بعد نكسة عام 1967، تعمّق التشتت الفلسطيني بصورة غير مسبوقة، وتوزع الفلسطينيون بين الضفة الغربية، والداخل الفلسطيني المحتل، والدول العربية المجاورة مثل الأردن وسوريا ولبنان، إضافة إلى المنافي البعيدة في أوروبا والولايات المتحدة. ولم يكن هذا التشتت جغرافيًا فقط، بل انعكس سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، وأصبح الفن الفلسطيني نفسه مرآة لهذه التجربة، بما تحمله من اقتلاع ومنفى ومحاولات مستمرة لإعادة تشكيل الهوية في أماكن جديدة. وبما أن الفنان الفلسطيني كان جزءًا من هذا الواقع، فقد تأثر إنتاجه الفني بدوره بهذه التحولات، سواء من حيث الموضوعات أو الأساليب أو طبيعة العلاقة بالمكان والهوية.
وبفعل الظروف السياسية التي عاشتها فلسطين بعد النكبة والنكسة، لم يكن من السهل أن تتشكل حركة فنية فلسطينية مستقرة داخل البلاد نفسها. فقد خضعت الأنشطة الثقافية والمعارض الفنية في الأراضي المحتلة لرقابة الاحتلال، إلى جانب غياب المؤسسات الفنية المحلية القادرة على احتضان الفنانين وتنظيم المعارض بصورة مستمرة، الأمر الذي دفع بجزء كبير من النشاط الفني الفلسطيني إلى الانتقال نحو العواصم العربية، حيث بدأت تتشكل شبكات ثقافية وفنية جديدة في عمّان ودمشق وبيروت والكويت.
وفي هذا السياق، لعب اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، الذي تأسس في الكويت بدعم من منظمة التحرير الفلسطينية، دورًا مهمًا في جمع الفنانين الفلسطينيين في الشتات وتنظيم المعارض داخل الوطن العربي وخارجه، بما أسهم في تقديم الفن الفلسطيني كجزء من حركة ثقافية ووطنية معاصرة، وليس بوصفه تجربة فردية معزولة. وبالتوازي مع ذلك، شهدت الساحة الفنية العربية ما يشبه “العودة الجماعية” لفنانين فلسطينيين درسوا الفنون في الخارج، خصوصًا في مصر والعراق وتركيا، لكن كثيرًا منهم لم يتمكنوا من العودة إلى فلسطين بعد تخرجهم، فكانت الأردن واحدة من أهم الوجهات التي استقروا فيها. ومن بين هؤلاء فنانون درسوا في الجامعات المصرية مثل نصر عبد العزيز، كايد عمر، وصالح أبو شندي، إلى جانب خريجي العراق مثل ياسر دويك، عزيز عمورة، ومحمود طه، الذين أسهم حضورهم في إعادة تشكيل المشهد التشكيلي الأردني من خلال حالة من التفاعل والتلاقح بين التجربة الفلسطينية والواقع الفني المحلي.
ومع استقبال الأردن لأعداد كبيرة من الفلسطينيين بعد النكبة ثم النكسة، تحولت عمّان إلى مساحة التقاء للفنانين الفلسطينيين والأردنيين، حيث امتزجت الذاكرة الفلسطينية بالتجارب البصرية المحلية، وبدأت تتشكل حركة فنية مشتركة تجاوزت الحدود الوطنية الضيقة. ويصف الفنان كمال بلاطة هذا المشهد بالإشارة إلى أن الفنانين الفلسطينيين الذين استقروا في الأردن لم يكونوا مجرد مساهمين في تطوير الحركة الفنية المحلية، بل أصبحت مساهماتهم جزءًا أساسيًا من تشكل الحركة التشكيلية الأردنية الحديثة نفسها.

ضمن هذا المشهد، تبرز تجربة نهى بطشون بوصفها واحدة من التجارب التي تكشف كيف انتقلت الذاكرة الفلسطينية إلى الحيز الثقافي والفني في عمّان. تنتمي بطشون إلى عائلة فلسطينية من يافا؛ فوالدها إبراهيم بطشون كان مسؤولًا عن المطبعة في جريدة فلسطين، التي تأسست عام 1911، وعُرف بخلفيته الثقافية الواسعة وإتقانه عدة لغات، من بينها الألمانية والإنجليزية والعثمانية والعربية. وبعد النكبة، وجدت العائلة نفسها، كغيرها من العائلات الفلسطينية، أمام تجربة اقتلاع مفاجئة أعادت تشكيل حياتها بالكامل. انتقل جزء من العائلة إلى عمّان، بينما توزع آخرون بين بيروت وأمريكا، لتصبح فكرة الشتات والتنقل جزءًا من الذاكرة اليومية للعائلة. وفي هذا المناخ، لم يكن الاهتمام بالثقافة والفن منفصلًا عن محاولة الحفاظ على هوية مهددة بالضياع، أو عن الرغبة في بناء حياة جديدة داخل مدينة كانت هي الأخرى تتشكل وتتوسع مع وصول الفلسطينيين إليها.
وتشير بطشون في مقابلتها إلى أن اهتمامها بالفن والثقافة تأثر إلى حد بعيد بوالدها، وبالبيئة الثقافية التي نشأت فيها، فضلًا عن تجارب السفر والاحتكاك بالمؤسسات الثقافية والمتاحف في أوروبا. وفي هذا السياق، أسست عام 1965 مكتب دعاية وإعلان حمل اسم “صوت وصورة”، لم يكن مجرد مشروع تجاري، بل مساحة التقى فيها الفن بالتصميم والعمل الثقافي اليومي. وقد ضم المكتب في بداياته عددًا من الفنانين الفلسطينيين والأردنيين، من بينهم فؤاد ميمي، إسماعيل حزاز، رياض جوهرية، ديانا شمعونكي، وفاروق لمبز، الذين عملوا في تصميم الإعلانات وواجهات المحال التجارية وديكورات الفنادق، إلى جانب الخط العربي والأعمال البصرية والحرفية.
وتوضح بطشون أن “صوت وصورة” لم يتحول مباشرة إلى غاليري، بل استمر كمؤسسة للدعاية والإعلان بالتوازي مع اهتمامها المتزايد بالفن التشكيلي، إلى أن افتتحت رسميًا “ذا غاليري” عام 1972 في جبل عمّان، داخل فندق الإنتركونتيننتال، مدفوعة برغبة في إتاحة مساحة للفنانين الفلسطينيين والأردنيين والعرب للعرض والاستمرار، في وقت كانت فيه المؤسسات الفنية المحلية محدودة. وقد لعبت علاقاتها بالفنانين، التي بدأت من خلال العمل اليومي في “صوت وصورة”، دورًا أساسيًا في تحويل الغاليري إلى فضاء فني نشط احتضن أسماء من أجيال وخلفيات متعددة.

ومن أوائل المعارض الجماعية التي احتضنها الغاليري “معرض الربيع” عام 1972، الذي افتتحته الأميرة منى، وشارك فيه فنانون من بينهم أحمد نعواش، الأميرة وجدان، رفيق اللحام، عزيز عمورة، عفاف عرفات، علي الغول، كرام النمري، محمود صادق، محمود طه، مهنا الدرة، ياسر دويك، ونصر عبد العزيز. كما استضاف الغاليري سلسلة من المعارض الفردية والجماعية التي امتدت لعقود، من بينها معرض نائلة ديب في نيسان 1975، ومعرض محمود صادق وماري عبود في 26 أيار من العام نفسه، ومعرض ديانا شمعونكي عام 1978 برعاية معهد غوته، إضافة إلى معرض “الجيل الجديد” الذي ضم يوسف حسين، عمر حمدان، ونبيل سليم عام 1974، ومعرض سامية الزرو عام 1988، ومعرض جماعي ضم ريما فرح وديانا شمعونكي وسها النورسي في العام نفسه، إلى جانب معرض أحمد إسماعيل عام 1989، ومعرض الصور التاريخية لمدن القدس ويافا والبتراء وجرش عام 1996، ومعرض رمزي السيد وباولا ويليام عام 1998.
كما استضاف الغاليري معارض لفنانين مثل حفيظ قسيس، يوسف الحسيني، نبيل سالم، انتصار قدورة، كايد عمر، نبيلة حلمي، وغيرهم، إلى جانب فنانين عرب وأجانب، الأمر الذي جعل “ذا غاليري” مساحة تداخل بصري وثقافي بين فلسطين والأردن والعالم العربي.
وتكشف تجربة “ذا غاليري” كيف تحولت عمّان إلى مركز تفاعل فني عربي احتضن الفنان الفلسطيني ومنحه مساحة للاستمرار والإنتاج والعرض، في وقت كانت فيه الجغرافيا الفلسطينية تعيش حالة من التمزق والانقسام. كما يظهر من خلال أرشيف الغاليري أن الفن الفلسطيني لم يكن معزولًا عن محيطه العربي، بل تشكل داخل شبكة واسعة من العلاقات الفنية والثقافية التي جمعت فنانين من فلسطين والأردن وسوريا ولبنان ومصر ضمن مشهد بصري مشترك.

