لن يجدوا سوى الرمال: إيال وايزمان عن الخط الأصفر وتدمير غزة (ترجمة)

A concrete block marks the "Yellow Line" drawn by the Israeli military in Bureij, in the central Gaza Strip, on Nov. 4. BASHAR TALEB/AFP VIA GETTY IMAGES. Modified.

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

تكشف خطط الإعمار المفروضة، التي تهدف ضمنياً إلى تدمير الحياة الفلسطينية، سبب إدراج رافائيل ليمكين للعمارة ضمن مفهومه للإبادة. فقد أدرك أن تنظيم الفضاء يعكس تاريخ المجتمع وبنيته. وكتب في كتابه «حكم المحور في أوروبا المحتلة» أن «للإبادة مرحلتين»: الأولى هي «تدمير النمط الوطني للجماعة المضطهدة»،

للكاتب/ة

وقد تحقق ذلك في غزة عبر القصف؛ والثانية هي فرض تصميم جديد من قبل المُضطهِد، كما في خطط الإعمار هذه، سواء على السكان الذين يُسمح لهم بالبقاء، أو على الأرض بعد تهجيرهم وإعادة توطينها.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

14/04/2026

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

نشرت في مجلة "لندن ريفيو"، في المجلد 48، العدد 7 · 23 نيسان 2026

تسرد اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 خمسة أفعال تُعدّ إبادة جماعية إذا ارتُكبت بقصد تدمير جماعة ما كلياً أو جزئياً. يتعلق الأولان بالقتل الجماعي وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم. أما الرابع والخامس فيتعلقان بقطع الاستمرارية البيولوجية لجماعة ما. ويحظر البند الثالث، كما ورد في المادة الثانية (ج)، «إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يُقصد بها تدميرها المادي». يشير هذا إلى أشكال غير مباشرة من القتل، تلك التي لا تستهدف الأجساد البشرية مباشرة بل البيئة التي تتيح استمرارها. وتتطلب «ظروف المعيشة» الكافية وجود مبانٍ ومستشفيات وبنى اجتماعية وشبكات صرف صحي ومياه وشبكات كهرباء وزراعة. إن التدمير المتعمد لهذه البنى أو إضعافها يقوّض قدرة الناس على البقاء، ما يؤدي إلى شكل أبطأ وأكثر قسوة من الإبادة.

إن فكرة أن البيئة المبنية تحدد شروط حياة الجماعة تستحضر المفهوم الحداثي للعمارة، الذي كان سائداً حين صيغ مصطلح «الإبادة الجماعية» لأول مرة وعرّفه القانوني البولندي اليهودي رافائيل ليمكين في كتابه «حكم المحور في أوروبا المحتلة» عام 1944. فقد سعت العمارة الحديثة إلى حساب شروط الحياة وتحسينها. كان يُفترض أن تُخطط المدن وفق مبادئ الصحة العامة، وأن تكون المنازل، بحسب تعريف لو كوربوزييه الشهير، «آلات للعيش»، مضبوطة لتعظيم توفير الضرورات البيولوجية مثل الحرارة والنظافة وتدوير الهواء والغذاء وحتى التكاثر.

ولا يزال كتاب «بيانات المعماريين» (1936) للمعماري الألماني الحداثي إرنست نويفرت مستخدماً من قبل المعماريين الباحثين عن الأبعاد الأكثر كفاءة للمطابخ أو غرف النوم أو حتى مقاعد الحدائق. في عشرينيات القرن الماضي كان نويفرت مساعداً لـ فالتر غروبيوس مدير مدرسة الباوهاوس. لاحقاً، وباسم الحزب النازي، أشرف على توحيد معايير صناعة البناء في ألمانيا، التي كانت تعتمد إلى حد كبير على العمل القسري. كما صمّم عدد من خريجي الباوهاوس معسكرات الاعتقال. وهكذا قلب التدهور المتعمد لظروف الحياة مهمة العمارة الحديثة من تعزيز الحياة إلى إنتاج الموت.

عرّف ليمكين الإبادة الجماعية بأنها تستهدف «تدمير الأسس الجوهرية لحياة الجماعات القومية». كان يفكر في الطريقة التي رأى بها النازيون الأحياء اليهودية ومعسكرات العمل القسري كوسائل إبادة بطيئة وغير مباشرة. لكنه كان مدركاً أيضاً للأصول الاستعمارية لهذا النمط من التدمير. فعلى الرغم من وقوع مذابح مباشرة في الأراضي المستعمَرة في كل مكان، فإن القتل البطيء وغير المباشر كان غالباً الوسيلة المستخدمة لإبادة الشعوب الأصلية. إذ جرى تجريدهم من مواطنهم التاريخية، وفصلهم عن الأراضي التي يعتمدون عليها في معيشتهم وطقوسهم، وإجبارهم على العيش في محميات، ما أدى إلى تدميرهم لإفساح المجال أمام الاستيطان الأوروبي.

بعد عامين ونصف من 7 تشرين الأول 2023، دُمّر معظم قطاع غزة، بما في ذلك المدن ومخيمات اللاجئين والمدارس والجامعات والمساجد والبنية الصحية والزراعة والآبار وحتى التربة نفسها، وجُعل ساماً بفعل القنابل والمدفعية وقذائف الدبابات ووحدات الهندسة العسكرية. وكان التدمير الأكثر منهجية بفعل جرافات D9 التي تصنعها شركة Caterpillar الأميركية. غرست هذه الآلات المدرعة الضخمة شفراتها في الأرض، فحرثت الحقول واقتلعت البساتين وسوّت المنازل بالأرض ومزّقت الطرق واجتاحت المقابر. اندفعت موجة الدمار من أطراف غزة نحو الداخل، دافعة الفلسطينيين إلى جيوب أطلق عليها الجيش الإسرائيلي «مناطق آمنة» و«مناطق إنسانية»، لكنها لم تكن آمنة ولا إنسانية. هذه المواقع الساحلية المكتظة، مثل المواصي، ذات الكثبان الرملية القاحلة، كانت تفتقر إلى السكن والرعاية الصحية والخدمات الأخرى، وكانت تتعرض باستمرار للقصف الجوي والهجمات البرية. حوّلت الجرافات الأراضي الزراعية الخصبة في شرق غزة إلى صحراء رمادية من الإسمنت المسحوق المختلط بتربة صفراء. مُسحت مدن كاملة مثل رفح وبلدات مثل بيت حانون ومخيمات مثل جباليا. وعندما تُقصف المباني أو تُهدم، تطلق بقاياها من البلاستيك والأسلاك والمذيبات ومواد العزل والأسبستوس مواد كيميائية سامة في التربة. كما تخترق بعض القنابل الأرض قبل انفجارها وتطلق معادن ثقيلة مثل اليورانيوم والرصاص والزرنيخ في الأعماق. وكثير من هذه المواد بطيء التحلل وسيؤثر في تركيبة التربة لعقود. لقد تحولت بيئة مأهولة بالحياة إلى ما وصفه الجنرال الإسرائيلي السابق غيورا إيلاند بأنه مكان «لا يمكن لأي إنسان أن يعيش فيه».

كان ليمكين يفهم «ظروف الحياة» على أنها لا تشمل فقط البنية التي تتيح الوجود البيولوجي، بل أيضاً الاستمرارية الاجتماعية والثقافية مثل المباني الدينية والمدارس والمكتبات ومواقع التراث. وفي غزة، دُمّر معظم ذلك أيضاً بشكل منهجي. لم تتضمن اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948 مفهوم «الإبادة الثقافية» الذي رأى ليمكين ضرورة إدراجه، إذ حُذفت أقسام كاملة من الاتفاقية. فقد سعت قوى إمبريالية مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، التي كانت آنذاك تحاول قمع الانتفاضات المناهضة للاستعمار، إلى تعريف الإبادة بطريقة لا تقيّد أنشطتها. كما اعترضت دول استعمار استيطاني مثل أستراليا والولايات المتحدة وكندا، التي دمّرت التراث المادي والثقافة واللغة للشعوب الأصلية. غير أن الحياة الثقافية والبيولوجية ليستا مجالين منفصلين عندما يتعلق الأمر ببقاء الشعوب. ففي غزة أدى التدمير المنهجي للبيئة من حقول ومصادر مياه وقطاع صيد إلى القضاء على قدرة المجتمع على إطعام نفسه. كما أن الهجمات على المدارس والمساجد قلّصت قدرته على التنظيم وتقديم الرعاية المتبادلة للتخفيف من آثار الندرة، ما فاقم المجاعة. إن تدمير أحد المجالين يعزّز الأذى في المجال الآخر.

في 13 تشرين الأول 2023، بعد ستة أيام من هجوم حركة حماس على المستوطنات والقواعد الإسرائيلية المحيطة بغزة، أمرت إسرائيل بإخلاء مدينة غزة، دافعة الفلسطينيين في الشمال نحو الحدود الجنوبية مع مصر. وقد أوضحت وثيقة أعدتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية وسُرّبت إلى مجلة +972 سبب ذلك، إذ أوصت بطرد كامل للفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء المصرية، معتبرة أن ذلك «سيؤدي إلى نتائج استراتيجية إيجابية طويلة الأمد لإسرائيل». وكان تدمير ظروف الحياة يهدف إلى تسريع رحيل سكان غزة. وقد اندفعت أكبر حملة قصف جوي في التاريخ كسجادة من النار من الشمال إلى الجنوب.

كان الطرد الجماعي للفلسطينيين من غزة إلى مصر هدفاً للحكومات الإسرائيلية منذ ديسمبر 1948، حين حاول الجيش لأول مرة وفشل في تطهير هذا الجيب الأخير المتبقي على ساحل فلسطين المتوسطي. حاول مجدداً خلال خمسينيات القرن الماضي، وكثّف جهوده بعد حرب 1967 حين احتلت إسرائيل كلاً من قطاع غزة وصحراء سيناء. أتاح هجوم حركة حماس في 7 تشرين الأول 2023 فرصة جديدة لإسرائيل. جرى الترويج لخطط الطرد من قبل سياسيين إسرائيليين وناطقين إعلاميين. وأكد بنيامين نتنياهو أنه يسعى بنشاط إلى نقل الفلسطينيين خارج غزة. كما بدأ مسؤولون إسرائيليون وبعض المسؤولين الأميركيين في الضغط على مصر لقبول أعداد كبيرة من اللاجئين. ولمدة ثمانية أشهر امتنعت القوات الإسرائيلية عن احتلال المنطقة الحدودية قرب رفح، تاركة منفذاً مفتوحاً نحو مصر.

رفض كثير من الفلسطينيين، الذين يتذكرون عواقب التهجير الجماعي عام 1948، مغادرة منازلهم. وبقوا في أنقاض مدينة غزة رغم القصف ورغم منع المساعدات. وشددت مصر الرقابة على الحدود ورفضت السماح بدخول الفلسطينيين بشكل جماعي، ولم تسمح بالدخول إلا لمن يستطيع دفع مبالغ باهظة. وعندما عجزت إسرائيل عن تحقيق هدفها، سعت بدلاً من ذلك إلى تركيز الفلسطينيين في مساحة تتقلص باستمرار داخل القطاع إلى أن تتوفر فرصة جديدة للتهجير. وخارج هذه المناطق، كان التدمير الشامل يهدف إلى منع عودتهم إلى الأماكن التي طُردوا منها.

كان الدمار أشد ما يكون قرب حدود غزة. يطلق الجيش الإسرائيلي على المنطقة المحاذية لإسرائيل اسم «المنطقة العازلة». وهي منطقة محظورة على الفلسطينيين، تُعرف بالعبرية باسم «منطقة الإبادة»، حيث يُطلق النار على أي فلسطيني يدخلها أو حتى يقترب منها أحياناً فوراً. وشمل الضحايا فلسطينيين، كثير منهم أطفال، حاولوا رؤية ما يمكن إنقاذه من أنقاض منازلهم، أو استعادة مساعدات غذائية أُلقيت جواً، أو ضلوا طريقهم في مشهد بات غريباً عليهم. وكان تسوية كل البنى في المنطقة العازلة يهدف، ضمن أمور أخرى، إلى إزالة أماكن الاختباء وتعريض الفلسطينيين لنيران القناصة. قبل أكتوبر كان عرض هذه المنطقة بين 300 و500 متر. وبعد أسبوعين من الحرب توسّعت إلى كيلومتر واحد. وبحلول ربيع 2025 أصبحت بعرض كيلومترين، ثم ثلاثة كيلومترات، مع تجريف كل ما بداخلها بشكل منهجي. ونظراً لاتساع هذه المنطقة، لم يعد بالإمكان استخدام القناصة في كل مكان، فتم قتل الفلسطينيين عبر طائرات مسيّرة صغيرة مزودة بقاذفات قنابل. في النهار كان من السهل رصد الناس على خلفية أحادية اللون، وفي الليل كانت أجهزة الاستشعار الحرارية في الطائرات تكشف حرارة أجسادهم.

على امتداد التاريخ العسكري، استُخدمت المناطق العازلة مثل منطقة الراين بعد معاهدة فرساي عام 1919، أو الشريط بين الكويت والعراق بعد حرب الخليج عام 1991، أو المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، أو المنطقة الفاصلة بين القبارصة الأتراك واليونانيين، كوسائل للحفاظ على وقف إطلاق النار عبر فصل الجيوش. لكن خلال العقود الثمانية منذ قيام إسرائيل، استُخدمت هذه المناطق بدلاً من ذلك كوسيلة للاحتلال والتهجير والمحو. وبموجب اتفاق الهدنة بين مصر وإسرائيل الذي أنهى حرب 1948، رُسمت المواقع الإسرائيلية المتقدمة على بعد نحو ثلاثة كيلومترات شرق الحدود الحالية لغزة، كما بيّن المؤرخ والخرائطي الفلسطيني سلمان أبو ستة. يمر هذا الخط بقرية المعين، حيث وُلد، والتي طُرد منها مع عائلته في 14 أيار 1948. وسرعان ما أُزيلت هذه القرية وغيرها من القرى الفلسطينية واستُبدلت بمستوطنات زراعية تعاونية كانت من بين المواقع التي هوجمت في 7 تشرين الأول 2023. وسّع المستوطنون الأراضي الإسرائيلية عبر الزراعة، فأزالوا بقايا المنازل والطرق والحقول الفلسطينية. كما حرثوا المقابر لأنها كانت أماكن يعود إليها الفلسطينيون. وتلقّى الجنود والمستوطنون تعليمات بإطلاق النار على أي شخص، مسلحاً كان أم غير مسلح، يعبر إلى تلك المنطقة.

قبل حرب 1967 عرض ملك الأردن الملك حسين بن طلال سراً الاحتفاظ بالضفة الغربية كمنطقة عازلة إذا وعدت إسرائيل بعدم الغزو، إلا أن إسرائيل احتلتها رغم ذلك. وبعد الحرب، وضع القائد العسكري السابق يغآل ألون خطة أمنية دعت إلى ضم شريط في غور الأردن بعرض يتراوح بين عشرة وخمسة عشر كيلومتراً، أي نحو ثلث الضفة الغربية، ليصبح منطقة عازلة شرقية لإسرائيل. وبدأ التطهير العرقي للمجتمعات الزراعية الفلسطينية في المنطقة بعد ذلك بوقت قصير، واستمر بشكل متقطع منذ ذلك الحين. وقد تسارعت عمليات الطرد بشكل كبير منذ أكتوبر 2023، وازدادت أكثر مع بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث شارك الجيش الإسرائيلي في اعتداءات المستوطنين على ما تبقى من المجتمعات الفلسطينية. وكان بتسلئيل سموتريتش، وهو مستوطن في الضفة الغربية، قد وعد في أوائل عام 2025 بأن القرى والمدن الفلسطينية في الضفة «ستصبح شبيهة برفح وخان يونس، وستتحول أيضاً إلى أنقاض غير صالحة للسكن، وسيُجبر سكانها على الهجرة والبحث عن حياة جديدة في بلدان أخرى».

 

"تفكيك الأرض": توثيق لتصميم الإبادة في غزة

 

حدثت عملية مماثلة في شمال البلاد. خلال حرب 1967 احتلت إسرائيل هضبة الجولان بهدف صريح يتمثل في إنشاء منطقة عازلة بين الجيش السوري والمستوطنات الزراعية الإسرائيلية في أعالي وادي الأردن. أُقيمت مستوطنات إضافية في المنطقة المحتلة، وفي عام 1981 أعلنت إسرائيل ضمها رسمياً. في ديسمبر 2024، وبعد سقوط بشار الأسد، وسّع الجيش الإسرائيلي ما سمّاه «منطقة دفاع معقمة» داخل الأراضي السورية، فطرد السكان السوريين، ودمّر مباني عسكرية ومدنية، منها مستشفى الجولان وسينما الأندلس في القنيطرة، وجرف البساتين والغابات والحقول، وكوّم التربة لبناء مواقع عسكرية وخنادق وسواتر ترابية.

كما شمل الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان تهجير 600 ألف لبناني من منطقة عازلة جديدة. قصفت إسرائيل جميع الجسور على نهر الليطاني، على بعد ثلاثين كيلومتراً من الحدود، بهدف عزل المنطقة عن باقي لبنان، وبدأت في تدمير القرى الأقرب إلى الحدود بشكل منهجي. وصرّح يسرائيل كاتس بأن عودة السكان اللبنانيين إلى هذه القرى ستُمنع «إلى أن يتم ضمان أمن وسلامة سكان الشمال»، وهو مطلب مستحيل التحقيق. كما نشرت منظمة استيطانية إسرائيلية خططاً لـ«استيطان جنوب لبنان»، وأصدرت خرائط تمنح القرى اللبنانية أسماء عبرية، وروّجت بشكل استفزازي لبيع قطع أراضٍ.

يمثّل ذلك منطقاً دائرياً في الاستعمار الاستيطاني الصهيوني: تُبنى المستوطنات لتحديد حدود الدولة وحمايتها، لكنها تصبح عرضة للهجوم، فيُنشأ حزام عازل لحمايتها. ثم يُستوطَن هذا الحزام بدوره لتثبيت الحدود الجديدة وحمايتها، ما يستدعي إنشاء منطقة عازلة جديدة. بهذه الطريقة يُنتَج الشعور بالهشاشة ثم يُعاد توظيفه في حلقة تغذية راجعة، وهو ما سمّاه الباحث في دراسات الإبادة أ. ديرك موزس «الأمن الدائم».

على مدى العامين ونصف العام الماضيين، لم تكن غزة مجرد منطقة هدم، بل أيضاً موقع إعادة تشكيل وفق مخطط إسرائيلي. فقد كُوّمت بقايا المباني المدمّرة لتشكّل تضاريس من السواتر الترابية، التي تحوّلت إلى حواجز ومرافق احتجاز ومواقع عسكرية تسيطر منها الدبابات والقناصة على المناطق التي جُمِع فيها الناجون. كان حجم أعمال الحفر هائلاً إلى درجة أن مئتي جرافة إسرائيلية لم تكن كافية، خاصة مع تدمير العديد منها على يد المقاومة الفلسطينية، ما دفع إسرائيل إلى طلب مئتي جرافة إضافية بشكل عاجل. وفي أواخر 2024 أخّرت إدارة جو بايدن تصديرها، ولم تُرسل إلا بعد تولي دونالد ترامب منصبه. وفي هذه الأثناء استعان الجيش الإسرائيلي بمشغلي جرافات من القطاع الخاص، كثير منهم من مستوطني الضفة الغربية.

قال مشغّل جرافة إسرائيلي يُدعى أبراهام زاربيف إنه إذا حاول الفلسطينيون العودة إلى المناطق المدمّرة، فإنهم «سيعودون إلى لا شيء. عشرات آلاف العائلات تُركت بلا وثائق، بلا صور طفولة، بلا بطاقات هوية، ولم يبقَ لها شيء. وإذا عادوا فلن يعرفوا أين كانت بيوتهم. كل ما سيجدونه هو الرمل». وقد رافق محو البيئة المبنية تدمير سجلاتها أيضاً، إذ دُمّرت المخططات البلدية والخرائط التاريخية وسندات الملكية عندما قصفت إسرائيل الأرشيف المركزي لمدينة غزة في نوفمبر 2023.

كتب الشاعر الفلسطيني عمر موسى في ذلك الشهر أن الجيش «غيّر تضاريس القطاع إلى حد لم يعد يُمكن التعرف عليها». ونقل عن صديق قوله: «إذا نجونا من هذه الحرب، فما نقطة اللقاء؟». وكما أدّت إصابات الوجه غير المسبوقة بعد الحرب العالمية الأولى إلى تدمير إحساس الجنود بهويتهم، فإن المكافئ المكاني لذلك هو حالة التيه التي يشعر بها الفلسطينيون عندما يواجهون الأماكن التي كانت منازلهم. وقد ظهر شكل جديد من التعذيب النفسي، حيث أُعيد أسرى فلسطينيون معصوبو الأعين إلى أحيائهم السابقة التي تحولت إلى بحر من الأنقاض. وقال زاربيف: «عندما أزلنا القماش عن أعينهم، كانوا في حالة ضياع تام ولم يفهموا أين هم». وقد اختير زاربيف، وهو أيضاً قاضٍ في محكمة حاخامية، لإشعال شعلة في احتفالات يوم الاستقلال الإسرائيلي.

في ليلة 23 مارس 2025، قتلت القوات الإسرائيلية خمسة عشر من عمال الإغاثة ودفنت جثثهم تحت سواتر ترابية قرب رفح. وكان أسعد النصاصرة، وهو مسعف في الهلال الأحمر الفلسطيني وأحد الناجيين الاثنين من الهجوم، قد خضع للاستجواب والتعذيب داخل حفرة حفرتها الجرافات. وقد روى تجربته لباحثين من مؤسسة «فورينسيك آركيتكتشر»، الذين استخدموا وصفه لمحاولة نمذجة التغييرات في المشهد. وعندما أزيلت العصابة عن عينيه أدرك أن «المكان تغيّر بالكامل. عندما رأيته شعرت بالهستيريا، لم أفهم شيئاً». ومن أجل إعادة بناء الحادثة، تعاون الباحثون مع وحدة تحقيق صوتي مفتوحة المصدر تُدعى «إيرشوت»، قامت بتحليل صوت إطلاق النار المسجّل على هاتف أحد المسعفين القتلى. وأوضح لورنس أبو حمدان، مؤسس «إيرشوت»، أن التدمير غيّر أيضاً المشهد الصوتي جذرياً، إذ إن تسجيلات إطلاق النار في المدن عادة تكشف صدى الصوت من اتجاهات متعددة، بينما لم يبقَ هنا سوى ثلاث جدران صمدت، ما أتاح صدى واضحاً مكّن من إعادة بناء الأحداث عبر بصمتها الصوتية.

في الأسابيع التي تلت المجزرة، جرى تكديس التراب والركام في المنطقة لتشكيل بنى جديدة تحيط بمساحة مفتوحة تحوّلت لاحقاً إلى أحد المجمعات التي تديرها «مؤسسة غزة الإنسانية»، وهي منظمة ممولة من رجال أعمال أميركيين وإسرائيليين، قيل إنها تولّت توزيع المساعدات الغذائية متجاوزة الأمم المتحدة. وقد ركّزت نقاط توزيعها الفلسطينيين الجائعين في أربعة مواقع محددة قرب مواقع عسكرية إسرائيلية، ثلاثة منها قرب الحدود مع مصر. وقُتل المئات على يد جنود إسرائيليين ومرتزقة أميركيين عندما أُجبروا على التنافس للحصول على الحصص الغذائية.

دخل «وقف إطلاق النار» الحالي حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025. وبموجبه قُسمت غزة إلى منطقتين يفصل بينهما خط أصفر يمتد تقريباً على طول حافة المنطقة العازلة، ما أبقى 54 في المئة من القطاع تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. وبحلول ديسمبر، نقلت إسرائيل الخط غرباً بشكل أحادي، لترتفع المساحة الخاضعة لسيطرتها إلى 58 في المئة. وقد وصف إيال زامير هذا الخط بأنه «الحدود الجديدة» لإسرائيل مع غزة.

رُسم هذا الخط على امتداد حافة من الحجر الرملي تمتد موازية للساحل على بعد نحو ثلاثة كيلومترات إلى الداخل. وعلى ارتفاع يقارب سبعين متراً فوق سطح البحر، يتيح هذا الموقع للقوات الإسرائيلية السيطرة على الفلسطينيين الذين أُجبروا على التمركز قرب الساحل. وقد نظّمت هذه الحافة حياة المنطقة منذ العصور القديمة. ففي كل عام تتآكل ملايين الأمتار المكعبة من الغرانيت من الهضبة الإثيوبية لتتحول إلى رمال تحملها مياه النيل إلى البحر المتوسط، حيث تترسب كميات كبيرة منها على الشاطئ الفلسطيني. ومنذ آلاف السنين تحجّرت إحدى هذه الكثبان القديمة لتشكّل هذه الحافة الرملية، التي تعمل كحاجز يمنع انجراف الكثبان الأخرى شرقاً. غرب الحافة يغلب الطابع الرملي، أما شرقها فالتربة خصبة. وعلى مدى أجيال طويلة، كانت معظم حقول القمح والشعير في فلسطين تُزرع على يد القبائل البدوية في سهول بئر السبع الخصبة. وكان هؤلاء المزارعون من بين مئتي ألف فلسطيني طُردوا من أراضيهم وأُجبروا على العيش في جيب ساحلي بين رفح وغزة في الأشهر الأخيرة من عام 1948. وقد بقي شريط من هذه التربة الخصبة، بعرض يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، داخل حدود غزة، وكان في العقود الأخيرة يُعدّ سلة غذاء القطاع. أما اليوم، فقد أصبح كله ضمن الجانب الخاضع لسيطرة إسرائيل من الخط الأصفر.

في مؤسسة Forensic Architecture، جرى تحديد ساتر ترابي جديد أُقيم على امتداد جزء كبير من مسار الخط الأصفر، إضافة إلى سبعة مواقع عسكرية جديدة، أُنشئ أحدها فوق موقع مقبرة. وبالمجمل يوجد 48 موقعاً عسكرياً شرق هذا الخط. وقد صرّح إيال زامير بأنها تشكّل قواعد لانطلاق عمليات توغل إضافية نحو المنطقة الساحلية عند الحاجة. في البداية كانت هذه المواقع مجرد أكوام من التراب والركام ضمن مساحات محاطة بأشكال مختلفة، لكن خلال الأشهر الأخيرة جرى تعبيد الطرق المؤدية إليها، ونُصبت أعمدة كهرباء وأُضيئت الطرق. كما أُقيمت داخلها مبانٍ جاهزة متلاصقة، وأُقيمت أبراج مرتفعة على أطرافها تحمل معدات اتصال ومراقبة. ولم تعد هذه القواعد تبدو ترتيبات مؤقتة كما يدّعي مخطط وقف إطلاق النار الذي طرحه دونالد ترامب، بل أدوات احتلال دائمة. وترتبط الطرق الجديدة بشبكة سيطرة أوسع متصلة بشبكة الطرق والاتصالات الإسرائيلية.

غرب الخط الأصفر تتولى حركة حماس إدارة المنطقة، حيث يعيش الناجون في الأنقاض أو بين خيام ضخمة. وقد أدى برد الشتاء، حيث قد تنخفض الحرارة إلى خمس درجات مئوية، إلى حالات وفاة بسبب انخفاض حرارة الجسم، خصوصاً بين الرضّع. أما الصيف، الذي تصل حرارته إلى أكثر من أربعين درجة، فيقترب سريعاً. وفي صيفيات سابقة اختنق أطفال داخل مساكن مؤقتة من البلاستيك أو بأسقف من صفائح معدنية، إذ لا يُسمح ببناء هياكل دائمة. وتشكّل البرك بيئة لتكاثر البعوض، وتتراكم النفايات، وتجري المياه العادمة في العراء، وتنتشر القوارض في كل مكان. ولا تسمح إسرائيل بدخول المواد الكيميائية والمبيدات التي قد تساعد في معالجة هذه الأوضاع. وعلى الرغم من استعادة بعض الخدمات الطبية جزئياً بفضل جهود الأطباء الفلسطينيين والمنظمات الدولية، فإن النظام الصحي بالكاد يعمل. ونقص الأدوية وسوء النظافة يؤديان إلى تحوّل الإصابات البسيطة إلى التهابات خطيرة. وقد توفي أكثر من 40 في المئة من مرضى غسيل الكلى بسبب غياب العلاج. وقد أُجبر سكان غزة الباقون على العيش في حالة بقاء مجرد، تحت وطأة الجوع والعطش المستمرين، وفي ظل أزيز دائم للطائرات المسيّرة المقاتلة والطائرات الحربية. ومن خلال التحكم في كمية المساعدات التي يُسمح بدخولها، والتي أُوقفت مؤقتاً في مارس بعد بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، تستطيع إسرائيل ضبط شروط الحياة. فهي تريد للفلسطينيين إما الرحيل أو الموت البطيء. ومع ذلك، تُظهر مقاطع الفيديو التي توثق الحياة في غزة استمرار الناس في الطهي على نيران جماعية، وإقامة مدارس مفتوحة، وتقديم رسائل جامعية إلى جامعات لم تعد مبانيها قائمة.

يضغط التيار الاستيطاني بقوة على الحكومة الإسرائيلية لبدء بناء مستوطنات داخل المنطقة العازلة الموسّعة بشكل كبير. وفي ديسمبر قال يسرائيل كاتس إن إسرائيل «لن تغادر غزة أبداً»، وستحوّل المواقع العسكرية إلى ما يُعرف باسم «مواقع نحال»، وهي مصممة لتتحول لاحقاً إلى مستوطنات مدنية. وقد بدأت بعض المستوطنات المحيطة بغزة كمواقع نحال في أوائل خمسينيات القرن الماضي، كما هو حال العديد من مستوطنات الضفة الغربية.

لكن بما أن دونالد ترامب يعارض رسمياً بناء مستوطنات يهودية في غزة، اضطر بنيامين نتنياهو إلى دفع كاتس للتراجع عن تصريحه. واعتمدت الحكومة الإسرائيلية سياسة الغموض، محاولة كسب الوقت عبر تأجيل انسحاب الجيش وتعزيز مواقعه وبناه التحتية شرق الخط الأصفر. أما تحويل هذه المواقع العسكرية إلى مستوطنات مدنية فسيُرجأ إلى حين انصراف انتباه العالم إلى مكان آخر.

وفي الأثناء، تُطرح خطط تطوير خيالية للتغطية على واقع تدمير الحياة الفلسطينية في غزة، التي تحولت إلى ساحة لمضاربي العقارات من السياسيين. ففي 4 فبراير 2025، خلال هدنة استمرت شهرين بعد تنصيب ترامب لولاية ثانية، أعلن الرئيس بشكل مفاجئ أن الولايات المتحدة «ستتولى السيطرة على قطاع غزة». وقال إن غزة تمتلك «موقعاً استثنائياً على البحر، وأفضل طقس»، ويمكن أن تصبح «ريفييرا الشرق الأوسط». وبينما كانت الولايات المتحدة تقلل سابقاً من حجم الدمار، بدأت إدارة ترامب في تضخيمه، لا بدافع إنساني، بل لتبرير مشاريع إعادة تطوير مشروطة بالإخلاء الكامل. ووصفت الإدارة غزة بأنها «منطقة هدم»، معتبرة أن إعادة البناء تتطلب إفراغها من سكانها، مع تشجيع الفلسطينيين في هذه المنطقة الساحلية المحاصرة على الانتقال إلى «مكان جميل» في مكان آخر. وهكذا، يصبح التطوير وسيلة لتحقيق التهجير الذي لم تنجح العمليات العسكرية في فرضه.

سعياً لاستباق خطة «الريفييرا» التي طرحها دونالد ترامب، قدّمت مصر والسعودية والأردن والإمارات مخططاً بديلاً. ولم يكن هذا المخطط بدوره بدافع إنساني، بل صُمّم لضمان بقاء الفلسطينيين داخل القطاع بدلاً من تهجيرهم إلى أراضي تلك الدول. وقد اقترح إنشاء «مدينة خضراء وذكية تعمل بالطاقة المتجددة»، في تصور بدا أنه يسعى لإرضاء الجانب الإسرائيلي. وأُدرجت المنطقة العازلة ضمن المخطط باعتبارها «مساحة خضراء مفتوحة» يُحظر البناء فيها.

في صيف 2025، عرضت مجموعة من رجال الأعمال الإسرائيليين مبادرة أخرى حملت اسم «صندوق إعادة تشكيل غزة وتسريعها اقتصادياً وتحويلها» (GREAT). ومن بين القائمين عليها المستثمر مايكل آيزنبرغ ورائد التكنولوجيا ليران تانكمان، وهم أنفسهم الذين اقترحوا وأشرفوا على «مؤسسة غزة الإنسانية» التي أنشأت نقاط توزيع غذاء ذات طابع عسكري في جنوب القطاع. وقد استكمل مشروع GREAT رؤية «ريفييرا» التي طرحها ترامب، مقترحاً منتجعاً ساحلياً «بمستوى عالمي» ومدناً داخلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. كما تضمّن المخطط «طريقاً مركزياً» يحمل اسم رئيس الإمارات، و«طوقاً» باسم ولي العهد السعودي، ومنطقة صناعية ذكية باسم إيلون ماسك، في محاولة لاستقطاب التمويل. وكان من المفترض أن يُسمح لبعض الفلسطينيين بالبقاء، بينما يُقدَّم لآخرين دعم مالي محدود للانتقال إلى أماكن أخرى.

أتاحت هدنة أكتوبر 2025 فرصة لتحديث هذا المخطط. وقد تشكّل «مجلس السلام» من مجموعة من القادة، بينهم ترامب بصفته رئيساً دائماً، إلى جانب بنيامين نتنياهو، وخافيير ميلي، وفيكتور أوربان، وعبد الله الثاني، ورجب طيب أردوغان. كما كُلّف ماركو روبيو وجاريد كوشنر وتوني بلير وآخرون بتشكيل لجنة للإشراف على التكنوقراط الفلسطينيين الذين سيديرون الشؤون اليومية في غزة. وتقرر إنشاء قوة عسكرية جديدة باسم «قوة الاستقرار الدولية» لتتولى السيطرة الأمنية. وكما قال شوان جبارين، فإن هذا المقترح لا يغيّر سوى اللغة، إذ ستستبدل هذه القوة الجيش الإسرائيلي كسلطة احتلال.

عرض كوشنر الرؤية المعمارية لهذا المجلس في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وقد أضاف مشروع «شروق الشمس» تفاصيل إلى هذا التصور، مقدّماً رسوماً لمئة وثمانين برجاً فاخراً، وخلفها سبع مناطق تطوير حضرية وصناعية تفصلها طرق واسعة تتبع مسارات الطرق العسكرية التي أنشأتها إسرائيل منذ أكتوبر 2023 لتقسيم غزة إلى مناطق قابلة للسيطرة. شرق هذه المناطق تقع المنطقة العازلة، مموّهة كمنطقة زراعية. كما امتد هذا النمط من السيطرة إلى الفضاء الرقمي، إذ طُلب من تانكمان، وهو خريج وحدة 8200 الاستخباراتية، إعداد خطة رقمية شاملة. وشملت الخطة توفير إنترنت سريع مجاني بحلول يوليو، بهدف نقل التفاعلات الاجتماعية والمالية إلى الفضاء الرقمي، ليس لدعم الاقتصاد الفلسطيني بل لإخضاع المعاملات للرقابة الإسرائيلية.

بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، يشكّل الإعمار وسيلة ضغط. فالمشاريع الكبرى تستغرق سنوات، ومع سيطرة إسرائيل على المعابر وكل شحنة إسمنت أو مواد بناء تدخل غزة، يمكنها إبقاء الإعمار مشروعاً دائماً غير مكتمل. وتعكس صورة الأبراج الفاخرة المقامة فوق مقابر جماعية، حيث يُفترض أن آلاف الجثث مدفونة تحت الردم، منطق الإبادة في القرن الحادي والعشرين. وقد عبّر الوزير السابق رون ديرمر عن ذلك بقوله إن ما «لم تحققه الحرب خلال عامين ستحققه قوى السوق». وهكذا يمكن أن يتحقق محو الحياة الفلسطينية بوسائل معمارية.

في يناير، حدّد باحثو Forensic Architecture أعمال بناء في منطقة مساحتها كيلومتر مربع واحد، محاطة بمواقع عسكرية عدة، شرق الخط الأصفر قرب أنقاض رفح. وكشف تسريب لوثيقة عسكرية أميركية أن هذا المشروع هو نموذج أولي لبرنامج «مجتمعات آمنة بديلة»، يهدف إلى إسكان عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يُشترط عليهم التخلي عن حماس، في وحدات سكنية مسبقة الصنع مزودة بالخدمات الأساسية، مع مساجد ومدارس تروّج للتطبيع وفق مناهج الإمارات. ويُظهر نموذج «المجمع الإماراتي» مخيماً جديداً، حيث تُنظم الوحدات السكنية ذات الطابقين على طول شوارع واسعة تسمح بدوريات عسكرية، ويتوسطها متنزه ومسجد منخفض الارتفاع. وهذا، وليس الأبراج الفاخرة، هو الحد الأقصى لما قد يحصل عليه الفلسطينيون. ويخضع الدخول والخروج من هذه المخيمات لنقاط تفتيش مزودة بأنظمة بيومترية، مع عرض لتسهيل الهجرة إلى الخارج لمن يرغب.

تجاهلت كل هذه المبادرات المخططين والمعماريين الفلسطينيين، رغم وجود عدة خطط فلسطينية للإعمار. ومن بينها مبادرة «غزة فينيكس» التي أعدها اتحاد بلديات قطاع غزة بالتعاون مع معماريين فلسطينيين في الداخل والشتات، والتي تقوم على استعادة العلاقات الاجتماعية والمكانية القائمة. وتهدف إلى إعادة بناء الأحياء والمخيمات المدمّرة، مثل رفح وجباليا، منزلاً تلو الآخر، بعد إعادة تثبيت الملكيات. وخلال الإعمار، تُسكن كل عائلة قرب موقع منزلها، مع إشراك المجتمع في العملية.

تكشف خطط الإعمار المفروضة، التي تهدف ضمنياً إلى تدمير الحياة الفلسطينية، سبب إدراج رافائيل ليمكين للعمارة ضمن مفهومه للإبادة. فقد أدرك أن تنظيم الفضاء يعكس تاريخ المجتمع وبنيته. وكتب في كتابه «حكم المحور في أوروبا المحتلة» أن «للإبادة مرحلتين»: الأولى هي «تدمير النمط الوطني للجماعة المضطهدة»، وقد تحقق ذلك في غزة عبر القصف؛ والثانية هي فرض تصميم جديد من قبل المُضطهِد، كما في خطط الإعمار هذه، سواء على السكان الذين يُسمح لهم بالبقاء، أو على الأرض بعد تهجيرهم وإعادة توطينها.

هوامش

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع