حين أنقذتني قصص الأطفال

Rana Samara, INTIMATE SPACE - LIVING ROOM (2025)

رولا شهوان

باحثة من فلسطين

واليوم، كلما أغلقت أحد هذه الكتب، أشعر أن الحكاية لم تنتهِ. فما زال أنس حاضرًا بين صفحاتها، وما زالت قراءتنا المشتركة مستمرة، وإن تبدلت صورتها. لقد كنت أقرأ له يومًا لأساعده على فهم الحياة، أما اليوم فأقرأها لأتعلم منه، ومن ذكراه، كيف يمكن للإنسان أن يحب، وأن يفقد، وأن يواصل الحياة دون أن يفقد قدرته على الدهشة.

للكاتب/ة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

10/08/2026

تصوير: اسماء الغول

رولا شهوان

باحثة من فلسطين

رولا شهوان

في مجال الارشيف والسينما الفلسطينية

تعرفت إلى أدب الأطفال في منتصف تسعينيات القرن الماضي، خلال عملي في وزارة الثقافة الفلسطينية. كان هذا الأدب حاضرًا في عملي، لكن حضوره الحقيقي في حياتي بدأ عندما جاء ابني أنس إلى الدنيا. منذ ذلك الوقت، صرت أقرأ له كل يوم تقريبًا، وأبحث عن القصص التي تحمل الجمال والحكمة معًا. كنت أقرأ له قصص زكريا محمد، وسونيا نمر، وليانة بدر، والقصص المترجمة عن الأدب السويدي.

كنت أظن أنني أقرأ لأنس، وأنني، من خلال هذه الحكايات، أساعده على اكتشاف العالم، وأعرّفه إلى معاني الرحمة والمحبة، وإلى معنى الفقد والموت بلغة يستطيع الطفل أن يحتملها. لم يخطر ببالي يومًا أن هذه القصص كانت تُعدّني أنا أيضًا، وأنها سترافقني في أصعب محطات حياتي.

بعد رحيل أنس، عدت إلى تلك الكتب نفسها، لكنني لم أعد أفتحها لأقرأ لطفل يجلس إلى جواري، بل لأقرأ لنفسي. صارت الحكايات التي كنت أشرحها له هي التي تشرحني، وصارت قصص الأطفال التي ظننت أنها تُهيّئه للحياة، هي التي تعينني على احتمال الفقد، وفهم الموت، والبحث عن معنى للاستمرار.

من بين هذه القصص، بقيت ثلاث حكايات ترافقني أكثر من غيرها، وكأنها كانت تنتظر أن أكبر، وأن أمر بتجربة الفقد، لكي أفهمها حقًا.

كانت الأولى قصة "البديل" لسلمى لاغرلوف. عندما كنت أقرؤها لأنس، رأيتها حكاية عن أم فقدت طفلها، ووُضع مكانه طفل ترول قبيح وكريه. كنت أظن أن القصة تدعو إلى الرحمة، وأنها تعلم الطفل ألا يحكم على الآخرين من أشكالهم.

لكن بعد رحيل أنس، انفتحت القصة على معنى آخر. لم يعد الطفل البديل مجرد طفل ترول، بل أصبح صورة للموت نفسه؛ ذلك القادم الثقيل الذي يحتل مكانًا في حياتنا من غير إرادتنا، فلا نستطيع طرده، ولا نستطيع أن نعيد الحياة إلى ما كانت عليه قبله.

كانت الأم تعرف أن الطفل ليس ابنها، لكنها لم تؤذه، ولم تتخلَّ عنه، بل اعتنت به، لأنها كانت تؤمن أن الرحمة التي تمنحها لهذا الطفل ستصل، بطريقة لا نعرفها، إلى طفلها الحقيقي. كانت تتعامل معه كما كانت تتمنى أن يجد ابنها من يعامله في العالم الذي صار فيه. هذا المعنى ظل يرافقني طويلًا. شعرت أن القصة تقول إن المحبة لا تنقطع عند حدود الموت، وإنها تستطيع أن تعبر الغياب كما تعبر الحياة. فكما كانت الأم ترعى الطفل البديل رجاءً أن يحظى طفلها المفقود بالعناية نفسها، كنت أتعلم أن الحب لا يتوقف برحيل من نحب، بل يبحث عن صورة أخرى يستمر فيها.

ولم تكن هذه القصة عزيزة عليّ وحدي، بل كانت عزيزة على أنس أيضًا. عندما كنت أطلب منه أن يختار قصة نقرأها قبل النوم، كان يعود مرارًا إلى البديل. كان مأخوذًا بها، يتابع أحداثها بتركيز، ويتفاعل مع شخصياتها كأنها حقيقية. لم يكن يملّ من سماعها، وكنت أقرأها له في كل مرة كأنني أقرأها لأول مرة. واليوم، كلما فتحت هذا الكتاب، لا أتذكر القصة وحدها، بل أتذكر أنس وهو يصغي إليها، وعينيه الممتلئتين بالدهشة، وأسئلته التي كانت تمنح الحكاية معاني جديدة.

أما "فقسوسة" لزكريا محمد، فقد كانت تعلمني شيئًا مختلفًا. لم تكن القصة بالنسبة لي عن النهاية، بل عن الأثر. فالإنسان يرحل، لكن أثره يبقى؛ يبقى في الذاكرة، وفي الحكايات، وفي الأشياء الصغيرة التي يتركها وراءه، وفي المحبة التي زرعها في قلوب الآخرين. بعد رحيل أنس، كنت أعود إلى هذه القصة كلما شعرت أن الغياب يريد أن يمحو كل شيء، فتذكرني بأن الأثر لا يموت، وأن من أحببناهم يواصلون حضورهم بما تركوه فينا، لا بما بقي من أجسادهم.

ثم تأتي قصة "خيال في خيال" لسونيا نمر. كنت أحبها لما فيها من دهشة، لكنني اليوم أقرأها بطريقة مختلفة. أشعر أن الحياة نفسها تشبه تلك الحكاية؛ تبدأ كأنها خيال، وتمضي كأنها خيال، ثم تنتهي فنكتشف أنها مرت كلها كحلم سريع. لا يبقى منها إلا ما علق في القلب. لذلك لم يعد الخيال في هذه القصة هروبًا من الواقع، بل صار طريقًا لفهمه. وكأن الكاتبة تقول إن أكثر حقائق الحياة عمقًا لا نستطيع أن نبلغها إلا عبر الخيال، لأن الواقع وحده يعجز أحيانًا عن تفسير نفسه.

وكان أنس يشبه هذه القصة كثيرًا. كان طفلًا واسع الخيال، لا يتوقف عن طرح الأسئلة، ويجد في الحكايات مساحة ليضيف إليها من خياله أكثر مما هو مكتوب فيها. كنت أشعر أن شخصيته تنمو مع كل قصة نقرؤها، وأن الأدب لا يمنحه المتعة فقط، بل يوسع نظرته إلى العالم ويمنحه حرية التخيل. واليوم، كلما عدت إلى "خيال في خيال"، أشعر أنني أعود إلى جزء من شخصيته، وإلى الطفل الذي كان يرى العالم بعينين لا تحدهما حدود الواقع.

كلما عدت إلى هذه القصص، أشعر أنني أعود إلى أنس. أراه جالسًا بجانبي، نستمع إلى الحكاية نفسها، لكن كل واحد منا يسمعها بطريقة مختلفة. كنت أقرأها له لأفسر له الحياة، فإذا بها، بعد رحيله، تفسر لي أنا الحياة، وتمنحني لغة أستطيع بها أن أتكلم مع الفقد، وأن أجد، وسط الحزن، بصيصًا من الأمل.

ربما أكتب هذه المقالة لأستذكر أنس، ابني، لكنني أكتبها أيضًا لأعيد الاعتبار إلى قصص الأطفال؛ تلك القصص التي لا تشكل ذاكرة أطفالنا فحسب، بل تشكل ذاكرتنا معهم أيضًا. كنت أعتقد أنها كُتبت للصغار وحدهم، ثم اكتشفت أنها كُتبت لنا نحن أيضًا.

فعندما تكبر الفواجع، نصبح مثل الأطفال. نبحث عن لغة بسيطة تحتمل ما نعجز عن احتماله، وعن حكاية تستطيع أن تشرح لنا ما تعجز الحياة عن تفسيره. عندها تصبح قصص الأطفال أكثر من مجرد قصص؛ تصبح عزاءً، وحكمة، وطريقة أخرى لفهم العالم.

ولعل هذا هو سر بقائها في الذاكرة. فنحن لا نعود إليها لأننا اشتقنا إلى طفولتنا، بل لأننا، في لحظات الفقد الكبرى، نحتاج إلى براءة الحكاية كي تساعدنا على حمل ما هو أكبر من قدرتنا على الفهم. وربما لهذا السبب أنقذتني قصص الأطفال، بعد أن كنت أظن أنني أنا من يقرأها لينقذ بها طفلي.

واليوم، كلما أغلقت أحد هذه الكتب، أشعر أن الحكاية لم تنتهِ. فما زال أنس حاضرًا بين صفحاتها، وما زالت قراءتنا المشتركة مستمرة، وإن تبدلت صورتها. لقد كنت أقرأ له يومًا لأساعده على فهم الحياة، أما اليوم فأقرأها لأتعلم منه، ومن ذكراه، كيف يمكن للإنسان أن يحب، وأن يفقد، وأن يواصل الحياة دون أن يفقد قدرته على الدهشة.

الكاتب: رولا شهوان

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع