فضا

على خطى كنفاني: "رمان" تدخل عامها العاشر نقدا ومقاومة متجددة

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

اختيار صورة غسان كنفاني اليوم هو تذكير بأن الشهيد لا يُستدعى للتقديس فقط، بل للمساءلة أيضاً؛ إذ ماذا يعني أن نرفع صورة كنفاني بعد أكثر من خمسين عاماً على اغتياله؟ هنا يتجاوز الشعار وظيفته البصرية ليصبح إعلان موقف، ووعدًا بأن الثقافة لن تستكين.

للكاتب/ة

فإن "رمان" تريد أن تؤسس لنفسها هوية أكثر رسوخاً، هوية ترتبط بغسان كنفاني لا كماضٍ مغلق، بل كأفق مفتوح. وأن تجعل من هذه الصورة لازمتها الخاصة وصوتها الداخلي الذي يذكّرها دائماً بأن دورها لا ينتهي عند النشر، بل يبدأ منه.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

24/08/2025

تصوير: اسماء الغول

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

سليم أبو ظاهر

وأكاديمي.

في اللحظة التي تدخل فيها "رمان الثقافية" عامها العاشر، لا تبدو المسألة مجرد ذكرى سنوية أو احتفال شكلي يضيف رقماً إلى عمر مجلة. مرور تسع سنوات من الكتابة والجدل وتراكم التجارب يعني أن المجلة تقف اليوم أمام ذاتها أولاً، قبل أن تقف أمام قرائها. فهي ليست في مواجهة ماضٍ مضى، بقدر ما هي في مواجهة أسئلتها الأولى: لماذا بدأت؟ كيف استمرت؟ وإلى أين تريد أن تمضي؟ هذه الأسئلة لا تعكس فقط حصيلة عقد أوشك على الانتهاء، بل تكشف عن وعيٍ متجدد بمسؤولية الكتابة ودورها، وعن رغبة في إعادة طرح معنى أن تكون مجلة ثقافية عربية في زمن متداخل بالهزائم والأمل. في هذه المناسبة تختار "رمان" أن تضيف إلى هويتها البصرية شعاراً بصرياً موازياً، يستحضر ملامح غسان كنفاني من إحدى الرسومات المنشورة في مجلة "الهدف" عام 1972. للوهلة الأولى يبدو الأمر وكأنه مجرد تكريم لشخصية فلسطينية استثنائية، لكن سرعان ما يتضح أن الأمر يتجاوز الرمزية التذكارية إلى كونه فعلاً ثقافياً ومقاومة تحررية بامتياز. فالشعار لا يأتي ليحلّ محلّ هوية المجلة البصرية، بل ليعكس خياراتها الثقافية والنقدية والوجودية، وليقف بجوارها كتجسيد لفكرة تتجاوز الشكل نحو المعنى؛ نحو ذلك الخيط المتصل بين مشروع ثقافي نقدي وميراث أدبي وسياسي لا يزال يحفر أثره في الوعي العربي والفلسطيني. هو إعلانٌ بأن المجلة تنحاز إلى المعنى الذي جسّده كنفاني، وتجد فيه مرآة لهويتها وخياراتها الفكرية والجمالية. 

منذ تأسيسها، حملت "رمان" مشروعاً يتجاوز الصحافة الثقافية التقليدية، لتصبح مساحة للنقاش، للتفكيك والجدل، ولإعادة صياغة الأسئلة حول الأدب والفن والهوية والسياسة. ومع دخولها عامها العاشر، يبدو طبيعياً أن تبحث عن رمز مكثف يعبر عن مسيرتها، وعن إرثها النقدي والفكري. لم يكن هناك من هو أقدر من غسان كنفاني ليجسد هذه الروح؛ المثقف العضوي، الكاتب الذي وحّد بين النص والواقع، والذي قدّم نموذجاً فريداً للمثقف المنخرط في قضايا شعبه حتى آخر لحظة في حياته. فكنفاني ليس اسماً عابراً في الذاكرة الفلسطينية والعربية، بل هو علامة كبرى، ونصّ مفتوح على احتمالات المقاومة وتجديد المعنى، وشخصية تحوّلت إلى أيقونة حيّة لا تهدأ. في صورته كما في كلماته يتجسد سؤال الكرامة والحرية والعدالة، وفي وجهه ما يتجاوز الملامح الشخصية؛ ثمة قدرة عجيبة على أن يتحول الوجه ذاته إلى سؤال، وعبارته الشهيرة "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟" لم تعد مجرد جملة داخل رواية، بل تحولت إلى سؤال وجودي وسياسي وثقافي يلاحق أجيالاً متعاقبة. ففي زمن الاستهلاك السريع للرموز، تظل إعادة توطينها في سياق نقدي وفكري جديد ضرورة ملحة. ويبدو أن اختيار صورة غسان كنفاني شعاراً موازياً لم يكن خياراً عابراً أو زخرفياً، بل إعلاناً واعياً بأن المجلة وهي تعبر عقدها الأول لا تبحث عن زينة، بل عن جذرٍ يُعمّق حضورها ويراكم أسئلتها. فثورة كنفاني ليست فقط في نصوصه الأدبية أو في نضاله السياسي، بل أيضاً في صورته وقدرتها على أن تصبح علامة تذكّر القارئ بأن الثقافة ليست ترفاً، وإنما موقف ورؤية وسؤال مفتوح على المستقبل.

لقد نجحت "رمان" في أن ترسم لنفسها موقعًا خاصًا في المشهد الثقافي العربي والفلسطيني؛ فهي لم تكن منبرًا للنشر فقط، بل مختبرًا للتجريب، ومساحة مفتوحة أمام أصوات جديدة وأساليب غير مألوفة. في نقد الأدب والفن، كما في مقاربة الأسئلة السياسية والاجتماعية، قدّمت المجلة نموذجًا للكتابة التي لا تتردد في اقتحام المساحات الشائكة، خارج أطر البلاغة الجاهزة والحياد المزيّف. تسع سنوات مضت شهد العالم خلالها تغيرات كبرى في مشاهده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والمشهد الثقافي تبدّل على نحو دراماتيكي. وسط هذه التحولات، واصلت "رمان" بناء مكانتها كمنصّة للتفكير الجماعي، لا كأرشيف ساكن للنصوص، مثبتة أن هناك جمهورًا واسعًا يبحث عن نصوص متأنية، نقدية، تعيد مساءلة المسلّمات وتقف في وجه التفاهة المتسيدة. جمهور شاب في غالبه، هو الامتداد الطبيعي لقراء كنفاني قبل نصف قرن، إذ ما تزال الأسئلة نفسها مطروحة: الهوية، العودة، معنى النضال، وحدود الكتابة ذاتها. ولعل ما يميز تجربة "رمان" أيضًا هو قدرتها على الموازنة بين المحلي والعالمي، فهي تنطلق من السياق الفلسطيني والعربي، لكنها لا تنغلق فيه، بل تنفتح على النقاشات الفكرية الكونية. هكذا تقترب أكثر من روح كنفاني الذي ظل مشغولًا بالإنسانية كقيمة عليا وبالعدالة كمعيار لا يتجزأ، حتى وهو غارق في تفاصيل القضية الفلسطينية. واليوم، مع اقترابها من منعطف عقدها الثاني، تضع المجلة على عاتق كتّابها وقرّائها مسؤولية أوفى لذلك الدرس: أن الثقافة لا يمكن أن تكون محايدة، وأن المثقف إذا لم ينحز للحرية والعدالة ينقلب صوته إلى صدى بلا معنى.

هذا المسار هو الذي يجعل صلة المجلة بغسان كنفاني أكثر من مجرد استلهام رمزي، واختيار المجلة لهذا الوجه، وهي على عتبة جديدة من مسيرتها، هو بمثابة تجديد للعهد مع السؤال أكثر مما هو احتفاء برمز. وكأنها تقول: وظيفتنا ليست تزيين المشهد الثقافي العربي بمزيد من النصوص، بل أن نظل الصوت الذي يقلق السكون، ويعيد فتح الجروح التي يحاول الجميع تغطيتها. ذلك أن "رمان"، منذ عددها الأول، لم تبحث عن مكان آمن في سوق الثقافة أو في ظل المؤسسات المانحة، وكتبت من موقع الهشاشة، لا من موقع السلطة. فالنصوص التي نشرتها كانت أقرب إلى مساحات للتفكير بصوت عالٍ، بعيداً عن خطب الأيديولوجيا الجاهزة أو بريق الأكاديميا المغلقة. لم تلهث المجلة وراء معيار فكري أو ثقافي مغلق، بل جعلت من النص أداة لاقتراح معنى جديد، أكثر التصاقاً بالحياة اليومية وهمومها، وأقل خضوعاً للبلاغة الرسمية. بهذا المعنى، فإن دخول المجلة عامها العاشر لا يمكن أن يُقرأ كاستمرارية فحسب، بل كإعادة طرح للسؤال الأول: ما الذي يعنيه أن تكتب اليوم بالعربية؟ أن تكتب من فلسطين وحولها، وللعالم؟ وكيف يمكن أن تحافظ الكتابة على قدرتها في زمن الانهيارات الكبرى؟ ومثلما كان كنفاني يصرّ على أن الأدب لا ينفصل عن السياسة، وأن السياسة بدورها ليست سوى صراع على المعنى، اختارت رمان أن تحفر مكانها في هذا التماس بالذات؛ لم تعامل الأدب كزينة للسياسة، ولا السياسة كسلطة فوق النص، بل سعت إلى فتح مسارات متبادلة بينهما. من مراجعات الأدب والفن، إلى مقالات الفكر والسياسة، مروراً بالشهادات الشخصية والنقاشات الجمالية، بنت المجلة جداراً من النصوص المتنوعة، هشاً أحياناً لكنه صلب في جوهره، قادراً على الصمود في وجه التبسيط والتسطيح. 

في المحصلة، فإن اختيار صورة غسان كنفاني اليوم هو تذكير بأن الشهيد لا يُستدعى للتقديس فقط، بل للمساءلة أيضاً؛ إذ ماذا يعني أن نرفع صورة كنفاني بعد أكثر من خمسين عاماً على اغتياله؟ هنا يتجاوز الشعار وظيفته البصرية ليصبح إعلان موقف، ووعدًا بأن الثقافة لن تستكين. بهذا المعنى، يتجاوز الشعار حدود الشكل ليصبح موقفاً كاملاً؛ فاستحضار كنفاني لا يعيد إنتاج الماضي بقدر ما يفتح على المستقبل، رابطًا زمنين مختلفين بسؤال واحد ومنطق متسق لم يفقد راهنيته: القدرة على طرق الجدران. ولعل ما يضاعف أهمية هذا الخيار هو استحضار إعلان المجلة أنها تحاول بدورها أن تدق جدران الخزان، أن تزعج الصمت، وأن تفتح فضاءً للنقاش النقدي الذي يواجه الاستكانة والقبول بالأمر الواقع، لا أن تكون مجرّد منصة للنشر العابر. وبالتالي، فإن دخول "رمان الثقافية" عامها العاشر، اليوم، بشعار غسان كنفاني ليس حدثًا شكليًا بل إعلانًا عن مرحلة جديدة: مرحلة وعي بالمسؤولية واستمرار في الانحياز إلى الثقافة النقدية، وإيمان بأن الكلمة لا تزال قادرة على أن تكون سلاحًا ضد التهميش والتزييف. واستعادة كنفاني هنا ليست مجرّد مظهر احتفالي، بل تجديدٌ لقناعة بأن الثقافة تظل ميدانًا للمقاومة، وأن الكلمة تملك القدرة على زحزحة ومشاكسة الواقع، حتى في أزمنة الإحباط والانكسار. بهذا المعنى، تطرح "رمان" نفسها امتدادًا لمشروع ثقافي مقاوم، ولكن بأدوات وأساليب معاصرة؛ فإذا كان سؤال كنفاني الأشهر "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟" قد تحول إلى لازمة في وجدان أجيال كاملة، فإن "رمان" تريد أن تؤسس لنفسها هوية أكثر رسوخاً، هوية ترتبط بغسان كنفاني لا كماضٍ مغلق، بل كأفق مفتوح. وأن تجعل من هذه الصورة لازمتها الخاصة وصوتها الداخلي الذي يذكّرها دائماً بأن دورها لا ينتهي عند النشر، بل يبدأ منه.

الكاتب: سليم أبو ظاهر

هوامش

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع