حين مرت فلسطين من بهو الفندق

Urban Landscape (2026) by Yazan Abu Salameh

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

حين انتهى، ابتسم لي ابتسامة صغيرة، أدار ظهره، ثم مضى ببطء بين الطاولات الأنيقة، تاركًا خلفه ذهولًا مضطربًا وحنينًا معلّقا في الهواء، فيما بقيتُ أحدّق في البحيرة البعيدة وأفكر أن الفلسطيني يحمل فوضاه الداخلية أينما ذهب؛ حتى في أكثر فنادق العالم أناقة،

للكاتب/ة

يحمل وطنه كجرح خفيف تحت قميصه؛ لا يراه أحد، لكنه لا يتوقف عن النزف، وأن أكثر ما يؤلم في المنفى ليس أنك تبتعد عن وطنك، بل أن تظل قادرًا، بعد ثمانين عامًا، على الغناء له كأنك غادرته أمس.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

26/05/2026

تصوير: اسماء الغول

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

سليم أبو ظاهر

وأكاديمي.

ذات صباحٍ سويسريّ بارد، في بهو أحد الفنادق الفاخرة في جنيف، حيث يتقن الوقت هندسة الصمت، كانت الطاولات مصطفّة بأناقة باردة، كأنها جزء من نظام العالم نفسه؛ فناجين القهوة اللامعة، الصحف المطوية بعناية، والوجوه العابرة التي تتقن فنّ عدم الالتفات. خلف الزجاج الكبير، كانت البحيرة ساكنة إلى حدّ يوحي بأن الزمن هنا لا يمضي، بل يُدار ببطء محسوب، كما تُدار ثروات العالم وحروبه. بدا العالم كما لو أنه استقر أخيرًا على صورته التي يحلم بها الأثرياء والدبلوماسيون: هدوء مصقول، نوافذ واسعة، موظفون يتحركون بخفة مدروسة، وأصوات خافتة لا تكاد تعلو فوق رنين الملاعق الدقيقة وهي تلامس فناجين القهوة البيضاء. حتى الضوء كان موزعًا بعناية، كأن الصباح نفسه خضع لبروتوكول الفندق.

جلستُ إلى مائدة الإفطار وحيدًا، أراقب ذلك النسق الأوروبي الرتيب والانضباط السويسري البارد؛ رجال أعمال يطالعون هواتفهم بصمت، زوجان مسنان يتقاسمان صحيفة فرنسية، وسائح آسيوي يلتقط صورًا لفنجان قهوته كما لو أنه يوثّق لحظة تاريخية. كان كل شيء مرتبًا أكثر مما ينبغي، حتى شعرت أن الفوضى الوحيدة الممكنة هنا هي أن يتذكر أحدهم وطنه فجأة. حينها لمحته؛ رجل في الثمانين ربما، لكن في هيئته شيء من فتنة النجاة. كان جميلًا على نحو لا تمنحه الملامح وحدها، بل تمنحه الحياة حين تعبر صاحبها دون أن تهزمه بالكامل. عيناه العسليتان تحملان تعب المسافات، لكنهما بقيتا محتفظتين ببريق خفيف، كأن طفلًا قديمًا ما زال يطلّ منهما كلما خفّ انتباه العالم.

عند الطاولة المجاورة جلس الرجل ليتناول إفطارًا عصريَا، لكنه كان أنيقا على نحو قديم، كأن الزمن توقف عنده في خمسينيات بعيدة ثم أكمل العالم طريقه وحده. كان يرتدي سترة رمادية داكنة وقميصًا أزرق فاتحًا، وتفوح منه رائحة خفيفة تشبه عطور الرجال في الصور القديمة. لكن ما شدّني حقًا لم يكن أناقته، بل تلك المسافة الغامضة في عينيه؛ نظرة من عاش طويلًا بما يكفي ليعرف أن الإنسان لا يكبر بالعمر وحده، بل بالأماكن التي خسرها أيضًا. 

التقت نظراتنا مصادفة، أو ربما لأن الفلسطينيين، مهما ابتعدت بهم الجغرافيا، يشدّهم خيط خفي نحو بعضهم بعضًا. ثم جاء الحديث بسيطًا وعابرًا في بدايته، كما تبدأ الأحاديث الكبرى دائمًا. سألني من أين أنا، وحين قلت له: “من فلسطين”، ابتسم ابتسامة طويلة، لم تكن ابتسامة التعارف العادية، بل ابتسامة من عثر فجأة على شيء أضاعه منذ زمن، كأنها تخرج من ذاكرة لا من فم، مدّ يده نحوي ثم قال بهدوء: "وأنا أيضًا… من الخليل أصلًا، لكن شبابي كلّه كان في رام الله".

عندها فقط تغيّر وجه المكان؛ حين نطق اسم الخليل، شعرت أن حجارة المدينة عبرت البحر والحدود واستقرت للحظة بين الأكواب وأطباق الإفطار الأوروبية. وحين قال "رام الله"، بدا صوته أكثر دفئًا، كأن الكلمة نفسها تحمل رائحة مساء بعيد لم يغادره تمامًا. لم تعد الطاولات طاولات، ولا الفندق فندقًا. صار الصباح أقلّ برودة، وصارت فلسطين، تلك البعيدة المحاصرة بالخرائط والأسلاك، تجلس معنا على المائدة نفسها. أخذ يحدثني عن الخليل كما لو أنه تركها بالأمس: الأسواق القديمة، رائحة العنب في آخر الصيف، والبيوت التي كانت تعرف أصحابها واحدًا واحدًا. ثم انتقل إلى رام الله شبابه، إلى المقاهي الأولى، والوجوه التي اختفت، والأغاني التي كانت تُسمع من نوافذ بعيدة في أمسيات الصيف.

شيئًا فشيئًا، أخذ الرجل يفتح أبواب ذاكرته. لم يكن يتحدث كثيرًا،  لكنه كان يتحدث بالطريقة التي يتحدث بها من يعرف أن الكلمات القليلة أكثر قدرة على النجاة، وأن الذاكرة ليست مستودعًا للصور فقط، بل وطنًا بديلًا أيضًا. سألته منذ متى يعيش خارج فلسطين، ابتسم ابتسامة خافتة وقال: "من عمر… من حياة كاملة تقريبًا." ثم صمت قليلًا، وأضاف: "الغريب إنك بعد كل هالسنين بتكتشف إنك ما غادرت فعلًا، الجسد بس هو اللي بيسافر." 

استمعت إليه طويلًا وأنا أفكر في هذه القدرة العجيبة على حمل الأمكنة داخل اللغة والتعبير عنها كما لو أنه لا يستعيد الذكريات، بل يلمسها بيديه. هو لم يقل "كنت هناك"، بل تحدث عن الوطن والمكان كأنه لا يزال قائمًا داخله، مهما تهدمت البيوت وتبدلت الخرائط. ربما لهذا السبب يشيخ الفلسطيني ببطء؛ لأن جزءًا منه يبقى دائمًا معلقًا عند اللحظة التي غادر فيها أول مرة. كانت عباراته بسيطة، لكنها أصابتني بشيء يشبه الرجفة. شعرت فجأة أن الرجل لا يجلس أمامي وحده، بل تجلس معه عقود كاملة من الغياب الفلسطيني؛ المطارات، المنافي، البيوت المؤقتة، اللهجات التي اختلطت بلغات أخرى، والصور القديمة التي يحملها الناس في محافظهم كأنها وثائق نجاة.

في الخارج، كانت البحيرة ساكنة حدّ القسوة، والبجع الأبيض يتحرك فوق الماء بثقة كائن لا يعرف شيئًا عن المنفى. أما داخل الفندق، فقد بدأ الصباح يزداد ازدحامًا، لكنني شعرت أن الطاولة الصغيرة التي نجلس إليها انفصلت عن العالم كله. لم يعد المكان فندقًا في جنيف، بل صار فسحة معلقة بين زمنين: زمن أوروبا التي تنسى بسرعة، وزمن الفلسطيني الذي لا يملك ترف النسيان أصلًا. وحين نهض ليستعد للمغادرة، حدث شيء أربك صباح الفندق بأكمله؛ مشهد على الأرجح أنه سيبقى في ذاكرتي، أطول من ذكرياتي في جنيف. أبعد الكرسي ببطء، ووضع يده على الطاولة لحظة وكأنما يتكئ على عمر كامل، ثم نظر نحو الزجاج الكبير المطل على البحيرة. لم يكن ينظر حقًا إلى البحيرة، بل إلى مكان أبعد بكثير لا نراه نحن. وفجأة، وبصوت خافت لكنه واضح، أخذ يغني: "أمانة عليك يا ليل طول… وهات العمر من الأول."

صوته كان مبحوحًا قليلًا، لكنه حمل صدقًا لا تملكه سوى قلوب العاشقين، فشعرت أن الفندق كله صمت ليستمع، حتى أولئك الذين لا يفهمون العربية، ذلك أن ثمة شيء في الحنين الصادق لا يحتاج إلى ترجمة. كان في نبرته شوق لا يخص امرأة بذاتها، ولا مدينة بعينها، بل يخص البدايات نفسها؛ تلك اللحظة الأولى التي كان فيها العالم أكثر رحابة، وكانت فلسطين أقرب من المنفى، وأقرب من الذكرى. عندها، لم تعد الكلمات مجرد أغنية قديمة، بل تحولت إلى ترانيم رجل يريد أن يفاوض الزمن للمرة الأخيرة كي يستعيد ما فقده دفعة واحدة. رجل يطلب هدنة قصيرة مع الفقد ليعود، ولو لدقيقة واحدة، إلى ذلك الفتى الذي مشى يومًا في شوارع رام الله دون أن يعرف أن العمر يمكن أن يتحول كله إلى حنين.

حين انتهى، ابتسم لي ابتسامة صغيرة، أدار ظهره، ثم مضى ببطء بين الطاولات الأنيقة، تاركًا خلفه ذهولًا مضطربًا وحنينًا معلّقا في الهواء، فيما بقيتُ أحدّق في البحيرة البعيدة وأفكر أن الفلسطيني يحمل فوضاه الداخلية أينما ذهب؛ حتى في أكثر فنادق العالم أناقة، يحمل وطنه كجرح خفيف تحت قميصه؛ لا يراه أحد، لكنه لا يتوقف عن النزف، وأن أكثر ما يؤلم في المنفى ليس أنك تبتعد عن وطنك، بل أن تظل قادرًا، بعد ثمانين عامًا، على الغناء له كأنك غادرته أمس.

الكاتب: سليم أبو ظاهر

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع