ماذا نريد؟ السيرة الهلالية وزمن اللامرجعيات

من العرض، معدلة.

أنس أبوعون

صحافي فلسطيني

لأن السيرة، وما بعد مستوى الأحداث فيها، فإن القيم والمعاني الدينية إلى جانب القيم الأخرى كالشجاعة والخير، هي قيم غالبة عليها، وتربط دائماً بين صراع الشر المطلق الذي فيه بعض الخير، والخير المطلق الذي فيه بعض الشر،

للكاتب/ة

السيرة لمن يعرفها طويلة ومعقدة، وفيها تفاصيل هائلة بين ما هو مدون وبين ما هو محكي أو متناقل، وتمت إضافته من حكّاء لآخر ومن بلد لآخر، وتفاصيل متغيرة لتوائم أحداث السيرة مشاعر وقواعد تلك البلدان التي رُويت فيها على المقاهي وفي البيوت.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

07/07/2026

تصوير: اسماء الغول

أنس أبوعون

صحافي فلسطيني

أنس أبوعون

كاتب وفاعل ثقافي من فلسطين، تتحرك تجربته بين الكتابة والفنون والممارسة الثقافية.

حين وقف محمود درويش في الجزائر أمام ياسر عرفات، وفي ختام «مديح الظل العالي»، نظر إليه من أعلى المنصة وصاح بين القصيدة وفي عرفات، في تعويم للغضب، وقال: ماذا تريد؟

اليوم أقف أنا، وربما ملايين من الشعب الفلسطيني يسألون أنفسهم ذات السؤال حينما يقفون أمام حاجز عسكري، أو يقتحم عليهم "زوار الفجر" البيوت والأسِرّة، بل إنه لم يعد السؤال يحمل الصيغة الفردية بل المجموع ككل: ماذا نريد؟

لقد خرقت الإبادة أوهاماً كثيرة، كما هزّت إيماناً ظنّه البعض عميقاً، ومن دون أن نرمي أطراف التحليل والكلام واليقين الجاهز، فإن إحدى الأعمدة التي تعرضت لهذا الاهتزاز هي المؤسسات الثقافية في فلسطين، تحديداً تلك العاملة في الضفة الغربية، وتحديداً في جزئية التمويل.

 

 

السيرة الهلالية: الحكاية القديمة على خشبة معاصرة

بعرض «السيرة الهلالية» من إنتاج خلود باسل - مسرح خشبة في حيفا، وإخراج بشّار مرقص، افتُتح مهرجان رام الله للفنون المعاصرة، الذي حمل عنوانه الجديد (الفنون المعاصرة) ليشمل فنوناً أبعد وأوسع من الرقص المعاصر فقط، الذي انطلق فيه المهرجان منذ سنوات، ربما 2008، وكان شعار وبيان المهرجان واضحاً وشديد الوضوح: مكملين.

العرض الفني، الذي شارك فيه سبعة مؤدين، مغنيان وموسيقي وأربعة ممثلين/راقصين، امتد على مدى 160 دقيقة مع استراحة. عرض جديد في المعنى والأسلوب، قديم بالقصة والحكاية، فتناول السيرة الهلالية ليس بالمسألة البسيطة أو قليلة الشأن التي يرى فيها المستشرقون (الحكاية الشعبية) سطحية وغير قادرة على بناء حكمة، فالسيرة الممتدة على أربعة أجزاء رئيسية وأكثر من 15 جزءاً فرعياً نابعة من عمق التراث العربي الإسلامي المتواصل بالسرد من الجزيرة العربية إلى شمال إفريقيا.

وتناولها في عمل مسرحي معاصر، وبهذا الشكل، يدل على فهم عميق للسيرة وتفاصيلها من جانب، وهضم مريح لأبعاد المعاني الدينية والاجتماعية والإنسانية فيها.

الموسيقى والغناء لعبا الجزء الأساسي في عملية السرد إلى جانب الحوارات الفردية أو المشتركة، كما أنها كانت أحياناً تعيد نفسها مرة بالغناء ومرة بالكلام، ومرات بالنصوص الظاهرة على الشاشة التي قدمت الأحداث أو شرحت تفاصيلها أو منحت الجمهور مساحة أكبر لفهم الحدث نفسه بسياقات جديدة.

إلا أن النصوص التي تمت صياغتها إلى جانب النصوص الأصلية المستخدمة من السيرة ذاتها كانت في معظمها باللغة المحكية، وغالباً باللهجة الفلسطينية المتعددة من شمال فلسطين إلى الجنوب، مما مدّ تواصلاً للجمهور تآلف فيه مع الأحداث والنصوص الأصلية التي غالباً ما تبدو عصية على الفهم في تجارب أخرى للسيرة في مصر أو لبنان أو حتى في سير أخرى.

وقد جاء مستوى الغناء، الذي تم تلحينه أحياناً أو البناء على ألحان فلكلورية، ليؤدي أدواراً في الأحداث أو الفواصل، والتي كانت في مجملها متماسكة ومنسجمة، تخرج من مشهد لتدخل في آخر بشكل سلس ينهي الحدث الماضي ويؤسس للحدث الجديد، فتصمت الحركة على المسرح ويظهر العنوان الجديد على الشاشة.

إلا في النهايات حيث بعض المشاهد التي انتهت بطريقة مفاجئة لم تؤسس لما سيأتي بعدها، ولم تؤثر بنيوياً في بنية العرض الفنية أو السرد، مثل مشهد تغريبة بني هلال من نجد إلى تونس، الذي نال من المسرحية أكثر من 20 دقيقة ربما، في حين أن مشهد مرض أبي زيد الهلالي، والذي يعتبر ملحمياً في السيرة، لم يأخذ سوى خمس دقائق أو أقل.

لكن بالعودة إلى الغناء والأسلوب فيه، فهو يدل على فهم واستيعاب عضوي للفلكلور الفلسطيني وبلاد الشام، حيث تم استخدام ألحان فلكلورية مثل «غبيشة» و«دلعونا» لسرد أحداث من العمل بكلمات جديدة بدت في معظمها كلمات مركبة ومشغولة من كاتب مسرحي لا من كاتب أغانٍ، فسقطت معظمها في ضرورة الميزان والقافية لا المعنى والقصد، وهو أمر غالب الحدوث مع كتابة الأغاني الفلكلورية إلا في حالات قليلة.

 

 

حين تصبح الأدوات جزءاً من الحكاية

لكن ذلك المستوى (السمعي) من العمل كان جزءاً من ثلاثة عناصر أخرى حملت القصة والأداء، الأول: هو السينوغرافيا، فاستخدام الشاشة الكبيرة والمسرح المفتوح من دون كواليس، وتحريك الصناديق وتماثيل الخيول وتفاعل المؤدين معها، والتراب والسنابل، فتحت المجال للدخول في عالم القصة دون المبالغة في "البهجرة"، أي استخدام الأدوات المسرحية التقليدية بشكل غير تقليدي وتفاعلي، لها مركزية في الحدث وليس ديكوراً خلفياً!

حتى عازف الدرمز الذي بقي جالساً على منصته طوال العرض تم استخدامه في بناء مشهد بصري تفاعلي مع الإضاءة أعجب الجمهور، واستخدام أوراق بلاستيكية مرسوم عليها مشاهد وضعت أمام الإضاءة لخلق بيئة الحدث أيضاً كان بسيطاً مستوحى من بساطة السيرة، وعميقاً في بناء المعنى مثلها.

المستوى الثاني هو الأداء، الممثلون/الراقصون/المغنون، أياً كانت تخصصاتهم، قدموا أداءً مذهلاً في العديد من اللحظات، قافزين بين أدوارهم المتغيرة في السيرة وبين أدوارهم في السرد، فأحياناً كانوا يخرجون من السيرة ليكونوا الشُهّاد، وأحياناً يكونون أبطال السيرة، وأحياناً أخرى أفراداً يحكون السيرة في العام 2026 متحررين من عبء التاريخ.

وقد ساعدت هذه القفزات السريعة بين الأدوار على خلق التفاعل الهزلي أحياناً والجاد أحياناً مع الجمهور، سواء باستخدام عبارات وإيماءات من اللغة المحكية والحياة اليومية، أو عدم المشاركة في المشهد والاكتفاء بالمشاهدة والتفاعل معه، أو الرقص أو الغناء أو التفاعل بين الشخصيات أنفسهم.

وكان أبرزها مشهد الأشجار الثلاث الذي تجلت فيه عبقرية السينوغرافيا والفهم الجدي للسيرة والاستخدام الذكي للغة المحكية، حيث وقف ثلاثة ممثلين في منتصف الخشبة مع ثلاثة تماثيل لأشجار وضعت على أكتافهم وقدموا المشهد من هناك دون أن يتزحزحوا من أماكنهم.

السيرة لمن يعرفها طويلة ومعقدة، وفيها تفاصيل هائلة بين ما هو مدون وبين ما هو محكي أو متناقل، وتمت إضافته من حكّاء لآخر ومن بلد لآخر، وتفاصيل متغيرة لتوائم أحداث السيرة مشاعر وقواعد تلك البلدان التي رُويت فيها على المقاهي وفي البيوت.

ولمن يعرف حجم السيرة والسير الأخرى التي على شاكلتها، مثل سيرة الظاهر بيبرس، يدرك أن العمل في هذه السير ليس بالأمر الهيّن، ويحتاج الكثير من الصبر والتأمل إلى جانب مستوى عميق من الفهم وقدرة عالية من الخيال الخصب، لماذا؟

لأن السيرة، وما بعد مستوى الأحداث فيها، فإن القيم والمعاني الدينية إلى جانب القيم الأخرى كالشجاعة والخير، هي قيم غالبة عليها، وتربط دائماً بين صراع الشر المطلق الذي فيه بعض الخير، والخير المطلق الذي فيه بعض الشر، لكن في النهاية الشخصية التي تحصل على الدعم الإلهي هي تلك التي تنتصر بالقيمة وإن تعرضت للهزيمة على أرض الواقع.

ومن مثل ذلك غيرنا نحن الفلسطينيين؟

لا يمكن الهروب من هذا التقارب عزيزي القارئ وإن أردت، فحتى في تفاصيل المسرحية ذُكرت غزة الأبية والقدس البهية كتدخل أجبر المشاهد وبشكل طوعي على رؤية أحداث قصة حدثت من زمن بعيد قريبة منه ومن ما جرى ويجري معه.

 

 

ماذا نريد في زمن اللامرجعيات؟

بالعودة إلى افتتاحية المقال، فقد حصل وما زال يحصل جدل حول مسألة التمويل المشروط في فلسطين، والذي بدأ منذ العام 2018 عندما أضاف الاتحاد الأوروبي (أبرز داعمي القطاع الثقافي في فلسطين في حينها) بنوداً تدين نضال الشعب الفلسطيني وتصفه بالإرهاب، ومع اندلاع حرب الإبادة وتواطؤ النظام الغربي في تعويمها ورفض النظام السياسي الرسمي الأوروبي تجريمها بشكل كامل، فاقداً كل تلك القيم الكبرى التي صنعها هو بالمناسبة لتفوقه الأخلاقي على بقية الأمم، جعل العديد من المؤسسات، سواء التي كانت تعرف هذا الوهم أو تلك التي كانت تصدقه، تلغي ذلك التمويل وترفضه.

صمدت جبهة الرفض حتى مؤخراً، حيث بدأت الاهتزازات بالحدوث الواحدة تلو الأخرى، وتحديداً من خلال إيجاد التفافات قانونية على عملية التوقيع ذاتها على البنود.

سرية رام الله التي نظمت المهرجان حصلت على التمويل من الاتحاد الأوروبي، ولا أعرف الطريقة كي لا أسقط في كيل الاتهامات لأحد، لكن وخلال العرض سألتني زميلة فاعلة في القطاع الثقافي عن رأيي في القضية، وقلت لها:

أنا ضد التمويل المشروط، وربما توجد رغبة في داخلي بأن أرفض كل فكرة التمويل الغربي بشكل مطلق، وأشجع وأحيّي كل مؤسسة قادرة على مستوى القناعة والإدارة أن ترفض التمويل، ويجب تعزيزهم وتعزيز موقفهم، كما أنني لا ألوم ولا أحرض على المؤسسات التي حصلت على التمويل سواء بسبب القناعة أو الإدارة، ولن ألومهم أو أكيل لهم أي اتهام، لماذا؟

لأننا ببساطة في زمن لا مرجعيات فيه، ولا أبطال قادرين على انتزاع الخير من قلب الشر أو صناعة خير مطلق كبطلنا في السيرة.

وإن سألت كل المؤسسات: ماذا نريد؟ ستجد كلاً له إجابة خاصة فيه، لماذا مرة أخرى؟ لأننا ببساطة في زمن اللامرجعيات، وكلٌ على هواه؛ من يضبط إيقاعه بالقيم والمبدأ، ومن يربط خطواته بالإدارة والواقعية.

في ختام «مديح الظل العالي»، يكمل درويش صرخته وبشكل لاهث إلى إجابة تأتي بشكل واضح كالضوء لا تقبل التأويل والخلاف:

ماذا تُريد، وأنت سَيِّدُ روحنا
يا سَيِّدَ الكينونة المتحوِّلَهْ؟
يا سَيِّدَ الجمرهْ
يا سَيِّدَ الشُّعْلَهْ
ما أوسع الثورة
ما أضيقَ الرحلة
ما أكبَرَ الفكرة
ما أصغَر الدولة!

 

"مكملين": انطلاق مهرجان رام الله للفنون المعاصرة

الكاتب: أنس أبوعون

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع