هناك أفلام لا تبدأ حين نجلس لمشاهدتها، بل تكون قد بدأت قبلنا، كأنها تعيش في طبقة زمنية أخرى، أفلام تشبه آثاراً تُكتشف بعد زمن طويل من حدوثها، ككدمة لا نعرف متى ظهرت، لكنها هناك، نابضة، تذكّر بأن شيئاً ما كان يوماً ما جيدا، مؤلماً، مرحاً، مضحكاً، مقلقاً، وترك خلفه علامة لا تُمحى. هذه هي طبيعة سينما سارة فرنسيس الروائية والوثائقية. منذ «طيور أيلول» (2013)، وصولًا إلى «كما في السماء كذلك على الأرض» (2020). وفي فيلمها الروائي الجديد «كلب ساكن» (2025)، يعود ذلك الإحساس بقوة مضاعفة. فيلم لا يقدّم حكايته، بل يتركها تتسرّب إلينا عبر جدران وأبواب البيت الجبلي الذي يشيخ، حيث تُعيد فرنسيس وضع عايدة (شيرين كرامة) ووليد (نداء واكيم) أمام بعضهما، لا كزوجين، بل كأثرين بشريين يحاولان تفقّد ما تبقّى منهما.
يعود وليد إلى لبنان بعد سنوات طويلة في الخارج، سنوات أعادت تشكيله بطرق لا يعرف كيف يشرحها. تنتظره عايدة في البيت الجبلي، كمن ينتظر شخصاً لا يعرف إن كان يريد عودته فعلاً. تحاول عايدة أن تفهم ديناميكيات علاقة لم تعد تعرف إن كانت لا تزال قائمة، بينما يكافح وليد ليلائم جسده وروحه مع روتين كان يوماً منزله، لكنه الآن يبدو غريباً عنه. فوق كل ذلك، هناك سرّ صغير لكنه ثقيل: بونتو، الكلب الذي كان يوماً جزءاً من حياتهما المشتركة.
تتعامل فرنسيس مع لقاء الأيام الأربعة كأنها تشرّح علاقة انتهت دون أن تُعلن نهايتها. لا تلوم أحداً، ولا تمنح أحدهما دور الضحية. كلاهما مُنهك، وكلاهما مسؤول عن التآكل الذي حدث. السينما هنا ليست محكمة. لا دفء ولا عداء في الفيلم، بل تلك المنطقة الرمادية التي يعرفها من عاشوا حباً لم يمت تماماً ولم يبق حياً. كل حركة بينهما تبدو كأنها محاولة لاستعادة لغة كانا يتقنانها، لكن الكلمات الآن تتعثّر، والجسد يتذكّر أكثر مما يريد.

هناك شيء يشبه الأسطورة في «كلب ساكن»: كلب غائب، بيت جبلي، وحبّ، ورمزية هامسة. الأصوات والتعليقات الصوتية في الفيلم تأتي من زمن آخر، تظهر كأصداء بعيدة، منفصلة للوهلة الأولى عمّا نراه، كأنها تتسلّل من خارج المشهد، من ذاكرة لا تخصّ اللحظة تماماً. لكن، كما في كل أفلام فرنسيس، ما يبدو خارجاً عن السياق سرعان ما يصبح جزءاً من نسيج الفيلم، متناغماً معه بتناغم غريب. هذا التداخل بين الصوت والزمن يمنح الفيلم ملمساً حالماً، يجعل الشخصيات تبدو وكأنها تعيش في طبقتين زمنيتين في آن واحد. الفيلم بارد ورمادي، تماماً كالبيت والشخصيات. اللقطات الطويلة تُبطئ الزمن، فالحاضر يتحرّك بصعوبة. ثم تأتي الموسيقى كقوة تقتحم الصورة، تدخل بكل ثقلها بين حين وآخر لتغيّر نغمة الفيلم.
قليلة هي الأفلام التي يصبح فيها المكان بطلًا لا يقل حضوراً عن الشخصيات، بل يتقدّمها أحياناً. في «كلب ساكن»، البيت الجبلي هو الشخصية الرئيسية التي تحتضن وليد وعايدة وتكشفهما في آن واحد. لا يمكن تخيّل هذين «الزوجين» في أي مكان آخر، فالمكان هنا ليس إطاراً، بل قدراً. هكذا تبني فرنسيس الدراما، من اللقطة الأولى إلى الأخيرة، يلعب البيت والماء والضباب والغيوم والأصوات أدوارها كما لو كانت عناصر حيّة، تتنفس وتراقب وتعلّق بصمت.
ليست هناك سير ذاتية واضحة، ولا معلومات تُقدّم عن الشخصيات. ما نراه هو لحظات وجودية خالصة، انفعالات صغيرة، مونولوجات تتسرّب بصمت، وكثير من الاكتشاف الفكري والتعاطف. فرنسيس لا تشرح شخصياتها، بل تراقبها وهي تدور حول المكان والإنسان وحول نفسها، كأنها تلتقطها في لحظة وعي هشّ.
القصة ليست مبنية على أحداث كبرى أو تحوّلات درامية واضحة، بل على لحظات صغيرة تتراكم ببطء، ذلك النوع الغريب من التواصل الذي لا يعتمد على الكلام بل على ما ينساب بين شخصين يعرفان بعضهما أكثر مما يريدان الاعتراف به. الدراما هنا تُبنى من الهامش، من التفاصيل التي تبدو عابرة. كل لحظة، مهما بدت بسيطة، تعمل كطبقة جديدة تُضاف إلى ما نعرفه عن وليد وعايدة. يلتقط الفيلم التفاصيل بحساسية، كأن الكاميرا نفسها تتردّد قبل أن تقترب، لكنها لا تخشى مواجهة هشاشة الشخصيات. تقدّم فرنسيس شخصيات مشوّشة، متردّدة، تعيش في مناطق رمادية، وتمنحها مساحة كي تُرى كما هي.
الفيلم بعيد تماماً عن السينما اللبنانية التي اعتدنا رؤيتها، تلك التي تتكئ غالباً على البلد وأحداثه المباشرة. «كلب ساكن» يختار طريقاً آخر، سينما لا تتحدث عن لبنان، بل تُظهر بطريقة غير مباشرة، شبه خفية، ما يمكن أن يفعله وطن مثله بمواطنيه. لا شعارات، لا خطابات، لا تعليق سياسي صريح، بل أثر عميق يتسرّب من بين التفاصيل، من الغياب الطويل، من التعب، من هشاشة العلاقة، من البيت الذي يشيخ، ومن الجيران الخائفين أن يشتري أحد غريب البيت.
«كلب ساكن» فيلم عن ما بعد الحبّ، عن المسافة التي تنمو بين شخصين حتى تصبح جغرافيا كاملة، عن اللبناني الذي يغادر ليعود غريباً، وعن المرأة التي تبقى لتكتشف أنها تغيّرت أكثر مما توقّعت. فيلم عن الصمت. إنه فيلم يبقى، لأنه يلتقط تلك اللحظة التي يقف فيها شخصان على حافة ما كانا عليه، ويحاولان أن يقرّرا إن كان هناك ما يستحق البقاء، أم أن الرحيل هو الحقيقة الوحيدة المتبقية.
