لقد احتطب الأسد الأب ووريثه كل ما له علاقة بالحريات العامة، ولا سيما السياسة، على مدى أكثر من خمسين عاماً تحوّلت خلالها سوريا إلى ما يشبه غابة من السجون، ومع ذلك حين ثار الشعب السوري في آذار 2011، فإن دافعه الأساسي لم يكن الدفاع عن الحريات والمعتقلين والمغيَّبين، بل عن الكرامة، وعبارة "الشعب السوري ما بينذل"، التي قيلت احتجاجاً على قيام الشرطة بضرب وإهانة الشاب "عماد نسب" في حي الحريقة بدمشق، كانت أشبه بالشعرة التي قصمت ظهر البعير. حينها تجمّعَ الناس بصورة عفوية وارتجالية، ليهتفوا بتلك الجملة التي أصبحت في الشهر التالي أحد أهم شعارات الثورة.
بالطبع لا تنفصل تلك اللحظة عن سياق المناخ الذي خلقته الموجات الأولى من الربيع العربي وتأثيراتها.
وكذلك كان الأمر حين اعتقال أطفال درعا في آذار 2011، وتعذيبهم وإهانة أهاليهم، وأخيراً إهانة بعض الوجهاء الذين قابلوا رئيس فرع الأمن السياسي "عاطف نجيب" من أجل الإفراج عن الأطفال، غير أن "عاطف نجيب" كان مستفشراً وشديد الحماقة إلى حد أنه أهان الوجهاء وطعنهم بأهم ما يملكون من رموز الشرف، أعراضهم وعُقُل رؤوسهم التي رماها في سلّة المهملات.
ما أشعل الثورة السورية، لا يختلف في جوهره عما أشعل الثورة التونسية في ديسمبر 2010، ذلك أن الذي اقتدح الشرارة الرمزية للثورة هو الشاب محمد البوعزيزي، حين أضرم النار في جسده.
كان فعل البوعزي في تلك اللحظة نوعاً من الاحتجاج اليائس على صفعة المهانة التي تلقاها من شرطة البلدية بعد مصادرتهم لعربة الخضار التي هي مصدر رزقه. احتجاجٌ يائس ضد اعتداء صارخ على الكرامة، أي لا علاقة للأمر بأي دوافع، ما زالت نخبوية في مجتمعاتنا، كالمطالبة بحرية التعبير مثلاً، أو بتداول السلطة، أو بتعدّدية الأحزاب، أو استقلالية النقابات إلخ.
كذلك الأمر بالنسبة لثورة يناير في مصر 2011، فقد كان سحقُ كرامة وآدمية الشاب خالد سعيد ومقتله على يد الشرطة في الإسكندرية، أحدَ أبرز الدوافع المباشرة للثورة. ومن المعروف أن صفحة "كلنا خالد سعيد" على موقع فيسبوك، قد لعبت دوراً رئيسياً في التنظيم والتعبئة والتحشيد لانطلاقة الثورة في 25 يناير 2011.
كل ما سبق هو إشارات معاصرة، غير أنها ليست منفصلة عن مجمل السياق العام للثقافة العربية وأولوية الكرامة في سُلَّم قِيَمها.
إذن دعونا نذهب قليلاً إلى ما تقوله كتبُ التاريخ والتراث والوقائع، لنتلمّس بعض جوانب الحقيقة، التي تشير إلى أن العرب معنيِّين بالكرامة إلى حدود استرخاص الدماء كما لو أنها ماء.
نعم، الكرامة هي الهاجس والمحرِّك، بل المِرجَل الذي ينضغط فيه بخار الكرامة إلى حدّ يجعل الانفجارَ مرعباً وكارثياً أكثر بكثير مما يفعله بخار الحرية.
حتى حكاية قتل جسّاس لكليب، بغض النظر عما إذا كانت حقيقة أم خيالاً، فهي في الحالتين تؤكِّد أن ما حدث لم يكن بسبب تسلط كليب واستبداده، بل بسبب الكرامة، التي لم يحفظها كليب، حين قام بقتل ناقة البسوس خالة جسّاس وضيفة أهله.
الحرية بمعناها العام أمر ثانوي في ثقافتنا ولدى الغالبية إلا في حال المسّ بالكرامة، والحُرّ في تراثنا هو نقيض العبد، وليس أبعد من ذلك، وهذا لا علاقة له بالفهم المعاصر المتعلق بحرية الفكر أو الحريات السياسية أو حتى الدينية.
وليس مصادفة أن لا يرد في الشعر العربي قبل الإسلام أي ذكر للحرية، كما لم يرد ذكرها في القرآن أيضاً.
ثقافتنا العربية ركَّزت على الكَرَامَة بما تعنيه من مَكَانَةُ وشرَفُ وعِزّة وأنفة وإباء.
وثقافتنا الإسلامية ركّزت على العدالة بوصفها قيمة شاملة ومطلقة ومبتغى ما جاء به الأنبياء والشرائع.
وعلى الرغم من كل ما حظيت به العدالة من أهمية قصوى في تفكير الناس وسلوكهم، إلا أنها لم تكن محصَّنة بما يكفي للحيلولة دون ترك الباب مفتوحاً أمام أن تكون العبودية المعمَّمة نوعاً من العدل، أو أن يصبح مفهوم "المستبدّ العادل"، بكل ما فيه من غرابة وتناقض، شأناً مفهوماً ومقبولاً ما دام يوزِّع استبداده على الجميع بالقسطاس، هذا بالطبع بعد حرمان النساء حتى من عدالة توزيع الاستبداد، وذلك تحصيل حاصل للذكورية الضالعة في تاريخنا وعاداتنا وتفكيرنا ولغتنا.
إذن لم تكن الحرية هي القيمة العليا السائدة تاريخياً في مجتمعاتنا، ولذلك لم تكن يوماً هي المحرِّك الحقيقي للجموع.
تنبَّه بعض روّاد النهضة العربية في القرن التاسع عشر للأمر، وحاولوا طرحَ الحرية كمفهوم وفلسفة سياسية حديثة.
بدأت بذور المحاولة مع الطهطاوي وإن بصورةِ مقاربات فقهية، ثم نضجت مع الكواكبي والمعاصرين له، غير أن طموحات وأحلام النهضة بمجملها سرعانَ ما انهارت أو انكفأت أو تلجلجت بها السبل.
الهوَّة كما هي الآن أعمق من إدراك البداهة التي مفادها أن الحرية تنطوي على الكرامة بالضرورة، ولكنّ الكرامة لا تنطوي على الحرية بالضرورة.
وواقع الحال والتاريخ أن الثقافة الإسلامية لم تكن معنية في إحداث أي تغييرات جذرية أو جوهرية في أولوية الحرية على الكرامة، أو حتى على العدالة، ضمن الثقافة العربية.
ختاماً واختصاراً وعَوْداً على بدء أقول:
بعد هروب الأسد وتبخُّر أَبَدِه مع جنون عظمته، تنفّس الناس الذين كانوا ضده ملءَ رئاتهم، وشعروا بكرامتهم، ولكنّ كثيرين منهم لم يشعروا بأي حاجة لحريات الأحزاب والنقابات والجمعيات، ولا حتى للحريات الفردية المتعلقة بالمأكل والمشرب والمَلْبَس وغير ذلك من الشؤون الشخصية.
غياب وعي الحرية وثقافتها مشكلة مزمنة وتحتاج إلى ظروف وقوى ومصالح ومواكبة للعصر والعالم، أي هي مشكلة يحتاج حلها إلى مقدمات ومراكمات دؤوبة وصبورة وطويلة الأمد، وذلك ممكن في حال توفر الظروف، وقد شهدت سوريا مثلاً بعض الخطوات التأسيسية فور الاستقلال عن فرنسا، غير أن الانقلابات العسكرية أجهضت التجربة قبل أن يقوى ويشتد عودها.
إلى أن يتوفر ذلك أو بعضه دعونا نسأل:
هل يمكن للكرامة أن تكون جزئية أو مجتزأة؟
ربما يكون ذلك ممكناً بين اثنين، أو في إطار مجموعة أو حتى جماعة، ولكن لا يمكن الحديث عن كرامة عامة أو وطنية ما لم تكن شاملة للمجتمع والأرض والسيادة، وللأسف أن ما نراه ونلمسه يومياً يشير إلى أننا ما زلنا بعيدين عن ذلك.
