سيكون "خلاصنا" علامة للسينما الفرنسية في هذا العام. سكيون فيلمَها من دون منافس على الأرجح، فإن كان ثمة منافس، فلن يكون خارج مسابقة "كان السينمائى"، وهو غير موجود. يستحق الفيلم رأياً نقدياً إيجابياً ناله، لكن للمبالغة الفرنسية في الآراء النقدية اعتبارات أخرى غير سينمائية، سآتي عليها.
لفيلم "خلاصنا" (Notre salut)، أو بعنوانه الدولي "رجُل زمانه" اعتباران موازيان، عالمي هو أقل شأناً، وفرنسي شديد الشأن. العالمي سيكون محصوراً في تاريخية موضوعه وامتياز خياره البصري. أما فرنسياً فهو لخصوصية معالجته موضوعه، وفيه ما يثير الاهتمام، وهو ما أرجّح أنه، الفيلم ومن الآن، رسمَ مساراً لجوائز لوميير وسيزار فرنسية، وكذلك أوروبية وتحديداً جوائز الفيلم الأوروبي، وذلك لحصرية موضوعه، وحساسيته، في السياق الأوروبي، والفرنسي منه تحديداً. لتناوله شخصية رئيسية هي موظف إداري في نظام فيشي المتعاون مع النازية، وعمليات الترحيل لليهود إلى ألمانيا بوصفهم عمّالاً.
الفيلم هو الأول الممتاز لمخرجه إيمانويل مار، بعد تجارب متوسطة، وهو شخصي جداً، لذلك ربما استطاع مخرجه التحليق فيه، إذ نقل قصة أحد أجداده، محتفظاً باسمه كما هو. سينتبه أحدنا من المَشاهد الأولى أن اسم العائلة للشخصية الرئيسية، هو كذلك "مار"، بأداء رائع للفرنسي سوان أرلو. الفيلم، الشخصي لمخرجه، هو شخصي كذلك لكثير من الفرنسيين، لكشفه ملفات تتفاداها السينما الفرنسية، في موضوع أقرب ليكون محرّماً، في المسؤولية الفردية لعمليات ترحيل اليهود إلى المعسكرات النازية.
ينتهي الفيلم بسطر يقول إنه مأخوذ من رسائل جد المخرج وجدته، لنفهم أن الشخصية الرئيسية فعلاً جدّه، وأن الفيلم واقعي، ندرك أن الرسائل التي كانت تتخلل بصوت الجدة، الفيلم، كانت حقيقية، ندرك أن الفيلم، بذلك كله، وصل حداً من الاعتراف بالذنب، أو استحضاره بشكل مكشوف للتجربة العائلية في ذلك الزمان، في التعامل مع النازيين، حداً هو أقرب إلى موضوع حرام، على المستوى الفردي والعائلي والمجتمعي.
ماهى الفيلم بين شكله وموضوعه، فكان في تصوير وثائقي تام، كأنه من كاميرا فيديو منزلية قديمة، بصور كتلك التي نراها في لقطات من كاميرا ملونة في الأربعينيات والخمسينيات، صور رمليّة بجودة ضئيلة وألوان باهتة في التصوير النهاري، وبضوء الفلاش الفاقع الدائم، المنعكس على الجدران والأوجه، في التصوير الليلي. وبتقطيع هو كذلك أقرب إلى التسجيل العائلي، كأن يطفى المصوّر الكاميرا فجأة، في منتصف مشهد ما ننتقل إلى آخر. في تقابل بصريّ مع السرد الرسائليّ للفيلم في قسم كبير منه، ومع عائلية موضوعه ومقاربته كذلك. كل ذلك يجعل من "خلاصنا" حميمياً، حقيقياً، شخصياً بقدر ما هو وطني. موضوع سينمائي هو على الأرجح غير مطروق مسبقاً، وبشكل ابتكاري فلا يكون إن طُرق مسبقاً، بهذه الحرفية.
آنري مار، موالٍ جداً للمارشال بيتان، رئيس النظام المتعاون مع النازيين في فرنسا فيشي خلال الحرب العالمية الثانية. من البداية سينصحه أحدهم بأن لا يكشف بارتياح عن ولائه الشديد للمارشال، لأن ذلك إما سيظهره كعميل يحاول التستر، أو كأحمق. ألّف آنري كتاباً فاشلاً، بعنوان "خلاصنا"، وهو طرح نظري لسياسة المارشال. سيعمل إدارياً في مجال مكافحة البطالة، سيدرّب الموظفين على حسن استقبال المارشال. أخيراً، سيكون مسؤولاً بحكم عمله، عن الشاحنات التي تحمّل اليهود إلى ألمانيا. سيحاول عرقلة ذلك لواعز أخلاقي بدائي لكن من دون أي جهد يُذكر. سيتصرف "بمهنيّة" الموظف المخلص.
الفيلم هو النموذج السينمائي لطرح حنة أرنت حول "تفاهة الشر"، في الدور البيروقراطي ضمن آلية الترحيل والحرق النازية، في الدور الجوهري للإداريين، محصور في تنفيذهم مهامهم الوظيفية ضمن شبكة كبرى، وبمعزل عن نيّتهم. كما أنه لا يخرج عن فضاء زيغمونت باومان الذي كتب عن الهولوكوست بوصفها صناعة حداثية أوروبية، حيث تُحيَّد الأخلاق ضمن نظام بيروقراطي وصناعي.
رأينا هذا في "منطقة اهتمام"، الفيلم العظيم لجوناثان غليزر، ونراه هنا، كأن الفيلمين واحداً بجزأين متتاليين، هذا يصوّر نقل الضحايا كمهمة إدارية، وفيلم غليزر يصوّر حرقهم كذلك كمهمة إدارية، وكلاهما بحياد إنساني تام، أو، في "خلاصنا"، بشعور بالعجز قبل أن تلفّه اللامبالاة فلا يكون الشعور ذا معنى. هذا ما يجعلنا نرى آنري يعود إلى البيت بعد تأمين الوقود والشاحنات لتنفيذ عمليات الترحيل، فتسأله زوجته عن يومه كيف كان. "عمل كثير"، يقول.
