محزن، هي الكلمة الأنسب لوصف البيان الصادر عن "مكتب إبراهيم نصرالله" بشأن فيلم "فلسطين ٣٦". محزن لمضمونه الانفعالي والمتسرّع، وبالقدر ذاته لكونه صادراً عن روائي كرّس عمله الأدبي للحكايات الفلسطينية.
المسألة يختصرها كل من البيانين الصادرين عن مكتب نصرالله وفريق الفيلم الذي أخرجته آن ماري جاسر. بيان نصرالله يطالب بحقوقه الأدبية لادعاء أن الفيلم مأخوذ عن روايته "زمن الخيول البيضاء"، وبيان جاسر يردّ بأدب نافياً ذلك. يبقى أن الطرفين أحسنا، برأيي، في تجنب الإطالة والتحريض، وإن لم تشِ بذلك مقالات روّج لها الروائي في صفحته على فيسبوك.
لن أستسيغ المقابلةَ بين البيانين، لسطوع الفارق بينهما، ففي بيان مكتب نصرالله فاقت فيه الفقرةُ التي عدّدت نجاحات الرواية من ترجمات وجوائز مع انتظار تحويلها إلى مسلسل، فاقت حجماً الفقرةَ التي تشير إلى التشابه بين الفيلم والرواية. ثم فقرتان عن احتفاظه بحقوقه، "القانونية والأدبية والمعنوية والمادية". مقابله ركّز بيان فريق الفيلم على الإشارات للمساهمين في التوثيق للعمل، مؤكداً أن "الإرث النضالي الفلسطيني هو أمانة وجدانية تتسع لكل المبدعين".
المسألة أكبر من البيانين، فوَسم أحدهما بالتسرع وآخرهما بالاستيعابي لا يعني أن أياً منهما، بالضرورة، على حق أو باطل. بل إن المسألة أكبر من الرواية والفيلم، وتتجاوز، بطبيعة الحال، الروائي الذي قدّم قسطاً معتبَراً للسردية الفلسطينية، والمخرجة التي قدمت قسطاً لا يقل اعتباراً، وكلاهما في خدمة سردية واحدة يشتركان فيها مع غيرهما. سردية تفوق أعمالهما وتحتويها، لا العكس. سردية لا يحق للرواية ولا للفيلم احتكارها.
لذلك تحديداً، كان البيان الأول محزناً، لادعائه قبل لغته. وهو ادعاء يتجاوز الفيلم إلى عموم السردية الفلسطينية، ليَخرج قارئه بشعور أن الروائي يصادر السردية الفلسطينية، أن هذه السردية تحيل حصراً إليه. بناء عليه، وبالمنطق ذاته، فإن أي روائي كتَب فقرات في توقيف شخصية فلسطينية على حاجز إسرائيلي، وما يرافق ذلك من إهانات واعتداءات، سيمنح نفسَه حقّ اتّهام الكثير من الأفلام الفلسطينية بسرقة هذا الحدث وتلك الشخصية.
ثورة وإضراب العام ١٩٣٦ تجربة مشتركة للفلسطينيين، لإرثهم النضالي، هي فولكلور كفاحي، هي حق عام للشعب، ولا يمكن لتفاصيل سردية فيها، وهي كذلك متشاركة ومتشابكة، أن تكون حصرية لرواية بعينها، لمؤلف بعينه، لأنه وحسب كتبها، فسجّلها ملكاً خاصاً. وإن ابتعدنا أكثر في ذلك، نقول إن المراجع المكتوبة والمرئية والشفوية، الشعبية والعلمية والأدبية، أمكن لها، لطبيعة عملية البحث، أن تكون مشتركة لكل من العملين الأدبي والسينمائي، بل هي متشابكة، كمراجع تاريخية، بينها وبين بعضها قبل أن تكون مَراجع لأعمال خيالية، أدباً وسينما. وستبقى كذلك مَراجع لأي عمل لاحق يمكن أن يتناول ثورة الفلسطينيين عام ١٩٣٦، هذا ما لم يتعثّر المشروع تحسباً لملاحقات قانونية من مكتبٍ ما.
محزن بيان مكتب نصرالله لما يمكن أن يتسبب به مستقبلاً بتعثر مشاريع سينمائية، بقدر ما هو محزن في مضمونه وصياغة هذا المضمون. هذا البيان إشهار رقابةٍ مسبقة على مشاريع مقبلة لسرد الحكاية الفلسطينية فنياً. هو محزن لما يمكن أن يحدثه في نفوس مخرجات ومخرجين شباب، وحتى مؤلفات ومؤلفين، من مخاوف تَناول قصة في التاريخ الفلسطيني، وتتقاطع زماناً ومكاناً مع إحدى روايات الروائي، وتتشابك لطبيعة الأمور أحداث وشخصيات، وثّقتها المراجع قبل الرواية، مخاوف لأن ملاحقة قانونية محتملة سيُلوِّح بها مكتب ادّعاء ما.
الادعاء يشمل تشابهاً في صفحات محدودة، وفقرات بعينها، مأخوذة من رواية يفوق عدد صفحاتها ٥٠٠. هذا يجعل من ادعاء بتشابه بين مَشاهد محدّدة، وبين تلك الصفحات المحدودة، مزحة. أما تحويل المزحة إلى قضية فيسبوكية مع تلويحات قانونية، فإنها تصبح سمجة. وقد يتخطى الادعاءُ المزاح السمج إلى خيبة مع الاطلاع على مفاصل التشابه، كأن يكون من بين الشخصيات، شاب متعلم في القرية وهو متعامل مع قيادات فاسدة، وسهرة ماجنة يقيمها الفاسدون، وخوري يساعد الأهالي، وحضور مكثف لضابط إنكليزي ويكون قاسياً، وطفل متعلّق ببطل القصة. هذا كله عادي ومتكرر في التاريخ الفلسطيني وليس استثناءً ابتكرته مخيّلة روائية. وكأن يكون من بين الأحداث، مستوطنة مبنية مقابل قرية، يقترب منها فلسطيني فتُطلق النار عليه، حريق في القرية بفعل المستوطنين، استشهاد البطل بعد محاصرته وقد اتخذ القرار بالمواجهة لا الانسحاب، طفل يكمل المسيرة بالانتقام، حرق القرية.

الحقيقة أن هذه الشخصيات والأحداث ستجد مكاناً طبيعياً لها، وإن بتنويعات، في أي عمل روائي، أدباً وسينما، يتناول تلك الحقبة من تاريخ الفلسطينيين، وبعضها في حقبات غيرها، الغريب هو أن لا توجد. يمكن القول إن المَراجع التاريخية التي باحتمال أن تكون مشتركة ما بين الرواية والفيلم، أو كانت هي ذاتها بينها وبين بعضها بمراجع مشتركة لها، رجّحت ذلك التقاطع، بل إن أي عمل روائي أو سينمائي أو بحثي أو وثائقي يتناول تلك الحقبة، سيكون مفروضاً عليه البحث في المراجع المتوفرة، وهذه المراجع ستكون، بالضرورة، مشتركة لأي عمل جاد كما هو حال رواية نصرالله وفيلم جاسر، وهو، للإنصاف، حال باقي أعمالهما. تشارُك المراجع والمرجعيات يحتّم تقاطعات بين الفيلم والرواية، أنفي هذه الفكرة في حالة واحدة فقط، هي أن ثورة ٣٦ اختراع لـ "زمن الخيول البيضاء"، حينها فقط يحق لمؤلفها مصادرة سردها من قبل آخرين.
في الادعاء كذلك مشهد متسلسل وُجد في الفيلم وقبله الرواية، إذ تكون عملية مسلحة، فيتّهم الجيشُ البريطاني أهالي القرية بها، يجمعهم في ساحة القرية، يظهر عميل بكيس خيش على رأسه (رأيناه في فيلمَي "الزمن الباقي" و"فرحة"، وقرأناه في ملحمة الياس خوري، "أولاد الغيتو"). الضابط يقتل فلسطينياً لترهيب الآخرين، وهذا ليس اختراعاً روائياً، فالضابط أورد وينغايت حالة معروفة وموثقة بكثرة لدوره في ترهيب الفلاحين آنذاك، ولا يتوقع أحدنا تناولاً لتلك الحقبة من دون شخصية مستوحاة أو قريبة منه، لتناسخ المنهج القمعي له في جغرافيا فلسطين وتاريخها.
هذا تسلسل طبيعي لأحداث فلسطينية. عرفناه وسمعناه وقرأناه ورأيناه قبل الرواية وبعدها. يصعب على أي مقاربة سينمائية أن تروي حكاية فلسطينية في تلك الحقبة، من دون أن يجد أحد النّابشين تشابهاً بين أحداث وشخصيات في الفيلم، وبينها في صفحات قليلة ضمن الـ ٥٠٠ الممتلئة بأحداث تاريخية، في هذه الرواية أو غيرها. أعتقد أن أي فيلم تاريخي فلسطيني، فإنه للضرورة سيكون قد شمل (أو سيشمل إن تجرّأ أحدهم على صناعة فيلم من بعد هذه القضية) تماثلاً لأحداث وشخصيات وُجدت مسبقاً في رواية تتناول الحقبة ذاتها في مئات الصفحات، لنصرالله ولغيره من الروائيين، سواء كانت الصفحات مرجعاً مباشراً أم لا. التقاطعات والتشابكات أوسع من الرواية والفيلم.

صارت مقلقة فكرة أنه مهما صوَّر مخرجٌ أو مخرجة في فيلم تاريخي فلسطيني، سيواجَه باتهام بالانتحال من فقرتين في رواية بـ ٥٠٠ صفحة. في ذلك لا أجدني أرى التلويح القانوني سوى ترهيب لكل مشروع مرتقَب في استعادة سينمائية لمرحلة تاريخية فلسطينية. ادّعاء نصرالله إن أُخذ بجدية، فإنه سيودي إلى الحد من إنتاج الفيلم التاريخي الفلسطيني، وهو النوع من الأفلام الأكثر إلحاحاً اليوم، ونقصاً في مسيرة الفيلم الفلسطيني. قسم كبير من النجاح الذي ناله الفيلم كان لموضوعه التاريخي، بل الاستكشافي، فهو أول فيلم يتناول ثورة ٣٦، وأتمنى أن لا يكون الفيلمَ الأخير من بعد تلك الاتهامات. أيّ حزن هذا وأي خيبة.
كما أشارت الرواية إلى مراجع في صفحاتها الأخيرة، مذكرات وكتب، كان للفيلم في شارة النهاية إحالات عديدة، لمؤرخين ساهموا في إيصال الفيلم، شخصيات وأحداث، بالشكل النهائي الذي خرج عليه. أسماء من بينها نور مصالحة ورشيد الخالدي وإيلان بابي وغيرهم. وإن كان من مرجع أوّل للفيلم فهو غسان كنفاني، ذلك ما ذكرتُه في مقالة سابقة لي عنه: "الفيلم بذلك نقل سينمائي أمين للدراسة الأهم التي تناولت تلك الفترة، كتبها غسان كنفاني وعنوَنها «ثورة ٣٦-١٩٣٩ في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل»". ولأن الشخصيات والأحداث في الفيلم أقرب لأن تكون تمثيلية للمجتمع آنذاك، ولم يتعمّق الفيلم بواحد أو أكثر منها، أي أنها شخصيات أفقية لا عمودية، فإنه كان أقرب إلى كتاب كنفاني العلمي لا الأدبي، منه إلى غيره، كتاب صغير في علم الاجتماع إن أردنا تصنيفه. فما كان من حضور الشخصيات والأحداث فيه، ضمن قصته، إلا تمثيلية، إجمالية، كما تحضر، بتنويعات طفيفة إن لزم، من دون استغراب أو استهجان، في أي عمل يتناول تلك الفترة بأحداثها وشخصياتها. أكرّر أن الادعاء بالانتحال يصحّ في حالة واحدة: ما لم تكن ثورة ٣٦ واقعةً حقاً، وكانت حصراً ملكاً أدبياً للروائي.
للفيلم الذي قدّم في عام واحد حتى اللحظة، السرديةَ الفلسطينية في ثورة وإضراب ٣٦ كما لم يفعل عمل فني قبله، فيلماً ورواية، من حيث الانتشار والمرئية والتأثير. للفيلم مراجعُه المذكورة صراحة في نهايته، ولأحداثه إحالات موثَّقة ولست اختراعات أدبية، فالهجوم على القرية يحيل إلى مجزرة البصة عام ١٩٣٨، وليوسف، الشخصية الرئيسية، اسم عائلة هو البصّاوي. والأحداث المتتابعة من حصار القرية إلى هجوم الإنكليز والاعتداء على القرويين وتجميعهم والإعدام وغيرها، موثقة واقعاً لا خيالاً روائياً، لأحداث مجزرة البصة ذاتها، ويمكن أن يضيف أحدنا: وغير البصّة. وقد اعتمد الفيلم على شهادات شفوية تتشارك، فيما بينها، وبينها وبين غيرها في قرى أخرى، قصصاً متماثلة أو متطابقة. كأن يحرق الجيش البريطاني قرية البصّة أو غيرها في فلسطين، كأن يقاوم الفلسطينيون أصلاً. محزن الادعاء بأن ذلك اختراع روائي لا تاريخاً واقعياً.
أما المستوطنات آنذاك، فقد أبقت على جماعات مسلحة من الحرّاس، بعضها متعاون مع عصابات الهاغاناه، خلال سنوات الثورة، وشهدت الأحداث اشتباكات مع فلاحين فلسطينيين مسلحين، كما شهدت حالات إطلاق نار على الفلاحين من قبل الحرّاس اليهود، أو الشرطة اليهودية التي أسستها السلطة البريطانية (Notrim). هذا كله حاضر في وثائق سبقت كلاً من الرواية والفيلم. أما الفلسطيني الفاسد فهو ليس "رئيس تحرير" بحسب الادّعاءات أو كما ورد في الرواية، بل، في الفيلم، هو رجل أعمال طموح لمناصب بلدية، وهو أحد مؤسسي جمعيات مسلمة دعمتها الصهيونية. أما الطفل المنتقم فمستوحى من اغتيال المجاهدين للضابط لويس أندروز في كنيسة أنجليكانية في الناصرة. كما أن وثائق عديدة تشير إلى حالات إحراق القوات البريطانية للقرى والحقول الفلسطينية خلال أعوام الثورة الثلاثة، فعلتها حقيقةً وهي ليست "افتراءات" على الإنكليزي في رواية فلسطينية، كما فعلتها العصابات الاستيطانية. ولا ننسى أن السلطات البريطانية لجأت إلى العقاب الجماعي في حالات عديدة، من بينها إضافة إلى الإحراق، هدم البيوت والإغارات المتكررة على القرى. وللمؤرخ العسكري البريطاني ماثيو هغز توثيق واسع للممارسات البريطانية في فلسطين آنذاك، بتفصيلات لا مجال لها هنا، من بينها أساليب عقاب للفلاحين الداعمين للثوار.
هذا كله لا يمكن أن يكون محصوراً بخيال روائي، هي وقائع سنجدها أو ما يشبهها في أي عمل لاحقٍ تناول تلك الأحداث، كما وجدناها في رواية نصرالله وفيلم جاسر. وأكرر أن أي عمل لاحق يقارب تلك الفتر ويكون جاداً، سيشمل معظم ما أوردتُه هنا وما ورد في الرواية والفيلم، مهما تنوّعت. هذا تاريخنا، طبيعي أن تتشابه فيه الشخصيات، طبيعي أن تتقاطع فيه الأحداث، وأن تَبني الأعمالُ على بعضها، فتتكاثر المراجع، وتتراكم المعرفة. هذه سرديتنا وهي واحدة. وهي أكبر من الرواية، وأكبر من الفيلم. أما الغريب فهو أن يخرج روائي وينسب كل ذلك، أو أياً من ذلك، إلى نفسه. محزن.
أخيراً، كل ذلك لا يقلل من قيمة الرواية أو الفيلم، ولا من قامة نصرالله الأدبية أو جاسر السينمائية. والمسألة تنتهي عندي هنا، متمنّياً، بغير تفاؤل، أن تخرج كل من الرواية والفيلم بسلام من هذا الجدال، وقبلهما سرديتُنا الوطنية الجمعية، الأرقى من أن تكون موضع جدال قانوني والأرحب من أن تكون ملكاً خاصاً.
