"هل تتخيّل قطعة أرضٍ صغيرة مزروعة برؤوسٍ بشريّة حيّة؟
رؤوس، ولا شيء إلا الرؤوس، رؤوس مصفوفة متلاصقة،
بعيونٍ مفتوحة متفحّصة تنظر إليك."
هكذا يصف بسام يوسف أوّل مشهد رآه عند باب الزنزانة في كتابه "حجر الذاكرة"، وهو وصف يستحق التوقف عنده لأننا عادة، وفي الاستخدام اليومي للغة، نصف الغرفة المكتظة بأنها "ممتلئة"، أو "مزدحمة". أي أنّنا حتى في أقصى حالات الاكتظاظ، نستمر في التفكير بالمكان بوصفه يحتوي أفراداً.
أما في أدب السجون، وفي هذا المشهد المتكرر من الازدحام على اختلاف السجن والسجين والفترة الزمنية والسياق، نقرأ منطقاً لغوياً مختلفاً لوصف الاكتظاظ البشري داخل الزنازين. وهو ما يدفعنا للتعامل مع أدب السجون بما يتجاوز كونه مجرّد سرديّات عن المعاناة أو الظلم، من خلال قراءة غير أدبية لهذا الأدب، بوصفه توثيقاً مهماً لخبرات وتجارب ذاتية استثنائية، وبوصفه مختبراً للعلاقات بين الأفراد والفضاء المحيط والبيئة المبنية، ليكون نقطة انطلاق لتحليل أوسع يحمل في داخله انخراطاً إنسانياً كثيفاً.
ففي الفضاء السجني، الذي هو "فضاءً اجتماعياً بامتياز يقوم على تكنولوجيا الاحتجاز"، تصبح الممارسات المكانية الموزّعة عبر النسيج الحضري: مثل المراقبة، والكثافة، والتنظيم البيروقراطي للأجساد، أكثر وضوحاً وحدّة. فيغدو بذلك موقعاً لتحليل سياسات الانتماء والاغتراب في الفضاء والمكان، وكذلك نموذجاً دالاً للمدينة المعاصرة. و يضعنا أمام تساؤل عما يحدث للانتماء والاغتراب المكانيَّين عندما يتحوّل القرب من الآخرين إلى علاقة مفروضة؟ عندما يصبح شرطاً يُفرض على الجسد ويُنقش في الفضاء ذاته؟ وكيف يعيد ذلك تشكيل العلاقة بين الذات، والآخرين، والبيئة المبنية؟
على مستوى الجسد واللغة
العالم الذي نتحرّك فيه مُصمَّم وفق مقاييس معيارية مختلفة. أحد أبسط هذه المقاييس هو ما يُعرف بالمقياس الإنساني، حيث يُعتبر عرض 60 سم الحد الأدنى اللازم لحركة شخص واحد، وعلى هذا الأساس تُصمَّم الممرات والأبواب والنوافذ والمفروشات. وتمتد هذه المقاييس لتشمل المسافات الاجتماعية، فقد عرّف إدوارد هول المسافة الحميمية بأنها لا تتجاوز 15 سم، بينما وسّعها آخرون، مثل روبرت سومر، لتصل إلى نحو 46 سم، مع اعتبار أن المسافة الشخصية قد تمتد حتى 120 سم أو أكثر.

إلى جانب ذلك، توجد وحدات قياس أكثر تجريداً، ترتبط بأنظمة التنظيم والإدارة: مثل عدد الأسرّة في المستشفى، أو عدد الخيام في المخيمات، أو ما يُعرف في دراسات السجون بمساحة السرير "bedspace". تُشكّل هذه الوحدات نوعاً من التجريد المكاني الناتج عن البيروقراطية والتسليع، حيث يُختزل فيها الجسد إلى وحدة قابلة للعدّ والإحصاء. و قد يصل الى حده الأقصى من الوجود المجرد، كما يصفه فيكتور فرانكل في الإنسان يبحث عن المعنى: "في الحقيقة ليس لدينا الآن شيء عدا أجسامنا العاريّة _ وهي أجساد مجرّدة حتى من شعرها _ فكلّ ما نملكه على وجه التحديد هو وجودنا العاري أو المجرّد." لكن في ظروف الاكتظاظ المفروض قسراً، نرى أنه كلما ازداد تجريد الفضاء واختُزل إلى وحدات كمية، ازداد امتلاؤه الفيزيائي والحسي.
ويمكن تتبّع آثار هذا الانضغاط في اللغة نفسها والأدب: في كتاب "حجر الذاكرة"، وعندما يحاول بسام يوسف عدّ الأشخاص، يقول: "ثلاثة وخمسون رأساً مصطفّة، ومئة وست عيون تحدّق بك" وفي القوقعة لمصطفى خليفة، تظهر الحالة نفسها بصورة أخرى: "حولي غابة من الأقدام والأرجل" بينما يصفهم في موضع آخر: "كما لو كانوا مجموعة من لفائف التبغ قد اصطفّت في علبة."
في هذه الحالة المكانية متعددة الطبقات، حيث يصبح الحيّز المحيط بالجسد مكوّناً بالكامل تقريباً من أجساد أخرى، ولا يعود الآخر خارج الذات، بل يصبح جزءاً من مجالها المباشر، يتحوّل الاكتظاظ البشري من حالة كمية إلى تجربة حسية ووجودية كثيفة، وينتقل الإدراك من الجسد بوصفه كياناً مستقلاً إلى كتل وأجزاء.
لتشكّل هذه الصور معاً تكويناً بصرياً أوسع: "رؤوس"، "أقدام"، أو حتى "كتلة من اللحم"، كما في سؤال فيكتور فرانكل: "ما أنا إذاً؟ ألستُ سوى جزء صغير من كتلة هائلة من اللحم البشري..."
على مستوى الذاكرة والتنافر
إذا كان هذا القرب الجسدي يعيد تشكيل حدود الفضاء، فإنّه يمتد إلى مستوى أكثر حميمية هو الذاكرة. فالذاكرة تستعير وتُستعار، تختلط وتمتزج، تتجزأ وتتسع، فلا يعود الفرد مالكاً لحدوده النفسية أو السردية. يصف ياسين الحاج صالح ذلك في بالخلاص يا شباب: "إن الخصوصية البرانيّة، إن جاز التعبير، تتلاشى بسرعة، فنحن نصبح شيئاً مكشوفاً أمام الآخرين..."
ويصف بسام يوسف هذا التحول كعمليّة تدريجية، تبدأ بدوائر ضيقة من الثقة، ثم تتوسع لتشمل الجميع، إلى أن تصل إلى لحظة اندماج كامل للذاكرة، حيث يقول: "سنكتشف -حين لا يعود للاكتشاف معنى- أننا لم نعد أصحاب ذكريات خاصة، وأن الذاكرة التي كانت فرديّة أصبحت مشاعاً، وأننا امتلكنا ذكريات الآخرين". وهكذا تصبح الذاكرة بنية علائقية مشتركة، إلى حد يصعب معه التمييز بين ما هو خاص وما هو مستعار.
فلو نظرنا هنا إلى المنطق المعتاد الذي نفهم من خلاله الانتماء، بوصفه تشكّلاً منسوجاً من التناغُمات العاطفية، والارتباطات الوجدانية، والمشاعر المتجسدة وبكونه حالة تهتز بكثافات عاطفية. وغيابه الذي يُعبَّر عنه عادة من خلال مفاهيم مثل: الوحدة، والعزلة، والاغتراب، والاقتلاع. سنجد أن الفضاءات السجنية قد تجاوزت هذا المنطق تماماً فقد كشفت هذه التجارب أن في أقصى حالات القرب والكثافة المفروضة، لم يتولد الانتماء، الذي يُبنى نظرياً على القرب والتشارك وإمكانية التفاعل مع الآخرين، وعلى خلق نوع من الألفة الناتجة عن التبادل المستمر، بل ظهر نقيضه.
ذلك أن الحياة الجماعية القسرية، حيث يُراقَب الفرد باستمرار، تُنتج رغبة ملحّة في الانسحاب، فينشأ دافع قوي لأن يكون الفرد وحيدًا مع أفكاره. يصف ماهر إسبر كيف قد يفتعل بعض السجناء مشكلات للحصول على فترة من العزلة الحقيقية في الزنزانة الانفرادية، رغم صعوبتها وعذابها. وفي شهادة أخرى يقول سامر: "كنت أحياناً أتنازل عن فرصة الخروج لشرب الماء فقط لأستلقي وحدي لبضع دقائق." كما يصف فرانكل أهميّة لحظات نادرة من العزلة، حصل عليها في ركن قريب من سياج الأسلاك الشائكة المكهربة المحيطة بالمعسكر، بجانب نصف دزينة من أجساد الموتى!
فضمن هذا الإطار، لا يعود الانتماء أو الاغتراب حالتين ثابتتين، بل مفاوضات متغيرة تتشكل من خلال شروط الفضاء ذاته، وهو ما يمكن قراءته بوصفه حالة من (اللا)انتماء المكاني. إذ لا ينتج القرب بالضرورة انتماء، ولا ينتج البعد اغتراباً، بل يمكن أن يتولّد كلاهما من الشروط المكانية نفسها.
على مستوى المدينة كامتداد
تكشف هذه الشهادات أيضاً أن تجربة السجن لا تنتهي عند حدوده، بل تمتد إلى ما بعده وبشكل معكوس.
بعد السجن، ينقلب الاغتراب إلى شكلٍ آخر: اغترابٍ عن هذا العالم. ففي بالخلاص يا شباب، يصف ياسين الحاج صالح حالة الفرد بعد الخروج: "إنه الآن (خارج المكان)، على قول إدوارد سعيد، غريب، منعدم الوزن، لا يستطيع تعريف نفسه ووضعه، وتحديد موقعه واتجاهه." وتبلغ هذه الحالة حدّها الأقصى في القوقعة، حيث تتحول تحوّل قوقعته النفسية إلى قطيعة حادة مع نسميه "العالم الحر". يكتب مصطفى خليفة:
"تزداد سماكة وقساوة قوقعتي الثانية التي أجلس فيها... الآن... لا يمتلكني أي فضول للتلصص على أي كان!
أحاول أن أغلق أصغر ثقب فيها، لا أريد أن أنظر إلى الخارج، أغلق ثقوبها لأحوّل نظري بالكامل إلى الداخل.
إليّ أنا... إلى ذاتي... وأتلصص"
تقدّم هذه التجارب نموذجاً مكثّفاً لما يمكن أن يحدث في المدينة، وكذلك في الفضاءات العامة والرقمية، عندما تتحول حالات الانضغاط، والمشاركة، والمرئية، والانكشاف إلى منطق شامل. عندها قد تُنتج المدنية تقاربات قسرية مشابهة لما يحدث في الفضاءات السجنية: في وسائل النقل، في الأحياء المكتظة، في المساحات العامة، وحتى في الفضاءات الرقمية التي توازيها. حيث تتكثف الأجساد، وتتقاطع الحيوات، وتُختزل المسافات.
مولّدة إحساساً متزايداً بالانكشاف، ورغبة في الانسحاب، وتفككاً تدريجياً في الحدود بين الذوات. فكما في الفضاء السجني، حيث يتحول الآخر إلى جزء من المجال المباشر للجسد، يمكن للمدينة أن تدفع نحو أشكال من التداخل المفرط، حيث لا تعود المسافة كافية لإنتاج الذات، بل يصبح القرب نفسه عاملاً في تآكلها.
ويمتد هذا المنطق أيضاً إلى الفضاءات الرقمية التي باتت تشكّل امتداداً يومياً للمدينة، حيث تتوسع النزعة نحو تقليص المسافات، وزيادة الكثافة، وتعظيم المشاركة، حتى الحد الذي أصبحت فيه هذه الشروط نفسها مولداً لنزعات معاكسة في الدعوات إلى الفردانية، والبحث عن العزلة، والحنين إلى الطبيعة والريف، والعمل عن بُعد، والعيش في مساحات أقل كثافة، بل وحتى في الرغبة بالانفصال المؤقت عن الفضاءات الرقمية، وكأنها محاولات لاستعادة حد أدنى من المسافة داخل عالم يتجه باستمرار نحو إلغائها.
إذاً، تدعونا هذه التجارب السجنية إلى إعادة قراءة نظرياتنا التخطيطية ومنطقنا التحليلي في فهم الفضاءات الحضرية، حتى لا نكتشف يوماً -حين لا يعود للاكتشاف معنى- أن جهودنا نحو الترابط الاجتماعي، وتنظيم فضاءاتنا التي تدفع الحشود إلى التجمّع والتزامن والحركة معاً، قد ولّدت في داخلنا اغتراباً أكثر مما ولّدت انتماءً.
وأننا، في سعينا نحو القرب والمرئية والتبادل، قد حصرنا أنفسنا ضمن أشكال من التشارك تمحو الإحساس بالذات الذي كان يُفترض أن تحافظ عليه.
المراجع:
