مدخل أول
في كتابه الفذ "الشفاهية والكتابية" (1982)، يشير والتر أونج إلى مركزية الإلياذة والأوديسا الهومريتان (نسبة إلى هوميروس) في المخيال والثقافة الغربية، وكيف أنها ساهمتا في بناء العالم للغرب. يرى أونج أنه "في الثقافات الشفوية كانت الأشكال السردية مثل الملحمة تحفظ المعرفة حول كيفية عمل العالم وكيف ينبغي للبشر أن يتصرفوا." (أونج 1982، 43) فقد "كان هوميروس بمثابة موسوعة الشعب اليوناني." (هافيلوك 1963، 61)
ولكن ما المميز في الملحمة الهومرية؟
يقول إيريك هافيلوك أن اليونانيين تعلموا أخلاقهم وتاريخهم وسياساتهم من خلال شعرية هوميروس في محلمته، ليس هذا فحسب، إنما لطالما كانت الملحمة لحظة قصها والتغني بها حدثًا أدائيًا، ما يعني أن الزمان والمكان لحظة السرد يتغير بما يناسب البطولة، وعليه كانت الملحمة مرآة للخيال الجمعي للمجتمع اليوناني (كامبل 1949، 18) تأتي مركزية الملحمة الهومرية، واستعادتها هنا من كون "الثقافات الشفوية تصوغ معرفتها كلها تقريبًا بالرجوع إلى عالم التجربة الإنسانية الحية." (أونج 1982، 42). أي أن الشفاهة هنا هي الصفة المفارقة فيما يتعلق بطريقة تكون العالم وترتيبه من خلال السرد وأثره على بناء الجماعة.
يدعونا هذا الحديث إلى الانطلاق من ثقافتنا العربية الشفاهية في أصلها وجذرها وتأثيراتها وأثرها للبحث عن ملحمة شعرية يمكننا أن نعدها لنا في هذه اللحظة الفارقة من التاريخ، وبالذات مع ما يقع عليها وعلينا من حرب إبادية لم تعد مقيدة بحدود غزة، وبظاهر العلاقة مع النظام الاستعماري الاحلالي الصهيوني الإبادي الإسرائيلي.
فبينما الكتابة تعيد تشكيل الوعي، كما يقول أونج (أونج 1982، 78) هي أيضًا تعيد تشكيل العالم. انتقلت الملحمة من الشفاهية بما فيها من أداء وبطولة وقصص، إلى المفاهيم والتجريد والفلسفة، ولعلنا نتفق هنا مع قول إيريك هافيلوك أن الكتابة هي التي ساعدت على ظهور الفلسفة اليونانية (هافيلوك 1963، 63). وهنا نتنبه إلى أن الكتابة بما هي فعل تثبيت عنيف ومادي وجسدي، نقلت الحقيقة من كونها ما يتبادله المجتمع تفاوضًا وتبادلًا بالعلاقة الجسدية بين أفراده وزمانهم ومكانهم إلى أن أصبحت الحقيقة هي النص المكتوب، وهنا نبني مدخلنا لفهم الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإبادية على إيران، بما هي حرب محو وكتابة.
مدخل ثان
يرى الفيلسوف الألماني العنصري، هيغل أن شعبًا أو أمةً (ما) يفتقران إلى التاريخ لا لأنهما لا يعرفان الكتابة، بل لأنهما يفتقران في دولتهما إلى ما يكتبان عنه. فقد نبذ هيغل الهنود الأمريكين لأنهم "عديمي الذكاء على نحو واضح" (غُها 2019، 52) وولا يتميزون بغير "الدونية على كل صعيد" (هيغل 1982، 164). بينما قال على الهند، التي كان معجبًا بمنجزاتها الفكرية: "من الواضح لكل من لديه ولو معرفة بدئية بكنوز الأدب الهندي، أن هذا البلد، الغني إلى هذا الحد بالمنجزات الروحية ذات النوعية العميقة حقًا، لا تاريخ له"، وفي موضع آخر يقول: "ليس للهند كتب دينية قديمة وأعمال شعرية رائعة فحسب، بل كتب قانونية قديمة أيضًا ...، ومع ذلك، فهي لا تزال بلا تاريخ." (غها 2019، 53)

هذه الإشارات التي أوردها هيغل في "محاضرات في فلسفة التاريخ العالمي" (1837)، تمكننا من فهم التغيرات التي طرأت على المنظور الاستعماري والمركزية الغربية بعد مغامرات هرناندو كورتيس الذي أباد الآزتك في أمريكا الوسطى، وروبرت كلايف الذي أسس السيادة العسكرية والسياسية لشركة الهند الشرقية في البنغال وأمن الهند وثرواتها للتاج البريطاني. لكن هيغل في عام 1930، سنة المسودة الثانية أضاف تعديلًا على صيغة "لا كتابة لا تاريخ"، والتي كانت تحظى بقبول كبير لدى المستعمرين والامبرياليين، لتغدو "لا دولة لا تاريخ".
غير أن المسألة لا تقف عند حدود الانتقال من الشفاهية إلى الكتابة بوصفه تحولًا تقنيًا أو معرفيًا أنتج دولةً (ما) فحسب، بل تتصل أيضًا بتحولٍ في سلطة تعريف الحقيقة ذاتها. فإذا كانت الملحمة الشفوية تنتج العالم من خلال الأداء، والتداول، والجسد، والذاكرة الجمعية، فإن الكتابة الحديثة، حين التحمت بالدولة والإمبراطورية، حوّلت الحقيقة إلى نصٍّ مثبت، وإلى أرشيف، وإلى سردية سيادية تحتكر القول في من يملك التاريخ ومن يُحرم منه. بهذا المعنى، لا تكون الكتابة مجرد وسيلة لحفظ العالم، بل أداة لإعادة ترتيبه هرميًا: إدخال شعوب في التاريخ، وطرد أخرى منه.
هنا تكتسب ملاحظات هيغل في محاضرات في فلسفة التاريخ العالمي دلالتها الاستعمارية الحاسمة. فالمسألة عنده ليست أن بعض الشعوب بلا ماضٍ أو بلا خيال أو بلا منجز رمزي، بل أنها لا تستوفي شروط “التاريخ” كما يعيد تعريفه العقل الغربي الحديث: الدولة، الأرشيف، والسيادة القادرة على تدوين نفسها باعتبارها ذاتًا كونية. لذلك أمكن له أن يعترف للهند بثراءٍ أدبي وروحي وقانوني، ثم يصرّ في الآن نفسه على أنها “بلا تاريخ”. هذا ليس تناقضًا عرضيًا، بل هو منطق التاريخ العالمي نفسه حين يُصاغ من مركز إمبراطوري: الاعتراف بالمادة الحضارية للمستعمَرين، مع إنكار أهليتهم لامتلاك التاريخ.
وإذا كان هيغل قد منح هذا الإقصاء صيغته الفلسفية الكلاسيكية، فإن خطاب وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن في 14 شباط فبراير 2026 يكشف صيغته السياسية الراهنة؛ إذ لم يكتفِ باستدعاء ضرورة “إعادة تنشيط الغرب”، بل أحال أيضًا إلى إرث “الإمبراطوريات الغربية الكبرى” ودعا الأوروبيين إلى تجاوز “الشعور بالذنب والعار” المرتبط بتاريخ الاستعمار. هنا لا يعود الاستعمار ماضيًا يُعتذر عنه، بل رأس مال رمزيًا يُستعاد في لحظة مأزق غربي بنيوي، يقوم على المحو ومن ثم إعادة الكتابة بالحرب.
في هذا السياق، تبدو الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران استمرارًا لهذا التراث لا من جهة العنف العسكري وحده، بل من جهة بنيته المعرفية أيضًا: فكما أُخرجت شعوب كاملة من التاريخ لأنها لم تكتب نفسها وفق شروط الغرب، تُستهدف إيران اليوم لا بوصفها دولة خصمًا فقط، بل بوصفها عقدةً تاريخية وسياسية وثقافية ينبغي تفكيكها، وتحييد قدرتها على أن تكون فاعلًا في كتابة الإقليم ومعناه. الحرب هنا ليست تدميرًا للموقع فحسب، بل تدميرٌ لحقّه في أن يروي نفسه.
عن ملحمة لا تنتهي: كربلاء وإنتاج العالم
لا ينقص العرب والمسلمين ملحمة تراجيدية في تاريخهم توازي وتتفوق على مركزية الملحمة الهومرية بشقيها، فتراجيديا كربلاء من حيث تراكبيتها وموقعيتها في الوجدان العربي والإسلامي، قد تعرضت إلى ما تعرضت إليه آداب الهند وغيرها من الشعوب على يد المستعمر الأول، ومن بعده أتت الرأسمالية والحداثة، وما استبطنتاه من سياسات محو، وظفت كل ما قد نتخيله لتمحو وتطمس هذا الإرث، بداية من الطائفية وصولًا على الحروب.

مثل استشهاد سبط رسول الله وابن علي وفاطمة في أرض كربلاء في العاشر من محرم من عام 61 للهجرة المصادف العاشر من تشرين أول أكتوبر من العام 680 ميلادية، حدثًا فارقًا في تاريخ المسلمين والعرب؛ إلا أنه ليس بالحدث التاريخي وحسب، حتى وإن كانت كربلاء بوصفها واقعة تاريخية محددة في الزمان والمكان، حيث استشهد الحسين بن علي وآل بيته وأصحابه في سهل كربلاء بعد مواجهة قصيرة مع جيش الدولة الأموية بقيادة عبيد الله بن زياد. في مستوى الحدث المباشر، يمكن قراءة الواقعة بوصفها حلقة من حلقات الصراع السياسي الذي أعقب تشكّل الدولة الإسلامية الأولى، حيث تحولت مسألة الخلافة إلى صراع على الشرعية والسلطة بين مشاريع سياسية مختلفة. غير أن ما يمنح كربلاء مكانتها الفريدة في التاريخ الإسلامي العربي والشرقي عمومًا ليس مجرد وقوعها، بل قدرتها الاستثنائية على تجاوز حدودها الزمنية الضيقة لتصبح حدثًا دائم الحضور في الوعي الجمعي.
فكربلاء، على خلاف كثير من الوقائع التاريخية التي تبقى أسيرة زمنها، تحولت إلى أصلٍ تأويلي يُعاد عبره فهم الظلم والسلطة والعدل. فالحدث هنا لا يظل حبيس الماضي، بل يصبح إطارًا رمزيًا يستدعى باستمرار لفهم الحاضر وإعادة تفسيره. وبهذا المعنى، لا تكون كربلاء مجرد واقعة من وقائع التاريخ الإسلامي، بل لحظة تأسيسية تُعاد كتابتها في كل جيل بوصفها نموذجًا أخلاقيًا للصراع بين الحق والسلطة.
غير أن هذا التحول من الحدث إلى النموذج لم يكن ممكنًا لولا البنية الاجتماعية التي تشكلت حول كربلاء عبر القرون. فالمجالس الحسينية، وتلاوة المقتل، والمراثي الشعرية، واللطميات، ومسرح التعزية، والمواكب، والزيارات، كلها ليست تعبيرات شعائرية فحسب، بل مؤسسات اجتماعية كاملة لإعادة إنتاج الحدث. من خلال هذه الطقوس لا تُستعاد ذكرى كربلاء فقط، بل تُعاد صياغة الجماعة نفسها عبر المشاركة الجسدية والعاطفية في استذكار الألم والعدالة المفقودة، عبر ممارسة بالأساس شفاهية تعيد موضعة الحدث في سياقه الآني. في هذا المستوى، لا تكون كربلاء نصًا محفوظًا في الكتب، بل حدثًا يُعاد تمثيله في الأجساد والأصوات والإيقاع والدموع والتغني المشترك، بل وحتى تنظيم تلك المجالس. فالتكرار الأدائي للمراثي واللطميات يحول الذاكرة إلى ممارسة جماعية حية، بحيث يصبح الحدث التاريخي حاضرًا في كل مرة يُعاد فيها إنشاده. ومن هنا تكتسب كربلاء قوة استثنائية في تشكيل الجماعة، لأنها لا تُحفظ في الأرشيف فقط، بل في الذاكرة الحسية للجسد الجماعي، وحتى أداة تشكيل للمدينة كما يرى بذلك إبراهيم الحيدري في كتابه "تراجيديا كربلاء" (1999).
ومع مرور الزمن، تطورت هذه البنية الاجتماعية لتنتج منظومة رمزية كاملة. ففي المخيال الشيعي لم تعد كربلاء مجرد حادثة تاريخية تُروى، بل أصبحت لغة رمزية يُقرأ بها العالم. فالحسين لا يظهر بوصفه شخصية تاريخية فحسب، بل رمزًا للحق والموقف الأخلاقي، بينما يتحول يزيد إلى رمز للسلطة الظالمة. وبين هذين القطبين تتشكل شبكة من الرموز التي تمنح الجماعة مفردات لتفسير الظلم والمقاومة والشهادة. بهذا المعنى، تصبح كربلاء معجمًا رمزيًا أكثر منها قصة تاريخية. فالناس لا يتذكرونها فقط، بل يفكرون من خلالها، ويستخدمون مفرداتها لفهم ما يواجهونه من ظلم أو صراع أو تضحية. ولذلك يمكن القول إن كربلاء تعمل بوصفها جهازًا تأويليًا يربط الماضي بالحاضر ويمنح التجربة التاريخية معنى أخلاقيًا مستمرًا. إن قوة كربلاء لا تكمن في رمزيتها وحدها، بل في بنيتها الجمالية أيضًا. فالمراثي الحسينية واللطميات والتعزية ليست مجرد وسائل لنقل الحكاية، بل أشكال فنية كاملة تنتج أثر الحدث في الوجدان الجمعي. في هذه الجمالية يلتقي الشعر بالصوت، والإيقاع بالجسد، والدموع بالصورة المسرحية، ليصنعوا معًا اقتصادًا جماليًا متكاملًا للحداد والبطولة والشهادة. فالجمالي هنا ليس طبقة فوق الحدث، بل الوسيط الذي تُعاد عبره صياغة الذاكرة الجماعية. إن القصيدة التي تُنشد في المجلس، والنبرة التي تُلقى بها، والإيقاع الذي يتكرر في اللطم، كلها عناصر تُحول التاريخ إلى تجربة حسية مشتركة. ومن خلال هذا الاقتصاد الجمالي تتشكل حساسية أخلاقية كاملة تجعل من كربلاء معيارًا لفهم العدل والظلم في العالم. من هنا تأتي أهمية النص الصوتي/الشفاهي للملحمة فهي ليست مجرد قصة عن الماضي، بل سردية كبرى تعيد ترتيب العالم أخلاقيًا ورمزيًا. وكما أدت الملاحم الكبرى في الثقافات القديمة دورًا في تنظيم الذاكرة الجماعية وصياغة تصور المجتمع لنفسه ولتاريخه، فإن كربلاء تؤدي وظيفة مشابهة في المخيال الشيعي، حيث تتحول الشهادة إلى مبدأ مؤسس للهوية الأخلاقية للجماعة. إن كربلاء ليست مجرد حادثة في التاريخ، بل شكلًا من أشكال إنتاج العالم. فهي لا تحفظ الماضي فقط، بل تمنح الحاضر طريقة لفهم نفسه، وتمنح الجماعة لغةً رمزية وجمالية تُعرّف بها موقعها في التاريخ.
هوميروس في كربلاء: نظامان لإنتاج العالم
إذا كانت كربلاء قد تطورت عبر القرون من حدث تاريخي إلى بنية اجتماعية ثم إلى منظومة رمزية وجمالية كاملة، فإن هذا التحول يضعها في أفق أوسع من مجرد تاريخ ديني أو طقسي، رغمًا عن سوءات الخطاب الطائفي الذي استثمرت فيه الكثير من دول وأنظمة عربية، بإيعاز غربي استعماري. فهي -كربلاء- في هذا المعنى، تقترب من وظيفة الملاحم الكبرى التي أدت في حضارات مختلفة دورًا تأسيسيًا في تنظيم الذاكرة الجماعية وصياغة تصور المجتمع للعالم.

في الثقافة الغربية الكلاسيكية، احتلت الإلياذة والأوديسة المنسوبتان إلى هوميروس موقعًا مماثلًا. فقد شكّلت هاتان الملحمتان، لقرون طويلة، أحد أهم المصادر التي صاغت المخيال الأخلاقي والسياسي للعالم اليوناني القديم. وكما لاحظ والتر أونج، فإن المجتمعات الشفوية لا تحتفظ بمعرفتها في صيغ نظرية مجردة، بل في سرديات كبرى قادرة على حفظ الخبرة الاجتماعية في قصص بطولية قابلة للتذكر والتكرار. لذلك فإن الأشكال السردية مثل الملحمة كانت، في هذه الثقافات، تحفظ المعرفة حول كيفية عمل العالم وكيف ينبغي للبشر أن يتصرفوا. (أونج 1982، 43) لكن ما يهم في هذه المقارنة ليس فقط التشابه في الوظيفة الثقافية، بل أيضًا الاختلاف في البنية الأخلاقية التي تنتجها كل ملحمة. ففي الإلياذة، تدور الملحمة حول بطولة الفعل والإنجاز الحربي، حيث يسعى البطل إلى تخليد اسمه عبر المجد الذي يحققه في ساحة القتال. إن المجد هنا هو القيمة المركزية التي تمنح الفعل الإنساني معناه، ويصبح الموت نفسه مقبولًا إذا كان يؤدي إلى تخليد الاسم في الذاكرة الجماعية. أما في كربلاء، فإن مركز الثقل الأخلاقي ينتقل من المجد إلى الشهادة. فالبطل هنا لا يسعى إلى النصر العسكري أو إلى تخليد اسمه عبر الانتصار، بل إلى تثبيت موقف أخلاقي في مواجهة سلطة يراها جائرة. ولذلك فإن القيمة المركزية في هذه الملحمة ليست المجد، بل التضحية. فالموت في كربلاء لا يُقرأ بوصفه خسارة في معركة، بل بوصفه انتصارًا أخلاقيًا يثبت أن العدالة يمكن أن تُصان حتى في لحظة الهزيمة.
بهذا المعنى يمكن القول إن الملحمتين تنتجان تصورين مختلفين للعالم. ففي الملحمة الهومرية يتشكل العالم حول البطولة والفعل الذي يخلّد صاحبه، بينما يتشكل العالم في ملحمة كربلاء حول الموقف الأخلاقي الذي يمنح الفعل معناه حتى لو انتهى بالموت. وفي كلتا الحالتين لا تكون الملحمة مجرد قصة عن الماضي، بل نظامًا رمزيًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والتاريخ والعدالة. غير أن التشابه الأعمق بين هاتين الملحمتين يكمن في أنهما لا تعكسان العالم فحسب، بل تسهمان في إنتاجه. فكما أسهمت الملاحم الهومرية في تشكيل المخيال الغربي القديم حول البطولة والسلطة والحرب، فإن كربلاء أسهمت في تشكيل المخيال الشيعي حول المظلومية والشهادة والعدالة. وفي الحالتين تتحول الملحمة إلى جهاز رمزي يمنح الجماعة لغة لفهم نفسها وتاريخها وموقعها في العالم.
وعند هذه النقطة تحديدًا يكتسب الانتقال من المقارنة الثقافية إلى السؤال السياسي الراهن أهميته. فإذا كانت الملاحم الكبرى تنتج أنماطًا مختلفة لفهم العالم وترتيبه أخلاقيًا، فإن الصراعات المعاصرة لا يمكن فهمها فقط بوصفها صراعات على الأرض أو الموارد أو النفوذ السياسي، بل بوصفها أيضًا صراعات بين أنظمة مختلفة لإنتاج العالم نفسه. وهنا يصبح من الممكن قراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أفق أوسع من مجرد نزاع جيوسياسي، بوصفها مواجهة بين تصورات مختلفة للعالم وللتاريخ وللشرعية الأخلاقية.
الحرب بوصفها محوًا وكتابة: الإبادة الجمالية للملحمة
إذا كانت الملاحم الكبرى لا تكتفي بترتيب العالم بل تسهم في إنتاجه، فإن الصراع بين المجتمعات لا يجري فقط على الأرض والموارد والسيادة، بل أيضًا على طرائق تفسير العالم وسرد تاريخه. فالملاحم، بما هي نظم رمزية وجمالية للذاكرة، تمنح الجماعات لغةً لفهم نفسها ولتحديد موقعها في الزمن والتاريخ. ولذلك فإن استهداف هذه النظم لا يكون مجرد استهداف ثقافي أو رمزي، بل يصبح جزءًا من صراع أوسع على من يملك حق تعريف العالم نفسه. من هذا الموقع أمكننا فهم العنف الاستعماري الحديث بوصفه مشروعًا مزدوجًا: تدمير مادي للأرض والجسد، ومحو رمزي لذاكرة الشعوب وسردياتها. وقد أشار راناغيت غُها إلى أن التاريخ العالمي كما تشكّل في الفكر الأوروبي لم يكن مجرد وصف محايد لتطور المجتمعات، بل بنية معرفية تقوم على إدخال بعض الشعوب في التاريخ وإقصاء أخرى منه (غها 2019، 50). ومن هنا يمكن فهم ما يشير إليه أميتاف غوش في كتابه "للحرب وجه آخر" (2023) (العنوان الأصلي للكتاب "لعنة جوزة الطيب The Nutmeg’s Curse"، حين يرى أن الاستعمار لم يكن مجرد توسع جغرافي أو اقتصادي، بل كان أيضًا مشروعًا لتدمير أنماط أخرى من المعرفة والعلاقة بالعالم. فالعنف الاستعماري لم يقتصر على السيطرة على الأرض، بل استهدف كذلك الأنظمة الرمزية والثقافية التي من خلالها تفهم المجتمعات علاقتها بالطبيعة والتاريخ. في هذا السياق يصبح من الممكن قراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بوصفها امتدادًا لهذا التراث الطويل من محو العوالم الرمزية للشعوب غير الغربية. فالحرب هنا لا تستهدف دولةً بعينها بوصفها خصمًا جيوسياسيًا فقط، بل تستهدف فضاءً حضاريًا وثقافيًا يمتد لآلاف السنين. إن المواجهة، بهذا المعنى، لا تدور فقط بين قوى عسكرية أو تحالفات دولية، بل بين أنماط مختلفة لإنتاج العالم وترتيبه أخلاقيًا ورمزيًا، ولعل أكثر ما يمثل هذه المعادلة: حرب تنها موسيقا التكنو والترانس، بكا ما فيها من خواء، على اللطميات والبكائيات.
إن استهداف إيران في هذا السياق لا يمكن فصله عن هذه البنية الرمزية الأوسع. فالحرب لا تسعى فقط إلى تحييد قوة سياسية أو عسكرية، بل إلى تفكيك قدرة هذا الفضاء الحضاري على الاستمرار بوصفه فاعلًا في إنتاج المعنى والتاريخ في المنطقة، وبالذات أنه معنى مخالف لسردية المركزية الأوروبية الغربية، شكل آخر من ترتيب العالم. ولذلك يمكن القول إن ما يجري لا يقتصر على محاولة إخضاع دولة، بل يمتد إلى محاولة إضعاف أحد الأنظمة الرمزية التي تمنح شعوب هذه المنطقة لغة لفهم الظلم والمقاومة والعدالة. إن العنف هنا لا يدمّر المدن والبنى التحتية فقط، بل يسعى أيضًا إلى تقويض البنية الجمالية والرمزية التي تمنح الجماعات قدرتها على رواية نفسها. ما نشهده هو شكل من أشكال الإبادة الجمالية الملحمية. وهي إبادة لا تستهدف البشر أو المؤسسات فحسب، بل تستهدف منظومة الصور والأصوات والسرديات التي تشكّل الذاكرة الأخلاقية لجماعة ما. إنها محاولة لتدمير البنية الرمزية التي من خلالها ترى الجماعة نفسها وتفهم موقعها في العالم.
اللطمية والتكنو
بينما تمتد الجذور الثقافية لإيران عبر طبقات تاريخية عميقة تعود إلى آلاف السنين، حيث تداخلت فيها تقاليد الشعر والفلسفة والدين معلا الفنون والآداب والموسيقا والعمارة، تبدو البنية الثقافية الأمريكية حديثة التكوين نسبيًا. فالولايات المتحدة، بوصفها كيانًا سياسيًا حديث النشأة، لم تنشأ من تراكم حضاري طويل بالمعنى الذي عرفته الحضارات القديمة، بل من مشروع استيطاني تشكّل عبر الهجرة والاستعمار والاستحواذ على الأرض، والإبادة الثقافية والجنسية والجماعية، كما يرى بذلك منير العكش في ثلاثيته التي حملت نفس العناوين. هذا الفارق التاريخي لا يعني غياب الإنتاج الثقافي في التجربة الأمريكية، لكنه يكشف طبيعة مختلفة لبنية هذا الإنتاج. ففي حين تتشكل الثقافات القديمة عبر تراكم طويل للذاكرة والأسطورة والطقس والمخيال، تميل المجتمعات الحديثة إلى إنتاج ثقافتها في إطار مؤسسات السوق والإعلام والصناعة الثقافية. ولهذا تبدو كثير من منتجات الثقافة الأمريكية — من السينما إلى الموسيقى الشعبية — مرتبطة بآليات الإنتاج الصناعي والثقافي الحديث أكثر من ارتباطها بتقاليد رمزية عميقة الجذور.
في المقابل، تمثل إيران مثالًا على فضاء حضاري يمتلك ذاكرة تاريخية كثيفة تمتد عبر قرون طويلة من الإنتاج الأدبي والفني والفلسفي. فمن الشعر الفارسي الكلاسيكي إلى التقاليد الصوفية، ومن الأساطير الإيرانية القديمة إلى الطقوس الشيعية المرتبطة بكربلاء، تتشكل بنية ثقافية عميقة تُعيد إنتاج نفسها باستمرار عبر اللغة والشعر والطقس والجماليات الاجتماعية. ولذلك فإن ملحمة كربلاء لا تظهر هنا بوصفها حدثًا دينيًا فحسب، بل بوصفها إحدى الطبقات الجمالية التي أعادت عبر القرون تنظيم الحساسية الأخلاقية والرمزية في هذا الفضاء الحضاري.
من هذا المنظور يمكن قراءة التوترات المعاصرة بين الغرب وإيران بوصفها تعبيرًا عن لحظة أوسع من التحول التاريخي. فكما يشير إيمانويل تود في تحليله لأزمة الغرب المعاصر، فإن المشروع الغربي الذي سيطر على العالم منذ القرن التاسع عشر يواجه اليوم مرحلة من التراجع والجدب والتآكل البنيوي. لا يعود ذلك فقط إلى التحولات الاقتصادية والجيوسياسية، بل أيضًا إلى تآكل القدرة الثقافية للغرب على تقديم نموذج حضاري جامع للعالم، ولعل ما عرف بملفات ابستين التي ليست إلا تنويعًا على تراث طويل وممتد من تلك الممارسات الوحشية والتي يتغير غلافها وسياقها من الاستعمار إلى الرأسمالية إلى الاستهلاك، إلا أنها تظل في جوهرها ثابتة، دليلنا.
حين يحدث هذا التآكل، تصبح القوة العسكرية إحدى الوسائل القليلة المتبقية لإعادة تثبيت المركزية المهددة. وهنا يتحول العنف الجيوسياسي إلى محاولة لإعادة كتابة العالم من جديد، ليس فقط عبر السيطرة على الجغرافيا، بل أيضًا عبر إضعاف الأنظمة الرمزية التي تمنح المجتمعات الأخرى قدرتها على إنتاج المعنى والتاريخ، والمقاومة. وبالتالي علينا أن ننظر إلى شكل خطابنا واستعاراتنا ونصوصنا، وهو ما علمتنا إياه غزة منذ عامين وأكثر.
إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية (الغربية) في الشرق الأوسط هي أكثر من مجرد مواجهة بين دول أو تحالفات. إنها أيضًا صراع بين نظم جمالية وملحمية مختلفة لإنتاج العالم. فإذا كانت الملاحم القديمة قد منحت الحضارات لغتها لفهم البطولة والعدالة والتاريخ، فإن استهداف الفضاءات التي ما تزال تنتج مثل هذه السرديات يكشف أن الصراع على العالم ما يزال في جوهره صراعًا على من يملك القدرة على روايته. وعند هذه النقطة تعود الملحمة إلى موقعها الأول. فهي ليست بقايا من الماضي، بل شكل من أشكال القوة الثقافية التي تمنح المجتمعات القدرة على الاستمرار في التاريخ. وربما لهذا السبب تحديدًا يصبح استهداف هذه البنى الملحمية — ماديًا أو رمزيًا — جزءًا من الصراع المعاصر. فحين تفقد الحضارات قدرتها على إنتاج سردياتها الكبرى، تفقد معها قدرتها على تفسير العالم. أما حين تبقى هذه السرديات حية في الشعر والطقس والذاكرة الجماعية، فإنها تستمر في إعادة إنتاج العالم، حتى في أكثر لحظات التاريخ اضطرابًا.
