"لا، هذه ليستْ حكايتي. إنَّها حكايةُ جدارٍ قرَّرَ أن يختارَني شاهدًا على ما يقول ويفعل."

جسد الجدار وسردية الأسير: قراءة مكانية في "حكاية جدار"

Fragile Nest (2026) by Yazan Abu Salameh

نبأ أبو عمار

كاتبة من فلسطين

يُساءل جدار زنزانة أبو سرور عن علاقتنا بالفضاءات المُحاصرة عمومًا، سواء كانت زنزانة أو حيًّا مُحاصرًا أو مُخيمًا. يتوقف المكان عن كونه خلفية محايدة لأحداث حياة الإنسان، ويصبح شريكًا في إنتاج المعنى حين يُمنح صوتًا، بكل ما يحمله من قسوة ومن فاعلية في آن واحد.

للكاتب/ة

وهذا ما يجعل "حكاية جدار" محاولة لفهم وتشريح إمكانيّة المادة القاسية، الجدار، أن تتحول عبر الكتابة وحدها، إلى وسيط لذاكرة لا تُمحى وحبٍّ لم يكن يُفترض أن يرى النور في ذلك المكان.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

17/08/2026

تصوير: اسماء الغول

نبأ أبو عمار

كاتبة من فلسطين

نبأ أبو عمار

باحثة، تكتب رسالة الماجستير في الدراسات الأمريكية بجامعة هومبولت ببرلين.

هكذا يستهلّ ناصر أبو سرور روايته "حكاية جدار" (دار الآداب، 2022)، متنازلًا من الجملة الأولى عن حقه في حكايته الخاصة. في العادة، عند الحديث عن جدار زنزانة في أدب السجون، يميل القارئ غالبًا إلى التعامل معه كخلفية صامتة للحدث، أو كحاجز فيزيائي بلا فاعلية خاصة به. أما هنا، فلا يُروى عن الجدار، بل يروي الجدار الحكاية. وفي موضع آخر في النص يذهب أبو سرور أبعد من ذلك ليقول: "أنا صوت الجدار وهكذا قرر أن يتكلم".

هذا يدفعنا لطرح سؤال يتجاوز التأويل السياسي المباشر: ماذا يحدث حين يُمنح الفضاء المادي لا الإنسان الذي يسكنه، سلطة السرد؟ وكيف يعاد إنتاج علاقة الجسد بالمكان حين يتحول المكان من إطار الرواية إلى ذات متكلمة؟

عن الرواية وكاتبها

وُلد ناصر أبو سرور عام 1969 في مخيم عايدة للاجئين قرب بيت لحم، واعتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ الرابع من كانون الثاني 1993، وحُكم عليه بالمؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط، حتى تمّت صفقة تبادل الأسرى عام 2025 وتم إبعاده إلى مصر بعد أن قضى أكثر من 33 عاماً في سجون الاحتلال الإسرائيلي. أنجز خلال سنوات اعتقاله دراسته الجامعية في العلوم السياسية، ونشر قبل هذه الرواية مجموعة شعرية بعنوان "عن السجن وأشياء أخرى" (2021). صدرت حكاية جدار عن دار الآداب في بيروت عام 2022 وكُتبت بالكامل داخل الزنزانة.

يصعُب تصنيف العمل بدقة ضمن قالب أدبي واحد، فهو أقرب إلى سيرة ذاتية تتقصّى ثلاثة عقود من السجن والمقاومة، كُتبت بلغة وبنية أقرب إلى الرواية، ومُعرّف على هذا الأساس. ينقسم النص إلى قسمين، يتتبع القسم الأول حكايات المخيم والانتفاضات المتعاقبة ومسار الاعتقال، والثاني يروي علاقة حب نشأت داخل الأسر مع "نِنّا"، بحيث يتجاور الخطاب السياسي والخطاب العاطفي على مساحة النص نفسها. رشحت دار الآداب الرواية للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) لعام 2023، وترجمها إلى الفرنسية ستيفاني دوجول تحت عنوان "أنا حريتي" (Gallimard)، وعنها فاز أبو سرور بجائزة الأدب العربي 2025 التي تمنحها مؤسسة جان-لوك لاغاردير ومعهد العالم العربي في باريس. كما صدرت ترجمة إنجليزية عن دار Other Press بترجمة لوك ليفغرين.

من الجدار المُدرَك إلى الجدار المُعاش

يُفرّق هنري لوفيفر في "إنتاج المكان" بين ثلاثة مستويات للفضاء: الفضاء المُدرَك، وهو الفضاء المادي كما تختبره الحواس والممارسة اليومية؛ والفضاء المُتصوَّر، وهو الفضاء كما تنتجه الخطابات والتمثيلات المعرفية والسلطوية عنه؛ والفضاء المعاش، وهو ما ينتج من التقاطع بين الاثنين حين يعيد الجسد تشكيل علاقته بمكانه عبر الرمز والخيال.

يمرّ جدار الزنزانة عند أبو سرور بهذه المستويات الثلاثة. في البداية يكون الجدار فضاءً مُدرَكًا بمعناه الحرفي، أي كتلة إسمنتية باردة، وحدّ فيزيائي يفصل الجسد عن الخارج. ثم يتحول إلى فضاء مُتصوَّر حين يصفه أبو سرور بأنه من صاغ ألقابه وصفاته منذ المخيم وحتى الزنزانة، أي يصبح الجدار مُنتجًا لمعنى هوية الأسير بدل أن يكون مجرد إطار مادي لها. وحين يتحول الجدار إلى راوٍ يحمل صوت الحبيبة "نِنّا" ورسائل الحب المكتوبة على سطحه، يتجلّى ما يسميه لوفيفر بالفضاء المعاش، أي أن يصبح مكان الاحتجاز نفسه مسرحًا لعلاقة عاطفية، دون أن تُلغى وظيفته القمعية الأصلية. الأسر والحُب يتقاسمان الجدار نفسه، بلا تناقض ظاهري، لأن الفضاء المعاش هو فضاء متعدد الطبقات لا يُختزل في وظيفة واحدة.

على مستوى المادة: حين يصبح الشيء فاعلًا

من زاوية أخرى، يتقاطع منح الصوت المتعمد للجدار، لكتلة إسمنتية، مع ما يسميه بيل براون، «نظرية الأشياء» (Thing Theory) وما تطوره جاين بينيت لاحقًا تحت مفهوم »المادة الحيّة «(Vibrant Matter)، أي فكرة أن الأشياء ليست مجرد أدوات خاملة بانتظار أن يمنحها الإنسان معنى، بل تملك فاعلية خاصة تؤثر في العالم وتشكّله، ولو بطريقة مختلفة عن فاعلية الذات البشرية. ولفهم هذا التقاطع بدقة أكبر، يُفرّق براون بين مفردتين قد تبدوان مترادفتين في الاستخدام اليومي: »الموضوع« (Object) » والشيء « (Thing).

الموضوع، في تعريف براون، هو ما نستخدمه دون أن نراه. مثلًا: الكرسي الذي نجلس عليه، النافذة التي ننظر عبرها إلى الخارج، جدار الزنزانة نفسه في وظيفته الاعتيادية كحدّ للحبس. تختفي هذه الأشياء وراء وظيفتها؛ ولا نلحظها بصفتها مادة قائمة بذاتها، بل نُعرّفها كأداة شفافة توصلنا إلى غرض آخر. أما "الشيء" فيظهر حين يتعطل هذا الاستخدام المعتاد، فعندما يتّسخ زجاج النافذة نتوقف فجأة عن النظر عبرها لننظر إلى الزجاج نفسه، إلى مادته وملمسه. هكذا، يتحول "الموضوع" الشفاف إلى "شيء" يفرض حضوره، ويقاوم أن يُختزل في وظيفته فقط. هذا التمييز مستمَد أصلًا من هايدغر، الذي فرّق بين الأداة التي نستخدمها بشكل تلقائي دون وعي بها، كالمطرقة في يد نجار ماهر، والأداة التي تتعطل فجأة فتصبح موضوع تأمل وانتباه.

يُعامل أبو سرور جدار زنزانته داخل الكتاب، بعكس منطق «الموضوع»: لا كحدّ صامت، ولا كخلفية للحدث، ولا كجزء من الروتين اليومي للاعتقال الذي يعتاده الجسد حتى يكاد لا يراه. يكتب أبو سرور أن نصّه " مطعّمٌ بالحديد الصلب والاسمنت"، فلا يتعامل مع الجدار بسطحية، بل يجبر القارئ واللغة نفسها على الالتفات إلى مادة الجدار: صلابتها، برودتها، وزنها، وثقلها الفيزيائي المتسلل إلى نسيج الجملة. فيتحول الجدار، حسب براون، من موضوع مستهلَك بصمت إلى شيء يفرض حضوره ويقاوم أن يبقى مجرد خلفية.

وتُضيف بينيت طبقة أعمق لتفسير لماذا يصبح الجدار راويًا. فتدّعي من خلال مفهوم «المادة الحيّة»: أن الأشياء لا تُلاحَظ فقط حين تقاوم الشفافية، بل أيضًا لأن المادة نفسها تملك "قوة أشيائية" (Thing-Power)، أي قدرة على الفعل والتأثير في مجرى الأحداث بشكل مستقل عن نية الإنسان، تمامًا كما يمكن لركام مهمل في الشارع أن يغيّر مسار سيارة، أو لعطل تقني بسيط أن يطفئ شبكة كهرباء مدينة بأكملها. وبإسقاط هذا المنطق على "حكاية جدار"، يصبح الجدار فاعلًا قادرًا على التسمية والسرد، و"يمنح" الأسير ألقابه وصفاته، ويحمل صوت الحبيبة "نِنّا"، ويقرر، بحسب الجملة الافتتاحية للرواية، أن "يختار" أبو سرور شاهدًا عليه. الانتقال هنا واضح: من الشيء الذي يُلاحَظ إلى الشيء الذي يفعل ويؤثر ويروي.

يتخطّى أبو سرور المجازيّةَ باستدعائه لمواد البناء وجعلها، أي الحديد والإسمنت، جزءًا من نسيج اللغة والسرد. هذا التماهي بين مادة الجدار ومادة الكتابة يوازي بالضبط ما تصفه نظرية الأشياء، فيتآكل الحد الفاصل بين الشيء الجامد والذات المتكلمة، ليصبح الجدار "فاعلًا" يشارك في إنتاج النص لا مجرد موضوع له. وهذا أيضًا ما يفسر لماذا اختار أبو سرور تحديدًا هذه الأداة السردية: فمنح الصوت لجدار زنزانة، لا لشخصية إنسانية مساعدة، يجبر النص على التفكير في السجن كمادة، وأبعد من كونها فقط تجربة نفسية وسياسية.

تفكيك ثنائية القول والكتابة

يُخصّص جاك دريدا في كتابه "في علم الكتابة" جزءًا أساسيًا لتفكيك ما يسميه «المركزية الصوتية» (Logocentrism)، أي الميل الفلسفي الغربي إلى تفضيل الصوت والكلام على الكتابة، باعتبار الصوت أقرب إلى الحضور والحقيقة والأصالة، بينما عوملت الكتابة تاريخيًا كنسخة ثانوية وبديل ناقص عن الكلام الحيّ. يقلب دريدا هذه الهرمية، ليُبيّن أن الكتابة شرطٌ أوليٌّ لإنتاج المعنى نفسه بدلًا من سجنها كملحق تابع للصوت.

يُصرّ أبو سرور لغويًا على مفردة "الصوت"، ويقول، "أنا صوت الجدار وهكذا قرر أن يتكلم". لكن كل ما يحدث فعليًا داخل النص، من الناحية المادية، هو كتابة: رسائل حب منقوشة على جسد الجدار، ونص روائي مُتشرّب بقسوة مواده المعمارية، أي كتابة تحمل أثر المادة التي وُلدت منها. لا "يتكلم" الجدار بالمعنى الصوتي الحرفي، بل يُكتب عليه، ويُكتب من خلاله. باختياره تسمية هذه العملية "صوتًا" لا "نقشًا"، فهو يكرر ربما دون قصد، الهرمية نفسها التي يفنّدها دريدا، فالصوت يحمل ثقافيًا، وزن الحضور والشرعية والحياة، بينما الكتابة تُشتبه فيها بوصفها أثرًا لاحقًا، أو تسجيلًا للغياب.

والمفارقة أن هذا الإصرار على "الصوت" يأتي من كاتب حُرم فعليًا من الكلام الحر بسبب أسره الممتد لعقود. حُرم الجسد على مدار سنوات من صوته الفعلي، أي القدرة على الكلام في العلن، على المثول أمام الجمهور، على أن يُسمع بصفته الأصلية، فتُصبح استعارة "الصوت" تعويضًا رمزيًا عن غياب حقيقي، بينما الأداة الوحيدة المتاحة فعليًا للأسير هي الكتابة على الورق، إن توفّر، وعلى الجدار نفسه. بهذا المعنى، لا تكتفي السيرة الذاتية بمنح الجدار صوتًا، بل تكشف دون إعلان ذلك بوضوح، هشاشة الحدود بين الصوت والكتابة التي يقوم عليها المشروع الفلسفي الذي فندّه دريدا. النص يريد أن يكون كلامًا، لكنه لا يستطيع أن يوجد إلا نقشًا.

الصوت السردي: التجسيم كاختيار

يُسمّى منح صوت بشريّ لكائن جامد أو غائب في البلاغة الكلاسيكية تجسيمًا، (Anthropomorphism) أو ما يعرف بالعربية بالأنسنة. يستخدمها أبو سرور كبنية سردية كاملة، وتتحول من أسلوب أدبيّ جماليّ إلى موقف، فيُمنح الجدار صوت الكاتب لأنّ موقعيّته كأسير مسلوب الأفق الزمني، تجعله مسلوب السلطة الكاملة على حكايته وهو يرويها بضمير المتكلم المباشر. وبالتالي، فإنّ تفويض الصوت للجدار هو التفافة على هذا العجز. يتكلم الجدار بلسان من منحه هذا الصوت أصلًا، أي الكاتب، الذي يحرر الجدار من صمته ليسجنه، بالمقابل، داخل صوته هو.

يبلغ النص ما يسميه دريدا في مواضع أخرى »الأبوريا« ( Aporia)، أي حالة استعصاء منطقي لا تُحل بالانحياز إلى أحد طرفي ثنائية مزدوجة، هل الجدار فاعل مستقل يملك «قوة أشيائية» بحسب بينيت، أم هو قناع يتكلم بلسان أبو سرور نفسه؟ هل يتحرر الأسير عبر هذا التفويض من قيد السرد المباشر، أم يعيد إنتاج القيد نفسه بصورة أعقد بحيث يظل صوته مشروطًا بالبنية التي تحاصره حتى في لحظة الكتابة؟ لا إجابة حاسمة هنا، وربما لا ينبغي أن تكون هناك واحدة.

الجدار حين يتجاوز الزنزانة

يُساءل جدار زنزانة أبو سرور عن علاقتنا بالفضاءات المُحاصرة عمومًا، سواء كانت زنزانة أو حيًّا مُحاصرًا أو مُخيمًا. يتوقف المكان عن كونه خلفية محايدة لأحداث حياة الإنسان، ويصبح شريكًا في إنتاج المعنى حين يُمنح صوتًا، بكل ما يحمله من قسوة ومن فاعلية في آن واحد. وهذا ما يجعل "حكاية جدار" محاولة لفهم وتشريح إمكانيّة المادة القاسية، الجدار، أن تتحول عبر الكتابة وحدها، إلى وسيط لذاكرة لا تُمحى وحبٍّ لم يكن يُفترض أن يرى النور في ذلك المكان.

 

مراجع
Lefebvre, Henri. The Production of Space. Translated by Donald Nicholson-Smith, Blackwell, 1991.
Brown, Bill. "Thing Theory." Critical Inquiry, vol. 28, no. 1, 2001, pp. 1–22.
Bennett, Jane. Vibrant Matter: A Political Ecology of Things. Duke University Press, 2010.
Derrida, Jacques. Of Grammatology. Translated by Gayatri Chakravorty Spivak, Johns Hopkins University Press, 1976.
أبو سرور، ناصر. حكاية جدار. دار الآداب، 2022.
الكاتب: نبأ أبو عمار

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع