بين قسوة الأرض وخفة السماء: غزة في لوحات خالد حوراني

خالد حوراني في معرضه.

تالا حلاوة

كاتبة من فلسطين

وفي لوحاته الأخرى تعود صورة النكبة، لكن بطريقةٍ أعنف وأكثر فظاعةً من النكبة الأولى على حد تعبيره: "لا قانون دولي يحمي اللاجئين، ولا أحد يتابع قضاياهم. حربٌ استثنائية جرت وسط المدنيين، في واحدةٍ من أكثر بقاع الأرض كثافة بالسكان،

للكاتب/ة

وإلى جانب الغيمة، يقترح حوراني في سلسلة "الخطّ الأصفر" رمزاً جديداً أشدّ قسوة: مكعّباتٌ صفراء تمتدّ كأنها تبتلع الأرض وتعيد رسم جغرافيا الفقدان والتهجير، في إشارةٍ إلى ذلك الخطّ الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، أداة محوٍ أخرى تُضاف إلى الأرض.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

02/08/2026

تصوير: اسماء الغول

تالا حلاوة

كاتبة من فلسطين

تالا حلاوة

صحفية ومدرّبة إعلامية بخبرة تزيد عن ١٥ عاماً في القيادة التحريرية وإنتاج المحتوى متعدد المنصات (رقمي، صوتي، مرئي). شغلت منصب مديرة الإنتاج سابقاً في "صوت بودكاستس"، حيث صممت وأشرفت على عشرات البرامج. عملت مع مؤسسات دولية كـ بي بي سي والجزيرة، وتكتب حالياً لـ العربي الجديد وضفة ثالثة، بالإضافة إلى مساهماتها البحثية مع جامعتي شيفيلد وبيرزيت.

رغم خفّتها، تحمل الغيمة شاهد قبرٍ وحزناً مهولاً وفقداً، والشهيد المكفّن بغطاء خيمةٍ أزرق يبقى عالقاً ما بين السماء والأرض، وتلك الطائرة الورقية الملوّنة تحاول الاحتفاء بالحياة، لكن في ظلّها طائرة حربية تحوّل كلّ لحظة إنسانية إلى التقاطةٍ مؤلمة للإنسان والمكان والتاريخ.

كلّ هذه اللحظات وغيرها اتّخذها الفنان الفلسطيني خالد حوراني (61 عاماً) انطلاقةً للوحاته التي تحاكي معاناة الإنسان الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه والإبادة المستمرة في قطاع غزة، وفي القدس والضفة الغربية، فتحمله بعيداً عن قسوة الأرض، على أمل أن يجد في السماء خفّةً وعدالة.

"إن الأمل والحلم أداتان أساسيتان للعيش وليستا زوائد، الأمل والحلم يجعلان الإنسان قادراً على الاستمرار"، يقول حوراني لمجلة "رمّان".

اعتكف حوراني طيلة سنوات الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة منذ العام 2023. كما الكثير من الفنانين الفلسطينيين، عاش مع أسئلة الجدوى والصدمة من فظاعة جرائم الاحتلال فتوقف عن الإنتاج الفني بوتيرته المعتادة، لكنّه عاد بعد هذا الغياب في معرضه "1030+" الذي افتُتح في جاليري زاوية بمدينة رام الله المحتلة يوم أمس، ويستمرّ حتى الأول من تشرين الأول 2026، بأعمالٍ بخاماتٍ مختلفة، فيما يصفه بـ"مقدّمةٍ لاستيعاب" ما مرّ ويمرّ به الفلسطينيون من إبادة ونزع للإنسانية بأبسط مقوّماتها. "الحياة أهمّ من الفن ومن الفنان. الوطن من أجل الناس، فلماذا يُدمَّر الناس؟"، يشاركنا حوراني أبرز تساؤلاته في ظلّ الواقع الأليم الذي يعيشه الفلسطينيون في كل مكان.

هذا التخبّط قاده في سنوات الإبادة إلى شكٍّ عميق في جدوى الفن نفسه، جفّت ألوانه، ولم يعد يرى معنى لما يصنع أمام مجزرةٍ تُبثّ على الهواء مباشرة. حين سُئل عمّا سيتغيّر في الفن بعد كل هذا، كان جوابه الصمت، لم يكن لديه ما يقوله. ثم عاد للرسم، ولا يعرف تماماً من أين جاءه الأمل: "لو كان عندي ما أكتبه لكتبت... الرسم وسيلةٌ لخلق عالمٍ آخر، عالمٍ بديل".

لا يخفي حوراني تخبّط الأفكار في رأسه حول واقع الفلسطينيين في هذه المرحلة القاسية: "أكبر سؤالٍ في رأسي: كيف استطاعت إسرائيل أن تفعل بنا ما فعلت؟ أشعر بالغضب والحسرة والعجز، وهذا ينعكس على اللوحات. الفنّ مرتبطٌ بالسياسة، ومرتبطٌ بالحياة، وبالنسبة لي، حتى لو رسمت وردة فإن الفن سياسة، لكن دون بروباغندا أو شعارات"، يعقّب حوراني.

كما لا يزعم حوراني أنه يتحدّث باسم غزة، لكنه يقرّ بقربه وجدانياً منها: "أعتبر نفسي من غزّة، أهلي، أختي، أولاد أختي، وأصدقاء كثر في غزة حتى الآن لا أستطيع التحدّث معهم، أشعر أن لا منطق في الكلام…" ومن هذا الصمت الطويل تحديداً بدأت تنمو لوحات المعرض؛ فمع مطلع هذا العام تحوّلت عودته إلى فعلٍ ملموس: اختار صوراً من الحرب توثّق معاناة الناس، وأعاد إنتاجها بالتركيز على الإنسان والاستغناء عن بعض التفاصيل المكانية المتعلّقة بالجمادات، فيتوقّف عند مخلفات الإبادة المتواصلة من خرابٍ طال الإنسان في غزة، ويمنح مساحةً لمن رحلوا وهم يحملون حكاياتهم وتفاصيل عيشهم وأحلاماً بقيت ناقصة.

أمّا عنوان المعرض فيؤرّخ لزمن الإبادة الممتدّ منذ أن بدأت المجازر والدمار وحتى اللحظة الراهنة. ويقول حوراني عن أعماله إنها "ليست عن الحرب أو الحياة بوصفهما أحداثًا، بل عن الإنسان بعد أن تتوارى الأحداث -إن توارت- وعن وجوده المعلّق بين الأرض والسماء، حيث يبقى الجسد شاهدًا." وفي عنوان المعرض حذف كلمة "يوم" بشكل مقصود، شارحاً: "ألف وثلاثون يوماً تهزّ عالماً بأكمله، حذفت كلمة يوم حتى نتساءل: هل هي ألف وثلاثون سنة؟ الأرقام في هذه الحرب مهولةٌ في كل شيء، من حيث أعداد الضحايا وهدم البيوت. تعاطينا هذا الألم على جرعات، وهذا أشدّ إرهاقاً لإنسانيتنا ووجودنا".

خاص، رمان.

جوهر الأعمال الفنية هو الناس والأطفال والوجوه. تستوقف حوراني الحركة فيرصدها بعناية، فهذا يحمل أكياس الطحين أو الطعام أو ما تبقّى من متاعه، وأبٌ يضمّ صغيره بحنوّ، وأسرٌ تنزح من مكانٍ إلى آخر، ونساءٌ أنهكهنّ الترحال الطويل فتراهن كأنهنّ يتأرجحن فوق الغيم بين حياةٍ وموت. "يهدف الفن للتأمل، لا أسعى لابتزاز الجمهور بزيادة حزنه، كل ما أسعى إليه هو إثارة الأسئلة، فأنا لا أمتلك الإجابات، قد يرى البعض أن لجوئي للغيوم هروباً، وقد يراه البعض سريالية، وقد يراه آخرون نوعاً من الإيمان، كل شخص يقف أمام لوحة يعيد إنتاجها بطريقته بناء على العوامل النفسية والاجتماعية والفكرية الخاصة به"، يقول حوراني.

كما يخبرنا أن الغيم يشغله منذ زمن، ويراه حاضراً في كل ما يتعلق بالسماء والشمس، واصفاً نظرته إليه بالرومانسية التي قد تحوّله إلى ملاذ، "وإن كان ملاذاً مؤقتاً"، يضيف مستدركاً. ينظر إلى إحدى لوحاته ويصف: "يمنحنا هذا الملاذ فرصة أن نرى زوايا أخرى من الحياة تختلف عمّا يقدّمه الواقع الأليم. خاصةً في موروثنا الشعبي، حيث نفترض أن أرواح الموتى تصعد إلى السماء. شعرت أنه من الممكن إزالة بعض العناصر من الأرض وإرسالها إلى السماء، وذلك للتخفيف من قسوة المشهد".

لكن الغيمة عند حوراني ليست هروباً بقدر ما هي المكان الوحيد الذي يملك زمامه. يشرح: "كل شيءٍ نعيشه يتحكّمُ فيه الآخرون، إلا اللوحة، فأنت تقرّر فيها. هذا العالم أنت تدخله من نافذةٍ أو باب، وأنت تحدد ما فيه". وإن كان هذا فقدان السلطة عامّاً في تجربة الإنسان، فإنه عند الفلسطيني أشدّ وطأةً: "نحن الفلسطينيون نشعر وكأننا خارج الدائرة؛ الشأن الفلسطيني يقرّر فيه كل العالم إلا الفلسطينيين أنفسهم للأسف".

خاص، رمان.

يصمت حوراني قليلاً، واصفاً نفسه بأنه يعبّر بالرسم أكثر من الكلام، حيث نال الأطفال النصيب الأكبر من التقاطاته: "في كل الحروب الأطفال محايدون تماماً، لا مسؤولية عليهم ولا سبب لأن يكونوا ضحايا، فتتمنى لو استطعت أن تخبّئهم في مكانٍ ما، ليعودوا بعد أن تصمت المدافع. لكن للأسف هذه أمنية فحسب".

وإلى جانب الغيمة، يقترح حوراني في سلسلة "الخطّ الأصفر" رمزاً جديداً أشدّ قسوة: مكعّباتٌ صفراء تمتدّ كأنها تبتلع الأرض وتعيد رسم جغرافيا الفقدان والتهجير، في إشارةٍ إلى ذلك الخطّ الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، أداة محوٍ أخرى تُضاف إلى الأرض.

وفي لوحاته الأخرى تعود صورة النكبة، لكن بطريقةٍ أعنف وأكثر فظاعةً من النكبة الأولى على حد تعبيره: "لا قانون دولي يحمي اللاجئين، ولا أحد يتابع قضاياهم. حربٌ استثنائية جرت وسط المدنيين، في واحدةٍ من أكثر بقاع الأرض كثافة بالسكان، حربٌ على المدنيين في غرفة النوم وعلى فراش الأطفال مباشرة"، ويختم: "لا تكفي كل أفلام العالم ولا أدبه ولا شعره للتعبير عن رجفةٍ لطفلٍ في مستشفى".

خاص، رمان.
خاص، رمان.
خاص، رمان.
الكاتب: تالا حلاوة

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع