حرب الطبقات على السجادة الحمراء: بدايات شيوعية لمهرجان كان السينمائي (ترجمة)

ملصق دورة العام ١٩٣٩

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

قد يبدو مهرجان كان السينمائي حدثاً نخبوياً، لكنه يمتلك جذوراً عميقة في مناهضة الفاشية وفي الحركة العمالية. إن تاريخه المبكر في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية يبيّن لنا كيف يمكن للسينما أن تنتمي حقاً إلى الطبقة العاملة.

للكاتب/ة

لذلك لا تزال هناك جيوب مقاومة، حتى لو كان ميزان القوى العام لا يزال يميل ضدنا. وربما يكون المجتمع المدني بصدد استعادة دور مركزي، وإن كان ذلك لم ينعكس بعد على المستوى السياسي.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

13/06/2026

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

نشرتها "جاكوبين" في ٩/٦/٢٠٢٦. مقابلة مع تانغي بيرون أجراها رافاييل مارتان دومازيه.

 

قد يبدو مهرجان كان السينمائي بعيداً كل البعد عن السياسة الاشتراكية. ومع ذلك، فإن ماضيه أكثر راديكالية بكثير مما قد توحي به أضواء وبريق السجادة الحمراء اليوم.

تانغي بيرون مؤرخ متخصص في دراسة الروابط بين الحركة العمالية والنقابات العمالية والسينما. في كتابه الأخير، الذي يحمل بالفرنسية عنوان «السجادة الحمراء والصراعات الطبقية»، يروي كيف أسهمت الكونفدرالية العامة للشغل، والحزب الشيوعي الفرنسي، واليسار الذي برز مع التحرير من النازية في عامي 1944 و1945، في تشكيل أصول المهرجان.

في مقابلة مع رافاييل مارتان دومازيه من موقع Le Vent Se Lève، يتحدث المؤرخ بيرون عن جذور المهرجان، وعن معركة السينما الفرنسية للدفاع عن نفسها في مواجهة هوليوود، وعن الكيفية التي استمرت بها القيم الثقافية لسنوات ما بعد الحرب حتى يومنا هذا.

 

 

كيف وُلدت فكرة هذا الكتاب المكرّس للعلاقات بين الحركة العمالية، والكونفدرالية العامة للشغل، والحزب الشيوعي الفرنسي، ومهرجان كان السينمائي؟

في تسعينيات القرن الماضي، كنت أعمل في معهد التاريخ الاجتماعي التابع للكونفدرالية العامة للشغل في مونتروي. كنت أسمع كثيراً هناك قصةً ذات طابع أسطوري نوعاً ما تتداول بين العاملين: «إن الكونفدرالية العامة للشغل هي التي أنشأت مهرجان كان السينمائي». كان بعضهم يؤمن بذلك إيماناً كاملاً، بينما لم يكن آخرون قد سمعوا بها من قبل. وقد أثارت هذه الرواية فضولي.

في ذلك الوقت، كنت قد ساهمت في تنظيم معرض حول النقابية والسينما، عُرض أولاً في أرشيفات مقاطعة سين سان دوني، ثم في مهرجان كان السينمائي. واستفدت من هذه الفرصة للاطلاع على الأرشيفات الموجودة في نيس، ولا سيما أرشيفات الكونفدرالية العامة للشغل المحلية، حيث اكتشفت وثائق بالغة الأهمية تتعلق بفيرجيل باريل، النائب الشيوعي عن المدينة، وبالبدايات الأولى للمهرجان. بعد ذلك كتبت مقالاً أولياً حول الموضوع، من دون أي نية لمواصلة البحث فيه إلى أبعد من ذلك.

بعد بضع سنوات، وعند صدور الكتاب الجماعي «الشاشة الحمراء»، ساهمتُ بمقال عن مهرجان كان، مستنداً إلى بعض هذه الأرشيفات. وقد كشف النجاح غير المتوقع لهذا الكتاب عن وجود اهتمام حقيقي بتاريخ العلاقة بين السينما والنقابية والسياسة. ثم اقترح عليّ الناشر أن أكتب كتاباً صغيراً مكرساً بالكامل للعلاقات بين الكونفدرالية العامة للشغل ومهرجان كان السينمائي. وكانت الفكرة تتمثل في إصدار عمل موجز وسهل الوصول إلى القارئ، يستعيد ذاكرة هذه الروابط التاريخية.

ومن خلال كتابة هذا الكتاب، تمكنت من منح أبحاثي قدراً من التماسك، واكتشاف شخصيات جديدة، والأهم من ذلك معالجة سؤال أساسي. فقد أردت أن أفهم كيف اندرج الدفاع عن السينما الفرنسية، من خلال المعارك المرتبطة بمهرجان كان عام 1947 وباتفاقيات بلوم بيرنز التجارية بين الولايات المتحدة وفرنسا عام 1948، ضمن قصة سياسية وثقافية أوسع وأكثر استمرارية.

وأعتقد أنني ما كنت لأتمكن من القيام بذلك من دون العودة إلى الأرشيفات.

ما هو السياق السياسي والدبلوماسي في مرحلة ما بعد الحرب الذي أتاح إنشاء مهرجان كان السينمائي؟

كان مناخ ما بعد الحرب غير مستقر في الوقت نفسه الذي كان مشبعاً بإرث التاريخ. فقد وُجدت التزامات قوية بمناهضة الفاشية وبالوطنية، لكن أيضاً عادت إلى السطح توترات قديمة. ومن المستحيل فهم ولادة مهرجان كان السينمائي من دون أخذ هذا السياق السياسي في الاعتبار.

نعرف اليوم، بفضل أعمال المؤرخ أوليفييه لوب، ولا سيما كتابه «كان 1939»، أن المشروع الأول للمهرجان عام 1939 كان يُراد له أن يكون مهرجاناً مضاداً للفاشية، رداً على مهرجان البندقية السينمائي الذي كان قد تحول إلى واجهة دعائية لنظام موسوليني وللنازية. ولم يُقم مهرجان 1939 بسبب اندلاع الحرب، رغم أن كل شيء كان جاهزاً: الملصق الرسمي، والأفلام المختارة، والتنظيم. والمفارقة أننا نعرف اليوم عن التاريخ السياسي لهذا المهرجان الملغى أكثر مما نعرف عن الانطلاقة الفعلية للمهرجان في عامي 1946 و1947.

كان مشروع 1939 يستند إلى مناهضة الفاشية الليبرالية التي تبنتها الديمقراطيات الغربية. لكن المشهد السياسي والرمزي تغيّر بصورة واضحة بحلول عامي 1946 و1947. فقد كانت تلك مرحلة ما بعد الحرب، والتحرر من الاحتلال النازي، وانتصار الحلفاء، وصعود الحركة العمالية والحزب الشيوعي الذي كان يتمتع بنفوذ قوي في جنوب شرق فرنسا. ففي نيس لعب النائب الشيوعي فيرجيل باريل دوراً مهماً، والأكثر إثارة للدهشة أن مدينة كان نفسها انتخبت نائباً شيوعياً هو هنري بورتاليه عام 1936، مستفيداً من انقسام معسكر اليمين. وهكذا أصبحت المنطقة معقلاً لليسار، في حين ظل اليمين المحلي خاضعاً إلى حد كبير لنفوذ اليمين المتطرف.

أما رئيس بلدية كان، ريمون بيكو، فلم يكن عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي، لكنه كان يُعد من المتعاطفين معه. كان طبيباً ووطنياً وناشطاً اجتماعياً، وقد انتقل بعد الحرب العالمية الأولى إلى حي "لا بوكا" الشعبي، حيث أصبح شخصية تحظى باحترام واسع. وقد جسّد يساراً إنسانياً وتقدمياً قريباً من الحزب الشيوعي بسبب التزامه بمناهضة الفاشية.

ويُعد هذا السياق المحلي أساسياً لفهم الأحداث. ففي جنوب شرق فرنسا كان التهديد الفاشي حقيقياً للغاية، ولا سيما بسبب الطموحات التوسعية لموسوليني تجاه نيس وكورسيكا. وقد ظل المناخ السياسي متوتراً، مطبوعاً بعنف اليمين المتطرف وبوجود جهاز شرطة سياسية نشط. وبعد التحرير ضعفت قوى اليمين المتطرف، واعتقد اليسار أنه قادر على ترسيخ جذوره بصورة دائمة.

قُدِّم مهرجان 1946 بوصفه احتفالاً بالحلفاء، وحدثاً يجمع بين البريق والشعبية، يهدف إلى إنعاش الاقتصاد المحلي والسياحة، وفي الوقت نفسه تكريم المقاومة. وقد حصل فيلم La Bataille du rail للمخرج رينيه كليمان الذي أنتجته التعاونية العامة للسينما الفرنسية، وهي تعاونية أُطلقت جزئياً بمبادرة من الكونفدرالية العامة للشغل، على جائزتين رئيسيتين في المهرجان. وكان ذلك إشارة قوية إلى أن سينما الشعب وسينما المقاومة قد انتصرتا في كانّ.

كان سياق عام 1946 إذاً مؤاتياً على نحو استثنائي: مدينة تميل إلى اليسار، وإدارة محلية يقودها الشيوعيون، ونقابة CGT قوية، وحكومة وطنية لا تزال تشمل وزراء شيوعيين.

لكن هذا الانسجام لم يدم طويلاً. فمع حلول عام 1947، أدى اندلاع الحرب الباردة إلى قلب هذا التوازن السياسي رأساً على عقب، واضعاً بذلك حداً لهذه المرحلة العابرة.

ما الذي ميّز الدورة الثانية للمهرجان عام 1947؟ وكيف شارك السكان في بناء قصر المهرجانات؟

في عام 1947، التفّ العمال وسكان كان حول رئيس بلديتهم ريمون بيكو ونائبه الشيوعي. وكان كلاهما مدفوعاً بزخم جماعي حقيقي. بالنسبة إلى الدولة الفرنسية، كانت القضية دبلوماسية بالدرجة الأولى، إذ تعلقت باستعادة موقع فرنسا على الساحة الدولية. أما على المستوى المحلي، فقد كان الأمر مشروعاً لإعادة الإعمار، يهدف إلى إنعاش السياحة وإثبات قدرة المدينة على النهوض من جديد واستعادة بريقها.

غير أن هذا الحماس لم يكن محل إجماع. فقد نظر جزء من البرجوازية المحلية، باستثناء أصحاب الفنادق، بعين الريبة إلى هذا المهرجان الذي كان يحظى بدعم اليسار والنقابات العمالية. ففي عام 1946 كان المهرجان لا يزال يُقدَّم بوصفه «احتفالاً للحلفاء»، واحتفالاً بالسلام. لكن السياق تغيّر جذرياً في عام 1947.

فقد اندلعت الحرب الباردة، وأُقصي الوزراء الشيوعيون من الحكومة، وأصبح المهرجان موضع شك في نظر السلطة المركزية التي بدأت تنظر إليه باعتباره حدثاً ذا طابع يساري مفرط.

ومع ذلك، كان رئيس البلدية مصمماً على ضمان استمرار المهرجان. لكن لكي ينجح في ذلك، كان عليه الوفاء بوعد قطعه للحكومة، وهو بناء قصر للمهرجانات. وكانت المشكلة أن هذا القصر لم يكن موجوداً بعد، ولذلك كان لا بد من تشييده على وجه السرعة.

وهنا برزت تعبئة شعبية استثنائية. فبناءً على دعوة رئيس البلدية، انخرط سكان "لا بوكا" والعمال والشباب في مشروع بناء قصر المهرجانات. كانوا يعملون خلال النهار في وظائفهم المعتادة، ثم يعودون ليلاً للعمل بشكل تطوعي في ورشة البناء.

كانت المهل الزمنية شديدة القسوة، إذ لم يكن أمامهم سوى أربعة أشهر لإنجاز المشروع. وفي النهاية سُلِّم المبنى في اللحظة الأخيرة تقريباً، ولم يكن مكتملاً تماماً، لكنه أصبح جاهزاً لاستقبال عروض المهرجان.

وقد تحولت ورشة البناء هذه إلى معركة رمزية حقيقية، خاضها أهالي كان دفاعاً عن مهرجانهم. فقد قدّم العمال وقتهم وجهدهم، وكانت المواد الأولية نادرة، حتى إن بعض المواد كانت تُؤمَّن بطرق غير رسمية، كما كانت الرواية الشائعة تقول مازحة إنها «سقطت من خلف شاحنة». كما ساهمت خيّاطات المدينة في تزيين القاعة وخياطة الستائر.

لقد كان هذا المشروع تجسيداً ملموساً لفكرة أن المهرجان لم يكن مجرد حدث ثقافي أو واجهة سياحية، بل مشروعاً جماعياً شارك في صنعه سكان المدينة أنفسهم.

كما مارس شخصيات مثل فيرناند عرينييه نائب رئيس الجمعية الوطنية والمسؤول عن قطاع السينما، ضغوطاً على الحكومة من أجل تأمين المواد اللازمة للبناء.

باختصار، كان مهرجان عام 1947 حدثاً شعبياً ونضالياً بامتياز. ولم يكن يتمتع آنذاك بمكانة دولية كبيرة؛ فقد غابت عنه النجوم الأميركية، بينما احتل النجوم الفرنسيون واجهة المشهد. وفي ظل بدايات الحرب الباردة، تحوّل المهرجان إلى فعل مقاومة ثقافية في مواجهة الهيمنة المتصاعدة للسينما الأميركية، ومهّد بذلك للمعارك الكبرى التي ستُخاض دفاعاً عن السينما الفرنسية عام 1948.

شكّلت اتفاقيات بلوم بيرنز عام 1948 نقطة تحول في النضال من أجل استقلال السينما الفرنسية. ما طبيعة هذه الاتفاقيات؟ ومن هم الذين تحركوا لمواجهتها؟

كانت اتفاقيات بلوم بيرنز، التي وُقّعت أساساً عام 1946، اتفاقاً اقتصادياً بين فرنسا والولايات المتحدة تفاوض بشأنه ليون بلوم وجيمس بيرنز. وكان الهدف المعلن منها تسوية الديون الناجمة عن الحرب وتنظيم القروض الأميركية المقدمة إلى فرنسا.

لكن إحدى الملاحق الملحقة بهذه الاتفاقيات تضمنت بنداً كانت له نتائج حاسمة بالنسبة إلى السينما الفرنسية، إذ نص عملياً على فتح دور العرض الفرنسية على نطاق واسع أمام الأفلام الأميركية، مع نظام حصص يصب بصورة كبيرة في مصلحة هوليوود.

فخلال الحرب العالمية الثانية، واصلت هوليوود العمل بكامل طاقتها الإنتاجية، في حين كانت الدول الأوروبية قد فرضت قيوداً على استيراد الأفلام الأجنبية. وعند التحرير، وجدت الاستوديوهات الأميركية نفسها تمتلك مخزوناً هائلاً من الأفلام الجاهزة للتسويق في الأسواق الأوروبية. في المقابل، خرجت الاستوديوهات الفرنسية من الحرب منهكة وتفتقر إلى الموارد والطاقة.

فعلى سبيل المثال، كان الفحم يُخصَّص للصناعات الثقيلة أو للتدفئة، وليس لإنتاج الأفلام. وفي هذا السياق، مارس المنتجون الأميركيون ضغوطاً على حكومتهم لضمان أن تفرض الاتفاقيات قيوداً على الأفلام الفرنسية لا على الأفلام الأميركية.

وباختصار، فُتح السوق الفرنسي على مصراعيه أمام سينما هوليوود. وفي عام 1946 حذّر اتحاد قطاع العروض التابع للكونفدرالية العامة للشغل من مخاطر هذا البند، لكن رد الفعل ظل محدوداً آنذاك. أما التعبئة الواسعة فقد بدأت بعد عام، أي في 1947، مع اندلاع الحرب الباردة وإقصاء الوزراء الشيوعيين من الحكومة.

عند تلك اللحظة، غيّر الحزب الشيوعي الفرنسي استراتيجيته. فقد جعل من السينما قضية وطنية، بوصفها ثروة ذات أهمية اقتصادية وثقافية وسياسية يجب الدفاع عنها في مواجهة الإمبريالية الأميركية. وكان الشيوعيون قد نسجوا منذ زمن طويل علاقة قوية ومثمرة مع السينما، إذ نظروا إليها باعتبارها فناً «شعبياً» وأداة للتحرر والتثقيف، كما كانوا يمتلكون حلفاء نافذين داخل الكونفدرالية العامة للشغل، ولا سيما في قطاعات العروض الفنية والسينما.

في المقابل، لم يمنح ليون بلوم رغم كونه رجل ثقافة، مكانة مركزية للسينما. فقد كان يعتبرها فناً ثانوياً، أدنى بكثير من الأدب. ولذلك كان مستعداً لتقديم تنازلات في هذا المجال مقابل تسوية ديون فرنسا.

وأدى ذلك إلى تعبئة واسعة النطاق واستثنائية، جمعت بين العاملين في قطاع السينما والنقابيين ومناضلي الحزب الشيوعي الفرنسي.

بدأت هذه الحركة في كان عام 1947، حيث تحول المهرجان إلى نقطة تجمع رئيسية للاحتجاج. ثم شهدت باريس في يناير/كانون الثاني 1948 التظاهرة الكبرى التي نظمتها صناعة السينما الفرنسية، وهي مسيرة شارك فيها الفنانون والتقنيون والنشطاء، ونجحت في كسب تأييد شريحة واسعة من الرأي العام.

واعتمدت هذه الحركة على شبكة النوادي السينمائية وعلى مفهوم «المتفرج المواطن» العزيز على الشيوعيين، أي ذلك المشاهد النشط والناقد والمنخرط سياسياً. وبفضل هذه الحملة، تمكن قطاع السينما من حشد ليس الجمهور فحسب، بل أيضاً عدداً من المشرعين وأعضاء الحكومة إلى جانبه.

وأدّت هذه التعبئة، في سبتمبر/أيلول 1948، إلى انتصارين كبيرين: أولهما مراجعة اتفاقيات بلوم بيرنز بصورة أكثر ملاءمة للسينما الفرنسية، إذ جرى تشديد القيود المفروضة على الأفلام الأميركية جزئياً. أما الانتصار الثاني، والأهم، فكان إقرار قانون دعم السينما الذي أسّس نظاماً دائماً للدعم الحكومي للإنتاج السينمائي الوطني.

وقد أرسى هذا القانون ما أصبح يُعرف بالنموذج الفرنسي، أي نظاماً تضامنياً ومستداماً للتمويل العمومي وُلد من رحم إعادة الإعمار بعد الحرب. وبفضل هذا النموذج، ما زالت السينما الفرنسية حتى اليوم قادرة على الصمود في مواجهة هيمنة هوليوود.

ما هو قانون دعم السينما؟ وبأي معنى لا يزال يشكل نموذجاً فريداً من نوعه؟

يقوم هذا القانون على مبدأ لطالما عارضه الليبراليون المدافعون عن السوق الحرة، وهو مبدأ التضامن عبر الضريبة.

وبصورة عملية، ينص القانون على فرض رسم شبه ضريبي على كل تذكرة سينمائية تُباع. وقد بلغت نسبته في البداية نحو 7 في المئة، بينما تدور اليوم حول 10 في المئة. ويُطبَّق هذا الرسم على جميع الأفلام المعروضة في فرنسا، بما في ذلك الأفلام الأميركية.

وبمعنى آخر، فإن الأفلام الأميركية نفسها تساهم في تمويل السينما الفرنسية.

تُدار هذه الآلية من قبل المركز الوطني للسينما والصورة المتحركة (CNC)، الذي تأسس عام 1946. وتسمح هذه المؤسسة بإعادة توزيع الأموال المتأتية من هذا الرسم لدعم إنتاج الأفلام الفرنسية والترويج لها وعرضها.

ولا يتعلق الأمر بضريبة بالمعنى التقليدي للكلمة. فعندما يشتري المشاهد تذكرة سينما، فإنه يساهم بصورة غير مباشرة في الاستثمار في الإنتاج السينمائي الوطني. كما يستفيد من هذا النظام أيضاً عدد من الأفلام الأوروبية والأفلام الأجنبية الأخرى من خلال الإنتاجات المشتركة، وذلك رغم التخفيضات الأخيرة في الميزانيات التي يصفها كثيرون بأنها مقلقة للغاية.

ينتمي هذا القانون إلى السياق العام لإعادة البناء الاجتماعي والثقافي بعد الحرب، شأنه في ذلك شأن نظام الضمان الاجتماعي أو نظام الوظيفة العمومية. وكانت الفكرة الأساسية أن على الدولة أن تمتلك الوسائل التي تمكنها من انتهاج سياسة ثقافية سيادية، قادرة على مقاومة منطق السوق ونفوذ الولايات المتحدة.

وعلى امتداد العقود التالية، جرى تطوير هذا النموذج وتعزيزه. ففي خمسينيات وستينيات القرن العشرين ظهرت آليات جديدة مثل نظام التسبيق على الإيرادات المستقبلية، الذي أتاح للكتاب والمخرجين الحصول على التمويل قبل بدء التصوير. ثم في ثمانينيات القرن الماضي، ومع توسع القطاعين السمعي البصري والفنون الأدائية، تم توسيع نظام العاملين المتقطعين في قطاع العروض الفنية.

وكانت الخطوط الأولى لهذا النظام قد وُضعت خلال مرحلة "الجبهة الشعبية" في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، وكان في البداية يخص عدداً محدوداً من التقنيين السينمائيين العاملين بعقود مؤقتة. لكنه توسع تدريجياً ليصبح أحد أعمدة النموذج الاجتماعي الخاص بالعاملين في المجال الثقافي.

وبفضل هذا النظام، ما زالت السينما الفرنسية قادرة على الاستمرار والتجدد. وقد يتعرض هذا النموذج للانتقاد أحياناً، لكنه ما زال قائماً، في حين أن العديد من الصناعات السينمائية الوطنية الأخرى في أوروبا لم تعد تتمتع بمثل هذه القدرة على الصمود.

غير أن هذا الإرث يواجه اليوم تهديدات متزايدة. فقد دعت بعض القوى السياسية، ولا سيما مارين لوبين وحزب "التجمع الوطني" إلى جانب قطاعات من اليمين الفرنسي، إلى حل المركز الوطني للسينما أو إلغاء إعاناته.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد نقاش حول الميزانية، بل بمشروع أيديولوجي أوسع، يتمثل في الرغبة في التخلص من نموذج تضامني مناهض لمنطق السوق الحرة، وهو النموذج الذي يمنح الحياة للسينما وللثقافة الشعبية.

وباختصار، فإن قانون الدعم الصادر عام 1948، وإنشاء المركز الوطني للسينما، ونظام العاملين المتقطعين في قطاع العروض الفنية، تشكل مجتمعةً ركائز نموذج فريد وُلد من تجربة التحرير بعد الحرب وما زال حتى اليوم في صلب المقاومة الثقافية الفرنسية.

هل لا تزال هناك اليوم آثار لهذا المثال الشعبي والسياسي داخل مهرجان كان السينمائي؟

لا تزال بعض الآثار قائمة، ويجب علينا المحافظة عليها بكل تأكيد. فعلى سبيل المثال، ما زالت الكونفدرالية العامة للشغل ممثلة في مجلس إدارة المهرجان، وكذلك الفيدرالية الدولية للممثلين. صحيح أن هاتين الجهتين لا تشغلان سوى مقعدين من أصل أكثر من ثلاثين مقعداً، بينما تستحوذ الدولة والسلطات المحلية والمنتجون على معظم المقاعد الأخرى. لكن هذه المشاركة تظل مهمة لأنها تذكّر بالأصول الاجتماعية للمهرجان، وتوفر أساساً يمكن من خلاله لفت الانتباه إلى بعض التجاوزات أو الاختلالات.

مع ذلك، يجب ألا نخدع أنفسنا. فالمال والنفوذ الأميركي يهيمنان اليوم بصورة ساحقة. فقد أصبح المهرجان غارقاً أكثر فأكثر في التسويق والعلامات التجارية الكبرى والاستوديوهات العملاقة. كما أن التدفق الهائل لهوليوود ونجومها وقوتها الاقتصادية غيّر طبيعة الحدث بعمق.

وأحياناً يكتسب هذا الاستعراض المفرط للترف طابعاً فاضحاً. فقد أصبحت مدينة كان مدينة شديدة الكلفة، تتأثر بقوة بالمضاربات العقارية. وأصبح من الصعب جداً على أبناء الطبقات الشعبية العثور على سكن فيها، حتى خارج فترة المهرجان. كما يواجه السكان الدائمون ضغوطاً هائلة. أما الوصول إلى المهرجان، الذي كان من المفترض أن يكون مفتوحاً للجميع، فقد أصبح شديد التقييد والاحترافية والحراسة الأمنية. وبات حق التظاهر شبه مستحيل على جادة الكروازيت، وصعباً للغاية في بقية أنحاء المدينة.

أما على المستوى السينمائي، فما زال الاختيار الفني للأفلام صارماً، وما زالت لجان التحكيم مستقلة، وما زالت هناك مقاومة جمالية وفكرية حقيقية. وغالباً ما تعرض الأقسام الموازية، مثل "أسبوعي المخرجين" و"أسبوع النقد" أفلاماً أكثر جرأة وأكثر انخراطاً سياسياً من تلك الموجودة في الاختيار الرسمي.

يبدو أن العلاقة بين الثقافة والسينما والنضال اليساري قد ضعفت. هل تعتقد أنه يمكن إعادة ابتكارها اليوم؟

لن أحاول تجميل الواقع. فالوضع مقلق إلى حد كبير. لقد فقدت الأحزاب السياسية جزءاً كبيراً من بريقها وجذورها الثقافية وفاعليتها. صحيح أن هناك منتخبين ونشطاء، ولا سيما داخل الحزب الشيوعي الفرنسي وحركة "فرنسا الأبية"، ما زالوا يعملون بجدية على هذه القضايا. لكننا نشهد عموماً تراجعاً في الوعي الثقافي والسياسي لدى المسؤولين العموميين وتزايداً في اللامبالاة تجاه الثقافة.

وبالطبع فإن هؤلاء يعملون في ظروف صعبة، إذ شددت الدولة رقابتها وقلّصت هامش المناورة المالية لدى السلطات المحلية. ولذلك يجد كثير من المنتخبين المحليين أنفسهم محاصرين بين سكان يزدادون فقراً ودولة تتجه أكثر فأكثر نحو البيروقراطية والتسلط.

في سنوات ما بعد الحرب، طبّق الحزب الشيوعي الفرنسي سياسات ثقافية حقيقية على المستوى البلدي، شملت إنشاء دور السينما والمسارح والمكتبات وأحواض السباحة ومراكز التربية الشعبية.

أما اليوم، فغالباً ما ينصب التركيز على تنظيم الفعاليات بدلاً من بناء سياسة ثقافية مستدامة. ومع ذلك، لا تزال هناك جيوب مقاومة، خصوصاً في ضاحية سين سان دوني الباريسية، حيث تواصل دور السينما العامة عرض الأفلام الطموحة بأسعار منخفضة، وحيث يقبل الجمهور عليها بكثافة.

ومع ذلك، فإن شيئاً جديداً بدأ يظهر. فهناك اليوم شغف سينمائي شاب ومسيّس لم نشهد مثله منذ ثمانينيات القرن الماضي. ففي ضواحي باريس وبعض المناطق الريفية، تؤدي دور السينما المستقلة عملاً لافتاً: عروض بأسعار مخفضة، ونقاشات، ولقاءات مع المخرجين. يجتمع الجمهور ويتبادل الأفكار ويعيش تجربة السينما بصورة جماعية.

إن هذه المشاركة الجماعية في مشاهدة الأفلام والحوار حولها تمثل أمراً جوهرياً، وما زالت مستمرة حتى اليوم. ففرنسا لم تخترع السينما، لكنها بلا شك اخترعت حب السينما أو الثقافة السينمائية، أي طريقة مشاهدة الأفلام ومناقشتها والتفكير فيها سياسياً من دون اختزالها في خطاب دعائي أو نضالي مباشر.

ولم تختفِ هذه التقاليد، بل ربما تصبح نقطة الانطلاق لجيل جديد من المشاهدين المنخرطين في الشأن العام.

أما على الصعيد النقابي، فهناك أيضاً مؤشرات مشجعة. فالاتحاد النقابي لقطاع العروض الفنية التابع للكونفدرالية العامة للشغل يتمتع بحيوية ملحوظة، كما أن منظمات مثل "نقابة مهنيي الصناعة السمعبصرية والسينما" تستقطب أعداداً متزايدة من العاملين الشباب.

وهذا أمر نادر في المشهد النقابي الفرنسي عموماً، لأن معظم النقابات تشهد تراجعاً في أعداد أعضائها. أما اليوم، فإن الصحافة والعاملين المتقطعين في قطاع الفنون الأدائية يمثلان من بين المجالات القليلة التي ما زال العمل النقابي يحقق فيها تقدماً.

لذلك لا تزال هناك جيوب مقاومة، حتى لو كان ميزان القوى العام لا يزال يميل ضدنا. وربما يكون المجتمع المدني بصدد استعادة دور مركزي، وإن كان ذلك لم ينعكس بعد على المستوى السياسي.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع