وضغوط العدالة الانتقالية، أو يمكن لها أن تمارسها على هواها بشكل مجتزأ وانتقائي وارتجالي ومليء بالثغرات والتناقضات، و"من في يده القلم لا يكتب نفسه شقياً أو خاسراً"، هذا إلا إذا كان متفوّقاً على نفسه وتاريخه إنسانياً وأخلاقياً.
ومما يعزّز استحالة إقدام السلطة على تحقيق العدالة الانتقالية هو طبيعة ومعنى ومقتضيات العدالة الانتقالية، وبالتالي اشتمالها على محاكمة جميع من ارتكبوا جرائم ومن جميع الأطراف، أي جرائم الأسد، وفي الوقت نفسه جرائم هيئة تحرير الشام والعمشات والحمزات وجيش الإسلام إلخ.
وما دامت الهيئة الآن هي الحاكمة المتفرِّدة الرافضة لمشاركة أية أطراف سياسية أخرى، فذلك يعني أنها لن تضع نفسها على قدم المساواة مع أي طرف آخر، وبالتالي لن تكتب نفسها شقيّة أو خاسرة أو حتى مساوية للآخرين أيّاً كانوا.
يطيب للبعض أن يقارن تجربتنا السورية بتجربة رواندا، التي يعتبرونها نموذجاً موفّقاً لتحقيق حد مقبول من العدالة الانتقالية، فهل يناسبنا حقاً النموذج الرواندي؟
بالمناسبة، هناك ملاحظات وانتقادات حقوقية كثيرة لسلبيات العدالة الانتقالية في رواندا، ذلك لأن رموز وقادة الجبهة الوطنية، التي حسمت الصراع وانتصرت في الحرب الأهلية، لم يخضعوا للمحاكمات مثلما حدث لقادة نظام الهوتو السابق.
صحيح أن جرائم الجبهة الوطنية كانت أقل من جرائم نظام الهوتو، ولكنها في المحصلة جرائم، وهي موثقة بتقارير أممية ومنظمات حقوقية.
ربما نجحت التجربة الرواندية بدرجة كبيرة في فرض السلم الأهلي وترميم أو إعادة بناء مؤسسات الدولة، لكنها لم تحقق العدالة الانتقالية بما يكفي من العدل، ذلك لأن المنتصر هو الذي أشرف على عملية العدالة.
ولكن هل تستطيع سلطة هيئة تحرير الشام أن تقوم حتى بما قامت به الجبهة الوطنية الرواندية على علّاته؟
الوقائع حتى الآن تستبعد ذلك، إذ لو كان الأمر ممكناً لرأينا بعض مقدماته أو أساساته أو مؤشراته أو خطة طريقه، من قبيل إشراك قوى سياسية ومدنية متنوّعة في الحكم وغير متهمة بالإبادة، ومن قبيل تعديل القوانين الوطنية بما يتوافق مع تعريفات القانون الدولي للانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان، ولجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإخفاء القسري، والتعذيب المنهجي، واستخدام الأسلحة المحظورة.
بالطبع تعديل القوانين، يقتضي مجلس تشريعي يقوم بذلك، والمجلس التشريعي (الذي عيَّنته السلطة عبر ممثليها وليس عبر الشعب) وُلِدَ مُعطَّلاً وشبه ميت، ولا ندري عند محاولة إنعاشه إن كان سيضع على عاتقه أو في خططه مهمةَ تعديل القوانين الوطنية بما يلبي شروط تحقيق عدالة انتقالية أم سينكبُّ على شؤون دعم الحكم وشرعنته وتثبيت أركانه. واقع الحال يقول إن سوريا ما زالت بدون مجلس نيابي رغم مرور تسعة عشر شهراً على الإطاحة بالأسد، غير أن السلطة تحاول بين حين وآخر الإعلان عن اعتقال بعض عناصر وضباط النظام السابق، وعقد بعض جلسات المحاكم لبعضهم، أي إن السلطة تهزهز قطار العدالة الانتقالية، وهو في مكانه، بغية الإيحاء بأنه يتحرك قُدماً ولو على سكة قوانين قديمة، بناها الأسد بما يلائم نظام حكمه الذي أراد له أن يكون مؤبّداً.
كل ما تقوم به سلطة هيئة تحرير الشام هو نقيض مفهوم "الانتقال والانتقالية"، ويعطي باستمرار مؤشرات شديدة الوضوح على بناء سلطة طويلة الأمد قدر الإمكان، وربما يراودها وهم الأبد، كما راود غيرها من الحمقى الأوّلين.
التملص من العدالة الانتقالية واستحقاقاتها يحوِّلها إلى أكذوبة، ولا سيما حين تترافق مع تسويات أوضاع أشخاص من عتاريس نظام الأسد أمثال محمد حمشو وفادي صقر وأولاد قاطرجي وطلال مخلوف وأمثالهم.
هي تسويات مشبوهة ولا تمتّ للعدالة الانتقالية بصِلة لا من قريب ولا من بعيد.
إذن من المتوقع أن تستمر وتتنامى الاحتقانات وعمليات الثأر والانتقامات الشخصية، إذ حين لا تقدِّم السلطة حلولاً مناسبة، تكون قد فتحت الباب للحلول من خارجها، الأمر الذي يُخشى معه أن ينفلت الوضع الأمني، مما سيضطر السلطة حينها إلى ضبطه بالقوة، الأمر الذي من حيث تدري السلطة أو لا تدري، سيضعها في موقع تبدو فيه مدافعة عن مجرمي الأسد وفي مواجهة ضحاياهم.
العلاقات الجيدة مع الخارج لا تُعفي السلطة من استحقاقات العدالة الانتقالية.
تلزيم جميع مفاصل ومؤسسات السلطة لمشايخ لا يمتلكون من المعارف والكفاءات والخبرات سوى التقوى الظاهرية، لا يفضي إلى عدالة انتقالية، بل إلى انتقال حلم بناء الدولة إلى رحمة الله تعالى.
انعدام الشفافية هو الوصفة المناسبة لإعدام العدالة عموماً وليس العدالة الانتقالية فقط.
الباطنية السياسية هي النقيض الجذري لكل ما هو متوخَّى من وضع نقاط العدالة الانتقالية على حروفها، بما يعنيه ذلك من تشخيص لأسباب الجرائم التي استدعتها والخراب المادي والمعنوي والروحي الناجم عن تلك الجرائم، وتحديد المسؤولين والمشاركين في كل ذلك، وكيفيات الانتقال إلى وضع يتيح إمكانيات التعافي وجبر الضرر والسير قدماً نحو مستقبل محصَّن، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً ومعرفياً، من تكرار ما حدث.
هل صار واضحاً لماذا العدالة الانتقالية في سوريا متعذَّرة أو مستحيلة حتى الآن؟
