منذ أن رحل صنع الله إبراهيم عن عالمنا هذا، وأنا أحاول التربص بلحظة البدايات التي كانت لي معه. أتذكر صديقي المخرج المصري محمد العسكري، حين أهداني كتاب يوميات الواحات، لصنع الله إبراهيم، وكيف أخذني هذا الكتاب معه في رحلة معرفة واستكشاف لأصواتي الداخلية، والبحث في طبقات أدب السجون، وأنا الذي خضت تلك التجربة مع عبد الرحمن منيف في "شرق المتوسط". ثم أجدني أميل لـ"ذات"، التي وصفت تحولات القاهرة والمجتمع المصري. ثم أخذني البحث إلى "بيروت" و"ظفار"، ليعرفني صنع الله هناك بفواز طرابلسي وعبد الرزاق التكريتي، ومع ذلك لم أجد تلك البداية بعد، أو لعلني لم أخرج منها إلا بوفاته.
يُعد صنع الله إبراهيم (1937–2025) أحد أبرز الأصوات الأدبية في تاريخ الرواية العربية الحديثة، وصاحب تجربة سردية فريدة جمعت بين التوثيق السياسي والتحليل الاجتماعي والنقد الحاد للسلطة، وتعدد وتراكب الأجناس الأدبية. تشابكت مسيرته مع التحولات الكبرى التي عرفتها مصر والمنطقة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، فأصبح جزءًا تليدًا من فهمنا التاريخي لذواتنا العربية والمدينية -كما سنرى-.
دخل صنع الله إبراهيم السجن في عهد جمال عبد الناصر عام 1959 ضمن ما عُرف بـ"قضية الشيوعيين"، وهي تجربة تركت أثرها العميق في وعيه السياسي والسردي، وظهرت بشكل واضح في روايته الأولى "تلك الرائحة" (1966). في هذه الرواية، كما في أعمال لاحقة مثل "اللجنة" (1981)، يُفكك بنية الدولة التسلطية وممارساتها البيروقراطية القمعية، بلغة ساخرة ومُرّة. يتخذ موقفًا جذريًا من كل أشكال الاستبداد، بما فيها تلك التي مارسها النظام الناصري، رغم تعاطفه مع طموحات العدالة الاجتماعية التي تبناها الخطاب الناصري في تلك المرحلة. ولكنه كان من القلائل الذين أعلنوا قطيعة واضحة مع السلطة الثقافية الرسمية، تتجلى في انسحابه من حفل تكريم رسمي في معرض القاهرة للكتاب عام 2003، احتجاجًا على غزو العراق والتطبيع مع إسرائيل، في مشهد على بساطته إلا أنه كان مركبًا وفاضحًا لكل تلك المؤسسة المتواطئة. فلم تكن هذه مجرد لفتة رمزية، بل امتداداً لموقف بنيوي يرى أن دور المثقف لا يمكن أن يكون تبرير السلطة أو الصمت على جرائمها، بل مساءلتها وكشف بنيتها القمعية.
لعلها كانت القاهرة إذن، هي بداية علاقتي معه؟
يمتد ظل القاهرة عميقًا وبعيدًا في أعمال صنع الله إبراهيم لا بوصفها مجرد مسرح للأحداث السردية، بل ككائن حي يحمل ذاكرة المدينة وجراحها وتشوّهاتها الاجتماعية والسياسية. المدينة ليست خلفية روائية باردة أو حاوية للحدث السردي والروائي فقط، بل مكون بنيوي في المشروع السردي للصنع الله، تُمثل مرآة صادقة لانكسار المجتمع المصري وتحولاته الطبقية في ظل صعود النيوليبرالية وتراجع مشروع الدولة الوطنية، المسماة جزافًا "ما بعد استعمارية". في رواية ذات على وجه الخصوص، تصبح القاهرة ميدانًا سرديًا يعكس التاريخ الاجتماعي لمصر من الستينيات إلى نهاية الثمانينيات، حيث تتبع الرواية عبر البطلة "ذات عبد المجيد" تفاصيل الحياة اليومية في أحياء مثل العباسية وحلمية الزيتون ومدينة نصر، وهي أحياء كانت يومًا ما رموزًا للصعود الطبقي ثم صارت شاهدة على انحداره. تزدحم الرواية بوصف دقيق لحياة الطبقة المتوسطة المصرية وهي تنكسر بين مطرقة الغلاء وسندان البيروقراطية، وانهيار منظومات القيم بفعل السادات وانفتاحاته، فنقرأ مثلاً:
"شقة صغيرة في الطابق الحادي عشر... المصعد لا يعمل إلا نهارًا، ويفسد كثيرًا، والمياه تنقطع معظم الوقت، ولا يُمكن فتح النافذة بسبب العوادم".
العمارات المتشققة، والمصاعد المعطلة، وانقطاع المياه، ليست مجرد تفاصيل واقعية، بل رموز سردية لانهيار بنية الدولة والمجتمع معًا، وانكشاف زيف الحداثة المعمارية في ظل غياب الحداثة السياسية. هذا التوتر بين الشكل والجوهر يتكرر في رواية أمريكانلي، حين يختبر البطل القاهرة من خلال مسافة مكانية ونفسية بعد إقامته في الولايات المتحدة. إذ تتحول القاهرة في نظره إلى مدينة خانقة، خالية من المعنى، تدار فيها الحياة بروتينية بيروقراطية قاتلة، ويتحول سكانها إلى كائنات تائهة، تسير وسط الزحام والضجيج في صمت مطبق. يقول الراوي بمرارة:
"الزحام خانق، المواصلات متهالكة، الوجوه شاحبة، والعيون زائغة كأنهم يعيشون تحت تهديد دائم... القاهرة التي أعرفها صارت مدينة تطرد أبناءها".
تعكس الرواية الانفصام بين الخطابات الرسمية التي تروّج للانفتاح والتحديث، وبين واقع يومي تسوده البطالة والفساد والانهيار الخدمي والأخلاقي. العودة إلى القاهرة في هذا السياق لا تشبه عودة الابن إلى حضن الوطن، بل هي أشبه بالسقوط في هوة لا قرار لها، حيث تغيب الكرامة وتتحول الهوية إلى عبء ممارساتي يومي من التفاوض والمقايضة. أما في رواية العمامة والقبعة، التي تعود إلى بدايات القرن العشرين، فتظهر القاهرة بصيغة مغايرة من حيث الزمان ولكنها متصلة من حيث البنية النقدية. تُقدَّم المدينة بوصفها ساحة يتقاطع فيها الاستعمار البريطاني مع تقاليد المؤسسة الدينية والأزهرية، ومع بذور المشروع الوطني المصري الناشئ. ويكتب الراوي في تأمل حزين:
"وسط القاهرة الخديوية الفخمة، كان السراي الإنجليزية تُشيد جدرانها البيضاء، فيما الأزهر ما يزال يعج بأصوات الشيوخ الغاضبين من آلة التصوير".
وإذ تمتد هذه الصورة إلى القاهرة الحالية التي يراد لها أن تكون مدخلًا لقاهرة الجنرال الإدارية الجديدة، بعد أن بيعت شواطئ البلاد وصحراؤها. فلا تغيب في هذه الرواية مظاهر التناقض الصارخ بين محاولات النخبة للنهضة والانعتاق من جهة، وبين استمرار البنية التحتية للهيمنة والتبعية من جهة أخرى. تقف القاهرة في هذه الرواية كموقع رمزي لصراع الهويات: هوية تسعى إلى التحرر والسيادة، وأخرى تستبطن منطق الاحتلال والجمود في آن معًا.
إن الأدوات السردية التي يوظفها صنع الله لتصوير المدينة تقوم على التوثيق شبه الصحفي، والملاحظة اليومية الحادة لتفاصيل الحياة اليومية الدقيقة، التي قد لا يعبأ بها الكثيرون بقدر ما تستغلها السلطة، ما يجعلها بهذا الموقع امكاناً مقاومًا (هنا تعرفت إلى آصف بيات، وحديثه عن مقاومات الحياة اليومية في القاهرة والتي راكمت إلى ثورة 2011).
وإذ يستخدم صنع الله لغة تقريرية في ظاهر، إلا أنها مشحونة بكثافة رمزية تكشف عن عمق التدهور الحاصل في العمران، في اللغة، في العلاقات الإنسانية، وحتى في الأمل. التفاصيل الصغيرة – لافتات الشوارع، أصوات الباعة، إشارات المرور، رائحة المجاري – تتحول في نصوصه إلى مؤشرات لانهيار المعنى الكلي للحياة في المدينة. ومن خلال سخرية سوداء تقترب أحيانًا من الكوميديا السوداء، يفكك الكاتب خطاب الحداثة الرسمية، كاشفًا عن مدينة تتقدم عمرانيًا ولكنها تتفسخ اجتماعيًا، وعن رأسمالية ترفع شعارات الحرية بينما تنتج أشكالًا جديدة من القمع والاغتراب.
ففي "اللجنة"، نقرأ وصفًا دقيقًا لمكاتب إحدى المؤسسات التي تمثل "اللجنة العليا" الغامضة التي تحكم كل شيء:
"ممرات طويلة، غرف بلا نوافذ، موظفون بوجوه خاوية لا يرفعون أعينهم عن الأوراق... لم يكن هناك شيء سوى رائحة الورق القديم والرطوبة، والبيروقراطية الخانقة".
بهذا، لا تظهر القاهرة في أدب صنع الله إبراهيم كمدينة فقط، بل ككيان اجتماعي وسياسي، ومختبر لتجريب السياسات الكبرى على الناس الصغار. فهي حاضرة دائمًا بوصفها مرآة للسلطة، وميدانًا للصراع الطبقي، ومقياسًا لانهيار أو بقاء فكرة الوطن. ومن ثم، فإن القاهرة عند صنع الله ليست فقط عاصمة مصر، بل هي خلاصة المشروع العربي في لحظات انحداره، وتجسيد حسيّ لانكسار الحلم في المدينة التي كانت يومًا ما رمزًا للتنوير، فصارت مسرحًا للعبث والتكرار.
ولأن المدينة هي ظاهرة تعاقدية كتابية ارتبطت بالرواية تاريخيًا، لا بالحكاية، نرى في أدب صنع الله إبراهيم تعاقدات الفنون الكتابية، إذ اعتمد في العديد من رواياته على التوثيق شبه الصحفي للأحداث، والصحافة والطباعة بدايات التمدن الحديث. فنراه يدمج بين الخيال والسرد التاريخي، مستعينًا بمقاطع من الصحف والوثائق الرسمية، في محاولة لمراكمة قراءة مغايرة للخطاب بالمنطق الفوكوي (على علات الأخير). يتجلى هذا بوضوح في رواية ذات، التي تتتبع تحولات مصر من عهد عبد الناصر حتى عهد مبارك من خلال شخصية أنثوية بسيطة، تمثل المصري "العادي" الذي يختبر كوارث الانفتاح الاقتصادي وصعود النيوليبرالية، على جسدها.
لعله الاستعمار، إذن؟
كفلسطيني ومصري، أجدني مشدودًا إلى مدن سلبها مني الاحتلال (يافا)، وأخرى بمجزرة وزوار الفجر ومجزرة (القاهرة)، وأخرى لم يُسمح لها بأن تدخل هويتي (ظفار)، وما بينهم رابط لم ينقطع بمسميات باذخة: الاستقلال، لكن عمن استقلت الدولة العربية الحديثة؟
في مشهد رمزي من أمريكانلي، يعود البطل إلى مصر، ويصف عبوره من المطار إلى وسط المدينة، فيلاحظ أن كل شيء "أصبح رماديًا": وجوه الناس، جدران المباني، حتى الهواء نفسه. وبينما يتنقل بسيارة أجرة عبر الطرق الممتدة من المطار إلى وسط القاهرة، تتقافز في ذهنه المقارنات بين النظام العام في الغرب، والفوضى في المدينة التي نشأ فيها، لكنه يدرك في لحظة حادة أن هذه الفوضى ليست قدرًا، بل نتيجة لهيمنة داخلية واستعمار ناعم مارسه "الداخل" و"الخارج" معًا. في هذا السياق، لا تظهر القاهرة فقط كموقع للسلطة، بل كمجال مستباح من قِبل القوى الإمبريالية التي لم تغادر يومًا، وإن غيّرت أدواتها. يقول:
"نفس اللافتات التي كانت تروّج للاشتراكية تروج الآن للاستثمار الأجنبي... كأن القاهرة لم تُحرر قط، بل فقط غيّرت سادتها".
يتعامل صنع الله إبراهيم مع القاهرة أيضًا كخط مواجهة رمزية ضد الاستعمار. صحيح أن الاشتباك مع قضايا التحرر الوطني يأخذ طابعًا أكثر حدة في روايات مثل شرف والعمامة والقبعة، لكنه يتخلل أيضًا صورة المدينة بوصفها حاضنة لثقافة المقاومة، ومسرحًا لصراع طويل مع النفوذ الأجنبي. ففي العمامة والقبعة، تُصوَّر القاهرة أوائل القرن العشرين كموقع استعمار مزدوج: سياسي بريطاني، وثقافي تقليدي، يتصارع فيه الضباط الإنجليز مع الشيوخ والأزهريين والمثقفين الليبراليين، ضمن جدلية عميقة حول من يملك حق تشكيل الهوية المصرية. تتكرر الإشارة إلى الأحياء كعلامات على النفوذ السياسي؛ فـ"جاردن سيتي" لا تعني مجرد حي راقٍ، بل "منطقة النفوذ البريطاني"، بينما "شارع الأزهر" يصبح رمزًا للممانعة الدينية التقليدية التي لم تستطع إنتاج مشروع تحرري مستقل. والآن يعيد التاريخ نفسه، مع انتشار شائعات عن بيع منطقة وسط القاهرة لرجل أعمال إماراتي، كان عرابًا للصهاينة، حتى في حرب إبادة، أعادت ترتيب الجغرافيا السياسية للمنطقة.
يقول الراوي في تأمل تاريخي:
"كانت القاهرة مستعمرة بأشكال مختلفة: الجنود في الشوارع، الصحف الناطقة بالإنجليزية، والطلبة الذين يرتدون القبعة ويحلمون بالهجرة. لم تكن حرب التحرير فقط في الجبل أو الريف، بل كانت في هذا الشارع، في هذه اللغة، في هذه المدينة".
وتستمر هذه الرؤية في شرف، الرواية التي يمثل السجن فيها نموذجًا مصغرًا للمجتمع، ويضم داخله أنماطًا من القمع والتمييز شديدة الارتباط بالنظام العالمي والاستعمار الجديد. من بين الشخصيات الرئيسية في الرواية، يظهر "رِضا الأفغاني"، الشاب الذي قاتل في فلسطين وظفار وأماكن أخرى، ويحمل في داخله سردية مختلفة عن مصر والعالم، تنبع من التجربة الحية للمقاومة المسلحة ضد الاستعمار والاحتلال. في حواراته مع البطل، يكشف عن أن القاهرة لم تكن فقط عاصمة دولة، بل كانت دومًا ميدانًا لاستقطاب نخب فاسدة، وإجهاض الحركات التحررية. يقول رضا في أحد المقاطع:
"عندما عدت من ظفار، ووجدت القاهرة كما هي، أدركت أن العدو ليس فقط هناك في الجبال، بل هنا... في هذا العفن المعلق بين السلطة والناس".
هكذا يتحول فضاء المدينة إلى بؤرة للتناقض بين التحرر الظاهري والاستعمار المقنّع، بين شعارات الوطنية والممارسة اليومية التي لا تختلف كثيرًا عن شروط الهيمنة الأجنبية. يتمدد هذا التناقض ليشمل حتى المؤسسات الأكاديمية والثقافية، التي تظهر في أمريكانلي كواجهات مدنية لنوع جديد من السيطرة، أكثر نعومة، لكنه أكثر تغلغلًا، إذ يُعاد إنتاج النخبة المصرية في جامعات أمريكية التمويل، داخل مبانٍ تقع في قلب القاهرة، وتعمل وفق مناهج الغرب وتطلعاته.
المدينة عند صنع الله إبراهيم إذًا ليست فقط رمزًا لانهيار الداخل، بل مرآة للاحتلال المستمر بأشكاله المختلفة – عسكريًا في الماضي، واقتصاديًا وثقافيًا في الحاضر. من القاهرة كتب عن ظفار، ومن خلالها عبر إلى فلسطين، وبها استعاد مركزية بيروت كمكان مقاومة لاجئ، ثم عاد ليحاكم الجميع من قلب هذه المدينة المنهكة، التي لم تعد تعرف لمن تنتمي.
وبين مشهد شارع مكتظ بأعلام "الشركات متعددة الجنسيات"، وبين حوار في مقهى شعبي عن الخبز والبنزين، تُولد في سرد صنع الله طبقة رقيقة من الحنين المقاوم، لكنها لا تتورط في الرومانسية. فالمدينة لا تستعاد كما كانت، بل تُكشف كما هي: محاصَرة، مرصودة، ومخترقة، لكنها لم تُهزم بالكامل بعد. وفي هذه المساحة الرمادية، يمارس الأدب – لا السياسي ولا العسكري – فعله الرمزي الأكبر: استعادة الذاكرة التحررية في قلب مدينة مُحتلة بتواطؤ أهلها.
ولأن الكتابة والمدينة عمليات انتاج، فأي كتابة-مدينة تلك التي تعرفت إلى صنع الله فيها؟
في رواية "اللجنة"، يبلغ مشروع صنع الله إبراهيم ذروته من حيث التكثيف الرمزي والسخرية السياسية، ولكن ما يميّز هذه الرواية، إلى جانب بعدها الكافكاوي، هو أنها تمثل نموذجًا للكتابة بوصفها فعل ترتيب مقاوم لفوضى الوجود عبثيته، ولممارسات السلطة التي تصوغ الواقع وتُحكم قبضتها عليه عبر بيروقراطياتها، وأجهزتها، ولغتها الخاصة ومخيالها الأجدب. ليست الكتابة عند صنع الله ترفًا أدبيًا، ولا أداة للتماهي مع الأشكال الجمالية السائدة في الأدب، بل هي ممارسة مادية وشبه أرشيفية، تنبع من اليومي العربي، لتعيد تنظيم العلاقة بين الذات والتاريخ، بين الإنسان والمؤسسة، وبين النص والسلطة.
وهنا تتجاوز كتابته التخييل السياسي أو السرد الرمزي، لتُقدَّم بوصفها تفكيكًا عميقًا لاستعمارية مناهج الأرشفة الحديثة. فبدل أن يعيد إنتاج الوثيقة التاريخية بوصفها مصدرًا للسلطة المعرفية، يقوم بإدماجها داخل نسيج سردي يُفرغها من سلطتها الأصلية، ويُعيد توجيهها نحو وظيفة تحريضية، وتحررية، متعددة الحقول.ـ تستثير الإنساني فينا قبل غيره. في رواية ذات مثلًا، تتجاور مقاطع من الصحف القومية مع السرد الروائي، لكن هذه المقاطع لا تعمل كأدلة أو شواهد، بل كجزء من تفكيك الوعي الزائف الذي تنتجه السلطة الخطابية الرسمية، وتغرسه في لاوعينا كذوات مواطنية. الخبر الصحفي هنا ليس "مصدرًا"، بل كائنًا لغويًا يكشف عن التلاعب بالوقائع، وتحوير اللغة، وتحويل التاريخ إلى واجهة مزيّفة.
إن دمج الوثيقة في النصوص السردية عند صنع الله لا يسعى إلى "صدق الوقائع"، بل إلى زعزعة احتكار السلطة للحقيقة، تمامًا كما لا تُستخدم المدينة في رواياته كديكور مكاني، بل كحقل اشتباك رمزي، واقتصادي، وأخلاقي. وبهذا المعنى، فإن مشروعه الأدبي يقدم نفسه بوصفه نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته اليوم بـ"السرد المضاد للأرشفة الكولونيالية الرسمية"، حيث لا يكون الأرشيف سجلًا لتاريخ موحَّد ومأذون به، بل فضاءً تُحرّر فيه الذاكرة من الخطاب المهيمن، وتُعاد فيه كتابة الحاضر بوصفه موضع نزاع مفتوح على التأويل.
ويُضاف إلى هذا الطابع، أن صنع الله لا يلتزم بالحدود الأجناسية الصارمة؛ فالرواية عنده ليست شكلًا سرديًا فنيًا فقط، بل حقل تداخل معرفي وأجناسي: بين التقرير الصحفي، والمقال السياسي، والمقابلة، والتاريخ الشفوي، والوثيقة المؤرشفة، والمتخيل السردي. هذا الانفتاح على تعدد الأشكال لا يُعَدّ خيارًا أسلوبيًا وحسب، بل هو موقف فكري ضد التجنيس الاستعماري للمعرفة، الذي يفصل بين الخبر والخيال، بين الوثيقة والحياة، بين السرد والحدث، في حين أن مشروع صنع الله يعيد مزج هذه الحقول كي يُنتج معرفة هجينة، وغير قابلة للتصنيف المؤسسي.
وبذا، يصبح أدب صنع الله إبراهيم ليس فقط أداة لسرد المدينة، أو تشريح النظام السياسي، بل أيضًا منظومة تفكير متمردة على بنى المعرفة الموروثة من الاستعمار: أرشفة، تصنيفًا، تأريخًا، وضبطًا، والأهم خطابًا. فكما تفكك رواياته بنية القاهرة بوصفها "مدينة محروسة"، تراقب وتُراقب، وتحكم من خلال المعمار والزحام والجسد، فإنها أيضًا تفكك بنية التاريخ بوصفه نصًا مغلقًا، وتعيد فتحه على الممكن، والمسكوت عنه، والمقموعة أصواتهم.
هكذا تتكامل المقاومة على مستويين: في المدينة، حيث تمارس السلطة قمعها المكاني والاجتماعي والطبقي، وفي النص، حيث تمارس الأرشفة الحديثة قمعها الرمزي والخطابي. وبين هذين الخطين، تنتصب كتابة صنع الله إبراهيم كفعل مزدوج: تفكيك للواقع بوصفه كولونياليًا في جوهره، وإعادة تخييل للكتابة بوصفها أداة تحرر لم تزل قابلة للاستعادة.
لم أجده بعد!
رحل صنع الله إبراهيم في عامنا الدامي هذا، لكنه ترك وراءه نموذجًا نادرًا للمثقف المشتبك، حيث المدينة العربية تبدأ من غزة وتمر ببيروت والقاهرة وظفار لتعود إلا غزة. لم يكن كاتبًا فقط، بل شاهدًا تاريخيًا، ومؤرخًا سرديًا للانهيارات الكبرى في العالم العربي، وصوتًا واضحًا في زمن التباس الأصوات وتواطؤ المهزومين.
إن تجربته تُشكل درسًا حيويًا في دور الأدب في مقاومة السلطة، وتوثيق التاريخ، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية. وفي زمن الانحدار السياسي والثقافي، يظل صنع الله إبراهيم أثرًا يشير إلى أن أدب لا يزال ممكنًا بوصفه موقفًا وأداة تغيير والتحرر.
.كُتبت هذه الأسطر دون إحالات مرجعية، في محاولة للتخفف أثناء تتبع أثر صنع الله إبراهيم
