شيء من قتل الأب وإعدام التاريخ

Randa Maddah, "Imaginary Beings", Oil colors on Canvas, 65 x 92 cm, 2023 2/2

فرج بيرقدار

شاعر سوري

لقد بقيت عيوبُ ونوايا الكثيرين من أدعياء الثورة مستورةً أو مموَّهةً أو كامنةً ومتلطِّيةً إلى أن سقط الأسد، ليتضح أن كثيرين ممن كانوا يهتفون للحرية، قد ابتلعوا ألسنتهم، أو فقدوا ذاكرتهم، أو تنكّروا لقناعاتهم، أو أنهم في الأصل لم يكونوا معنيين بالحرية،

للكاتب/ة

وإنما وجدوا الموجات الأولى لانطلاقة الثورة والتنسيقيات والأحزاب والناشطين والمنشقين تهتف "حرية/ آزادي"، فمشوا في ركبها منتظرين الظروف الملائمة للانقضاض عليها وتحجيبها أو اغتيالها أو سحبها من التداول. وما ينطبق على الحرية كشعار، ينطبق على شعارات أخرى من قبيل "واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد". 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

05/08/2026

تصوير: اسماء الغول

فرج بيرقدار

شاعر سوري

فرج بيرقدار

في 16 حزيران عام 1979 قام تنظيم الطليعة المقاتلة، المنبثق عن حزب الإخوان المسلمين، بارتكاب مجزرة مدرسة المدفعية في حلب. 

ما بعد تلك المجزرة لم يعد كما قبلها، إذ استخدم حافظ الأسد كل ما لديه من فائض قوة القمع تجاه أحزاب اليمين واليسار، فطالت حملات الاعتقال، لأول مرة في تاريخ بلاد الشام، عشرات آلاف المعارضين، فضلاً عن المجازر والمواجهات المسلحة والتصفيات.

وصل الرعب بالأهالي إلى حدود عدم التجرؤ حتى على ذكر أسماء أبنائهم المعارضين ولا سيما المعتقلين.

بقيت الأوضاع على هذه الحال إلى ما بعد انتهاء حرب تحرير الكويت عام 1991، لتبدأ بعدها موجات من الإفراج عن المعتقلين السياسيين على تنوّع انتماءاتهم ولا سيما من الإسلاميين.

في تلك الفترة كان يُنظَر إلى المعتقلين المفرج عنهم بنوع من التعاطف الضمني، والرهبة مما ينطوي عليه الشخص المعتقَل من أسرار تثير التوجس والمهابة والإعجاب، وفي الوقت نفسه الحذرَ من زيارته أو الحديث معه أو حتى السلام عليه في الطريق.

بعد موت الأسد الأب ومجيء الابن، وموجات جديدة من الإفراجات عن المعتقلين ولا سيما اليساريين، أخذ المجتمع يستردّ بعضَ أنفاسه على هوامش حريةِ التعبير في الإعلام والمنتديات، وتزايُدِ أعدادِ المعتقلين السابقين الذين يجاهرون بما عانوه وعاينوه في سنوات اعتقالهم، وهكذا شيئاً فشيئاً بدأت النظرة إلى المعتقلين تضفي عليهم ظلالاً من الاحترام لمعاناتهم، والإكبار لصبرهم وشجاعتهم ومأساتهم التي جعلتهم أقرب ما يكونون إلى أيقونات وقرابين، وأحياناً أقرب إلى سلطة كامنة أو معنوية أو رمزية. 

بعد كسر حاجز الخوف واندلاع الثورة في آذار 2011، ارتفعت أسهم ومقامات المعتقلين السابقين، إذ بدوا كما لو أنهم كانوا الروّاد والسبّاقين، ذلك أنهم استطاعوا أن يقولوا "لا" في أوقات كانت فيها غالبية الناس مضطرة إلى أن تطأطئ الرأس وهي تقول "نعم".

وعلى الرغم من أن نسبة كبيرة ممن وقفوا مع الثورة، كانوا على هذا القدر أو ذاك من التديُّن، إلا أن تديّنهم لم يمنعهم من إعلاء مكانة المعتقلين السابقين، حتى اليساريين منهم، ما داموا ضد الأسد.

راوحت صورة المعتقلين السياسيين السابقين في هذا المضمار أربعة عشر عاماً، ثم فجأة تسارعت أحداث لم تكن منظورة ولا هي في الحسبان، ليجد السوريون أن الأبد "الأسدي" انتهى، وأن ما بعد 8 كانون الثاني 2024 لم يعد أيضاً كما قبله.

كثرة كاثرة من السوريين كشفتْ أو تكشَّفت عن تناقضات فادحة في الوعي والقيم والنوايا والممارسات على صُعد عديدة، بما في ذلك نظرتها إلى المعتقلين والمعارضين للأسد قبل الثورة. بعض هذه الكثرة بدا كما لو أنه تخلَّص من عبء الإحساس بحضور المعتقل السابق بوصفه شاهداً ماثلاً على خوف أو انحناء أو تقصير أو ذل الآخر، ويجب إنكار أهمية هذا الشاهد أو إلغاء وجوده ولو معنوياً، عبر إعادة بناء أنساق القيم والعلاقات والمعنويات، فالمعتقل السابق لم يعد أشجع ولا أكرم ولا أكثر تضحية أو معاناة ممن كانوا صامتين أو مهانين أو مؤيِّدين كاذبين ممن (يبوسون يد القوي ويدعون عليها بالكسر)، ثم راح البعض يعيد النظر في كل ما مضى، فالمعتقلون السابقون لم يُخرِجوا الزير من البير (وهذا صحيح)، وإسقاط الأسد لا يكون بالكلام والتنظير والشعارات، ما يعني أنه لا يفلُّ الحديد إلا الحديد.

في الواقع هناك قليل أو كثير من الحقيقة في ما قيل ويقال، ولكن ما أحاول إبرازه في هذه المقالة لا يتعلق بكيفية مواجهة الأسد، ولا بتأثيرات وأدوار القوى والظروف والمصالح التي أدت إلى إسقاطه. ما أود لفت الانتباه إليه أمر آخر تمكن مقاربته باستعارة فكرة "قتل الأب" عند فرويد، ولعل ما عزَّز ذلك، لدى بعض فئات المجتمع، هو أن حكّام سوريا اليوم قتلوا مسبقاً كلَّ أبوّة محتملة، أو لنقل إنهم في الأصل لا آباء لهم في تاريخ سوريا منذ تأسيسها، لا بين قوى اليمين ولا بين قوى اليسار، فهيئة تحرير الشام لم تفسح في برامجها وتوجُّهاتها وتوجيهاتها أي مكان لا لسورية ولا للثورة إلا في الشوط الأخير الذي ما زال ينطوي على كثير من الأسئلة والتساؤلات، إن لم نقل الأسرار.

بعد هروب الأسد صار المرء يسمع ويقرأ كيف بلغ الأمر، لدى كثيرين من أنصار  السلطة الحالية، حدَّ الاعتقاد أنهم هم وحدهم من أسقط الأسد، وأنَّ "من يحرِّر يقرِّر"، وما على الآخرين سوى الطاعة. ولعل إحدى المفارقات المأساوية الرمزية القصوى، التي من غير قصد تشي بواقع الحال، قد تجلَّت في تلك الحادثة البسيطة والمعبِّرة، التي حدثت خلال اعتصام في ساحة المرجة بدمشق أواخر آذار 2025. كان بين المعتصمين المعتقلُ السابق الطيّار رغيد الططري، الذي أمضى في سجون الأسد ثلاثة وأربعين عاماً، اقترب منه شاب ممن يرون أن التاريخ بدأ فقط في عام بداية الثورة 2011، ليسأله باعتداد وتشاوف من لا يرى قبله أو فوقه مِن مَزِيد: فيك تقلّي وين كنت حضرتك من 14 سنة؟!

إن عبارة (وين كنت من 14 سنة) هي بحد ذاتها إنكار لكل ما سبق، أي هي أقرب إلى فكرة إعدام التاريخ منها إلى فكرة قتل الأب. 

إن إعدام التاريخ، أو اغتياله أو طمسه أو محوه أو التنكُّر له، قديم وأصيل في تراثنا، فما من مرحلة أو سلطة إلا حاولت جَبَّ ما قَبْلها بغض النظر عن درجة نجاحها في ذلك أو فشلها. 

لقد بقيت عيوبُ ونوايا الكثيرين من أدعياء الثورة مستورةً أو مموَّهةً أو كامنةً ومتلطِّيةً إلى أن سقط الأسد، ليتضح أن كثيرين ممن كانوا يهتفون للحرية، قد ابتلعوا ألسنتهم، أو فقدوا ذاكرتهم، أو تنكّروا لقناعاتهم، أو أنهم في الأصل لم يكونوا معنيين بالحرية، وإنما وجدوا الموجات الأولى لانطلاقة الثورة والتنسيقيات والأحزاب والناشطين والمنشقين تهتف "حرية/ آزادي"، فمشوا في ركبها منتظرين الظروف الملائمة للانقضاض عليها وتحجيبها أو اغتيالها أو سحبها من التداول. وما ينطبق على الحرية كشعار، ينطبق على شعارات أخرى من قبيل "واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد". 

كثيرون ممن ينهون عن الدجل، مارسوا الدجل، ويمارسونه، بمنتهى الصفاقة والسفاهة.

الكاتب: فرج بيرقدار

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع