صفاء عودة: الكاريكاتير الفلسطيني وتوثيق الحرب

تالا حلاوة

كاتبة من فلسطين

"لم أكن أتوقع، ولو بنسبة واحد بالمئة، أنني سأصبح رسامة يوماً ما، ولكن يبدو أن الموهبة كانت كامنة بداخلي ولم أكن قد اكتشفتها بعد. ومع مرور الأيام، وتحديداً عام 2009، أدركتُ أنني أمتلك هذه الموهبة، ومع الوقت تأكدتُ أن هويتي الفنية الحقيقية تكمن في الرسم الكاريكاتيري.

للكاتب/ة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

25/01/2026

تصوير: اسماء الغول

تالا حلاوة

كاتبة من فلسطين

تالا حلاوة

صحفية ومدرّبة إعلامية بخبرة تزيد عن ١٥ عاماً في القيادة التحريرية وإنتاج المحتوى متعدد المنصات (رقمي، صوتي، مرئي). شغلت منصب مديرة الإنتاج سابقاً في "صوت بودكاستس"، حيث صممت وأشرفت على عشرات البرامج. عملت مع مؤسسات دولية كـ بي بي سي والجزيرة، وتكتب حالياً لـ العربي الجديد وضفة ثالثة، بالإضافة إلى مساهماتها البحثية مع جامعتي شيفيلد وبيرزيت.

حصدت الفنانة الفلسطينية صفاء عودة جائزة "أفضل عمل منفرد" (Best One-Shot) عن رسومها الكاريكاتيرية ضمن الجوائز السنوية لمجلة بروكين فرونتير (Broken Frontier) البريطانية، والتي تُعد منصة عالمية رائدة لمجتمع فنون القصص المصورة (Comics) منذ عام 2002. ويأتي هذا التكريم تتويجاً لسلسلة من النجاحات الدولية التي حققتها عودة (مواليد رفح، 1984) عن كتابها "صفاء والخيمة"، الذي يوثق شهادة بصرية حية ليوميات النزوح والحرب في غزة منذ عام 2023.

أطلقت عودة كتابها الأول عام 2025 بدعم من "مهرجان ليكس الدولي لفن الكوميك" في بريطانيا بالتعاون مع رسام الكاريكاتير الفلسطيني محمد سباعنة، وهو عمل يضم لوحاتها التي توثق سنوات الحرب (2023-2024). تلا ذلك إصدار طبعة إيطالية موسعة من الكتاب مع دار النشر الإيطالية العريقة "فاندانغو ليبري" (Fandango Libri)، تضمنت توثيقاً ليوميات الحرب حتى عام 2025.

وفي خطوة لتعزيز عالمية الرسالة، أعلنت عودة مع نهاية العام المنصرم عن توقيع عقد لنشر نسخة مخصصة لمنطقة جنوب آسيا من كتابها مع دار "يودا برس" (Yoda Press) في الهند، وهي دار نشر مرموقة تُعرف باستقلاليتها وجرأتها في تبني قضايا العدالة الاجتماعية، ودعم الأدب البديل والواقعي الذي يمنح صوتاً للفئات المهمشة.

نضوج التجربة

تعتبر عودة "صفاء والخيمة" ثمرة جهود دؤوبة استمرت لأكثر من عامين، نضجت خلالها تجربتها الفنية تحت وطأة الألم والنزوح. وبالرغم من مشاعر القلق والتوتر التي لا تزال تلازمها، إلا أنها تعتز بقدرة فنها على الانبعاث من قلب الظروف القاسية، مؤكدة أن وصول هذه الأعمال إلى المنصات العالمية هو استحقاق وتتويج لجهد استثنائي بذلته في توثيق الحقيقة.

"لا يمكنكم تخيل الظروف التي رسمتُ خلالها، اعتدت الرسم وأنا في حالة رعب، أو أحياناً أهرب بأعمالي إلى مكان أشعر فيه بقليل من الأمان. رسمتُ تحت القصف وأصوات الرصاص، ورسمتُ وأنا في غاية الجوع خلال فترة المجاعة. الكثير من الأعمال رسمتها وأنا أحاول حمايتها من المطر داخل الخيمة. لهذه الأعمال قيمة كبيرة جداً بالنسبة لي، لأنني كلما نظرت إليها أو استرجعت الأوراق، أتذكر الوجع المرتبط بكل لوحة"، تخبرنا عودة. 

تشير عودة إلى أن الرسم بالنسبة لها ليس مجرد وسيلة للنجاة النفسية، فبالرغم من أنه يخفف توترها حين تنقل ما يزعجها إلى اللوحة على حد تعبيرها، إلا أنها ترى دوره في المقام الأول أن يكون وسيلة لنقل الواقع المرير الذي يعيشه الفلسطينيون للعالم. "حاولتُ قدر المستطاع أن أكون ابنة وفية لمجتمعي من خلال رسوماتي. بذلتُ كل طاقتي لتسليط الضوء على الأزمات التي تعرضنا لها، وحاولتُ جاهدة أن أصرخ عبر ريشتي ليطّلع العالم على حجم الظلم والإبادة التي واجهناها"، تقول عودة. 

كما ترى عودة أن الفن يرصد ويوثق الحرب بشكل مختلف عن أدوات التوثيق الأخرى كالصحافة مثلاً.  مشيرة إلى أنها كفنانة تعيش الأزمة بكل تفاصيلها قادرة على نقل رسائل قد لا تستطيع الصحافة الوصول إليها. "أنا لا أزال أعيش في الخيمة، وتناولتُ في رسوماتي كل الأزمات: النزوح، قلة المياه، المجاعة، وانقطاع الكهرباء. أعمالي تأخذ العالم إلى داخل الخيمة ليروا ما نمر به من ألم. طالما أنني أعيش في الخيمة، وأسمع صوت الرصاص والانفجارات، فإن الحرب بالنسبة لي لم تنتهِ بعد".

 

 

الموهبة حين تفرض نفسها

خرجت موهبة عودة إلى النور عقب إتمامها مرحلة البكالوريوس، ورغم أنها تعتبر هذا الاكتشاف جاء في مرحلة متقدمة، إلا أنها تؤكد بأنه "لم يكن محض صدفة"، فقد اعتادت الجلوس لساعات طويلة تتابع أعمال الكاريكاتير، لا بدافع التخطيط لامتهان الرسم، بل سعياً لشغفها الصادق تجاه هذا الفن .وقد لعبت خلفيتها الأكاديمية في علم النفس دوراً محورياً في مسيرتها، إذ منحها هذا التخصص وعياً وإدراكاً عميقاً للدوافع الكامنة وراء الظواهر والأحداث، مما مكّنها من تجسيد الواقع بدقة أكبر في رسوماتها، على حد تعبيرها، خاصة مع تركيز أعمالها على القضايا الاجتماعية والإنسانية الجوهرية.

"لم أكن أتوقع، ولو بنسبة واحد بالمئة، أنني سأصبح رسامة يوماً ما، ولكن يبدو أن الموهبة كانت كامنة بداخلي ولم أكن قد اكتشفتها بعد. ومع مرور الأيام، وتحديداً عام 2009، أدركتُ أنني أمتلك هذه الموهبة، ومع الوقت تأكدتُ أن هويتي الفنية الحقيقية تكمن في الرسم الكاريكاتيري. يمكننا القول إن الموهبة هي التي فرضت نفسها"، تقول عودة لمجلة "رمان". 

تؤمن عودة بأن التميز في فن الكاريكاتير يكمن في امتلاك أسلوبٍ خاص يمنح الفنان هوية بصرية تُعرف حتى قبل رؤية توقيعه. وبعد رحلة طويلة من البحث عن بصمتها الخاصة، استقرت على "الأسلوب البسيط"، بسبب انحيازها الدائم للبساطة في الرسم، وتحرص على أن تكون الأفكار والرسائل والشخصيات التي تقدمها عفوية وغير متكلفة.

 

الكاتب: تالا حلاوة

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع