نانسي فريزر: غزة كحدث عالمي أقرب إلى أوشفيتز

Nancy Fraser. Modified.

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

تحمل غزة للفلسطينيين معاني متعددة ومتناقضة، أذى مادي هائل مقابل حضور عالمي متزايد، قمع أشد مقابل تضامن أوسع، يأس مقابل أمل. وقد عبرت عن ذلك أعمال أدبية معاصرة عديدة. يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان هذا التداخل بين الخسارة المادية والمكسب الأخلاقي يمكن أن يتحول إلى انتصار سياسي.

للكاتب/ة

تشير غزة، كما حاولت أن أبين، إلى أمور كثيرة، من بينها أزمة النظام الأخلاقي الغربي. وإذا كانت تسعى اليوم إلى أن تحل محل أوشفيتز كرمز للفظائع، فهل يمكن أن تحمل أيضاً مبدأ الأمل، أي التضامن والعدالة الاجتماعية وتقرير المصير وإعادة الإعمار والعناية بالعالم؟

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

05/05/2026

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

كتبتها نانسي فريزر ونشرتها "New Left Review" في عدد مارس/أبريل.

تستمر معاني غزة في التبلور. تقارير بليغة وموثقة جيداً مثل تلك التي للمقررة الخاصة للأمم المتحدة في الأراضي المحتلة، وأعمال سينمائية لافتة مثل فيلم "صوت هند رجب" عام 2025، وقصائد مثل "إذا كان لا بد أن أموت" لرفعت العرعير عام 2024، وتحليلات مؤرخين فلسطينيين مثل رشيد الخالدي، وفقهاء قانون مثل ربيع إغبارية، كل هذه وغيرها تناولت دلالة الهجوم الإسرائيلي القائم على سياسة الأرض المحروقة، وهجماته المتكررة على مواقع توزيع المساعدات وما يسمى بالمناطق الآمنة، وتكتيكاته القائمة على الحصار والتجويع، وتهجيره لملايين الفلسطينيين إلى تلك الأراضي القاحلة التي لا يمكن تصورها، المليئة بالأنقاض والمياه الآسنة والجثث المتحللة، كما وصفتها مقررة الأمم المتحدة.

هنا، أريد أن أتناول جانباً مختلفاً من هذا الهجوم الإبادي الإسرائيلي على غزة، وهو دلالته بوصفه حدثاً عالمياً، نقطة تحول تاريخية كبرى تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة عصرنا. أسعى إلى ذلك عبر مقاربة تتراوح بين السياسي والاجتماعي والفلسفي والشخصي. أجادل بأن غزة تمثل أزمة للنظام الأخلاقي الذي ساد في جزء كبير من الغرب خلال نصف القرن الماضي. هذا النظام، الذي ترسخ في الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن العشرين، وخدم تبرير هيمنتها العالمية إلى جانب التوسع الإسرائيلي، كان يتمحور حول إبادة اليهود على يد النازيين بوصفها المثال الأقصى للشر الجذري، محدداً الأفق الذي يمكن ضمنه التفكير في الخطأ وسبل معالجته. لكن اليوم، يجري استدعاء أوشفيتز نفسه لتبرير إبادة جديدة. والنتيجة هي أن النظام الأخلاقي الغربي القائم على ذكرى المحرقة بات ممزقاً، غير قادر على إخفاء أو احتواء الجرائم الفاضحة التي ترتكبها الدولة الإسرائيلية وداعمها الأمريكي. في اللحظة الراهنة، تسعى غزة إلى أن تحل محل أوشفيتز بوصفها رمزاً لأشد الفظائع الإنسانية في زمننا.

هذا، على أي حال، هو السيناريو الذي أستكشفه هنا. وقد وصلت إليه عبر مسار ملتف أخذني حول العالم، مادياً وذهنياً، خلال عامي 2024 و2025. إلى ألمانيا، حيث قوبلت أبسط أشكال التضامن مع فلسطين بمطالب التراجع والاعتذار. إلى الولايات المتحدة، حيث اندلعت موجة واسعة من احتجاجات الجامعات ضد الإبادة الجارية وتم قمعها. إلى ما يسمى بالجماعة اليهودية، حيث كانت عائلات ممتدة، بما في ذلك عائلتي، تلغي احتفالات عيد الفصح لأنها لم تعد قادرة على الحديث مع بعضها حول ما تفعله إسرائيل. وأخيراً إلى اليابان، حيث دُعيت لإلقاء محاضرة عن غزة وسط تعاطف واسع مع فلسطين، على نحو مفاجئ، رغم وجود تأييد واسع كذلك للولايات المتحدة.

في تلك المحطة الأخيرة، في كيوتو، وبينما كنت أفكر فيما سأقوله، لفتتني ملاحظتان. أولاً، أن غزة كانت تُفهم بطرق مختلفة في هذه السياقات. وثانياً، أنه رغم هذه الاختلافات، كانت هناك أنماط وصور متشابهة، وقلق وتمويه متقارب. عادت أسئلة الضحايا والجناة، ومسألة المحاسبة الأخلاقية عن ماض بدا مستقراً نسبياً، لتطفو من جديد في كل مكان وبحدة شديدة. هنا، بدا لي أنه يمكن قراءة أزمة نظام عالمي لم يعد قادراً على احتواء جرائمه داخل صورة أوشفيتز. ما يلي هو تفصيل لهذه الفرضية في شكل رحلة، أعود فيها إلى المواقع الأساسية في مساري الأول، ألمانيا، الولايات المتحدة، ويهود العالم، مع توقفات سريعة في اليابان وإسرائيل وفلسطين. في كل حالة، أسعى إلى إبراز الخصوصيات المحلية والأنماط الأوسع للانكسار الأخلاقي الذي يجعل من غزة حدثاً عالمياً.

1

لنبدأ بألمانيا، مع ملاحظة شخصية سريعة. في مايو 2024، كان من المقرر أن أتولى أستاذية زائرة في جامعة كولونيا، التي كنت قد عُيّنت لها في العام السابق. كنت مستعدة للسفر حين تلقيت خبراً بأن رئيس الجامعة يرغب في أن أوضح مواقفي بشأن إسرائيل وفلسطين. كان قد علم للتو أنني واحدة من أربعمئة فيلسوف أمريكي وقعوا رسالة مفتوحة في نوفمبر 2023، أدانت الغزو الإسرائيلي لغزة بوصفه استيلاءً استعمارياً استيطانياً على الأرض، وحذرت من إبادة وشيكة. من وجهة نظره، جعلتني هذه الرسالة غير مؤهلة لمنصب أستاذية ألبرتوس ماغنوس. طلبه مني توضيح مواقفي كان في الحقيقة مطالبة بالتراجع العلني عنها. وعندما رفضت، سحب تعييني وندد بي في الصحافة الألمانية. ومع انتشار الخبر، بدأت أتلقى رسائل كراهية من أشخاص في إسرائيل، بقيت إحداها محفورة في ذهني تقول إن حتى أحفاد النازيين لا يطيقونك.

كانت سرعة وحدّة كل ذلك مذهلة. لكنني لم أكن الوحيدة التي تعرضت لمعاملة مماثلة في ألمانيا خلال تلك الفترة. من بين آخرين، الروائية الفلسطينية عدنية شبلي التي أُلغي حفل تكريمها عن رواية تفصيل ثانوي في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2023، والكاتبة البريطانية الألمانية شارون دودوا أوتو التي سُحبت منها جائزة بيتر فايس، والفنانة والمخرجة الفلسطينية إميلي جاسر التي أُلغي حديثها في هامبورغر بانهوف، والقيّم الفني أنايس دوبلان الذي أُلغي معرضه في متحف فولكفانغ، والفنانة الجنوب أفريقية اليهودية كانديس برايتز التي أُلغي معرضها في متحف زارلاند. هؤلاء وغيرهم كثير أُلغوا في ألمانيا بسبب انتقادهم الحرب الإباديّة الإسرائيلية على غزة وتضامنهم مع الفلسطينيين. وقد كنت فخورة بأن أكون بينهم.

التبرير الرسمي لهذه الإلغاءات يقوم على نسخة ألمانية خاصة من مفهوم مصلحة الدولة، حيث تُربط مصالح الأمة ارتباطاً لا ينفصم بأمن إسرائيل، بحيث يُعد إضعاف الثانية إضعافاً للأولى. يُفترض أن يفي هذا الربط بمسؤولية ألمانيا عن قتل النازيين لستة ملايين يهودي، مع تجاهل ملايين الضحايا الآخرين من الشيوعيين وذوي الإعاقة والمثليين والبولنديين والروس والأوكرانيين والغجر. قد يبدو هذا الموقف مناسباً أو حتى مثيراً للإعجاب مقارنة بدول أخرى لم تتحمل مسؤولية جرائمها، لكنه ينبغي معارضته، لأنه لا يربط المسؤولية بمبدأ حقوق الإنسان العالمية، ولا حتى بواجبات تعويض خاصة تجاه اليهود، بل بدعم غير مشروط لدولة إسرائيل، وهو ما يعني عملياً تأييد كل أفعالها باسم الأمن القومي، من التطهير العرقي للفلسطينيين منذ نكبة 1948، إلى الاحتلال والضم، إلى هدم المنازل والسجن والتعذيب والاغتيال، إلى الاستيطان والتحريض على العنف، إلى استخدام التجويع والقصف العشوائي ضد غزة، وهي مجتمعة تشير بوضوح إلى نية إبادة.

كل ذلك وأكثر يحظى بدعم الدولة الألمانية بوصفه دليلاً على صفاء ضميرها تجاه اليهود، بينما يقوم المسؤولون الألمان في الوقت نفسه بتوبيخ أي يهودي ينتقد إسرائيل، ويُمليون عليه ما يجب أن يفكر فيه، بل ويحددون من هو اليهودي الحقيقي. وهذا أمر مهين خصوصاً لليهود اليساريين الذين يحتجون على إبادة غزة انطلاقاً من تقليد يهودي كوني يضم شخصيات مثل موسى بن ميمون، وسبينوزا، وهاينه، وفرويد، وبنيامين، وأينشتاين، وأرنت، وجوديث بتلر. شعار هؤلاء هو ليس باسمنا. بالنسبة لهم، فإن اختزال الفكر اليهودي في رؤى اليمين الإسرائيلي المتطرف هو إنكار لتاريخهم وواقعهم.

تصف الفيلسوفة الأمريكية اليهودية سوزان نيمان هذا النوع من الرقابة الفكرية بمكارثية محبة لليهود. وهي تشير إلى أن ما يبدو حباً لليهود هو في الحقيقة حب مشروط ومشيّأ، قائم على صور نمطية، ويُستخدم لتبرير اضطهاد الفلسطينيين. يتم تضخيم التهديدات ضد اليهود أو اختلاقها، بينما يُمحى الألم الفلسطيني ويُجعل غير مرئي.

في جوهرها، هذه المكارثية المعادية للعرب واليهود معاً تهدف إلى تعزيز صورة المؤسسة الألمانية عن نفسها، لا إلى حماية أي شعب. وهي تفترض نقاء الضحايا اليهود، بحيث يصبح أي اعتراف بجرائم إسرائيل تهديداً لهذا التوازن الهش. ربما يفسر هذا موقف يورغن هابرماس الذي اعتبر أنه لا يجوز للألمان حتى طرح سؤال نية الإبادة في غزة، مبرراً ذلك بروح الديمقراطية الألمانية القائمة على احترام الكرامة الإنسانية، وهي كرامة لا يبدو أنها تشمل الفلسطينيين في غزة ولا المسلمين في ألمانيا.

ومع ذلك، فقد اعترض عدد من المثقفين الألمان على هذه السياسات، ودافعوا عن حرية الضمير والتعبير، ما أدى إلى فتح شقوق، ولو محدودة، في هذا الجدار.

2

في الولايات المتحدة، في المقابل، كانت آثار «غزة بوصفها حدثاً عالمياً» تتكشف في اتجاه مختلف وبوتيرة أسرع، من تصاعد الاحتجاج إلى القمع العنيف. فقد أثار الغزو الإسرائيلي لغزة موجة ضخمة من الاحتجاج في معظم الولايات. في أبريل ومايو 2024، انتفض طلاب في أكثر من 140 جامعة، ونظموا طيفاً واسعاً من الأنشطة التضامنية مع فلسطين، كانت في الغالب غير عنيفة، من مسيرات ووقفات واعتصامات ومخيمات واحتلالات ومقاطعات واحتجاجات جلوس، احتجاجاً على المجازر الإسرائيلية وعلى تسليح إدارة بايدن لها وتمويلها. شمل المشاركون مختلف فئات المجتمع الجامعي، فلسطينيين وعرباً أمريكيين، وكذلك لاتينيين وآسيويين وأمريكيين أفارقة وبيضاً من أصول مهاجرة، ومسيحيين وملحدين ومسلمين ويهوداً. كثيرون منهم كانوا حديثي العهد بالعمل الاحتجاجي، لكن التجربة دفعتهم نحو التسييس، فانضموا إلى مجموعات مثل "الحملة الأمريكية للحقوق الفلسطينية"، و"طلاب من أجل العدالة في فلسطين"، و"الصوت اليهودي من أجل السلام"، و"ليس باسمنا"، و"الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا". ومن خلال الندوات التعليمية وحلقات الدراسة، تعرفوا على تاريخ الاستعمار الاستيطاني والفكر المناهض للإمبريالية. بالنسبة لجيل قديم من نشطاء الستينيات، بدا الأمر شبيهاً بأيام الحركة المناهضة لحرب فيتنام، مشيراً إلى بعث جديد للراديكالية الأمريكية، مستنداً إلى حركات مثل "احتلوا" و"حياة السود مهمة"، لكنه يضيف بعداً أممياً أكثر وضوحاً.

لكن في يونيو 2024، تم إخماد هذه الموجة الأولى بسرعة خاطفة. جرى توظيف اتهامات زائفة بمعاداة السامية، حيث تحالف صهاينة يهود يمينيون مع قوميين مسيحيين محافظين في هجوم منظم ضد المحتجين. قامت الشرطة ذات الطابع العسكري بإزالة المخيمات واعتقال الطلاب وممارسة العنف ضدهم. قامت الجامعات بطرد طلاب، وحظرت فروع "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" و"الصوت اليهودي من أجل السلام"، ومنعت منح الشهادات. كما سحبت مكاتب محاماة خاصة عروض العمل التي كانت قد قدمتها لطلاب على وشك التخرج. وواصلت حسابات موالية لترامب وصهيونية ملاحقة المحتجين على الإنترنت، وبلغت عن من اعتقدوا أنهم عرب إلى سلطات الهجرة. كل ذلك جرى باسم مكافحة معاداة السامية، التي جرى مساواتها بانتقاد إسرائيل والتضامن مع الفلسطينيين. لقد عبرت «المكارثية الفيلوسامية» المحيط الأطلسي. (الفيلوسامية هي الاهتمام المبالغ به تجاه الشعب اليهودي. "رمان")

أم أنها لم تعبر؟ عند النظر إلى الوراء، يتضح أن المكارثية في شكلها الأمريكي الأصلي كانت تحتوي بالفعل على عنصر فيلوسامي، حتى قبل التركيز على أوشفيتز. فقد كانت جزءاً من مشروع الحرب الباردة لعزل الاتحاد السوفييتي ضمن نظام رأسمالي عالمي تقوده الولايات المتحدة، وسعت إلى إعادة تشكيل الثقافة السياسية الداخلية، حيث كانت توجهات "الجبهة الشعبية" لا تزال قوية. كانت إحدى الحركات الأيديولوجية الأساسية هي إعادة توصيف الحليف السوفييتي في زمن الحرب من خلال جمع الشيوعية والنازية تحت فئة واحدة باعتبارهما نظامين شموليين متشابهين بسبب رفضهما الحضارة اليهودية المسيحية. وقد أعيد توظيف مفهوم التقاليد اليهودية المسيحية، الذي كان قد نشأ في الأصل بين الليبراليين والمناهضين للفاشية للدعوة إلى حماية اليهود، ليصبح أداة في الترسانة المعادية للشيوعية خلال الحرب الباردة. هذا التحول دعا اليهود الأمريكيين إلى التخلص من ارتباطهم بالبلشفية وإثبات وطنيتهم من خلال الانضمام إلى الحملة ضد الشيوعيين، وهو ما قبله العديد من قادة المجتمع اليهودي بسرعة. وفي الوقت نفسه، فإن ربط المكارثية بالدفاع عن القيم اليهودية المسيحية ميز هذا الشكل الجديد من الشعبوية اليمينية الأمريكية عن أشكال سابقة كانت معادية لليهود بشكل صريح.

تلقى دونالد ترامب تدريبه على تكتيكات المكارثية على يد روي كوهن، مهندس الحملة المعادية للشيوعية. ومنذ البداية، استندت حربه ضد ما يسميه الوعي الزائف في الجامعات والمجتمع المدني إلى أساليب مكارثي، حيث صور الجامعات كمراكز لعدم التسامح يضطهد فيها أساتذة ماركسيون الطلاب المحافظين. لكن في ولايته الثانية، جعل ترامب البعد الفيلوسامي صريحاً، ووضعه في قلب هجوم إدارته على مؤسسات التعليم العالي. ففي الأشهر الأولى، فتح مكتب الحقوق المدنية في وزارة التعليم تحقيقات متعددة ضد جامعات بتهمة التسامح مع معاداة السامية وعدم حماية الطلاب اليهود والإسرائيليين، أي السماح بالاحتجاجات ضد تدمير غزة، وكذلك ضد برامج التنوع وسياسات القبول.

دعمت هذه الحملة تهديدات بقطع التمويل الفيدرالي، حيث قامت وزارة التجارة والبنتاغون بإلغاء منح، وأطلقت وزارة العدل تحقيقات ودعاوى قضائية. ومن بين الجامعات المستهدفة هارفارد وبرنستون وكولومبيا وبراون وكورنيل وديوك ونورث وسترن وبنسلفانيا وجامعة فرجينيا وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.

في الواقع، تضم هذه الجامعات أعداداً كبيرة من اليهود بين طلابها وأساتذتها وخريجيها ومموليها. وكان بإمكانها رفض هذا الابتزاز والتوحد في جبهة مشتركة، لكنها في معظمها خضعت ووقعت اتفاقات خاصة مع ترامب، ودفعت الغرامات التي فرضها، مثل كولومبيا وبراون وكورنيل ونورث وسترن. وقد اتبعت بذلك مساراً سبق أن سلكته شركات المحاماة الكبرى والمتاحف والمؤسسات الثقافية. الاستثناء النسبي كان هارفارد، التي نجحت جزئياً في الطعن القضائي، رغم استمرارها في محاولة التفاوض، لكن في فبراير 2026 رفع ترامب الغرامة المفروضة عليها إلى مليار دولار.

تداخلت الحملة ضد معاداة السامية في الجامعات مع هجوم الإدارة على المهاجرين. فبينما صُورت الجامعات كمراكز للكراهية ضد اليهود، وصُور اليهود والإسرائيليون كضحايا، جرى تصوير الفلسطينيين وأنصارهم كجناة، ليحلوا محل الشيوعيين الذين شُيطنوا في خمسينيات القرن الماضي، ويصبحوا أهدافاً للترحيل. وقد شملت التكتيكات اختطاف طلاب أجانب ذوي بشرة داكنة من قبل شرطة الهجرة، إضافة إلى الابتزاز المالي للمؤسسات التعليمية. في هذا الشكل الفيلوسامي، اندمج العداء لليسار مع عنصرية صريحة.

كانت آثار ذلك في الولايات المتحدة كبيرة. فقد اختل التوازن بين القوة والرضا الذي اعتبره غرامشي سمة للهيمنة الديمقراطية البرجوازية، لصالح الزعيم الذي لا يخفي ازدراءه للرضا ويعتمد على التهديد بالقوة، سواء عبر الضغط المالي أو الملاحقة القانونية أو الاحتجاز أو الترحيل. تقلصت استقلالية المجتمع المدني، وأظهرت مراكز تشكيل الرأي خضوعها للدولة. وإذا تساءلنا عما أتاح هذا التحول، يتضح أن أقوى أداة كانت تهمة معاداة السامية.

اليوم، أصبحت هذه المكارثية الفيلوسامية في الولايات المتحدة ذات طابع معادٍ للإسلام بشكل صريح. فمنذ البداية، كان مفهوم الحضارة اليهودية المسيحية يستبعد المسلمين، حتى عندما أدرج اليهود كشركاء ثانويين. ومع زوال العدو الشيوعي، أصبح الإسلام يُقدَّم بوصفه التهديد الرئيسي للقيم الغربية، التي يعاد تعريفها من خلال استدعاء أوشفيتز. في هذا السياق، تتسع دائرة الاتهام لتشمل الفلسطينيين والمسلمين والعرب والإيرانيين والمهاجرين ذوي البشرة الداكنة، بحيث يُستبدل عدو بآخر. وهكذا يُجمع القوميون الفلسطينيون العلمانيون مع حماس ورجال الدين الإيرانيين في سردية واحدة تزعم أنهم مدفوعون بمعاداة السامية التي تقود إلى أوشفيتز جديد. لكن هذا الخطاب يبدو أقرب إلى المهزلة، كما يظهر في الخطاب الدعائي الذي يمزج الرموز الدينية بالمشاهد العسكرية، أو في تسمية العمليات العسكرية بأسماء استعراضية.

وعلى المستوى الجيوسياسي أيضاً، تتحول محاولات إعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية على أساس أخلاقي إلى مجرد استعراض للقوة مصحوب بخطاب طفولي متفاخر.

3

إذا كانت هذه بعض الطرق التي تردد بها صدى «غزة بوصفها حدثاً عالمياً» في ألمانيا والولايات المتحدة، فإنها شكلت أيضاً أزمة هوية تاريخية لليهود في القرن الحادي والعشرين. وفي سياق ذلك، أعادت فتح خطوط الانقسام الكامنة منذ زمن طويل داخل التقليد اليهودي نفسه. فاليهودية، بخلاف الديانات التوحيدية الأخرى، تقوم على فكرة إله واحد هو في آن إله الجميع ورب شعب مختار، أي أنها تجمع بين الكونية والانتماء الجماعي الضيق. وقد كان على من يعرفون أنفسهم بوصفهم يهوداً أن يتعاملوا دائماً مع هذا الالتباس. لكن «غزة بوصفها حدثاً عالمياً» تطرح هذه المعضلة من جديد بأشد صورها حدة. السؤال الملح أمام يهود الشتات هو كيف ينبغي أن تكون العلاقة مع إسرائيل، وهو سؤال يقسم المجتمع بعمق. من جهة، هناك أعداد متزايدة تنفر من الإبادة المدعومة من الدولة، فتتبنى مواقف مناهضة للصهيونية وتنضم إلى مجموعات مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام" و"ليس باسمنا"، مستخدمة يهوديتها نفسها منصة لمعارضة ما يسمى بالدولة اليهودية. وفي هذا السياق، تستحضر فكرة "يهودية أخرى"، لكن معنى هذه الفكرة يظل غير محدد تماماً. هل تعني معاداة الصهيونية بحد ذاتها هوية؟ أم أنها تشير إلى تصور أكثر تحديداً لليهودية، سواء كان دينياً أو ثقافياً أو سياسياً؟

يقدم تاريخ اليهودية طيفاً واسعاً من النماذج غير الصهيونية أو المناهضة لها. من بينها تيارات أرثوذكسية رفضت منذ البداية تأسيس الدولة الصهيونية باعتباره شكلاً من الوثنية يسبق مجيء المخلص، والتيارات الإصلاحية التي ترى اليهود جماعة دينية لا قومية إثنية، واليهود الفلسطينيون والعرب في فترة ما قبل 1948 الذين تعاونوا مع المسلمين والمسيحيين ضد الاستيطان الصهيوني، وحركة البوند في بولندا وروسيا التي رفضت الصهيونية واعتبرتها خياراً برجوازياً انهزامياً، مفضلة حكماً ذاتياً ثقافياً يهودياً داخل دولة عمالية متعددة القوميات، إضافة إلى يهود أوروبا الشرقية الذين رأوا أن لديهم بالفعل أمة ولغة قومية هي اليديشية، ويهود الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذين اعتبروا الصهيونية امتداداً للاستعمار الأوروبي وصاغوا هويات عربية يهودية، وقراء صحيفة «فوروارد» اليهودية في الولايات المتحدة الذين لم يروا تناقضاً بين النضال من أجل الاشتراكية وكونهم يهوداً، وكذلك الصهاينة الثقافيون مثل مارتن بوبر الذين عارضوا إقامة دولة قومية استيطانية. كل هذه التقاليد يعاد النظر فيها اليوم من قبل من يسعون إلى هوية يهودية منفصلة عن إسرائيل.

هناك مسار آخر أكثر تجريداً يسعى إلى «يهودية» لا تقوم على خصوصية جماعية. يشبه هذا ما سماه إسحاق دويتشر «اليهودي غير اليهودي»، وهو موقف كوني بالكامل. ورغم انطلاقه من تجربة يهودية، فإنه يتجاوزها في جوهره. يشبه هذا المسار عاشق الجمال عند أفلاطون الذي يتخلى تدريجياً عن خصوصيته ليصل إلى مفهوم نقي. هذه الرؤية منفتحة على الآخرين وتتسم بالتضامن، وهي تجذب خصوصاً اليهود المندمجين. لكنها تطرح إشكالاً، إذ ما الذي يميز في النهاية هذا «اليهودي غير اليهودي» عن أي يساري كوني غير يهودي؟ هل يكفي وعيه بانتمائه إلى تقليد معقد ومتناقض للحفاظ على هوية مميزة؟ أم أن هذا المفهوم مجرد مرحلة نحو ذوبان الهوية اليهودية بالكامل؟ تظل هذه الأسئلة مفتوحة. لكن بالنسبة لغالبية اليهود المناهضين للصهيونية، فإن الموقف من النظام الأخلاقي القائم على أوشفيتز واضح. فهم لا يرون الإبادة النازية حدثاً فريداً لا يقارن، بل يضعونها ضمن سلسلة طويلة من الإبادات، بما في ذلك الإبادة الجارية حالياً. بالنسبة لهم، تعني عبارة «لن يتكرر ذلك أبداً» معنى حرفياً وكونياً، أي لن يتكرر من أي جهة ضد أي جهة.

في المقابل، يواجه اليهود الصهاينة في الشتات أزمة هوية أيضاً، لكنهم يرون حلها في التشبث أكثر بأوشفيتز وبإسرائيل. في الولايات المتحدة، يتحالفون مع قوميين مسيحيين يمينيين لديهم تصورهم الخاص عن الشعب المختار. بالنسبة لكثير منهم، يعني شعار «اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً» إعادة تعريف البلاد كأمة مسيحية بيضاء، ووقف ما يعتبرونه غزواً للمهاجرين. في الوقت الحالي، يقبل بعضهم بضم اليهود الصهاينة إلى تحالف يهودي مسيحي، لكن عقيدتهم تطرح سيناريو آخر أقل قبولاً، إذ يرون أن إسرائيل هي المكان الذي يجب أن يجتمع فيه جميع اليهود تمهيداً لعودة المسيح، ومن يرفض التحول إلى المسيحية يواجه العذاب الأبدي. بهذا المعنى، فإن هذا الشكل من «محبة اليهود» يخفي في داخله معاداة لهم. وهو يلتقي في النهاية مع أشكال صريحة من معاداة السامية، كما ظهر في شعارات مسيرات شارلوتسفيل عام 2017. ويجدر التذكير بأن اليمين الجديد هو أحد المجالات القليلة في المجتمع الأمريكي حيث تتصاعد معاداة السامية فعلياً.

أما اليهود الإسرائيليون، فهم أيضاً يواجهون أزمة هوية، سواء أدركوا ذلك أم لا. كيف يمكن التوفيق بين دعمهم للإبادة في غزة أو قبولهم بها، وبين هوية قائمة على ذكرى المحرقة وشعار «لن يتكرر ذلك أبداً» الذي يشكل جوهر التعليم الرسمي حولها؟ حتى الآن، جرى التعامل مع هذا التناقض من خلال منطق زمني ملتبس مفاده أننا كنا ضحايا في الماضي، وبالتالي لا يمكن أن نكون جناة اليوم، مدعوماً بنزعة عسكرية قومية تقول إن الدرس المستفاد هو الضرب الاستباقي وإزالة الفلسطينيين قبل أن يقضوا علينا. وقد عبّر بنيامين نتنياهو عن هذه الفكرة حين قال إن اليهود كانوا يُطاردون ويُقتلون في الماضي، أما اليوم فهم من يطاردون أعداءهم. بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، بات شعار «لن يتكرر ذلك أبداً» يعني شيئاً جديداً، أي لن يتكرر ضدنا.

هنا يتحول اليهودي الضحية إلى «اليهودي القوي» الذي يرفض الذهاب سلبياً إلى الموت، ويقاتل بكل الوسائل ويفوز بأي ثمن. وقد تجسد هذا التصور في تصميم مركز «ياد فاشيم» في القدس، الذي يقود الزائر من صورة اليهود الضحايا إلى صورة الإسرائيلي القوي الذي استعاد الأرض وأسس الدولة. هذا «اليهودي القوي» يظهر أيضاً في الخطاب الذي يهاجم منتقدي إسرائيل ويصورهم كمتعاونين مع العدو، ويحوّل الضحايا الفلسطينيين إلى جناة، والجناة الإسرائيليين إلى ضحايا ثم إلى محاربين. وهكذا يُعاد استخدام سرديات الماضي لإخفاء الإبادة الجارية، مصحوبة بخطاب ذكوري عدواني.

ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الهوية اليهودية داخل إسرائيل؟ هل لم يعد هناك خيار سوى التمسك بهوية قومية متشددة؟ وهل يمكن لصهيونية ليبرالية أن تستعيد مصداقيتها بعد غزة؟ أم أن استمرار إسرائيل كدولة يهودية يجعل من الصعب على مواطنيها الاحتفاظ بهوية يمكن التعايش معها؟ الواضح أن النظام الحاكم خلق مشكلات جديدة، منها القطيعة مع جزء كبير من يهود العالم، الذين يتجه كثير منهم نحو معاداة الصهيونية، إضافة إلى العلاقة مع الأجيال القادمة التي ستطالب بتفسير هذه الإبادة. أصبحت إسرائيل دولة منبوذة في نظر كثيرين حول العالم، ومن المرجح أن يبقى هذا الوضع طويلاً. بالنسبة لليهود الإسرائيليين أيضاً، تمثل غزة نقطة تحول تاريخية.

4

إن تتبع معاني غزة كحدث عالمي عبر هذه السياقات المتداخلة، ألمانيا والولايات المتحدة ويهود العالم، يكشف أن اتهامات معاداة السامية تتشابك في كل حالة مع قلب أدوار الضحية والجاني، ومع محاسبات زائفة للماضي تهدف إلى طمس الحقيقة وتجنب المسؤولية. وفي كل حالة أيضاً، تظهر غزة كعلامة على تصدع في النظام الأخلاقي الغربي، ساعية إلى أن تحل محل أوشفيتز كرمز للفظائع الإنسانية. ويمكن توسيع القائمة لتشمل المملكة المتحدة، حيث فرض كير ستارمر، بدعم من المؤسسة، نسخة عقابية من هذه المكارثية على حزب العمال، وأقصى جيريمي كوربن، وجرّم دعم مجموعات التضامن مع فلسطين. وفي فرنسا، لم تنجح محاولات مشابهة ضد جان لوك ميلانشون وحركته بالقدر نفسه حتى الآن.

لكن ينبغي أيضاً التفكير في معنى غزة بالنسبة لمناطق العالم التي كانت دائماً خارج النظام الأخلاقي الغربي القائم على أوشفيتز، تلك التي رأت الإبادة النازية مسألة أوروبية بينما كانت تواجه فظائعها الخاصة. تمثل اليابان حالة معقدة. فرغم معرفتي المحدودة بها، فقد لفت انتباهي في كيوتو حجم التضامن مع فلسطين وغياب هذه المكارثية، رغم انتشار التأييد للولايات المتحدة. قد يكون غياب الوجود اليهودي عاملاً، لكن هناك أيضاً تاريخ اليابان الخاص، سواء في جرائمها الاستعمارية في آسيا، أو في علاقتها بالولايات المتحدة التي ألقت عليها القنابل النووية ثم أعادت بنائها كحليف استراتيجي. كيف يمكن التوفيق بين التضامن مع فلسطين والتأييد لأمريكا في هذا السياق؟

5

تبقى فلسطين، بطبيعة الحال، نقطة الصفر لغزة كحدث عالمي. الفلسطينيون هم في الوقت نفسه فاعلو هذا الحدث وضحاياه، إذ أصبحوا أكثر حضوراً على الساحة العالمية، لكنهم أيضاً أهداف للهجوم الإسرائيلي. ويؤدي هذا التناقض إلى تصعيد القمع مع ازدياد الاهتمام العالمي بقضيتهم. والنتيجة هي حرب على مستوى الخطاب كما على مستوى السلاح، ليس حول قدرة الفلسطينيين على التعبير، بل حول مدى إمكانية سماع صوتهم.

تحمل غزة للفلسطينيين معاني متعددة ومتناقضة، أذى مادي هائل مقابل حضور عالمي متزايد، قمع أشد مقابل تضامن أوسع، يأس مقابل أمل. وقد عبرت عن ذلك أعمال أدبية معاصرة عديدة. يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان هذا التداخل بين الخسارة المادية والمكسب الأخلاقي يمكن أن يتحول إلى انتصار سياسي.

تشير غزة، كما حاولت أن أبين، إلى أمور كثيرة، من بينها أزمة النظام الأخلاقي الغربي. وإذا كانت تسعى اليوم إلى أن تحل محل أوشفيتز كرمز للفظائع، فهل يمكن أن تحمل أيضاً مبدأ الأمل، أي التضامن والعدالة الاجتماعية وتقرير المصير وإعادة الإعمار والعناية بالعالم؟

هوامش هذه المقالة موجودة في رابط النص الأصلي.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع