بعض الغياب يبدأ حين يغادر صاحبه، وبعض الرحيل لا ينتهي حتى يعود إلينا في صورة ذكرى لم نكن نعرف، حين عشناها، أنها ستبقى. وصلني خبر رحيل سليمان منصور، فعدت، على نحو لم أتوقعه، إلى غرفة صغيرة في مطار بيروت. ليس إلى معرض من معارضه، ولا إلى لوحة معلقة على جدار، ولا إلى صورة "جمل المحامل" التي ربما لا يخلو بيت فلسطيني، أو ذاكرة فلسطينية، من نسخة عنها. كل تلك الصور حضرت لاحقاً، تباعاً، كأنها تخرج من مكان بعيد في الذاكرة، لكن الصورة الأولى التي عادت إليّ كانت مختلفة تماماً؛ غرفة ضيقة حيث كنا ننتظر مصيراً صغيراً في مطار.
قبل نحو عشر سنوات، وصلنا إلى المطار ونحن نحمل ذلك الشعور الذي يسبق الدخول إلى بيروت؛ شيء يشبه الفرح المؤجل، أو الحنين إلى مدينة لا تحتاج إلى كثير من الوقت كي تقنعك بأنها تعرف كيف تستقبل الغرباء. كان يكفي أن نعرف أننا اقتربنا من بيروت حتى نشعر أننا وصلنا إليها، أو هكذا ظننا. لكن الوصول إلى المدن ليس دائماً مسألة طائرة تهبط في موعدها، ولا ختم يوضع على جواز السفر. أحياناً يكفي أن تكون فلسطينياً قادماً من فلسطين كي تتحول الرحلة إلى سؤال طويل عن المكان الذي جئت منه، وكيف وصلت إليه، ولماذا كنت هناك. كانت تهمتنا، ببساطة، أننا زرنا "الوطن المحتل" أو، بتعبير أدق، أننا جئنا من المكان الذي نعيش فيه، والذي يعيش فينا.
حاولنا أن نشرح لضابط الجوازات ما بدا لنا حقيقة أولية لا تحتاج إلى كل ذلك الشرح؛ نحن لسنا زواراً للأرض التي نعيش عليها، لم نذهب إلى الاحتلال كما يذهب المسافر إلى بلد آخر، بل إن الاحتلال هو الذي جاء إلينا. هو الذي اقتحم المكان، وأعاد تسمية الأشياء، وفرض على الفلسطيني أن يقدم، في كل مرة، رواية مختصرة عن نفسه كي يعبر إلى مكان آخر. كان في الأمر قدر كبير من العبث، لكنه عبث فلسطيني مألوف. أن تقف أمام رجل لا يعرفك، أو ربما لا يريد أن يعرفك، وتحاول أن تقنعه بأنك صاحب المكان الذي يبدو، في الأوراق، كأنه تهمة.
كانت بيروت على الجهة الأخرى من الباب، لكننا لم نصل، وانتهى بنا الأمر محتجزين في غرفة انتظار صغيرة. لا أعرف إن كانت كلمة "احتجاز" مناسبة تماماً، لكنها كانت أقرب إلى ما شعرنا به. لم يكن مسموحاً لنا بالخروج إلى بيروت، ولم نكن نعرف، على وجه الدقة، كم سيطول الانتظار. كان البحر، الذي لطالما ارتبط في مخيلتي بهذه المدينة، في مكان ما قريباً جداً، خلف الجدران والزجاج وإجراءات لا علاقة لها بنا، وبعيداً عنا كما لو أنه على الطرف الآخر من العالم. في تلك الغرفة، ظهر سليمان منصور، حيث التقيته أول مرة. أتذكر لحيته البيضاء، وبساطة حضوره، وهدوءه الذي لم يكن يحتاج إلى تعريف. كان متوجهاً إلى بيروت برفقة فنان آخر، قبل أن يجد نفسه، مثلنا، في الغرفة ذاتها، شريكاً في التهمة نفسها.
الحركة الفنية الفلسطينية تفقد ركنا تأسيسيا برحيل سليمان منصور
كان في الأمر شيء من المفارقة لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ فنان قضى حياته يرسم فلسطين، ويحملها إلى المعارض والبيوت والكتب، يجد نفسه مطالباً، ولو للحظات، بأن يفسر علاقته بها. كأن وجود الفلسطيني في فلسطين يحتاج دائماً إلى رواية مرافقة، وإلى شاهد، وإلى تفسير إضافي. جلس معنا ببساطة لا تشبه الصورة التي نصنعها عادة عن الفنانين الكبار. لم يكن "سليمان منصور الفنان" الذي نعرفه من اللوحات والكتالوجات والجوائز، بقدر ما كان رجلاً فلسطينياً آخر تقطعت به الرحلة عند "حاجز"، وإن اختلف شكل الحاجز هذه المرة. لم يكن كثير الكلام، ولم يكن يحتاج إلى أن يملأ الصمت بما يعرفه الناس عنه. كان هناك ذلك الهدوء الذي يرافق بعض الأشخاص، فيجعل وجودهم في المكان أكثر وضوحاً من الكلام نفسه.
تحدثنا عن أشياء كثيرة وقليلة في آن، كما يحدث في الانتظار. لم تكن جلسة معدة سلفاً، ولا لقاءً ثقافياً، ولا مناسبة فيها منصة وميكروفون؛ مجموعة فلسطينيين عالقين في غرفة في مطار عربي، وفنان ذاهب إلى بيروت كعادته، فإذا به ينتظر معنا. ولعل ما بقي من تلك الصدفة، بعد كل هذه السنوات، هو البساطة التي تجعلك تنسى، بعد قليل، أنك تجلس إلى واحد من أهم الفنانين الفلسطينيين. تحدثنا، ثم أكلنا الفلافل، ولا أعرف، إلى اليوم، إن كانت تلك فعلا أطيب "سندويشة فلافل" أكلتها في حياتي، أم أن الذاكرة هي التي تمنح بعض الأشياء نكهة لم تكن فيها. ربما كنا جائعين، وربما كانت بيروت التي وصلنا إليها ولم ندخلها قد أضافت شيئاً إلى الطعم. وربما كان البحر، القريب إلى حد الإغراء والبعيد إلى حد القسوة، قد جعل كل شيء يبدو مختلفاً. أو ربما، ببساطة، لأن الحديث مع سليمان منصور كان يفتح الشهية حقاً.
بعد ذلك اللقاء العابر، جمعتني بسليمان منصور مناسبات ومبادرات أخرى، معظمها كان يدور حول الثقافة والتراث وصون الذاكرة الفلسطينية. عملت معه في فضاءات مختلفة، وكان الحديث دائماً يعود، بطريقة أو بأخرى، إلى السؤال نفسه: كيف نحفظ ما تبقى منا؟ كان يعرف أن الذاكرة، بالنسبة إلى الفلسطيني، ليست ترفاً، وأنها ليست مجرد أغانٍ قديمة، أو أثواب مطرزة، أو صور قرى معلقة على الجدران، بل طريقة أخرى لمقاومة الاختفاء وللقول إن ما حدث لم يمحُ ما كان هنا. و ربما لهذا كانت أعماله مفهومة وليست بحاجة إلى كثير من الشرح، حتى لمن لم يدرس الفن أو لم يدخل معرضاً في حياته.
لقد عرف الكثيرون سليمان، دون أن يعرفوه، من خلال عمله الأيقوني "جمل المحامل"، ورغم أننا لا نعرف، على وجه التحديد أو التأكيد، متى وكيف تحولت من عمل فني إلى جزء من الأثاث العاطفي الفلسطيني، إلا أنه يمكننا الجزم أنه ما من بيت فلسطيني تقريباً إلا وعرف "جمل المحامل"، أو أن فيه، على الأقل، شيء من ذاكرة تلك اللوحة التي رأيناها معلقة في البيوت، وفي المكاتب، وعلى أغلفة الكتب، وفي أماكن كثيرة فقدنا معها الإحساس بأنها مجرد لوحة.
كان الرجل فيها منحنياً تحت ثقل المدينة التي يحملها على ظهره، لكننا رأينا فيه أكثر من ذلك. رأينا الفلاح واللاجئ والعامل والمنفي، ومن يحمل من فلسطين ما يستطيع حمله. لقد كان يشبهنا أكثر مما ينبغي، ولم يعد، منذ زمن، مجرد شخصية رسمها فنان، بل صار رمزاً وصورة يعرفها الفلسطيني حتى لو لم يذكر متى رآها أو اختبرها للمرة الأولى. كل فلسطيني، بطريقة ما، يعرف ذلك الانحناء؛ يعرف كيف يحمل الإنسان بيتاً لم يعد قائماً، أو مكاناً لا يستطيع العودة إليه، أو أسماء أناس غابوا، وطرقاً تغيرت، وصوراً يحتفظ بها في الهاتف خوفاً من أن تضيع الأشياء مرة أخرى.
لم يرسم سليمان "الفلسطيني" بوصفه ضحية فقط، ولم يرسم فلسطين بوصفها بطاقة تعريف، ولا بوصفها شعاراً يحتاج إلى تعليق على جدار، رسمها كما لو أنها جزء من الجسد؛ شيء لا تستطيع خلعه حتى لو حاولت. في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد كل ما حدث في غزة وفي مخيمات الضفة الغربية، لم تعد صورة الرجل الذي يحمل مدينته مجرد استعارة فنية؛ رأينا الفلسطينيين يحملون ما تبقى من حياتهم من مكان إلى آخر؛ أكياساً، وأطفالاً، وذكريات، وأشياء صغيرة لا قيمة لها في نظر أحد، لكنها تصبح أثقل من العالم حين تكون آخر ما بقي من بيتك. لم يكن الواقع يقلد اللوحة، بل ربما كانت اللوحة قد التقطت، منذ زمن بعيد، شيئاً عميقاً في التجربة الفلسطينية: أن الفلسطيني يتعلم، مرة بعد مرة، كيف يحمل ما يستطيع من حياته ويمضي، على أمل ألا يكون ذلك الرحيل الأخير، وربما لهذا بقيت أعمال سليمان منصور قريبة منا.
لم تكن فلسطين في لوحاته بلداً بعيداً ننظر إليه بحنين، بل شيئاً يدخل معنا إلى الغرفة أينما ذهبنا، كما دخلت معنا إلى تلك الغرفة في مطار بيروت. كانت جالسة بيننا، تنتظر أن يسمحوا لها بالعبور؛ كانت في جوازات سفرنا، وفي الأسئلة التي وجهت إلينا، وفي محاولاتنا المرتبكة لشرح الفرق بين أن تزور مكاناً وأن تكون ابن المكان. كانت في البحر الذي لم نصل إليه، وفي المدينة التي انتظرنا على عتبتها، وكانت، على نحو آخر، حاضرة في سليمان منصور الذي دخل علينا الغرفة.
كنا فقط ننتظر، نريد أن نخرج من الغرفة، أن نرى بيروت، وربما أن نصل إلى البحر. وكانت المسألة كلها تبدو، في حينها، مجرد إزعاج عابر من تلك الإزعاجات التي يعرف الفلسطينيون كيف يتعاملون معها، لأن حياتهم علمتهم أن الانتظار جزء من الرحلة. لكن رحيل الناس يعيد ترتيب الذكريات، فجأة تصبح التفاصيل الصغيرة أثمن مما كنا نظن. تصبح نبرة الصوت مهمة، طريقة الجلوس، الهدوء، اللحية البيضاء، حتى "سندويشة الفلافل" التي لا أعرف، إلى الآن، إن كانت طيبة بسبب الجوع، أم بسبب بيروت، أم لأننا أكلناها في حضور رجل كان قد جعل فلسطين، قبل ذلك بسنوات طويلة، قابلة للرؤية.
حين أفكر في ذلك الآن، يبدو المشهد كله أقرب إلى إحدى مفارقات حياتنا الفلسطينية. كنا، ببساطة، في انتظار "بيروت"، وكان هناك بحر، وفلافل، وصدفة جعلت سليمان منصور يكون بيننا. يومها، لم أفكر أنني سأجلس بعد سنوات لأكتب عن ذلك اللقاء بعد رحيله، فبعض اللقاءات لا تبدو مهمة في لحظتها، تمر ببساطة، ثم تمضي الحياة إلى ما بعدها. لكن السنوات تعود إليها من حين إلى آخر، وتضيف إليها ما لم نكن نعرفه في ذلك الوقت. ليس لأن ما حدث في تلك الغرفة كان حدثاً كبيراً يستحق أن يُروى، ولا لأن سليمان قال شيئاً استثنائياً، بل لأن بعض الناس، حين يغادرون، يتركون خلفهم تفاصيل وأشياء صغيرة تستعيد معناها متأخرة، وتبقى، لا كأشياء من زمن مضى، بل كشهود على زمن لم يستطع أن ينتهي.
