كتبها ألكساندر رودي ونشرت في "ليت هب" في ٢/٨/٢٠٢٤.
قلة من الكُتّاب يمكن اعتبارهم حاضرين بقوة بعد عقود من وفاتهم كما هو الحال مع جيمس بالدوين. الكاتب المولود في حي هارلم غالبًا ما اعتُبر سابقًا لعصره، شخصية تمكنت من تجاوز الضجيج المحيط بقضايا العرق والهوية والعدالة الاجتماعية، ووفرت إطارًا للتساؤل حول السياسة والسلطة. هذا العام، في الثاني من أغسطس، كان بالدوين سيحتفل بعيد ميلاده المئة. توفي في ديسمبر 1987 في منزله في سان-بول-دو-فانس بجنوب فرنسا عن عمر يناهز 63 عامًا، تاركًا إرثًا من الفن والنشاط والحب يتدفق عبر أعماله.
في حين أن بالدوين كان معروفًا على نطاق واسع كأحد الأصوات البارزة في حركة الحقوق المدنية، إذ سار جنبًا إلى جنب مع مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ الابن، إلا أن حقيقة أقل شهرة عنه هي تضامنه الدائم مع فلسطين، وكيف رأى تشابهاً قوياً بين حركات التحرر السوداء والفلسطينية، موحدة في كفاحها ضد القمع والإمبريالية.
في مقال مثير للجدل نُشر عام 1979 في مجلة The Nation، كتب بالدوين:
"لكن دولة إسرائيل لم تُنشأ لإنقاذ اليهود؛ بل أُنشئت لإنقاذ المصالح الغربية. هذا ما بدأ يتضح الآن (ويجب أن أقول إنه كان واضحًا لي دومًا). لقد دفع الفلسطينيون ثمن سياسة الاستعمار البريطاني 'فرّق تسُد'، وضمير أوروبا المسيحي المذنب، لأكثر من ثلاثين عامًا."
بدأ بالدوين بالكتابة عن إسرائيل وفلسطين منذ أوائل الستينيات، لكن وجهات نظره تغيّرت جذريًا مع مرور الوقت. ففي مقالاته المبكرة، نادراً ما يُذكر الفلسطينيون. ولكن في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وكما هو حال العديد من المفكرين الأمريكيين السود، أصبح بالدوين ناقدًا لإسرائيل وداعمًا للفلسطينيين.
تقول نادية الأحمد، الباحثة الفلسطينية وأستاذة دراسات أفريقيا والشرق الأوسط في جامعة ديكنسون: "بمجرد أن غيّر بالدوين رأيه بشأن إسرائيل، لم يتوقف عن انتقادها. لقد كان من أوائل الأصوات الأمريكية السوداء الغزيرة الإنتاج التي اعترفت بإسرائيل على حقيقتها".
ورغم أن منفى بالدوين الذاتي في فرنسا وتركيا موثق جيدًا، إلا أنه سافر أيضًا إلى مناطق عديدة في إفريقيا والشرق الأوسط. ففي سبتمبر 1961، دُعي بالدوين من قبل الحكومة الإسرائيلية لزيارة البلاد، التي كانت تسوّق نفسها كملاذ ما بعد العنصرية، لجذب المفكرين الأمريكيين السود الباحثين عن وطن بديل في مواجهة عنصرية بلادهم.
بحسب أبحاث نادية الأحمد في The Shape of the Wrath to Come وكيث فيلدمان في A Shadow over Palestine، فإن بالدوين كان -كحال كثيرين- متفائلًا في البداية بإسرائيل وفكرة وطن لليهود، وهم شعب تعرض للاضطهاد والصدمة.
روى بالدوين في "رسائل من رحلة" أنه عومل في إسرائيل كـ "طرد بريدي ثمين يتم الاعتناء به جيدًا"، وأن "إسرائيل وأنا يبدو أننا نحب بعضنا" في انطباعاته الأولى. زار صحراء النقب، البحر الميت، القدس، تل أبيب، حيفا، وكِيبوتس قرب قطاع غزة.
لكن هذه النظرة الرومانسية لم تدم طويلًا. نشأ بالدوين فقيرًا في هارلم وكان حفيدًا لمستعبَد. تقول الأحمد: "كونه رجلًا لامعًا ونشأ في تلك الظروف، فقد استطاع أن يرى المراقبة ودولة البوليس. رأى بوضوح وحشية الشرطة ضد الفلسطينيين. وقال أيضًا: ‘كلما ذهبنا إلى مكان، كان هناك دائمًا حدود.’ وكان مدركًا تمامًا أن اليهود السود والبُنيّي البشرة في إسرائيل مواطنون من الدرجة الثانية."
بعد حوالي عقد، بدأ بالدوين يتخذ موقفًا علنيًا مناهضًا للصهيونية. ففي مقاله "خذني إلى الماء" عام 1972، شرح سبب رفضه العيش في إسرائيل قائلاً: "لو كنت قد لجأت إلى إسرائيل، الدولة التي أُنشئت لحماية المصالح الغربية، لكنت في مأزق أضيق: في أي جانب من القدس كنت سأقرر أن أعيش؟"
وفي مقابلة عام 1970 مع إيدا لويس، قال بالدوين: "أنا مناهض للصهيونية. لا أعتقد أن لليهود الحق، بعد 3000 عام، أن يستعيدوا الأرض باستخدام القنابل والبنادق الغربية بناءً على أوامر توراتية. عندما كنت في إسرائيل، شعرت وكأنني داخل كتاب «النار القادمة»".
هذه التصريحات، التي كانت محرمة في زمنها، خصوصًا من مفكر شهير، جرّت عليه اتهامات بمعاداة السامية من قبل صهاينة أمريكيين، وتعرض للرقابة في عدة وسائل إعلام. في عام 1971، عقد بالدوين مقارنة مباشرة بين الأمريكيين السود والعرب، قائلًا لمارجريت ميد: "عليك أن تتذكري، مهما بدا هذا الكلام مريرًا، أنني كنت، في أمريكا، العربيَّ في يد اليهود." حينها أوقفت ميد المقابلة على الفور واعتبرت تصريحه عنصريًا.
شهدت ستينيات القرن الماضي أحداثًا عديدة دفعت بالدوين لتغيير موقفه من إسرائيل-فلسطين. فقد وسّعت إسرائيل حدودها بشكل عدواني، واحتلت الجولان السوري وسيناء المصرية، وأصبحت قوة عسكرية كبرى بعد حرب الأيام الستة. في الوقت ذاته، تزامنت احتجاجات مناهضة حرب فيتنام مع صعود حركات القوة السوداء في أمريكا.
على الصعيد الشخصي، أُصيب بالدوين بصدمة بعد اغتيال صديقيه مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ. كان مالكوم، إلى جانب محمد علي، من أبرز الأصوات السوداء المؤيدة لفلسطين حينها. في عام 1964، قال مالكوم في القاهرة: "المشكلة في فلسطين ليست دينية… بل هي مسألة استعمارية." في العام نفسه، زار غزة التي كانت آنذاك تحت السيطرة المصرية.
وافق بالدوين على تحليل مالكوم إكس بشأن النفاق الأمريكي، فعندما يستخدم المستوطنون اليهود العنف يُمدحون، ولكن عندما يفعل السود يُقمعون. كتب بالدوين في مقال عام 1967 في نيويورك تايمز: "اليهودي رجل أبيض، وعندما يثور الرجال البيض ضد القمع، يُعتبرون أبطالاً؛ أما عندما يثور الرجال السود، فيُعتبرون متوحشين بطبيعتهم."
يقول الباحثون إن ما غيّر موقف بالدوين حقًا -وأدخل معاداة الصهيونية إلى الوعي الأمريكي- هو مواقف حزب الفهد الأسود ولجنة التنسيق الطلابية اللاعنفية (SNCC). تقول نادية الأحمد إن محادثاته مع أعضاء الفهود السود مثل ستوكلي كارمايكل، هيوي بي. نيوتن، وبوبي سيل حول إسرائيل كامتداد للإمبريالية الأمريكية ومستوطنة بيضاء "هي ما جعلته راديكالياً فعلاً". وتضيف: "كون بالدوين تبنّى موقف الفهود السود كان أمرًا مهماً، لأنه كان هناك العديد من النقاد السود لهذا الحزب وما يمثله."
من بين الشخصيات البارزة المرتبطة بالفهود السود وصديقة بالدوين كانت أنجيلا ديفيس، التي أصبحت لاحقًا من أهم رموز التضامن الأسود الفلسطيني. كتب لها بالدوين أثناء سجنها في عام 1970، وذكرت لاحقًا أنها تلقت دعمًا من سجناء سياسيين فلسطينيين ومحامين إسرائيليين كانوا يدافعون عن الفلسطينيين.
تظل مثل هذه القصص عن التضامن الأممي ذات صلة في السنوات الأخيرة. برينس شاكور، كاتب وناشط كويري أسود شاب تأثر بشدة ببالدوين، قال إنه بدأ يهتم بفلسطين خلال انطلاق حركة "حياة السود مهمة" عام 2014.
قال شاكور: "كان الناس يشاركون منشورات على الإنترنت حول كيفية مقاومة قنابل الغاز المسيل للدموع وممارسات الشرطة العنيفة، سواء في الضفة الغربية أو في فيرغسون." وأضاف: "عندما يرى السود على الإنترنت معاناة الآخرين بشكل عنيف وغريزي، وتُستخدم مقاطع العنف كسلاح من قبل اليمين المتطرف، يكون هذا مألوفًا جدًا لنا."
وبحسب مايكل آر. فيشباش، مؤلف كتاب "القوة السوداء وفلسطين: دول ملونة عابرة للحدود"، فإن الشباب السود في أمريكا يرون هذا الترابط بوضوح، خاصة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار حركات مثل BLM وBDS. يقول: "إنها جزء من نفس المعركة."
ومع التحضيرات الجارية لإحياء الذكرى المئوية لبالدوين في نيويورك ولندن وباريس وغيرها، سيتوجه الكثيرون لتكريم كتاباته، لكن لا يجب تجاهل سياساته المتجذرة في التضامن، والتي لا تزال تلهم أجيالًا جديدة في جميع أنحاء العالم.
كما كتب بالدوين يومًا:
"مفارقة التعليم هي أنه كلما بدأ الإنسان في الوعي، بدأ في فحص المجتمع الذي يتم تعليمه فيه."
